البداية والنهايةصفحات 275-314

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 275-314

النَّحْوِيُّ.
أَخَذَ النَّحْوَ عَنْ سِيبَوَيْهِ وَصَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً؛ مِنْهَا كِتَابٌ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَكِتَابُ " الْأَوْسَطِ " فِي النَّحْوِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَهُ كِتَابٌ فِي الْعَرُوضِ زَادَ فِيهِ بَحْرَ الْخَبَبِ عَلَى الْخَلِيلِ.
وَسُمِّيَ الْأَخْفَشُ لِصِغَرِ عَيْنَيْهِ وَضَعْفِ بَصَرِهِ، وَكَانَ أَيْضًا أَجْلَعَ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَنْضَمُّ شَفَتَاهُ عَلَى أَسْنَانِهِ، كَانَ أَوَّلًا يُقَالُ لَهُ: الْأَخْفَشُ الصَّغِيرُ.
بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَخْفَشِ الْكَبِيرِ أَبِي الْخَطَّابِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْهَجَرِيِّ، شَيْخِ سِيبَوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، فَلَمَّا ظَهَرَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ وَلُقِّبَ بِالْأَخْفَشِ أَيْضًا صَارَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ هُوَ الْأَوْسَطُ، وَالْهَجَرِيُّ الْأَكْبَرُ، وَعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَصْغَرُ.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ.
الْجَرْمِيُّ النَّحْوِيُّ وَهُوَ صَالِحُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ، قَدِمَ بَغْدَادَ وَنَاظَرَ بِهَا الْفَرَّاءَ وَكَانَ قَدْ أَخَذَ

النَّحْوَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَبِي زَيْدٍ، وَالْأَصْمَعِيِّ، وَصَنَّفَ كُتُبًا مِنْهَا: " الْفَرْخُ " يَعْنِي فَرْخَ " كِتَابِ سِيبَوَيْهِ " " وَكَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا نَحْوِيًّا بَارِعًا عَالِمًا بِاللُّغَةِ حَافِظًا لَهَا، دَيِّنًا وَرِعًا، حَسَنَ الْمَذْهَبِ، صَحِيحَ الِاعْتِقَادِ، وَرَوَى الْحَدِيثَ.
قَالَهُ كُلَّهُ ابْنُ خِلِّكَانَ، وَرَوَى عَنْهُ الْمُبَرِّدُ وَذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " " تَارِيخِ أَصْبَهَانَ " ".

[سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا تُوُفِّيَ الْأَفْشِينُ فِي الْحَبْسِ، فَأَمَرَ بِهِ الْمُعْتَصِمُ، فَصُلِبَ، ثُمَّ أُحْرِقَ، وَذُرِّيَ رَمَادُهُ فِي دِجْلَةَ، وَاحْتِيطَ عَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، فَوَجَدُوا فِيهَا أَصْنَامًا مُكَلَّلَةً بِذَهَبٍ وَجَوَاهِرَ، وَكُتُبًا فِي فَضْلِ دِينِ الْمَجُوسِ، وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةً كَانَ يُتَّهَمُ بِهَا، تَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِ وَزَنْدَقَتِهِ، وَيَتَحَقَّقُ بِسَبَبِهَا مَا ذُكِرَ عَنْهُ مِنَ الِانْتِمَاءِ إِلَى دِينِ آبَائِهِ الْمَجُوسِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنْ سَادَاتِ الْمُحَدِّثِينَ: إِسْحَاقُ الْفَرَوِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ،

وَسُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ، وَغَسَّانُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، شَيْخُ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ.
وَأَبُو دُلَفٍ الْعِجْلِيُّ الْقَاسِمُ بْنُ عِيسَى بْنِ إِدْرِيسَ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ شَيْخِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ خُزَاعِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ دُلَفِ بْنِ جُشَمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عِجْلِ بْنِ لُجَيْمٍ، الْأَمِيرُ أَبُو دُلَفٍ الْعِجْلِيُّ أَحَدُ قُوَّادِ الْمَأْمُونِ وَالْمُعْتَصِمِ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرِ بْنُ مَاكُولَا صَاحِبُ كِتَابِ " الْإِكْمَالِ ". وَكَانَ الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ خَطِيبُ دِمَشْقَ يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ سُلَالَتِهِ، وَيَذْكُرُ نَسَبَهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو دُلَفٍ هَذَا كِرِيمًا جَوَادًا مِعْطَاءً مُمَدَّحًا، قَدْ قَصَدَهُ الشُّعَرَاءُ مَنْ كُلِّ أَوْبٍ، وَكَانَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يَغْشَاهُ وَيَسْتَمْنِحُ نَدَاهُ، وَكَانَتْ لَدَيْهِ فَضِيلَةٌ فِي الْأَدَبِ وَالْغِنَاءِ، وَصَنَّفَ كُتُبًا؛ مِنْهَا

" سِيَاسَةُ الْمُلُوكِ "، وَمِنْهَا فِي " الصَّيْدِ وَالْبُزَاةِ "، وَفِي " السِّلَاحِ "، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ فِيهِ بَكْرُ بْنُ النَّطَّاحِ الشَّاعِرُ: يَا طَالَبًا لِلْكِيمْيَاءِ وَعِلْمِهِ ... مَدْحُ ابْنُ عِيسَى الْكِيمْيَاءُ الْأَعْظَمُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا دِرْهَمٌ ... وَمَدَحْتَهُ لَأَتَاكَ ذَاكَ الدِّرْهَمُ فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَعْطَاهُ عَلَى ذَلِكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَكَانَ شُجَاعًا فَاتِكًا، وَمِعْطَاءً لَا يَمَلُّ مِنَ الْعَطَاءِ، وَكَانَ يَسْتَدِينُ عَلَى ذِمَّتِهِ وَيُعْطِي، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ شَرَعَ فِي بِنَاءِ مَدِينَةِ الْكَرَجِ، فَمَاتَ وَلَمْ يُتِمَّهَا، فَأَتَمَّهَا أَبُو دُلَفٍ هَذَا، وَكَانَ فِيهِ تَشَيُّعٌ، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مُغَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ، فَهُوَ وَلَدُ زِنَا.
فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ دُلَفٌ: لَسْتُ عَلَى مَذْهَبِكُ يَا أَبَهْ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ وَطِئْتُ أُمَّكَ قَبْلَ أَنْ أَسْتَبْرِئَهَا، فَهَذَا مِنْ ذَاكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّ وَلَدَهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ أَنَّ آتِيًا أَتَاهُ، فَقَالَ: أَجِبِ الْأَمِيرَ.
قَالَ: فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَدْخَلَنِي دَارًا وَحْشَةً وَعْرَةً سَوْدَاءَ الْحِيطَانِ مُقَلَّعَةَ السُّقُوفِ، وَالْأَبْوَابِ، وَأَصْعَدَنِي فِي دَرَجٍ مِنْهَا ثُمَّ أَدْخَلَنِي غُرْفَةً فِي حِيطَانِهَا أَثَرُ النِّيرَانِ، وَفِي أَرْضِهَا أَثَرُ الرَّمَادِ، وَإِذَا بِأَبِي فِيهَا وَهُوَ عُرْيَانٌ وَاضِعٌ رَأْسَهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ لِي كَالْمُسْتَفْهِمِ: دُلَفٌ؟ فَقُلْتُ: دُلَفٌ.
فَأَنْشَأَ

يَقُولُ: أَبْلِغَنْ أَهْلَنَا وَلَا تُخْفِ عَنْهُمْ ... مَا لَقِينَا فِي الْبَرْزَخِ الْخَنَّاقِ قَدْ سُئِلْنَا عَنْ كُلِّ مَا قَدْ فَعَلْنَا ... فَارْحَمُوا وَحْشَتِي وَمَا قَدْ أُلَاقِي ثُمَّ قَالَ: أَفَهِمْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
ثُمَّ: فَلَوْ أَنَّا إِذَا مِتْنَا تُرِكْنَا ... لَكَانَ الْمَوْتُ رَاحَةَ كُلِّ حَيِّ وَلَكِنَّا إِذَا مِتْنَا بُعِثْنَا ... وَنُسْأَلُ بَعْدَهُ عَنْ كُلِّ شَيِّ ثُمَّ قَالَ: أَفَهِمْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
وَانْتَبَهْتُ.

[سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ فِيهَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْغَوْرِ بِالشَّامِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو حَرْبٍ الْمُبَرْقَعُ الْيَمَانِيُّ.
فَخَلَعَ الطَّاعَةَ، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ سَبَبَ خُرُوجِهِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْجُنْدِ أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ فِي مَنْزِلِهِ وَذَلِكَ فِي غَيْبَةِ أَبِي حَرْبٍ، فَمَانَعَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَضَرَبَهَا الْجُنْدِيُّ فِي يَدِهَا فَأَثَّرَتِ الضَّرْبَةُ فِي مِعْصَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ بَعْلُهَا أَبُو حَرْبٍ أَخْبَرَتْهُ، فَذَهَبَ إِلَى الْجُنْدِيِّ وَهُوَ غَافِلٌ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ تَحَصَّنَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ وَهُوَ مُبَرْقَعٌ، فَإِذَا جَاءَهُ أَحَدٌ دَعَاهُ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَذُمُّ مِنَ السُّلْطَانِ، فَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْحَرَّاثِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالُوا: هَذَا هُوَ السُّفْيَانِيُّ الْمَذْكُورُ أَنَّهُ يَمْلِكُ الشَّامَ.
وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ جِدًّا، وَاتَّبَعَهُ نَحْوٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَنَفَّذَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَصِمُ وَهُوَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ جَيْشًا نَحْوًا مِنْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ الْأَمِيرُ وَجَدَ أُمَّةً كَثِيرَةً قَدِ اجْتَمَعُوا حَوْلَهُ فَخَشِيَ أَنْ يُنَاجِزَهُ،

وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَانْتَظَرَ حَتَّى جَاءَ وَقْتُ حَرْثِ الْأَرَاضِي، فَتَصَرَّمَ عَنْهُ النَّاسُ إِلَى أَرَاضِيهِمْ، وَبَقِيَ فِي شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَنَاهَضَهُ، فَأَسَرَهُ جَيْشُ الْخَلِيفَةِ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَحَمَلَهُ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ وَهُوَ رَجَاءُ بْنُ أَيُّوبَ حَتَّى قَدِمَ بِهِ عَلَى الْمُعْتَصِمِ، فَلَامَهُ الْمُعْتَصِمُ فِي تَأَخُّرِهِ عَنْ مُنَاجَزَتِهِ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الشَّامَ فَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَلَمْ يَزَلْ يُطَاوِلُهُ حَتَّى أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ.
فَشَكَرَهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّتَهُ مَبْسُوطَةً الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَتِهِ مِنَ الْكُنَى.

[وَفَاةُ الْمُعْتَصِمِ]

[فُتُوحَاتُ بِلَادِ بَابَكَ عَلَى يَدِ الْمُعْتَصِمِ]

ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُعْتَصِمِ وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِسَاعَتَيْنِ مَضَتَا مِنْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَفَاةُ أَبِي إِسْحَاقَ مُحَمَّدٍ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ.

[تَرْجَمَةُ الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَصِمِ]

وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَصِمِ هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَبُو إِسْحَاقَ مُحَمَّدٌ الْمُعْتَصِمُ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ الرَّشِيدِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدٍ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، يُقَالُ لَهُ: الْمُثَمَّنُ.
لِوُجُوهٍ؛ مِنْهَا أَنَّهُ ثَامِنُ وَلَدِ الْعَبَّاسِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ ثَامِنُ الْخُلَفَاءِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ فَتَحَ ثَمَانِيَ فُتُوحَاتٍ؛ بِلَادَ بَابَكَ عَلَى يَدِ الْأَفْشِينِ وَعَمُّورِيَةَ بِنَفْسِهِ، وَالزُّطَّ بِعُجَيْفٍ، وَبَحْرَ الْبَصْرَةِ وَقَلْعَةَ الْأَجْرَافِ، وَأَعْرَابَ دِيَارِ رَبِيعَةَ، وَالشَّارَكَ، وَفَتَحَ مِصْرَ بَعْدَ عِصْيَانِهَا، وَقَتَلَ ثَمَانِيَةَ أَعْدَاءٍ: بَابَكَ، وَمَازَايَارَ، وَيَاطَسَ الرُّومِيَّ، وَالْأَفْشِينَ، وَعُجَيْفًا، وَقَارَنَ، وَقَائِدَ الرَّافِضَةِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ أَقَامَ فِي الْخِلَافَةِ ثَمَانِيَ سِنِينَ، وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ.
وَقِيلَ: وَيَوْمَيْنِ.
وَأَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ فِي شَعْبَانَ، وَهُوَ الشَّهْرُ الثَّامِنُ، وَأَنَّهُ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنْ

الْعُمُرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَمِنْهَا أَنَّهُ خَلَّفَ ثَمَانِيَةَ بَنِينَ وَثَمَانِيَ بَنَاتٍ، وَمِنْهَا أَنَّهُ دَخَلَ بَغْدَادَ مِنَ الشَّامِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ فِي مُسْتَهَلِّ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ، وَمِائَتَيْنِ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ، بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ الْمَأْمُونِ بِطَرَسُوسَ، كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالُوا: وَكَانَ أُمِّيًّا لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ مَعَهُ إِلَى الْكُتَّابِ غُلَامٌ، فَمَاتَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ الرَّشِيدُ: مَا فَعَلَ غُلَامُكَ؟ قَالَ: مَاتَ وَاسْتَرَاحَ مِنَ الْكُتَّابِ.
فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ الرَّشِيدُ: وَقَدْ بَلَغَ مِنْكَ كَرَاهَةُ الْكُتَّابِ إِلَى أَنْ تَجْعَلَ الْمَوْتَ رَاحَةً مِنْهُ؟ وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ لَا تَذْهَبُ إِلَى الْكُتَّابِ بَعْدَهَا.
فَتَرَكُوهُ فَكَانَ أُمِّيًّا، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ يَكْتُبُ كِتَابَةً ضَعِيفَةً.
وَقَدْ أَسْنَدَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ آبَائِهِ حَدِيثَيْنِ مُنْكَرَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا فِي ذَمِّ بَنِي أُمَيَّةَ، وَمَدْحِ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنَ الْخُلَفَاءِ، وَالثَّانِي فِي النَّهْيِ عَنِ الْحِجَامَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ.
وَذَكَرَ بِسَنَدِهِ عَنِ الْمُعْتَصِمِ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يَتَهَدَّدُهُ فِيهِ،

فَقَالَ لِلْكَاتِبِ: اكْتُبْ: قَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَسَمِعْتُ خِطَابَكَ، وَالْجَوَابُ مَا تَرَى لَا مَا تَسْمَعُ، " وَسَيَعْلَمُ الْكَافِرُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ". قَالَ الْخَطِيبُ: غَزَا الْمُعْتَصِمُ بِلَادَ الرُّومِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَأَنْكَى نِكَايَةً عَظِيمَةً فِي الْعَدُوِّ، وَنَصَبَ عَلَى عَمُّورِيَةَ الْمَجَانِيقَ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا حَتَّى فَتَحَهَا وَدَخَلَهَا فَقَتَلَ فِيهَا ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَسَبَى مِثْلَهُمْ، وَكَانَ فِي سَبْيِهِ سِتُّونَ بِطْرِيقًا، وَطَرَحَ النَّارَ فِي عَمُّورِيَةَ مِنْ سَائِرِ نَوَاحِيهَا فَأَحْرَقَهَا وَجَاءَ بِبَابِهَا إِلَى الْعِرَاقِ وَهُوَ بَاقٍ حَتَّى الْآنَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَحَدِ أَبْوَابِ دَارِ الْخِلَافَةِ مِمَّا يَلِي الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ فِي الْقَصْرِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دَاوُدَ الْقَاضِي، أَنَّهُ قَالَ: رُبَّمَا أَخْرَجَ الْمُعْتَصِمُ سَاعِدَهُ إِلَيَّ، وَقَالَ لِي: عَضَّ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بِكُلِّ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ.
فَأَقُولُ: إِنَّهُ لَا تَطِيبُ نَفْسِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَضُرُّنِي.
فَأَكْدُمُ بِكُلِّ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي يَدِهِ.
قَالَ: وَمَرَّ يَوْمًا فِي خِلَافَةِ أَخِيهِ بِمُخَيَّمِ الْجُنْدِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَقُولُ: ابْنِي ابْنِي.

فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ فَقَالَتْ: ابْنِي أَخَذَهُ صَاحِبُ هَذِهِ الْخَيْمَةِ.
فَجَاءَ إِلَيْهِ الْمُعْتَصِمُ، فَقَالَ لَهُ: أَطْلِقْ هَذَا الصَّبِيَّ.
فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ، فَقَبَضَ عَلَى جَسَدِهِ بِيَدِهِ، فَسُمِعَ صَوْتُ عِظَامِهِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَسَقَطَ مَيِّتًا، وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الصَّبِيِّ إِلَى أُمِّهِ وَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ كَانَ شَهْمًا فِي أَيَّامِهِ وَلَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَمَهَابَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَانَتْ هِمَّتُهُ فِي الْحَرْبِ، لَا فِي الْبِنَاءِ، وَلَا فِي غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: تَصَدَّقَ الْمُعْتَصِمُ عَلَى يَدَيَّ، وَوَهَبَ مَا قَيمَتُهُ مِائَةُ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ الْمُعْتَصِمُ إِذَا غَضِبَ لَا يُبَالِي مَنْ قَتَلَ وَلَا مَا فَعَلَ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى الْمُعْتَصِمِ وَعِنْدَهُ قَيْنَةٌ لَهُ تُغَنِّيهِ، فَقَالَ لِي: كَيْفَ تَرَاهَا؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَاهَا تَقْهَرُهُ بِحِذْقٍ، وَتَخْتُلُهُ بِرِفْقٍ، وَلَا تَخْرُجُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا إِلَى أَحْسَنَ مِنْهُ،

وَفِي صَوْتِهَا قِطَعُ شُذُورٍ أَحْسَنُ مِنْ نَظْمِ الدُّرِّ عَلَى النُّحُورِ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَصِفَتُكَ لَهَا أَحْسَنُ مِنْهَا وَمِنْ غِنَائِهَا.
ثُمَّ قَالَ لِابْنِهِ هَارُونَ الْوَاثِقِ، وَلِيِّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ: اسْمَعْ هَذَا الْكَلَامَ.
وَقَدِ اسْتَخْدَمَ الْمُعْتَصِمُ مِنَ الْأَتْرَاكِ خَلْقًا عَظِيمًا كَانَ لَهُ مِنَ الْمَمَالِيكِ التُّرْكِ قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَتَمَّ لَهُ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالدَّوَابِّ مَا لَمْ يَتَّفِقْ لِغَيْرِهِ.
وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَعَلَ يَقُولُ ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44] وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ عُمْرِي قَصِيرٌ مَا فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ، وَقَالَ: إِنِّي أُخِذْتُ مِنْ بَيْنِ هَذَا الْخَلْقِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: ذَهَبَتِ الْحِيَلُ، لَيْسَتْ حِيلَةٌ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَخَافُكَ مِنْ قِبَلِي، وَلَا أَخَافُكَ مِنْ قِبَلِكَ، وَأَرْجُوكَ مِنْ قِبَلِكَ، وَلَا أَرْجُوكَ مِنْ قِبَلِي.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ضَحًى لِتِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ

مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِعَشَرٍ خَلَوْنَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ.
وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ أَبْيَضَ، أَصْهَبَ اللِّحْيَةِ طَوِيلَهَا، مَرْبُوعًا، وَمُشْرَبَ اللَّوْنِ، أُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا مَارِدَةُ وَهُوَ أَحَدُ أَوْلَادٍ سِتَّةٍ مِنْ أَوْلَادِ الرَّشِيدِ، كُلٌّ مِنْهُمُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ؛ وَهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمُ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْأَمِينُ، وَأَبُو عِيسَى، وَأَبُو أَحْمَدَ، وَأَبُو يَعْقُوبَ، وَأَبُو أَيُّوبَ، قَالَهُ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ، وَقَدْ قَامَ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ هَارُونُ الْوَاثِقُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ وَزِيرَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الزَّيَّاتِ رَثَاهُ فَقَالَ: قَدْ قُلْتُ إِذْ غَيَّبُوكَ وَاصْطَفَقَتْ ... عَلَيْكَ أَيْدِي التُّرَابِ وَالطِّينِ اذْهَبْ فَنِعْمَ الْحَفِيظُ كُنْتَ عَلَى الدُّ ... نْيَا وَنِعْمَ الظَّهِيرُ لِلدِّينِ لَا جَبَرَ اللَّهُ أُمَّةً فَقَدَتْ ... مِثْلَكَ إِلَّا بِمِثْلِ هَارُونِ وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي الْجَنُوبِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ: أَبُو إِسْحَاقَ مَاتَ ضُحًى فَمِتْنَا ... وَأَمْسَيْنَا بِهَارُونَ حَيِينَا لَئِنْ جَاءَ الْخَمِيسُ بِمَا كَرِهْنَا ... لَقَدْ جَاءَ الْخَمِيسُ بِمَا هَوِينَا

[خِلَافَةُ الْوَاثِقِ هَارُونَ بْنِ الْمُعْتَصِمِ]

بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ قَبْلَ أَنْ مَاتَ أَبُوهُ الْمُعْتَصِمُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، أَعَنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَيُكَنَّى بِأَبِي جَعْفَرٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ رُومِيَّةٌ، يُقَالُ لَهَا: قَرَاطِيسُ.
وَقَدْ خَرَجَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَاصِدَةً الْحَجَّ، فَمَاتَتْ بِالْحِيرَةِ، وَدُفِنَتْ بِالْكُوفَةِ فِي دَارِ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى، وَذَلِكَ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ الَّذِي أَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَعْفَرُ بْنُ الْمُعْتَصِمِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْمَشَاهِيرِ: مَلِكُ الرُّومِ تَوْفِيلُ بْنُ مِيخَائِيلَ.
وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَمَلَكَتْ بَعْدَهُ امْرَأَتُهُ تُدُورَةُ، وَكَانَ ابْنُهَا مِيخَائِيلُ بْنُ تَوْفِيلَ صَغِيرًا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ: بِشْرٌ الْحَافِي.
الزَّاهِدُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ هِلَالِ بْنِ مَاهَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ أَبُو نَصْرٍ الزَّاهِدُ الْمَعْرُوفُ بِالْحَافِي نَزِيلُ بَغْدَادَ.

قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ وَكَانَ اسْمُ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بَعْبُورَ، أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قُلْتُ: وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِبَغْدَادَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَسَمِعَ بِهَا شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ؛ مِنْهُمْ أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَسَرِيٌّ السَّقَطِيُّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: سَمِعَ بِشْرٌ كَثِيرًا، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ، وَاعْتَزَلَ النَّاسَ وَلَمْ يُحَدِّثْ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي عِبَادَتِهِ وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَنُسُكِهِ وَتَقَشُّفِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَوْمَ بَلَغَهُ مَوْتُهُ: لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ إِلَّا عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وَلَوْ تَزَوَّجَ لَكَانَ قَدْ تَمَّ أَمْرُهُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ مَا أَخْرَجَتْ بَغْدَادُ أَتَمَّ عَقْلًا، وَلَا أَحْفَظَ لِلِسَانِهِ مِنْهُ، مَا عُرِفَ لَهُ غِيبَةٌ لِمُسْلِمٍ، وَكَانَ فِي كُلِّ شَعْرَةٍ مِنْهُ عَقْلٌ، وَلَوْ قُسِّمَ عَقْلُهُ عَلَى أَهْلِ بَغْدَادَ لَصَارُوا عُقَلَاءَ، وَمَا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ شَيْءٌ.

وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّ بِشْرًا كَانَ شَاطِرًا فِي بَدْءِ أَمْرِهِ، وَأَنَّ سَبَبَ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ وَجَدَ رُقْعَةً فِيهَا اسْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَتُونِ حَمَّامٍ فَرَفَعَهَا وَرَفَعَ طَرَفَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: سَيِّدِي اسْمُكَ هَاهُنَا مُلْقًى يُدَاسُ! ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى عَطَّارٍ فَاشْتَرَى بِدِرْهَمٍ غَالِيَةً وَضَمَّخَ تِلْكَ الرُّقْعَةَ مِنْهَا، وَوَضَعَهَا حَيْثُ لَا تُنَالُ فَأَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ، وَأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ، وَصَارَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ.
وَمِنْ كَلَامِهِ: مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا فَلْيَتَهَيَّأْ لِلذُّلِّ.
وَكَانَ بِشْرٌ يَأْكُلُ الْخُبْزَ وَحْدَهُ فَقِيلَ لَهُ: بِمَاذَا تَأْتَدِمُ؟ فَقَالَ: أَذْكُرُ الْعَافِيَةَ فَأَجْعَلُهَا أُدْمًا.
وَكَانَ لَا يَلْبَسُ نَعْلًا بَلْ يَمْشِي حَافِيًا، طَرَقَ يَوْمًا بَابًا، فَقِيلَ: مَنْ؟ فَقَالَ بِشْرٌ الْحَافِي فَقَالَتْ جَارِيَةٌ صَغِيرَةٌ: أَمَا وَجَدَ هَذَا دَانِقَيْنِ يَشْتَرِي بِهِمَا نَعْلًا وَيَسْتَرِيحُ مِنْ هَذَا الِاسْمِ.
قَالُوا: وَكَانَ سَبَبُ تَرْكِهِ النَّعْلَ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى حَذَّاءٍ، فَطَلَبَ مِنْهُ شِرَاكًا لِنَعْلِهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَكْثَرَ كُلْفَتَكُمْ عَلَى النَّاسِ! فَطَرَحَ النَّعْلَ مِنْ يَدِهِ، وَخَلَعَ الْأُخْرَى مِنْ رِجْلِهِ وَحَلَفَ لَا يَلْبَسُ نَعْلًا أَبَدًا.
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ.
وَقِيلَ فِي رَمَضَانَ

بِبَغْدَادَ.
وَقِيلَ: بِمَرْوَ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحِينَ مَاتَ اجْتَمَعَ فِي جِنَازَتِهِ أَهْلُ بَغْدَادَ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، فَأُخْرِجَ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ فِي قَبْرِهِ إِلَّا بَعْدَ الْعَتَمَةِ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ فِي الْجِنَازَةِ: هَذَا وَاللَّهِ شَرَفُ الدُّنْيَا قَبْلَ شَرَفِ الْآخِرَةِ.
وَرُوِيَ أَنَّ الْجِنَّ كَانَتْ تَنُوحُ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُ فِيهِ، وَأَنَّهُ رَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي، وَلِكُلِّ مَنْ شَهِدَ جِنَازَتِي، وَلِكُلِّ مَنْ أَحَبَّنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَخَوَاتٌ ثَلَاثٌ؛ وَهُنَّ مَخَّةُ، وَمُضْغَةُ، وَزُبْدَةُ، وَكُلُّهُنَّ عَابِدَاتٌ زَاهِدَاتٌ مِثْلَهُ، وَأَشَدُّ وَرَعًا أَيْضًا.
ذَهَبَتْ إِحْدَاهُنَّ فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَتْ: إِنِّي رُبَّمَا طَفِئَ السِّرَاجُ وَأَنَا أَغْزِلُ، فَإِذَا كَانَ ضَوْءُ الْقَمَرِ غَزَلْتُ فِيهِ فَعَلَيَّ

عِنْدَ الْبَيْعِ أَنْ أُمَيِّزَ هَذَا مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ لَهَا: إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَأَعْلِمِي بِهِ الْمُشْتَرِي، وَقَالَتْ لَهُ مَرَّةً إِحْدَاهُنَّ: رُبَّمَا تَمُرُّ بِنَا مَشَاعِلُ بَنِي طَاهِرٍ فِي اللَّيْلِ وَنَحْنُ نَغْزِلُ فَنَغْزِلُ الطَّاقَ وَالطَّاقَيْنِ وَالطَّاقَاتِ، فَخَلِّصْنِي مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ الْغَزْلِ كُلِّهِ لِمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهَا مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ.
وَسَأَلَتْهُ عَنْ أَنِينِ الْمَرِيضِ أَفِيهِ شَكْوَى؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا هُوَ شَكْوَى إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ خَرَجَتْ.
فَقَالَ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: يَا بُنَيَّ اذْهَبْ خَلْفَهَا فَاعْلَمْ لِي مَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَذَهَبْتُ وَرَاءَهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ دَخَلَتْ دَارَ بِشْرٍ الْحَافِي وَإِذَا هِيَ أُخْتُهُ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَيْضًا عَنْ زُبْدَةَ قَالَتْ: جَاءَ لَيْلَةً أَخِي بِشْرٌ، فَدَخَلَ بِرِجْلِهِ فِي الدَّارِ، وَبَقِيَتِ الْأُخْرَى خَارِجَ الدَّارِ، فَاسْتَمَرَّ كَذَلِكَ لَيْلَتَهُ حَتَّى أَصْبَحَ، فَقِيلَ لَهُ: فِيمَ تَفَكَّرْتَ لَيْلَتَكَ؟ قَالَ: تَفَكَّرْتُ فِي بِشْرٍ النَّصْرَانِيِّ، وَبِشْرٍ الْيَهُودِيِّ، وَبِشْرٍ الْمَجُوسِيِّ، وَفِي نَفْسِي وَاسْمِي بِشْرٌ فَقُلْتُ: مَا الَّذِي سَبَقَ مِنْكَ حَتَّى خَصَّكَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ بَيْنِهِمْ؟ فَتَفَكَّرْتُ فِي تَفَضُّلِهِ

عَلَيَّ، وَحَمِدْتُهُ عَلَى أَنْ جَعَلَنِي مِنْ خَاصَّتِهِ، وَأَلْبَسَنِي لِبَاسَ أَحْبَابِهِ.
وَقَدْ تَرْجَمَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فَأَطْنَبَ وَأَطْيَبَ وَأَطَالَ مِنْ غَيْرِ مَلَالٍ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَشْعَارًا حَسَنَةً، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ: تَعَافُ الْقَذَى فِي الْمَاءِ لَا تَسْتَطِيعُهُ ... وَتَكْرَعُ مِنْ حَوْضِ الذُّنُوبِ فَتَشْرَبُ وَتُؤْثِرُ مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ أَلَذَّهُ ... وَلَا تَذْكُرُ الْمُخْتَارَ مِنْ أَيْنَ يَكْسِبُ وَتَرْقُدُ يَا مِسْكِينُ فَوْقَ نَمَارِقٍ ... وَفِي حَشْوِهَا نَارٌ عَلَيْكَ تَلَهَّبُ فَحَتَّى مَتَى لَا تَسْتَفِيقُ جَهَالَةً ... وَأَنْتَ ابْنُ سَبْعِينَ بِدِينِكَ تَلْعَبُ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ الْيَرْبُوعِيُّ.
وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ.
وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
صَاحِبُ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِي

مِثْلِهَا إِلَّا الْقَلِيلُ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الدُّولَابِيُّ.
وَلَهُ سُنَنٌ أَيْضًا.
وَأَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ.
وَأَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ الْمُتَكَلِّمُ الْمُعْتَزِلِيُّ.

[سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا خَلَعَ الْخَلِيفَةُ الْوَاثِقُ عَلَى أَشْنَاسَ الْأَمِيرِ وَتَوَجَّهَ وَأَلْبَسَهُ وِشَاحَيْنِ مِنْ جَوْهَرٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْأَمِيرُ.
وَغَلَا السِّعْرُ عَلَى النَّاسِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ جِدًّا، وَأَصَابَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ، وَهُمْ بِعَرَفَةَ ثُمَّ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وَمَطَرٌ عَظِيمٌ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَنَزَلَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ بِمِنًى مَطَرٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَسَقَطَتْ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَبَلِ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَقَتَلَتْ جَمَاعَةً مِنَ الْحُجَّاجِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ فِي مَنْزِلِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيِّ، وَحَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ الطَّائِيُّ أَبُو تَمَّامٍ الشَّاعِرُ.
قُلْتُ: أُمَّا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ، وَإِمَامُ الْأَخْبَارِيِّينَ فِي زَمَانِهِ، فَتَقَدَّمَ ذِكْرُ وَفَاتِهِ قَبْلَ هَذِهِ السَّنَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ الشَّاعِرُ: صَاحِبُ الْحَمَاسَةِ الَّتِي جَمَعَهَا فِي

فَصْلِ الشِّتَاءِ بِهَمَذَانَ فِي دَارِ وَزِيرِهَا، فَهُوَ حَبِيبُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الْأَشَجِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ مُرَيْنَا بْنِ سَهْمِ بْنِ خِلْجَانَ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ دَفَّافَةَ بْنِ مُرِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ كَاهِلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ طَيِّئٍ، وَهُوَ جُلْهُمَةُ بْنُ أُدَدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ الشَّاعِرُ الْأَدِيبُ الْمَشْهُورُ.
وَنَقَلَ الْخَطِيبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصُّولِيِّ أَنَّهُ حَكَى عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُمْ قَالُوا: أَبُو تَمَّامٍ حَبِيبُ بْنُ تَدْرُسَ النَّصْرَانِيِّ، فَسَمَّاهُ أَبُو تَمَّامٍ أَوْسًا بَدَلَ تَدْرُسَ.
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ وَأَصْلُهُ مِنْ قَرْيَةِ جَاسِمٍ مِنْ عَمَلِ الْجَيْدُورِ بِالْقُرْبِ

مِنْ طَبَرِيَّةَ وَكَانَ بِدِمَشْقَ يَعْمَلُ عِنْدَ حَائِكٍ ثُمَّ سَارَ إِلَى مِصْرَ فِي شَبِيبَتِهِ، وَابْنُ خِلِّكَانَ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ " " تَارِيخِ الْحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ " "، وَقَدْ تَرْجَمَ أَبَا تَمَّامٍ تَرْجَمَةً حَسَنَةً.
وَقَالَ الْخَطِيبُ، الْبَغْدَادِيُّ وَهُوَ شَامِيُّ الْأَصْلِ، وَكَانَ بِمِصْرَ فِي حَدَاثَتِهِ يَسْقِي الْمَاءَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ ثُمَّ جَالَسَ الْأُدَبَاءَ فَأَخَذَ عَنْهُمْ وَتَعَلَّمَ مِنْهُمْ، وَكَانَ فَطِنًا فَهْمًا، وَكَانَ يُحِبُّ الشِّعْرَ، فَلَمْ يَزَلْ يُعَانِيهِ حَتَّى قَالَ الشِّعْرَ فَأَجَادَ، وَشَاعَ ذِكْرُهُ، وَسَارَ شِعْرُهُ وَبَلَغَ الْمُعْتَصِمَ خَبَرُهُ فَحَمَلَهُ إِلَيْهِ وَهُوَ بِسُرَّ مَنْ رَأَى فَعَمِلَ فِيهِ قَصَائِدَ، فَأَجَازَهُ الْمُعْتَصِمُ وَقَدَّمَهُ عَلَى شُعَرَاءِ وَقْتِهِ، فَقَدِمَ بَغْدَادَ فَجَالَسَ الْأُدَبَاءَ، وَعَاشَرَ الْعُلَمَاءَ، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالظُّرْفِ وَحُسْنِ الْأَخْلَاقِ وَكَرَمِ النَّفْسِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ وَغَيْرُهُ أَخْبَارًا مُسْنَدَةً.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ: كَانَ يَحْفَظُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ أَلْفَ أُرْجُوزَةٍ لِلْعَرَبِ غَيْرَ الْقَصَائِدِ وَالْمَقَاطِيعِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ.
وَكَانَ يُقَالُ: فِي طَيِّئٍ ثَلَاثَةٌ: حَاتِمٌ فِي كَرَمِهِ، وَدَاوُدُ الطَّائِيُّ فِي زُهْدِهِ، وَأَبُو تَمَّامٍ فِي شِعْرِهِ، قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ الشُّعَرَاءُ فِي زَمَانِهِ جَمَاعَةً؛ فَمِنْ مَشَاهِيرِهِمْ أَبُو الشِّيصِ وَدِعْبِلُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ أَبِي قَيْسٍ، وَقَدْ كَانَ أَبُو تَمَّامٍ مِنْ خِيَارِهِمْ دِينًا وَأَدَبًا وَأَخْلَاقًا.
وَمِنْ رَقِيقِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:

يَا حَلِيفَ النَّدَى وَيَا تَوْءَمَ الْجُو ... دِ وَيَا خَيْرَ مَنْ حَبَوْتُ الْقَرِيضَا لَيْتَ حُمَّاكَ بِي وَكَانَ لَكَ الْأَجْ ... رُ فَلَا تَشْتَكِي وَكُنْتُ الْمَرِيضَا وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ أَنَّ أَبَا تَمَّامٍ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَوْصِلِ، وَبُنِيَتْ عَلَى قَبْرِهِ قُبَّةٌ، وَحَكَى الصُّولِيُّ عَنِ الْوَزِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ قَالَ يَرْثِيهِ: نَبَأٌ أَتَى مِنْ أَعْظَمِ الْأَنْبَاءِ ... لَمَّا أَلَمَّ مُقَلْقَلَ الْأَحْشَاءِ قَالُوا حَبِيبٌ قَدْ ثَوَى فَأَجَبْتُهُمْ ... نَاشَدْتُكُمْ لَا تَجْعَلُوهُ الطَّائِي وَقَالَ غَيْرُهُ: فُجِعَ الْقَرِيضُ بِخَاتَمِ الشُّعَرَاءِ ... وَغَدِيرُ رَوْضَتِهَا حَبِيبٌ الطَّائِي مَاتَا مَعًا فَتَجَاوَرَا فِي حُفْرَةٍ ... وَكَذَاكَ كَانَا قَبْلُ فِي الْأَحْيَاءِ

وَقَدْ جَمَعَ الصُّولِيُّ شِعْرَ أَبِي تَمَّامٍ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ وَقَدِ امْتَدَحَ أَحْمَدَ بْنَ الْمُعْتَصِمِ - وَيُقَالُ: ابْنَ الْمَأْمُونِ - بِقَصِيدَتِهِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: إِقْدَامُ عَمْرٍو فِي سَمَاحَةِ حَاتِمٍ ... فِي حِلْمِ أَحْنَفَ فِي ذَكَاءِ إِيَاسِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: أَتَقُولُ هَذَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ أَكْبَرُ قَدْرًا مِنْ هَؤُلَاءِ.
فَأَطْرَقَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: لَا تُنْكِرُوا ضَرْبِي لَهُ مَنْ دُونَهُ ... مَثَلًا شَرُودًا فِي النَّدَى وَالْبَاسِ فَاللَّهُ قَدْ ضَرَبَ الْأَقَلَّ لِنُورِهِ ... مَثَلًا مِنَ الْمِشْكَاةِ وَالنِّبْرَاسِ فَلَمَّا أَخَذُوا مِنْهُ الْقَصِيدَةَ لَمْ يَجِدُوا فِيهَا هَذَيْنَ الْبَيْتَيْنِ، وَإِنَّمَا قَالَهُمَا ارْتِجَالًا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَعِيشُ هَذَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا قَلِيلًا.
فَكَانَ كَذَلِكَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ امْتَدَحَ بِهَا بَعْضَ الْخُلَفَاءِ، فَأَقْطَعَهُ الْمَوْصِلَ فَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ، وَلَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ لَهِجَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ كَالزَّمَخْشَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَشْيَاءَ مُسْتَطْرَفَةً مِنْ شِعْرِهِ الرَّائِقِ وَنَظْمِهِ الْفَائِقِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وَلَوْ كَانَتِ الْأَرْزَاقُ تَجْرِي عَلَى الْحِجَا ... هَلَكْنَ إِذًا مِنْ جَهْلِهِنَّ الْبَهَائِمُ وَلَمْ يَجْتَمِعْ شَرْقٌ وَغَرْبٌ لِقَاصِدٍ ... وَلَا الْمَجْدُ فِي كَفِّ امْرِئٍ وَالدَّرَاهِمُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: وَمَا أَنَا بِالْغَيْرَانِ مِنْ دُونِ عِرْسِهِ ... إِذَا أَنَا لَمْ أُصْبِحْ غَيُورًا عَلَى الْعِلْمِ طَبِيبُ فُؤَادِي مُذْ ثَلَاثِينَ حِجَّةً ... وَمُذْهِبُ هَمِّي وَالْمُفَرِّجُ لِلْغَمِّ

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، وَالْعَيْشِيُّ، وَأَبُو الْجَهْمِ، وَمُسَدَّدٌ، وَدَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ.

[سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْوَاثِقُ بِاللَّهِ بِضَرْبِ الدَّوَّاوِينِ، وَاسْتِخْلَاصِ الْأَمْوَالِ مِنْهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ ضُرِبَ أَلْفَ سَوْطٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُخِذَ مِنْهُ أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَدُونَ ذَلِكَ، وَجَاهَرَ الْوَزِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِسَائِرِ وُلَاةِ الشُّرَطِ بِالْعَدَاوَةِ فَكُشِفُوا، وَحُبِسُوا، وَلَقُوا جَهْدًا عَظِيمًا وَجَلَسَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ لِلنَّظَرِ فِي أَمْرِهِمْ، وَأُقِيمُوا لِلنَّاسِ، وَافْتُضِحُوا فَضِيحَةً بَلِيغَةً، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْوَاثِقَ جَلَسَ لَيْلَةً فِي دَارِ الْخِلَافَةِ فَسُمِرَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ يَعْرِفُ سَبَبَ عُقُوبَةِ جَدِّي الرَّشِيدِ لِلْبَرَامِكَةِ؟ فَقَالَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الرَّشِيدَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ، فَأَعْجَبَهُ جَمَالُهَا، فَسَاوَمَ سَيِّدَهَا فِيهَا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أَقْسَمْتُ بِكُلِّ يَمِينٍ أَنْ لَا

أَبِيعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ بِهَا، وَبَعَثَ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْوَزِيرِ لِيَبْعَثَ بِهَا إِلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَاعْتَلَّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ فَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ يُؤَنِّبُهُ، وَيَقُولُ: أَلَيْسَ فِي بَيْتِ مَالِي مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ؟ ! وَأَلَحَّ فِي طَلَبِهَا، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ: أَرْسِلُوهَا إِلَيْهِ دَرَاهِمَ لِيَسْتَكْثِرَ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ يَرُدُّ الْجَارِيَةَ.
فَبَعَثُوا بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ دَرَاهِمَ، وَوَضَعُوهَا فِي طَرِيقِ الرَّشِيدِ، وَهُوَ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِهَا رَأَى كَوْمًا مِنْ دَرَاهِمَ.
فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: ثَمَنُ الْجَارِيَةِ.
فَاسْتَكْثَرَ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِخَزْنِهَا عِنْدَ بَعْضِ خَدَمِهِ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ، وَأَعْجَبَهُ جَمْعُ الْمَالِ فِي حَوَاصِلِهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي تَتَبُّعِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَإِذَا الْبَرَامِكَةُ قَدِ اسْتَهْلَكُوهُ، فَجَعَلَ يَهُمُّ بِأَخْذِهِمْ تَارَةً وَيُحْجِمُ أُخْرَى، حَتَّى كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي سَمَرَ عِنْدِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْعُودِ.
فَأَطْلَقَ لَهُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَذَهَبَ إِلَى الْوَزِيرِ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، فَمَاطَلَهُ بِهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي فِي السَّمَرِ عَرَّضَ أَبُو الْعُودِ فِي ذَلِكَ لِلرَّشِيدِ بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: وَعَدَتْ هِنْدٌ وَمَا كَادَتْ تَعِدْ ... لَيْتَ هِنْدًا أَنْجَزَتْنَا مَا تَعِدْ وَاسْتَبَدَّتْ مَرَّةً وَاحِدَةً ... إِنَّمَا الْعَاجِزُ مَنْ لَا يَسْتَبِدْ فَجَعَلَ الرَّشِيدُ يُكَرِّرُ قَوْلَهُ: إِنَّمَا الْعَاجِزُ مَنْ لَا يَسْتَبِدْ

وَيُعْجِبُهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ دَخَلَ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ، فَأَنْشَدَهُ الرَّشِيدُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، وَهُوَ يَسْتَحْسِنُهُمَا فَفَهِمَ ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ، وَخَافَ، وَسَأَلَ عَنْ مَنْ أَنْشَدَ ذَلِكَ لِلرَّشِيدِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أَبُو الْعُودِ.
فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَأَنْجَزَ لَهُ الثَّلَاثِينَ أَلْفًا، وَأَعْطَاهُ مِنْ عِنْدِهِ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَكَذَلِكَ وَلَدَاهُ الْفَضْلُ، وَجَعْفَرٌ، فَمَا كَانَ عَنْ قَرِيبٍ حَتَّى أَخَذَ الرَّشِيدُ الْبَرَامِكَةَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِهِمْ مَا كَانَ.
فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْوَاثِقُ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَجَعَلَ يُكَرِّرُ قَوْلَ الشَّاعِرِ: إِنَّمَا الْعَاجِزُ مَنْ لَا يَسْتَبِدْ ثُمَّ بَطَشَ بِالْكُتَّابِ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا عَظِيمَةً جِدًّا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِيجِ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ.
أَحَدُ مَشَاهِيرِ الْقُرَّاءِ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ.

وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيُّ.
أَحَدُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْجَهْمِيَّةِ، وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْمَشْهُورَةُ فِي الْفِتَنِ وَغَيْرِهَا.
وَدِينَارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ النُّسْخَةُ الْمَكْذُوبَةُ عَنْهُ أَوْ مِنْهُ، وَهِيَ عَالِيَةُ الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ.

[سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي جُمَادَى مِنْهَا خَرَجَتْ بَنُو سُلَيْمٍ حَوْلَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَعَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَأَخَافُوا السُّبُلَ، وَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَهَزَمُوا أَهْلَهَا، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَتِلْكَ الْمَنَاهِلِ وَالْقُرَى فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الْوَاثِقُ بُغَا الْكَبِيرَ أَبَا مُوسَى التُّرْكِيَّ فِي جَيْشٍ، فَقَاتَلَهُمْ فِي شَعْبَانَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَارِسًا، وَأَسَرَ مِثْلَهُمْ، وَانْهَزَمَ بَقِيَّتُهُمْ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْأَمَانِ، وَأَنْ يَكُونُوا عَلَى حُكْمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَدَخَلَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ وَسَجَنَ رُءُوسَهُمْ فِي دَارِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَخَرَجَ إِلَى الْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَشَهِدَ مَعَهُ الْمَوْسِمَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ، نَائِبُ الْعِرَاقِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْمُتَقَدِّمُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ نَائِبُ خُرَاسَانَ وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْبُلْدَانِ،

وَكَانَ خَرَاجُ مَا تَحْتَ يَدِهِ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
فَوَلَّى الْخَلِيفَةُ ابْنَهُ طَاهِرًا، وَكَانَتْ وَفَاةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ الْأَمِيرِ بَعْدَ مَوْتِ أَشْنَاسَ التُّرْكِيِّ بِتِسْعَةِ أَيَّامٍ، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ بِمَرْوَ، وَقِيلَ: بِنَيْسَابُورَ.
وَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ أَوْرَدَ لَهُ مِنْهُ.
قَالَ: وَقَدْ وَلِيَ نِيَابَةَ مِصْرَ بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَذَكَرَ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْمَغْرِبِيِّ أَنَّ الْبِطِّيخَ الْعَبْدَاللَّاوِيَّ الَّذِي بِمِصْرَ مَنْسُوبٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ هَذَا.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ إِمَّا أَنَّهُ كَانَ يَسْتَطِيبُهُ، أَوْ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ زَرَعَهُ هُنَاكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ جَيِّدِ شِعْرِهِ: اغْتَفِرْ زَلَّتِي لِتُحْرِزَ فَضْلَ الشُّ ... كْرِ مِنِّي وَلَا يَفُوتُكَ أَجْرِي لَا تَكِلْنِي إِلَى التَّوَسُّلِ بِالْعُذْ ... رِ لَعَلِّي أَنْ لَا أَقُومَ بِعُذْرِي

وَمِنْ شَعْرِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: نَحْنُ قَوْمٌ تُلِينُنَا الْحَدَقُ النُّجْ ... لُ عَلَى أَنَّنَا نُلِينُ الْحَدِيدَا طَوْعَ أَيْدِي الظِّبَاءِ تَقْتَادُنَا الْعِي ... نُ وَنَقْتَادُ بِالطِّعَانِ الْأُسُودَا نَمْلِكُ الصِّيدَ ثُمَّ تَمْلِكُنَا الْبِي ... ضُ الْمَصُونَاتُ أَعْيُنًا وَخُدُودَا تَتَّقِي سُخْطَنَا الْأُسُودُ وَنَخْشَى ... سَخَطَ الْخِشْفِ حِينَ يُبْدِي الصُّدُودَا فَتَرَانَا يَوْمَ الْكَرِيهَةِ أَحْرَا ... رًا وَفِي السِّلْمِ لِلْغَوَانِي عَبِيدَا قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَكَانَ خُزَاعِيًّا مِنْ مَوَالِي طَلْحَةَ الطَّلْحَاتِ الْخُزَاعِيِّ.
وَقَدْ كَانَ أَبُو تَمَّامٍ يَمْدَحُهُ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ مَرَّةً فَاعْتَاقَهُ الثَّلْجُ بِهَمَذَانَ، فَصَنَّفَ كِتَابَ الْحَمَاسَةِ عِنْدَ بَعْضِ رُؤَسَائِهَا.

وَرَوَى لَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَلَمَّا وَلَّاهُ الْمَأْمُونُ نِيَابَةَ بِلَادِ الشَّامِ وَدِيَارَ مِصْرَ صَارَ إِلَيْهَا، وَقَدْ رَسَمَ لَهُ بِمَا فِي دِيَارِ مِصْرَ مِنَ الْحَوَاصِلِ، فَحَمَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَفَرَّقَهَا كُلَّهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ لَمَّا وَاجَهَ مِصْرَ نَظَرَ إِلَيْهَا فَاحْتَقَرَهَا، وَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ، مَا كَانَ أَخَسَّهُ وَأَضْعَفَ هِمَّتَهُ حِينَ مَلَكَ هَذِهِ الْقَرْيَةَ، وَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا: عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ الْجَوْهَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ وَلَهُ كِتَابُ " الطَّبَقَاتِ " وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ، وَسَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.

[سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ فِيهَا وَقَعَتْ مُفَادَاةٌ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِأَيْدِي الرُّومِ عَلَى يَدَيِ الْأَمِيرِ خَاقَانَ الْخَادِمِ، وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ عِدَّةُ الْأُسَارَى الَّذِينَ اسْتُنْقِذُوا مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَثَلَاثَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أَسِيرًا.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الْخُزَاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيُّ وَجَدُّهُ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ مِنْ أَكْبَرِ الدُّعَاةِ فِي النَّاسِ إِلَى دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَتْ لَهُ وَجَاهَةٌ وَرِيَاسَةٌ، وَكَانَ أَبُوهُ نَصْرُ بْنُ مَالِكٍ يَغْشَاهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ بَايَعَهُ الْعَامَّةُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ حِينَ كَثُرَتِ الدُّعَّارُ وَالشُّطَّارُ فِي أَرْجَاءِ بَغْدَادَ فِي زَمَانِ غَيْبَةِ الْمَأْمُونِ عَنْ بَغْدَادَ كَمَا قَدَّمْنَا بَسْطَ ذَلِكَ، وَبِهِ تُعْرَفُ سُوَيْقَةُ نَصْرٍ بِبَغْدَادَ.
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّيَانَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالِاجْتِهَادِ

فِي الْخَيْرِ، وَمِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ السُّنَّةِ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَدْعُو إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَكَانَ هَارُونُ الْوَاثِقُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فِي الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، يَدْعُو إِلَيْهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجِهَارًا ; اعْتِمَادًا عَلَى مَا كَانَ أَبُوهُ الْمُعْتَصِمُ وَعَمُّهُ الْمَأْمُونُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ، وَلَا حُجَّةٍ وَلَا بَيَانٍ، وَلَا سُنَّةٍ وَلَا قُرْآنٍ، فَقَامَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ هَذَا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَالْتَفَّ عَلَيْهِ مِنَ الْأُلُوفِ أَعْدَادٌ، وَانْتَصَبَ لِلدَّعْوَةِ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ هَذَا رَجُلَانِ وَهُمَا أَبُو هَارُونَ السَّرَّاجُ يَدْعُو أَهْلَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَطَالِبٌ يَدْعُو أَهْلَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ.
وَلَمَّا كَانَ شَهْرُ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ انْتَظَمَتِ الْبَيْعَةُ لِأَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الْخُزَاعِيِّ فِي السِّرِّ عَلَى الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْخُرُوجِ عَلَى السُّلْطَانِ لِبِدْعَتِهِ، وَدَعْوَتِهِ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ.
فَتَوَاعَدُوا عَلَى أَنَّهُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ وَهِيَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ يُضْرَبُ طَبْلٌ فِي اللَّيْلِ، فَيَجْتَمِعُ النَّاسُ الَّذِينَ بَايَعُوا فِي مَكَانٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَأَنْفَقَ طَالِبٌ وَأَبُو هَارُونَ فِي أَصْحَابِهِ دِينَارًا دِينَارًا، فَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَعْطَوْهُ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي أَشْرَسَ، وَكَانَا يَتَعَاطَيَانِ الشَّرَابَ فَلَمَّا

كَانَتْ لَيْلَةُ الْخَمِيسِ شَرِبَا فِي قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِمْ، وَاعْتَقَدَا أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ هِيَ لَيْلَةُ الْوَعْدِ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَهُ بِلَيْلَةٍ، فَقَامَا يَضْرِبَانِ عَلَى طَبْلٍ فِي اللَّيْلِ ; لِيَجْتَمِعَ إِلَيْهِمَا النَّاسُ، فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ وَانْخَرَمَ النِّظَامُ، وَسَمِعَ الْحَرَسُ فِي اللَّيْلِ، فَأَعْلَمُوا نَائِبَ السَّلْطَنَةِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ نَائِبُ أَخِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ; لِغَيْبَتِهِ عَنْ بَغْدَادَ فَأَصْبَحَ النَّاسُ مُتَخَبِّطِينَ، وَاجْتَهَدَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ عَلَى إِحْضَارِ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ فَأُحْضِرَا فَعَاقَبَهُمَا، فَأَقَرَّا عَلَى أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ فِي الْحَالِ فَطَلَبَهُ، وَأَخَذَ خَادِمًا لَهُ فَاسْتَقَرَّهُ، فَأَقَرَّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الرَّجُلَانِ، فَجَمَعَ جَمَاعَةً مِنْ رُءُوسٍ أَصْحَابِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ مَعَهُ، وَأَرْسَلَ بِهِمْ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، وَذَلِكَ آخَرَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فَأُحْضِرَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ، وَحَضَرَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ الْمُعْتَزِلِيُّ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ عَتَبٌ، فَلَمَّا أُوقِفَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ الْوَاثِقِ لَمْ يُعَاتِبْهُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَانَ مِنْهُ فِي أَمْرِ مُبَايَعَةِ الْعَامَّةِ لَهُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَأَعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ.
قَالَ: أَمَخْلُوقٌ هُوَ؟ قَالَ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ.
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ قَدِ

اسْتَقْتَلَ، وَحَضَرَ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَتَنَوَّرَ، فَقَالَ لَهُ الْوَاثِقُ: فَمَا تَقُولُ فِي رَبِّكَ، أَتَرَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ وَالْأَخْبَارُ بِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22] [الْقِيَامَةِ: 22، 23] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» فَنَحْنُ عَلَى الْخَبَرِ.
زَادَ الْخَطِيبُ فِي إِيرَادِهِ: قَالَ الْوَاثِقُ: وَيْحَكَ، أَيُرَى كَمَا يُرَى الْمَحْدُودُ الْمُتَجَسِّمُ؟ وَيَحْوِيهِ مَكَانٌ وَيَحْصُرُهُ النَّاظِرُ؟ أَنَا أَكْفُرُ بِرَبٍّ هَذِهِ صِفَتُهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْخَلِيفَةُ الْوَاثِقُ لَا يَرِدُ، وَلَا يَلْزَمُ، وَلَا يُرَدُّ بِهِ مِثْلُ هَذَا الْخَبَرِ الصَّحِيحِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْخُزَاعِيُّ لِلْوَاثِقِ: وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ بِحَدِيثٍ يَرْفَعُهُ «إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهُ» وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

يَقُولُ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَيْلَكَ، انْظُرْ مَا تَقُولُ.
فَقَالَ: أَنْتَ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ.
فَأَشْفَقَ إِسْحَاقُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: أَنَا أَمَرْتُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَمَرْتَنِي أَنْ أَنْصَحَ لَهُ.
فَقَالَ الْوَاثِقُ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ فَأَكْثَرُوا الْقَوْلَ فِيهِ ; فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ فَعُزِلَ وَكَانَ مُوَادًّا لِأَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ قَبْلَ ذَلِكَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هُوَ حَلَالُ الدَّمِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَرْمَنِيُّ صَاحِبُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادٍ: اسْقِنِي دَمَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ الْوَاثِقُ: يَأْتِي عَلَى مَا تُرِيدُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ، لَعَلَّ بِهِ عَاهَةً أَوْ نَقْصَ عَقْلٍ.
فَقَالَ الْوَاثِقُ: إِذَا رَأَيْتُمُونِي قُمْتُ إِلَيْهِ فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ مَعِي، فَإِنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ.
ثُمَّ نَهَضَ إِلَيْهِ بِالصَّمْصَامَةِ وَقَدْ كَانَتْ سَيْفًا لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيِّ أُهْدِيَتْ لِمُوسَى الْهَادِي فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ، وَكَانَتْ صَفِيحَةً مَوْصُولَةً فِي أَسْفَلِهَا، مَسْمُورَةً بِثَلَاثَةِ مَسَامِيرَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ ضَرَبَهُ بِهَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَهُوَ مَرْبُوطٌ بِحَبْلٍ قَدْ أُوقِفَ عَلَى نِطْعٍ ثُمَّ ضَرَبَهُ أُخْرَى عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ طَعَنَهُ بِالصَّمْصَامَةِ فِي بَطْنِهِ فَسَقَطَ رَحِمَهُ اللَّهُ صَرِيعًا عَلَى النِّطْعِ مَيِّتًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

جارٍ التحميل