البداية والنهايةصفحات 236-275

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 236-275

وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " عَنْ حَفْصَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ ; لَوْ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ» فَكَانَ بَعْدُ يَقُومُ اللَّيْلَ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مِنْ أَمْلَكِ شَبَابِ قُرَيْشٍ لِنَفْسِهِ عَنِ الدُّنْيَا ابْنُ عُمَرَ.
وَقَالَ جَابِرٌ: مَا مِنَّا أَحَدٌ أَدْرَكَ الدُّنْيَا إِلَّا مَالَتْ بِهِ، وَمَالَ بِهَا، إِلَّا ابْنَ عُمَرَ، وَمَا أَصَابَ أَحَدٌ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ دَرَجَاتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَرِيمًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: مَاتَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمَ مَاتَ وَمَا مِنَ الدُّنْيَا أَحَدٌ أَحَبَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْهُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يُعْدَلُ بِرَأْيهِ، فَإِنَّهُ أَقَامَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتِّينَ سَنَةً، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ، وَلَا مَنْ أَمْرِ أَصْحَابِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: بَلَغَ ابْنُ عُمَرَ سِتًّا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَأَفْتَى فِي الْإِسْلَامِ سِتِّينَ سَنَةً، يَقْدَمُ عَلَيْهِ وُفُودُ النَّاسِ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَجَمَاعَةٌ: تُوُفِّيَ ابْنُ عُمَرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ

وَسَبْعِينَ.
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَآخَرُونَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ.
وَالْأَوَّلُ أَثْبَتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَاسْتُخْلِفَ عَلِيٌّ، أَتَاهُ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّكَ مَحْبُوبٌ إِلَى النَّاسِ، فَسِرْ إِلَى الشَّامِ فَقَدْ وَلَّيْتُكَهَا.
فَقَالَ: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ وَقَرَابَتِي وَصُحْبَتِي لِرَسُولِ اللَّهِ وَالرَّحِمِ إِلَّا مَا وَلَّيْتَ غَيْرِي وَأَعْفَيْتَنِي.
فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاسْتَعَانَ بِحَفْصَةَ أُخْتِهِ فَكَلَّمَتْهُ، ثُمَّ سَارَ مِنْ لَيْلَتِهِ إِلَى مَكَّةَ هَارِبًا مِنْهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: أَلَا تَخْرُجُ إِلَى الشَّامِ فَيُبَايِعُوكَ؟ قَالَ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِأَهْلِ الْعِرَاقِ؟ قَالَ: تُقَاتِلُهُمْ بِأَهْلِ الشَّامِ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مُلْكَ الْأَرْضِ، وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهَمْ بَايَعُونِي، وَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا أَتَتْنِي وَرَجُلٌ يَقُولُ: لَا، وَآخَرُ يَقُولُ: نَعَمْ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَغَمَّضَ عَيْنَيْهِ، فَكَلَّمَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ.
تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ بَعْدَ مُنْصَرَفِ النَّاسِ مِنَ الْحَجِّ فِي آخِرِ السَّنَةِ، وَعُمْرُهُ أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْمُحَصَّبِ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِمَكَّةَ.

وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ: أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَوَاقِدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعُمَرُ وَحَفْصَةُ وَسَوْدَةُ، أُمُّهُمْ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ أُخْتُ الْمُخْتَارِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَسَالِمٌ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَحَمْزَةُ، وَأُمُّهُمْ أُمُّ وَلَدٍ، وَزَيْدٌ وَعَائِشَةُ لِأُمِّ وَلَدٍ، وَأَسْنَدَ أَلْفَيْنِ وَسِتَّمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا.
عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ جُنْدَعِ بْنِ لَيْثٍ، اللَّيْثِيُّ ثُمَّ الْجَنْدَعِيُّ، أَبُو عَاصِمٍ الْمَكِّيُّ قَاصُّ أَهْلِ مَكَّةَ.
قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَرَآهُ أَيْضًا.
رَوَى عَنْ أَبِيهِ - وَلَهُ صُحْبَةٌ - وَعَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ وَغَيْرُهُمْ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجْلِسُ فِي حَلْقَتِهِ وَيَبْكِي، وَكَانَ يُعْجِبُهُ تَذْكِيرُهُ، وَكَانَ بَلِيغًا، وَكَانَ يَبْكِي حَتَّى يَبُلَّ الْحَصَى بِدُمُوعِهِ.
قَالَ مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: كَانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ إِذَا آخَى أَحَدًا فِي اللَّهِ اسْتَقْبَلَ بِهِ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا سُعَدَاءَ بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكَ، وَاجْعَلْ مُحَمَّدًا شَهِيدًا عَلَيْنَا بِالْإِيمَانِ، وَقَدْ سَبَقَتْ لَنَا مِنْكَ الْحُسْنَى، غَيْرَ مُتَطَاوِلٍ عَلَيْنَا الْأَمَدُ، وَلَا قَاسِيَةٍ قُلُوبُنَا وَلَا قَائِلِينَ مَا لَيْسَ لَنَا بِحَقٍّ، وَلَا سَائِلَيْنِ مَا لَيْسَ لَنَا بِهِ عِلْمٌ.
وَحَكَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ مَاتَ قَبْلَ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيُّ صَحَابِيٌّ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ دُونَ الْبُلُوغِ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَكِنْ رَوَى عَنْهُ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، وَعَنْ عَلِيٍّ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ ; مِنْهُمْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَالْحَكَمُ، وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَابْتَنَى بِهَا دَارًا، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ صَاحِبَ شُرْطَةِ عَلِيٍّ، وَكَانَ عَلِيٌّ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ أَبُو جُحَيْفَةَ تَحْتَ مِنْبَرِهِ.

سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيُّ وَهُوَ أَحَدُ مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ الصَّحَابَةِ، وَمِنْ عُلَمَائِهِمْ، كَانَ يُفْتِي بِالْمَدِينَةِ، وَلَهُ مَشَاهِدُ مَعْرُوفَةٌ، فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَهُ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ سَنَةً.
مَالِكُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ، الْأَصْبَحِيُّ الْمَدَنِيُّ وَهُوَ جَدُّ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ فَاضِلًا عَالِمًا، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ.
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ مُقْرِئُ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِلَا مُدَافَعَةٍ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ، قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَقْرَأَ النَّاسَ الْقُرْآنَ بِالْكُوفَةِ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ إِلَى إِمْرَةِ الْحَجَّاجِ، قَرَأَ عَلَيْهِ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ، وَخَلْقٌ غَيْرُهُ، تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ.
أَبُو مُعْرِضٍ الْأَسَدِيُّ اسْمُهُ مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ، وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَامْتَدَحَهُ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ وَيُعْرَفُ

بِالْأُقَيْشِرِ، وَكَانَ أَحْمَرَ الْوَجْهِ كَثِيرَ الشَّعْرِ، تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ سَنَةً.
بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ الْأُمَوِيُّ أَخُو عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَلِي إِمْرَةَ الْعِرَاقَيْنِ لِأَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَهُ دَارٌ بِدِمَشْقَ عِنْدَ عَقَبَةِ الْكَتَّانِ، وَكَانَ سَمْحًا جَوَادًا، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ دَيْرُ مَرْوَانَ عِنْدَ حَجِيرَا، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ خَالِدَ بْنَ حُصَيْنٍ الْكِلَابِيَّ يَوْمَ مَرْجِ رَاهِطٍ، وَكَانَ لَا تُغْلَقُ دُونَهُ الْأَبْوَابُ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا تَحْتَجِبُ النِّسَاءُ.
وَكَانَ طَلِيقَ الْوَجْهِ، وَكَانَ يُجِيزُ عَلَى الشِّعْرِ بِأُلُوفٍ، وَقَدِ امْتَدَحَهُ الْفَرَزْدَقُ، وَالْأَخْطَلُ.
وَالْجَهْمِيَّةُ تَسْتَدِلُّ عَلَى الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ بِأَنَّهُ الِاسْتِيلَاءُ بِبَيْتِ الْأَخْطَلِ، فِيمَا مَدَحَ بِهِ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ ; فَإِنَّ هَذَا اسْتِدْلَالٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ كَانَ الْأَخْطَلُ نَصْرَانِيًّا.
وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِ بِشْرٍ أَنَّهُ وَقَعَتِ الْقُرْحَةُ فِي يَمِينِهِ.
فَقِيلَ لَهُ: نَقْطَعُهَا

مِنَ الْمِفْصَلِ.
فَجَزِعَ، فَمَا أَمْسَى حَتَّى خَالَطَتِ الْكَتِفَ، ثُمَّ أَصْبَحَ وَقَدْ خَالَطَتِ الْجَوْفَ، ثُمَّ مَاتَ، وَلَمَّا احْتَضَرَ جَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ عَبْدًا أَرْعَى الْغَنَمَ فِي الْبَادِيَةِ لِبَعْضِ الْأَعْرَابِ وَلَمْ أَلِ مَا وُلِيتُ.
فَذُكِرَ قَوْلُهُ لِأَبِي حَازِمٍ - أَوْ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ - فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ يَفِرُّونَ إِلَيْنَا، وَلَمْ يَجْعَلْنَا نَفِرُّ إِلَيْهِمْ، إِنَّا لَنَرَى فِيهِمْ عِبَرًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ يَتَمَلْمَلُ عَلَى سَرِيرِهِ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ إِلَى صَحْنِ الدَّارِ، وَالْأَطِبَّاءُ حَوْلَهُ.
مَاتَ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ أَمِيرٍ مَاتَ بِهَا، وَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ الْمَلِكِ مَوْتُهُ حَزِنَ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ الشُّعَرَاءَ أَنْ يَرْثُوهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

فَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ - أَخُو عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَهُوَ وَالِدُ مَرْوَانَ الْحِمَارِ - صَائِفَةَ الرُّومِ حِينَ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ مَرْعَشٍ، وَفِيهَا وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ نِيَابَةَ الْمَدِينَةِ لِيَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَهُوَ عَمُّهُ، وَعَزَلَ عَنْهَا الْحَجَّاجَ.
وَفِيهَا وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ نِيَابَةَ الْعِرَاقِ ; الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الْأَقَالِيمِ الْكِبَارِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ، فَرَأَى عَبْدَ الْمَلِكِ أَنَّهُ لَا يَسُدُّ عَنْهُ أَهْلَ الْعِرَاقِ غَيْرُ الْحَجَّاجِ ; لِسَطْوَتِهِ وَقَهْرِهِ وَقَسْوَتِهِ وَشَهَامَتِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ بِوِلَايَةِ الْعِرَاقِ، فَسَارَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْعِرَاقِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا عَلَى النَّجَائِبِ، فَنَزَلَ قَرِيبَ الْكُوفَةِ فَاغْتَسَلَ وَاخْتَضَبَ، وَلَبِسَ ثِيَابَهُ، وَتَقَلَّدَ سَيْفَهُ، وَأَلْقَى عَذَبَةَ الْعِمَامَةَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ دَارَ الْإِمَارَةِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَقَدْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَأَمْسَكَ عَنِ الْكَلَامِ طَوِيلًا، وَقَدْ شَخَصُوا إِلَيْهِ بِأَبْصَارِهِمْ، وَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ، وَتَنَاوَلُوا الْحَصَى لِيَقْذِفُوهُ بِهَا، وَقَدْ كَانُوا حَصَبُوا الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، فَلَمَّا سَكَتَ أَبْهَتَهُمْ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَسْمَعُوا كَلَامَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ:

يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الشِّقَاقِ، وَيَا أَهْلَ النِّفَاقِ وَمَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ، وَاللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرُكُمْ لَيَهُمُّنِي قَبْلَ أَنْ آتَى إِلَيْكُمْ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ بِي، فَأَجَابَ دَعْوَتِي، إِلَّا أَنِّي سِرْتُ الْبَارِحَةَ فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي الَّذِي أُؤْذِيكُمْ بِهِ، فَاتَّخَذْتُ هَذَا مَكَانَهُ - وَأَشَارَ إِلَى سَيْفِهِ - ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَجُرَّنَّهُ فِيكُمْ جَرَّ الْمَرْأَةِ ذَيْلَهَا، وَلَأَفْعَلَنَّ بِكُمْ وَلَأَصْنَعَنَّ، فَلَمَّا سَمِعُوا كَلَامَهُ جَعَلَ الْحَصَى يَتَسَاقَطُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُ دَخَلَ الْكُوفَةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ظُهْرًا، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَهُوَ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَةٍ حَمْرَاءَ، مُتَلَثِّمٌ بِطَرَفِهَا، ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ بِالنَّاسِ.
فَحَسِبَهُ النَّاسُ وَأَصْحَابَهُ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَهَمُّوا بِهِ حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ قَامَ وَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ... مَتَى أَضَعُ الْعِمَامَةَ تَعْرِفُونِي ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْمِلُ الشَّرَّ بِحَمْلِهِ، وَأَحْذُوهُ بِنَعْلِهِ،

وَأَجْزِيهِ بِمِثْلِهِ، وَإِنِّي لَأَرَى رُءُوسًا قَدْ أَيْنَعَتْ وَحَانَ قِطَافُهَا، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى الدِّمَاءِ تَتَرَقْرَقُ بَيْنَ الْعَمَائِمِ وَاللِّحَى: قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا فَشَمِّرِي ثُمَّ أَنْشَدَ أَيْضًا: هَذَا أَوَانُ الشَّدِّ فَاشْتَدِّي زِيَمْ ... قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ لَسْتُ بِرَاعِي إِبِلٍ وَلَا غَنَمْ ... وَلَا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْرِ وَضَمْ قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِعَصْلَبِيٍّ ... أَرْوَعَ خَرَّاجٍ مِنَ الدَّوِّيِّ مُهَاجِرٍ لَيْسَ بِأَعْرَابِيِّ

ثُمَّ قَالَ: إِنِّي يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أُغْمَزُ بِغِمَازٍ، وَلَا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ، وَلَقَدْ فُرِرْتُ عَنْ ذَكَاءٍ، وَجَرَيْتُ إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى، وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ نَثَرَ كِنَانَتَهُ، ثُمَّ عَجَمَ عِيدَانَهَا عُودًا عُودًا، فَوَجَدَنِي أَمَرَّهَا عُودًا، وَأَصْلَبَهَا مَغْمِزًا، فَوَجَّهَنِي إِلَيْكُمْ، فَإِنَّكُمْ طَالَمَا أَوْضَعْتُمْ فِي أَوْدِيَةِ الْفِتَنِ، وَسَنَنْتُمْ سُنَنَ الْغَيِّ، أَمَا وَاللَّهِ لَأَلْحُوَنَّكُمْ لَحْيَ الْعُودِ، وَلَأَعْصِبَنَّكُمْ عَصْبَ السَّلَمَةِ، وَلَأَضْرِبَنَّكُمْ ضَرْبَ غَرَائِبِ الْإِبِلِ، إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَعِدُ إِلَّا وَفَيْتُ، وَلَا أَخْلُقُ إِلَّا فَرَيْتُ، فَإِيَّايَ وَهَذِهِ الْجَمَاعَاتِ وَقِيلًا وَقَالًا، وَاللَّهِ لَتَسْتَقِيمُنَّ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ، أَوْ لَأَدَعَنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ شُغْلًا فِي جَسَدِهِ.
ثُمَّ قَالَ: مَنْ وَجَدْتُ بَعْدَ ثَالِثَةٍ مِنْ بَعْثِ الْمُهَلَّبِ - يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا قَدْ رَجَعُوا عَنْهُ لَمَّا سَمِعُوا بِمَوْتِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ كَمَا تَقَدَّمَ - سَفَكْتُ دَمَهُ، وَانْتَهَبْتُ مَالَهُ، ثُمَّ نَزَلَ

فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ تَحْتَهُ أَطَالَ السُّكُوتَ، حَتَّى إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَيْرٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى وَأَرَادَ أَنْ يَحْصِبَهُ بِهَا، وَقَالَ: قَبَّحَهُ اللَّهُ، مَا أَعْيَاهُ وَأَذَمَّهُ.
فَلَمَّا نَهَضَ الْحَجَّاجُ وَتَكَلَّمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ، جَعَلَ الْحَصَى يَتَنَاثَرُ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ ; لِمَا يَرَى مِنْ فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ.
وَيُقَالُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ هَذِهِ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ مَثَلًا ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112] (النَّحْلِ: 112) ، وَأَنْتُمْ أُولَئِكَ، فَاسْتَوْثِقُوا وَاسْتَقِيمُوا، فَوَاللَّهِ لَأُذِيقَنَّكُمُ الْهَوَانَ حَتَّى تَدِرُّوا، وَلَأَعْصِبَنَّكُمْ عَصَبَ السَّلَمَةِ حَتَّى تَنْقَادُوا، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقْبِلُنَّ عَلَى الْإِنْصَافِ، وَلَتَدَعُنَّ الْإِرْجَافَ وَكَانَ وَكَانَ، وَأَخْبَرَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، وَالْخَبَرُ وَمَا الْخَبَرُ، أَوْ لَأَهْبُرَنَّكُمْ بِالسَّيْفِ هَبْرًا يَدَعُ النِّسَاءَ أَيَامَى، وَالْأَوْلَادَ يَتَامَى، حَتَّى تَمْشُوا السُّمَّهَى، وَتُقْلِعُوا عَنْ هَا وَهَا.
فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ بَلِيغٍ غَرِيبٍ، يَشْتَمِلُ عَلَى وَعِيدٍ شَدِيدٍ، لَيْسَ فِيهِ وَعْدٌ بِخَيْرٍ.

فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ سَمِعَ تَكْبِيرًا فِي السُّوقِ، فَخَرَجَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَمَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ، إِنِّي سَمِعْتُ تَكْبِيرًا فِي الْأَسْوَاقِ، لَيْسَ بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ التَّرْغِيبُ، وَلَكِنَّهُ تَكْبِيرٌ يُرَادُ بِهِ التَّرْهِيبُ، وَقَدْ عَصَفَتْ عَجَاجَةٌ تَحْتَهَا قَصْفٌ، يَا بَنِي اللَّكِيعَةِ، وَعَبِيدَ الْعَصَا، وَأَبْنَاءَ الْإِمَاءِ وَالْأَيَامَى، أَلَا يَرْبَعُ كُلُّ رِجْلٍ مِنْكُمْ عَلَى ظَلْعِهِ، وَيُحْسِنُ حَقْنَ دَمِهِ، وَيُبَصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأُوشِكُ أَنْ أُوقِعَ بِكُمْ وَقْعَةً تَكُونُ نَكَالًا لِمَا قَبِلَهَا، وَأَدَبًا لِمَا بَعْدَهَا.
فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ التَّمِيمِيُّ ثُمَّ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، أَنَا فِي هَذَا الْبَعْثِ، وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ وَعَلِيلٌ، وَهَذَا ابْنِي هُوَ أَشِبُّ مِنِّي.
قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ التَّمِيمِيُّ.
قَالَ: أَسَمِعْتَ كَلَامَنَا بِالْأَمْسِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: أَلَسْتَ الَّذِي غَزَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: كَانَ حَبَسَ أَبِي وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا.
قَالَ: أَوَلَيِسَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: هَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي ... فَعَلْتُ وَوَلَّيْتُ الْبُكَاءَ حَلَائِلَهُ

ثُمَّ قَالَ الْحَجَّاجُ: إِنِّي لَأَحْسَبُ أَنَّ فِي قَتْلِكَ صَلَاحُ الْمِصْرَيْنِ.
ثُمَّ قَالَ: قُمْ إِلَيْهِ يَا حَرَسِيُّ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ.
فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَانْتَهَبَ مَالَهُ، وَأَمَرَ مُنَادِيًا فِي النَّاسِ: أَلَا إِنَّ عُمَيْرَ بْنَ ضَابِئٍ تَأَخَّرَ بَعْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ ثَلَاثًا، فَأُمِرَ بِقَتْلِهِ.
قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ حَتَّى ازْدَحَمُوا عَلَى الْجِسْرِ، فَعَبَرَ عَلَيْهِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ مَذْحِجٍ، وَخَرَجَتْ مَعَهُمُ الْعُرَفَاءُ حَتَّى وَصَلُوا بِهِمْ إِلَى الْمُهَلَّبِ، وَأَخَذُوا مِنْهُ كِتَابًا بِوُصُولِهِمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: قَدِمَ الْعِرَاقَ وَاللَّهِ رَجُلٌ ذَكَرٌ، الْيَوْمَ قُوتِلَ الْعَدُوُّ.
وَيُرْوَى أَنَّ الْحَجَّاجُ لَمْ يَعْرِفْ عُمَيْرَ بْنَ ضَابِئٍ حَتَّى قَالَ لَهُ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّ هَذَا جَاءَ إِلَى عُثْمَانَ وَقَدْ قُتِلَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ عِنْدَ ذَلِكَ بِقَتْلِهِ.
وَبَعَثَ الْحَجَّاجُ الْحَكَمَ بْنَ أَيُّوبَ الثَّقَفِيَّ نَائِبًا عَلَى الْبَصْرَةِ مِنْ جِهَتِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَدَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَقَرَّ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحًا، ثُمَّ رَكِبَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْبَصْرَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ أَبَا يَعْفُورَ، وَوَلَّى قَضَاءَ الْبَصْرَةِ لِزُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْكُوفَةِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَأَقَرَّ عَمَّهُ يَحْيَى عَلَى نِيَابَةِ الْمَدِينَةِ، وَعَلَى بِلَادِ خُرَاسَانَ أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ النَّاسُ بِالْبَصْرَةِ عَلَى الْحَجَّاجِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا رَكِبَ مِنْ

الْكُوفَةِ، بَعْدَ قَتْلِ عُمَيْرِ بْنِ ضَابِئٍ، وَقَامَ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ بِخُطْبَةٍ نَظِيرَ مَا قَامَ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ وَالتَّهْدِيدِ الْأَكِيدِ، ثُمَّ أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي يَشْكُرَ، فَقِيلَ: هَذَا عَاصٍ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّ بِي فَتْقًا، وَقَدْ عَذَرَنِي بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ، وَهَذَا عَطَائِي مَرْدُودٌ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ.
فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ، فَفَزِعَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَخَرَجُوا مِنَ الْبَصْرَةِ حَتَّى اجْتَمَعُوا عِنْدَ قَنْطَرَةِ رَامَهُرْمُزَ، وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْحَجَّاجُ - وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - فِي أُمَرَاءِ الْجَيْشِ مِنَ الْمِصْرَيْنِ، فَاقْتَتَلُوا هُنَاكَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَهَزَمَهُمِ الْحَجَّاجُ، وَقَتَلَ أَمِيرَهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْجَارُودِ فِي رُءُوسٍ مِنَ الْقَبَائِلِ مَعَهُ، وَأَمَرَ بِرُءُوسِهِمْ فَنُصِبَتْ عِنْدَ الْجِسْرِ مِنْ رَامْهُرْمُزَ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْمُهَلَّبِ فَقَوِيَ بِذَلِكَ، وَضَعُفَ أَمَرُ الْخَوَارِجِ، وَأَرْسَلَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْمُهَلَّبِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ فَأَمَرَهُمَا بِمُنَاهَضَةِ الْأَزَارِقَةِ، فَنَهَضَا بِمَنْ مَعَهُمَا إِلَى الْخَوَارِجِ الْأَزَارِقَةِ فَأَجْلَوْهُمْ عَنْ أَمَاكِنِهِمْ مِنْ رَامْهُرْمُزَ بِأَيْسَرِ قِتَالٍ، فَهَرَبُوا إِلَى أَرْضِ كَازَرُونَ مِنْ إِقْلِيمِ سَابُورَ، وَسَارَ النَّاسُ وَرَاءَهُمْ، فَالْتَقَوْا فِي الْعَشْرِ الْآخَرِ مِنْ رَمَضَانَ.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ بَيَّتَ الْخَوَارِجُ الْمُهَلَّبَ مِنَ اللَّيْلِ، فَوَجَدُوهُ قَدْ تَحَصَّنَ بِخَنْدَقٍ حَوْلَ مُعَسْكَرِهِ، فَجَاءُوا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ فَوَجَدُوهُ غَيْرَ مُحْتَرِزٍ - وَكَانَ الْمُهَلَّبُ قَدْ أَمَرَهُ بِالِاحْتِرَازِ بِخَنْدَقٍ حَوْلَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ - فَاقْتَتَلُوا فِي اللَّيْلِ، فَقَتَلَتِ الْخَوَارِجُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مِخْنَفٍ وَطَائِفَةً مِنْ جَيْشِهِ، وَهَزَمُوهُمْ هَزِيمَةً مُنْكَرَةً.
وَيُقَالُ: إِنَّ الْخَوَارِجَ لَمَّا الْتَقَوْا مَعَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ كَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِعَشْرٍ بَقِينَ

مِنْ رَمَضَانَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَحَمَلَتِ الْخَوَارِجُ عَلَى جَيْشِ الْمُهَلَّبِ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، فَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِخْنَفٍ يَمُدُّهُ بِالْخَيْلِ بَعْدَ الْخَيْلِ، وَالرِّجَالِ بَعْدَ الرِّجَالِ، فَمَالَتِ الْخَوَارِجُ إِلَى مُعَسْكَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَاقْتَتَلُوا مَعَهُ إِلَى اللَّيْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ، وَقُتِلَ مَعَهُ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ جَاءَ الْمُهَلَّبُ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ، وَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِمَهْلِكِهِ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعَزِيهِ فِيهِ، فَنَعَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى النَّاسِ بِمِنًى، وَأَمَّرَ الْحَجَّاجُ مَكَانَهُ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُطِيعَ الْمُهَلَّبَ، فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ طَاعَةِ الْحَجَّاجِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ مُخَالَفَتُهُ، فَسَارَ إِلَى الْمُهَلَّبِ فَجَعَلَ لَا يُطِيعُهُ إِلَّا ظَاهِرًا، وَيَعْصِيهِ كَثِيرًا، ثُمَّ تَقَاوَلَا، فَهَمَّ الْمُهَلَّبُ أَنْ يُوقِعَ بِعَتَّابٍ، ثُمَّ حَجَزَ بَيْنَهُمَا النَّاسُ، فَكَتَبَ عَتَّابُ إِلَى الْحَجَّاجِ يَشْكُو الْمُهَلَّبَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَقَدَمَ عَلَيْهِ، وَأَعْفَاهُ مِنْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الْمُهَلَّبُ مَكَانَهُ ابْنَهُ حَبِيبَ بْنَ الْمُهَلَّبِ.
وَفِيهَا خَرَجَ دَاوُدُ بْنُ النُّعْمَانِ الْمَازِنِيُّ بِنَوَاحِي الْبَصْرَةِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ أَمِيرًا عَلَى سِرِّيَّةٍ فَقَتَلَهُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَحَرَّكَ صَالِحُ بْنُ مُسَرِّحٍ أَحَدُ بَنِي امْرِئِ الْقَيْسِ، وَكَانَ يَرَى رَأْيَ الصُّفْرِيَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الصُّفْرِيَّةِ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَمَعَهُ شَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ، وَالْبَطِينُ،

وَأَشْبَاهُهُمْ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ، وَاتَّفَقَ حَجُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَهَمَّ شَبِيبٌ بِالْفَتْكِ بِهِ، فَبَلَغَ عَبْدَ الْمَلِكِ ذَلِكَ مِنْ خَبَرِهِ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الْحَجِّ أَنَّ يَتَطَلَبَهُمْ، وَكَانَ صَالِحُ بْنُ مُسَرِّحٍ هَذَا يُكْثِرُ الدُّخُولَ إِلَى الْكُوفَةِ وَالْإِقَامَةَ بِهَا، وَكَانَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ دَارَا وَأَهْلِ الْمَوْصِلِ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ، وَيَقُصُّ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ مُصْفَرًّا كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، وَكَانَ إِذَا قَصَّ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَيَحُثُّ عَلَى ذِكْرِ الْمَوْتِ، ثُمَّ يَتَرَحَّمُ عَلَى الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِمَا ثَنَاءً حَسَنًا، وَلَكِنْ بَعْدَ ذَلِكَ يَذْكُرُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَسُبُّهُ وَيَنَالُ مِنْهُ، وَيُنْكِرُ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَيْهِ وَقَتَلُوهُ مِنْ فَجَرَةِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، ثُمَّ يَحُضُّ أَصْحَابَهُ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَ الْخَوَارِجِ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَلِإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ الَّذِي قَدْ شَاعَ فِي النَّاسِ وَذَاعَ، وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، وَيَذُمُّ الدُّنْيَا وَأَمْرَهَا وَيُصَغِّرُهَا، فَالْتَفَّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ شَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ الْخَارِجِيُّ يَسْتَبْطِئُهُ فِي الْخُرُوجِ، وَيَحُثُّهُ عَلَيْهِ، وَيَنْدُبُهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمَ شَبِيبٌ عَلَى صَالِحٍ وَهُوَ بِدَارَا، فَتَوَاعَدُوا وَتُوَافَقُوا عَلَى الْخُرُوجِ فِي مُسْتَهَلِّ صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ الْآتِيَةِ - وَهِيَ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ - وَقَدِمَ عَلَى صَالِحٍ شَبِيبٌ، وَأَخُوهُ مُصَادٌ، وَالْمُحَلَّلُ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَامِرٍ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَبْطَالِ وَهُوَ بِدَارَا نَحْوُ

مِائَةٍ وَعَشَرَةِ أَنْفُسٍ، ثُمَّ وَثَبُوا عَلَى خَيْلٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، فَأَخَذُوهَا وَتَقْوَوْا بِهَا، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمَرِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الَّتِي بَعْدَهَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَكَانَ مِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي قَوْلِ أَبِي مُسْهِرٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ: الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ السُّلَمِيُّ أَبُو نَجِيحٍ سَكَنَ حِمْصَ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، أَسْلَمَ قَدِيمًا هُوَ وَعَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَنَزَلَ الصُّفَّةَ، وَكَانَ مِنَ الْبَكَّائِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا أَسْمَاءَهُمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92] (التَّوْبَةِ: 92) . وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، حَتَّى قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا.
قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ، عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ; فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ» رَوَاهُ

أَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَرَوَى أَيْضًا: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ ثَلَاثًا، وَعَلَى الثَّانِي وَاحِدَةً» . وَقَدْ كَانَ الْعِرْبَاضُ شَيْخًا كَبِيرًا، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي، وَوَهَنَ عَظْمِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ.
وَرَوَى أَحَادِيثَ.
أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَغَزَا حُنَيْنًا، وَكَانَ مِمَّنْ نَزَلَ الشَّامَ بِدَارَيَّا غَرْبِيِّ دِمَشْقَ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: بِبَلَاطِ - قَرْيَةٍ شَرْقِيِّ دِمَشْقَ - فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ، وَاسْمِ أَبِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ، وَالْأَشْهُرُ مِنْهَا: جُرْثُومُ بْنُ نَاشِرٍ.
وَقَدْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ ; مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمَكْحُولٌ الشَّامِيُّ، وَأَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، وَأَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ.
وَكَانَ مِمَّنْ يُجَالِسُ كَعْبَ الْأَحْبَارِ، وَكَانَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ يَخْرُجُ، فَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَتَفَكَّرُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْمَنْزِلِ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ

لَا يَخْنُقَنِي اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَمَا أَرَاكُمْ تَخْتَنِقُونَ.
فَبَيْنَمَا هُوَ لَيْلَةً يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِذْ قُبِضَتْ رُوحُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَرَأَتِ ابْنَتُهُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ أَبَاهَا قَدْ مَاتَ، فَانْتَبَهَتْ مَذْعُورَةً، فَقَالَتْ لِأُمِّهَا: أَيْنَ أَبِي؟ قَالَتْ: هُوَ فِي مُصَلَّاهُ.
فَنَادَتْهُ فَلَمْ يُجِبْهَا، فَجَاءَتْهُ فَحَرَّكَتْهُ فَسَقَطَ لِجَنْبِهِ، فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، وَخَلِيفَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ.
وَقَالَ غَيْرُهُمْ: كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي أَوَّلِ إِمْرَةِ مُعَاوِيَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ: الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ صَاحِبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَمِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَقَدْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ، وَقَدْ حَجَّ الْبَيْتَ ثَمَانِينَ حَجَّةً وَعُمْرَةً، وَكَانَ يُهِلُّ مِنَ الْكُوفَةِ، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ يَصُومُ حَتَّى يَخْضَرَّ وَيَصْفَرَّ، فَلَمَّا احْتَضَرَ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا الْجَزَعُ؟ فَقَالَ: مَا لِيَ لَا أَجْزَعُ؟ وَمَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنِّي؟ وَاللَّهِ لَوْ أُنْبِئْتُ بِالْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ لَأَهَمَّنِي الْحَيَاءُ مِنْهُ مِمَّا قَدْ صَنَعْتُ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ الذَّنَبُ الصَّغِيرُ فَيَعْفُو عَنْهُ، فَلَا يَزَالُ مُسْتَحْيِيًا مِنْهُ.

حُمْرَانُ بْنُ أَبَانٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ كَانَ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ، اشْتَرَاهُ عُثْمَانُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَأْذَنُ لِلنَّاسِ عَلَى عُثْمَانَ.
تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

وَكَانَ فِي أَوَّلِهَا فِي مُسْتَهَلِّ صَفَرٍ مِنْهَا لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ اجْتِمَاعُ صَالِحِ بْنِ مُسَرِّحٍ أَمِيرِ الصُّفْرِيَّةِ، وَشَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ أَحَدِ شُجْعَانِ الْخَوَارِجِ، فَقَامَ فِيهِمْ صَالِحُ بْنُ مُسَرِّحٍ، فَأَمَرَهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَأَنْ لَا يُقَاتِلُوا أَحَدًا حَتَّى يَدْعُوهُ إِلَى الدُّخُولِ مَعَهُمْ.
ثُمَّ مَالُوا إِلَى دَوَابِّ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، نَائِبِ الْجَزِيرَةِ لِأَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَخَذُوهَا فَتَقْوَوْا بِهَا، وَأَقَامُوا بِأَرْضِ دَارَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَتَحَصَّنَ مِنْهُمْ أَهْلُ دَارَا وَنَصِيبِينَ وَسِنْجَارَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ نَائِبُ الْجَزِيرَةِ خَمْسَمِائَةِ فَارِسٍ، عَلَيْهِمْ عَدِيُّ بْنُ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ، ثُمَّ زَادَهُ خَمْسَمِائَةٍ أُخْرَى، فَسَارَ فِي أَلْفٍ مِنْ حَرَّانَ إِلَيْهِمْ، وَكَأَنَّمَا يُسَاقُ إِلَى الْمَوْتِ وَهُوَ يَنْظُرُ ; لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَلَدِ الْخَوَارِجِ وَقُوَّتِهِمْ وَشِدَّةِ بِأَسِهِمْ، فَلَمَّا الْتَقَى مَعَ الْخَوَارِجِ هَزَمُوهُ هَزِيمَةً شَنِيعَةً بَالِغَةً، وَاحْتَوَوْا عَلَى مَا فِي مُعَسْكَرِهِ، وَرَجَعَ فَلُّهُمْ إِلَى

مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ فَغَضِبَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ مَعَ الْحَارِثِ بْنِ جَعْوَنَةَ، وَأَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ مَعَ خَالِدِ بْنِ جَزْءٍ السُّلَمِيِّ، وَقَالَ لَهُمَا: أَيُّكُمَا سَبَقَ إِلَيْهِمْ فَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَى النَّاسِ.
فَسَارُوا إِلَيْهِمْ فِي ثَلَاثَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَالْخَوَارِجُ فِي نَحْوٍ مِنْ مِائَةِ نَفْسٍ، وَعَشَرَةِ أَنْفُسٍ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى آمِدَ تَوَجَّهَ صَالِحٌ إِلَى خَالِدِ بْنِ جَزْءٍ فِي شَطْرِ النَّاسِ، وَوَجَّهَ شَبِيبًا إِلَى الْحَارِثِ بْنِ جَعْوَنَةَ فِي الْبَاقِينَ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ فِي هَذَا الْيَوْمِ قِتَالًا شَدِيدًا إِلَى اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ انْكَفَّ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَنِ الْآخَرِ، وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْخَوَارِجِ نَحْوَ السَّبْعِينَ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَرْوَانَ نَحْوَ الثَّلَاثِينَ، وَهَرَبَتِ الْخَوَارِجُ فِي اللَّيْلِ، فَخَرَجُوا مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَأَخَذُوا فِي أَرْضِ الْمَوْصِلِ، وَمَضَوْا حَتَّى قَطَعُوا الدَّسْكَرَةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمِ الْحَجَّاجُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ مَعَ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرَةَ، فَسَارَ نَحْوَهُمْ حَتَّى لَحِقَهُمْ بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ، وَلَيْسَ مَعَ صَالِحٍ سِوَى تِسْعِينَ رَجُلًا، فَالْتَقَى مَعَهُمْ،

وَقَدْ جَعَلَ صَالِحٌ أَصْحَابَهُ ثَلَاثَةَ كَرَادِيسَ ; فَهُوَ فِي كُرْدُوسٍ، وَشَبِيبٌ عَنْ يَمِينِهِ فِي كُرْدُوسٍ، وَسُوَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ يَسَارِهِ فِي كُرْدُوسٍ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمُ الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرَةَ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ أَبُو الرَّوَّاغِ الشَّاكِرِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْأَرْوَحِ التَّمِيمِيُّ، فَصَبَرَتِ الْخَوَارِجُ عَلَى قِلَّتِهِمْ صَبْرًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْكَشَفَ وَسُوَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثُمَّ قُتِلَ صَالِحُ بْنُ مُسَرِّحٍ أَمِيرُهُمْ، وَصُرِعَ شَبِيبٌ عَنْ فَرَسِهِ، فَالْتَفَّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْخَوَارِجَ حَتَّى احْتَمَلُوهُ، فَدَخَلُوا بِهِ حِصْنًا هُنَالِكَ، وَقَدْ بَقِيَ مَعَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، فَأَحَاطَ بِهِمُ الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْرِقُوا الْبَابَ، فَفَعَلُوا، وَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ يَنْتَظِرُونَ حَرِيقَ الْبَابَ، فَيَأْخُذُونَ الْخَوَارِجَ قَهْرًا، فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ وَاطْمَأَنُّوا خَرَجَتْ عَلَيْهِمُ الْخَوَارِجُ مِنَ الْبَابِ عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ، فَبَيَّتُوا جَيْشَ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرَةَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَهَرَبَ النَّاسُ سِرَاعًا إِلَى الْمَدَائِنِ، وَاحْتَازَ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ مَا فِي مُعَسْكَرِهِمْ، فَكَانَ جَيْشُ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرَةَ أَوَّلَ جَيْشٍ هَزَمَهُ شَبِيبٌ، وَكَانَ مَقْتَلُ صَالِحِ بْنِ مُسَرِّحٍ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِيهَا دَخَلَ شَبِيبٌ الْكُوفَةَ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ غَزَالَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ شَبِيبًا جَرَتْ لَهُ

فُصُولٌ يَطُولُ تَفْصِيلُهَا بَعْدَ مَقْتَلِ صَالِحِ بْنِ مُسَرِّحٍ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْخَوَارِجُ وَبَايَعُوهُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ جَيْشًا آخَرَ، فَقَاتَلُوهُ فَهَزَمُوهُ ثُمَّ هَزَمَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَارَ فَحَاصَرَ الْمَدَائِنَ، فَلَمْ يَنَلْ مِنْهَا شَيْئًا، فَسَارَ فَأَخَذَ دَوَابَّ لِلْحَجَّاجِ مِنْ كَلْوَاذَا، وَمِنْ عَزْمِهِ أَنْ يُبَيِّتَ أَهْلَ الْمَدَائِنِ، فَهَرَبَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْجُنْدِ إِلَى الْكُوفَةِ فَلَمَّا وَصَلَ الْفَلُّ إِلَى الْحَجَّاجِ جَهَّزَ جَيْشًا أَرْبَعَةَ آلَافِ مُقَاتِلٍ إِلَى شَبِيبٍ، فَمَرُّوا عَلَى الْمَدَائِنِ، ثُمَّ سَارُوا فِي طَلَبِ شَبِيبٍ، فَجَعَلَ شَبِيبٌ يَسِيرُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَهُوَ يُرِيهِمْ أَنَّهُ خَائِفٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَكُرُّ فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ فَيَكْسِرُهَا، وَيَنْهَبُ مَا فِيهَا، وَلَا يُوَاجِهُ أَحَدًا إِلَّا هَزَمَهُ، وَالْحَجَّاجُ يُلِحُّ فِي طَلَبِهِ، وَيُجَهِّزُ إِلَيْهِ السَّرَايَا وَالْبُعُوثَ وَالْمَدَدَ، وَشَبِيبٌ لَا يُبَالِي بِأَحَدٍ، وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِائَةٌ وَسِتُّونَ فَارِسًا، وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ، ثُمَّ سَارَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى حَتَّى وَاجَهَ الْكُوفَةَ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُحَاصِرَهَا، فَخَرَجَ الْجَيْشُ بِكَمَالِهِ إِلَى السَّبَخَةِ لِقِتَالِهِ، وَبِلَغَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يُبَالِ بِهِمْ، وَانْزَعَجَ النَّاسُ، وَخَافُوا مِنْهُ وَفَرِقُوا، وَهَمُّوا أَنْ يَدْخُلُوا الْكُوفَةَ خَوْفًا مِنْهُ، فَيَتَحَصَّنُوا فِيهَا مِنْهُ، حَتَّى قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي آثَارِهِمْ، وَقَدِ اقْتَرَبَ مِنْهُمْ، وَشَبِيبٌ نَازِلٌ بِالْكُوفَةِ بِالدَّيْرِ، لَيْسَ عِنْدَهُ خَبَرٌ مِنْهُمْ وَلَا خَوْفٌ، وَقَدْ أَمَرَ بِطَعَامٍ وَشِوَاءٍ أَنْ يُصْنَعَ لَهُ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ جَاءَكَ الْجُنْدُ فَأَدْرِكْ نَفْسَكَ.
فَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى ذَلِكَ وَلَا يَكْتَرِثُ بِهِمْ، وَيَقُولُ لِلدِّهْقَانِ

الَّذِي يَصْنَعُ لَهُ الطَّعَامَ: عَجِّلْ بِهِ.
فَلَمَّا اسْتَوَى أَكَلَهُ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةً تَامَّةً بِتَطْوِيلٍ وَطُمَأْنِينَةٍ، ثُمَّ لَبِسَ دِرْعَهُ، وَتَقَلَّدَ سَيْفَيْنِ، وَأَخَذَ عَمُودَ حَدِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: أَسْرِجُوا لِي الْبَغْلَةَ.
فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ مُصَادٌ: أَفِي هَذَا الْيَوْمِ تَرْكَبُ بَغْلَةً، وَقَدْ أَحَاطَ بِكَ الْأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَرَكِبَهَا، ثُمَّ فَتَحَ بَابَ الدَّيْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا أَبُو الْمُدَلَّهِ، لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى أَمِيرِ الْجَيْشِ الَّذِي تَقَدَّمُوا إِلَيْهِ، فَضَرَبَهُ بِالْعَمُودِ الْحَدِيدِ فَقَتَلَهُ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُجَالِدِ، وَحَمَلَ عَلَى الْجَيْشِ الْآخَرِ الْكَثِيفِ فَصَرَعَ أَمِيرَهُ، وَهَرَبَ النَّاسُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَجَئُوا إِلَى الْكُوفَةِ، وَمَضَى شَبِيبٌ حَتَّى أَغَارَ عَلَى أَسْفَلِ الْفُرَاتِ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً هُنَاكَ، وَخَرَجَ الْحَجَّاجُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، ثُمَّ اقْتَرَبَ شَبِيبٌ مِنَ الْكُوفَةِ يُرِيدُ دُخُولَهَا، فَأَعْلَمَ الدَّهَاقِينُ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَأَسْرَعَ الْحَجَّاجُ الْخُرُوجَ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَقَصَدَ الْكُوفَةَ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، وَبَادَرَهُ شَبِيبٌ إِلَى الْكُوفَةِ، فَسَبَقَهُ الْحَجَّاجُ إِلَيْهَا، فَدَخَلَهَا الْعَصْرَ، وَوَصَلَ شَبِيبٌ إِلَى الْمِرْبَدِ عِنْدَ الْغُرُوبِ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ دَخَلَ شَبِيبٌ الْكُوفَةَ، وَقَصَدَ

قَصْرَ الْإِمَارَةِ، فَضَرَبَ بَابَهُ بِعَمُودِهِ الْحَدِيدِ، فَأَثَّرَتْ ضَرْبَتُهُ فِي الْبَابِ، فَكَانَتْ تُعْرَفُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ يُقَالُ: هَذِهِ ضَرْبَةُ شَبِيبٍ، وَسَلَكَ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ، وَتَقَصَّدَ مَحَالَّ الْقَبَائِلِ، وَقَتَلَ رِجَالًا مِنْ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ أَبُو سُلَيْمٍ وَالِدُ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَعَدِيُّ بْنِ عَمْرٍو، وَأَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ، فِي طَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ مَعَ شَبِيبٍ امْرَأَتُهُ غَزَالَةُ، وَكَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالشَّجَاعَةِ، فَدَخَلَتْ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ، وَجَلَسَتْ عَلَى مِنْبَرِهِ، وَجَعَلَتْ تَذُمُّ بَنِي مَرْوَانَ.
وَنَادَى الْحَجَّاجُ فِي النَّاسِ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي وَأَبْشِرِي.
فَخَرَجَ شَبِيبٌ مِنَ الْكُوفَةِ، فَجَهَّزَ الْحَجَّاجُ فِي أَثَرِهِ سِتَّةَ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فَسَارُوا وَرَاءَهُ، وَهُوَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، يَنْعَسُ وَيَهُزُّ رَأْسَهُ، وَفِي أَوْقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَكُرُّ عَلَيْهِمْ شَبِيبٌ، فَيَقْتُلُ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، حَتَّى قَتَلَ مَنْ جَيْشِ الْحَجَّاجِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ، مِنْهُمْ: زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ - قَتَلَهُ شَبِيبٌ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الْمُخْتَارِ - فَوَجَّهَ الْحَجَّاجُ مَكَانَهُ لِحَرْبِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَلَمْ يُقَابِلْ شَبِيبًا وَرَجَعَ، فَوَجَّهَ مَكَانَهُ عُثْمَانَ بْنَ قَطَنٍ الْحَارِثِيَّ، فَالْتَقَوْا فِي آخِرِ السَّنَةِ، فَقُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ قَطَنٍ، وَانْهَزَمَتْ جُمُوعُهُ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ سِتُّمِائَةِ نَفْسٍ، فَمِنْ أَعْيَانِهِمْ عَقِيلُ بْنُ شَدَّادٍ السَّلُولِيُّ،

وَخَالِدُ بْنُ نَهِيكٍ الْكِنْدِيُّ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ رَبِيعَةَ.
وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ شَبِيبٍ، وَتَزَلْزَلَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَالْحَجَّاجُ، وَسَائِرُ الْأُمَرَاءِ، وَخَافَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْهُ خَوْفًا شَدِيدًا، فَبَعَثَ لَهُ جَيْشًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَقَدِمُوا فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، وَإِنَّ مَا مَعَ شَبِيبٍ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ، وَقَدْ مَلَأَ قُلُوبَ النَّاسِ رُعْبًا، وَجَرَتْ خُطُوبٌ كَثِيرَةٌ لَهُ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَدَأْبَهُمْ حَتَّى اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ نَقَشَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَقَشَهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": اخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ ضَرَبَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ ; فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ الْمَنْقُوشَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَكَانَتِ الدَّنَانِيرُ رُومِيَّةٌ، وَالدَّرَاهِمُ كِسْرَوِيَّةٌ.
قَالَ أَبُو الزِّنَادِ وَكَانَ نَقْشُهُ لَهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ.
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: خَمْسٍ وَسَبْعِينَ.
وَضُرِبَتْ فِي الْآفَاقِ سَنَةَ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ.
وَذَكَرَ أَنَّهُ ضُرِبَ عَلَى الْجَانِبِ الْوَاحِدِ مِنْهَا " اللَّهُ أَحَدٌ "، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ " اللَّهُ

الصَّمَدُ "، قَالَ: وَحَكَى يَحْيَى بْنُ النُّعْمَانِ الْغِفَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَمْرِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، سَنَةَ سَبْعِينَ، عَلَى ضَرْبِ الْأَكَاسِرَةِ، وَعَلَيْهَا " الْمُلْكُ بَرَكَةٌ " مِنْ جَانِبٍ، وَ " لِلَّهِ " مِنْ جَانِبٍ، ثُمَّ غَيَّرَهَا الْحَجَّاجُ، وَكَتَبَ اسْمَهُ عَلَيْهَا مِنْ جَانِبٍ، ثُمَّ خَلَّصَهَا بَعْدَهُ يُوسُفُ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ خَلَّصَهَا أَجْوَدَ مِنْهَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ فِي أَيَّامِ هِشَامٍ، ثُمَّ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ أَجْوَدَ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ.
وَلِذَلِكَ كَانَ الْمَنْصُورُ لَا يَقْبَلُ مِنْهَا إِلَّا الْهُبَيْرِيَّةَ وَالْخَالِدِيَّةَ وَالْيُوسُفِيَّةَ.
وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِلنَّاسِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ، مِنْهَا الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ، وَكَانَ ثَمَانِيَةَ دَوَانِقَ، وَالطَّبَرِيُّ وَكَانَ أَرْبَعَةَ دَوَانِقَ، وَالْمِصْرِيُّ ثَلَاثَةَ دَوَانِقَ، وَالْيَمَنِيُّ دَانَقًا، فَجَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ الْبَغْلِيِّ وَالطَّبَرِيِّ، ثُمَّ أَخَذَ نِصْفَهَا فَجَعَلَهُ الدِّرْهَمَ الشَّرْعِيَّ، وَهُوَ نِصْفُ مِثْقَالٍ وَخُمْسُ مِثْقَالٍ، وَذَكَرُوا أَنَّ الْمِثْقَالَ لَمْ يُغَيِّرُوا وَزْنَهُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهَا وُلِدَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ مَرْوَانُ

الْحِمَارُ، آخِرُ مَنْ تَوَلَّى الْخِلَافَةَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بِالشَّامِ، وَمِنْهُ أَخَذَهَا بَنُو الْعَبَّاسِ.
وَفِيهَا وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ نِيَابَةَ الْمَدِينَةِ لَأَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، وَعَزَلَ عَنْهَا يَحْيَى بْنَ مَرْوَانَ عَمَّهُ، وَاسْتَدْعَاهُ إِلَى الشَّامِ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ نَائِبَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَلَى إِمْرَةِ الْعِرَاقِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ الْقُضَاعِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلَّ، أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَغَزَا جَلُولَاءَ وَالْقَادِسِيَّةَ وَتُسْتَرَ وَنَهَاوَنْدَ وَأَذْرَبِيجَانَ وَغَيْرَهَا، وَكَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، زَاهِدًا عَالِمًا، يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، تُوُفِّيَ وَعُمْرُهُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً بِالْكُوفَةِ.
صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ الْعَدَوِيُّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ ذَا فَضْلٍ وَوَرَعٍ وَعِبَادَةٍ وَزُهْدٍ، كُنْيَتُهُ أَبُو الصَّهْبَاءِ، كَانَ يُصَلِّي حَتَّى مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ الْفِرَاشَ إِلَّا حَبْوًا، وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ عَلَيْهِ شَبَابٌ يَلْهُونَ

وَيَلْعَبُونَ، فَيَقُولُ: أَخْبِرُونِي عَنْ قَوْمٍ أَرَادُوا سَفَرًا، فَحَادُوا فِي النَّهَارِ عَنِ الطَّرِيقِ، وَنَامُوا اللَّيْلَ، فَمَتَى يَقْطَعُونَ سَفَرَهُمْ؟ فَقَالَ لَهُمْ يَوْمًا هَذِهِ الْمَقَالَةَ، فَقَالَ شَابٌّ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ يَا قَوْمِ إِنَّهُ مَا يَعْنِي بِهَذَا غَيْرَنَا، نَحْنُ بِالنَّهَارِ نَلْهُو وَبِاللَّيْلِ نَنَامُ.
ثُمَّ تَبِعَ صِلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَعَبَّدُ مَعَهُ حَتَّى مَاتَ، وَمَرَّ عَلَيْهِ فَتًى يَجُرُّ ثَوْبَهُ، فَهَمَّ أَصْحَابُهُ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَقَالَ: دَعُونِي أَكْفِكُمْ أَمْرَهُ.
ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: يَابْنَ أَخَى، لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ.
قَالَ: وَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: أَنْ تَرَفَعَ إِزَارَكَ.
قَالَ: نَعَمْ، وَنِعْمَتْ عَيْنٌ.
فَرَفَعَ إِزَارَهُ، فَقَالَ صِلَةُ: هَذَا أَمْثَلُ مِمَّا أَرَدْتُمْ، لَوْ شَتَمْتُمُوهُ لَشَتَمَكُمْ.
وَمِنْهَا مَا حَكَاهُ جَعْفَرُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي غَزَاةٍ، وَفَى الْجَيْشِ صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ، فَنَزَلَ النَّاسُ عِنْدَ الْعَتَمَةِ، فَقُلْتُ: لَأَرْمُقَنَّ عَمَلَهُ اللَّيْلَةَ.
فَدَخَلَ غَيْضَةً، وَدَخَلْتُ فِي أَثَرِهِ، فَقَامَ يُصَلِّي، وَجَاءَ الْأَسَدُ حَتَّى دَنَا مِنْهُ، وَصَعِدْتُ أَنَا فِي شَجَرَةٍ.
قَالَ: فَتُرَاهُ الْتَفَتَ، أَوْ عَدَّهُ جِرْوًا حَتَّى سَجَدَ؟ فَقُلْتُ: الْآنَ يَفْتَرِسُهُ.
فَجَلَسَ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَالَ: أَيُّهَا السَّبْعُ، إِنْ كُنْتَ أُمِرْتَ بِشَيْءٍ فَافْعَلْ، وَإِلَّا فَاطْلُبِ الرِّزْقَ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ.
فَوَلَّى الْأَسَدُ وَإِنَّ لَهُ لَزَئِيرًا تَصَّدَّعُ مِنْهُ الْجِبَالُ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصَّبَاحِ جَلَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ بِمَحَامِدَ لَمْ أَسْمَعْ بِمِثْلِهَا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ، أَوَ مِثْلِي يَجْتَرِئُ أَنْ يَسْأَلَكَ الْجَنَّةَ؟ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ كَأَنَّهُ بَاتَ عَلَى الْحَشَايَا، وَأَصْبَحْتُ وَبِي مِنَ الْفَتْرَةِ شَيْءٌ اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ.
قَالَ: وَذَهَبَتْ بِغْلَتُهُ بِثِقَلِهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ بَغْلَتِي

بِثِقَلِهَا.
فَجَاءَتْ حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
قَالَ: فَلَمَّا الْتَقَيْنَا الْعَدُوَّ حَمَلَ هُوَ وَهِشَامُ بْنُ عَامِرٍ، فَصَنَعَا بِهِمْ طَعْنًا وَضَرْبًا، فَقَالَ الْعَدُوُّ: رَجُلَانِ مِنَ الْعَرَبِ صَنَعَا بِنَا هَذَا؛ فَكَيْفَ لَوْ قَاتَلُونَا كُلُّهُمْ؟ أَعْطُوا الْمُسْلِمِينَ حَاجَتَهُمْ.
يَعْنِي انْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِمْ.
وَقَالَ صِلَةُ: جُعْتُ مَرَّةً فِي غَزَاةٍ جَوْعًا شَدِيدًا، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ أَدْعُو رَبِّي وَأَسْتَطْعِمُهُ، إِذْ سَمِعْتُ وَجْبَةً مِنْ خَلْفِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِمِنْدِيلٍ أَبْيَضَ، فَإِذَا فِيهِ دَوْخَلَةٌ مَلْآنَةٌ رُطَبًا، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى شَبِعْتُ، وَأَدْرَكَنِي الْمَسَاءُ، فَمِلْتُ إِلَى دَيْرِ رَاهِبٍ فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ، فَاسْتَطْعَمَنِي مِنَ الرُّطَبِ فَأَطْعَمْتُهُ، ثُمَّ إِنِّي مَرَرْتُ عَلَى ذَلِكَ الرَّاهِبِ بَعْدَ زَمَانٍ فَإِذَا نَخَلَاتٌ حِسَانٌ، فَقَالَ: إِنَّهُنَّ لَمِنَ الرُّطَبَاتِ الَّتِي أَطْعَمْتَنِي.
وَجَاءَ بِذَلِكَ الْمِنْدِيلِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَكَانَتْ تُرِيهُ لِلنَّاسِ.
وَلَمَّا أُهْدِيَتْ مُعَاذَةُ إِلَى صِلَةَ، أَدْخَلَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْحَمَّامَ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ بَيْتَ الْعَرُوسِ ; بَيْتًا مُطَيَّبًا، فَقَامَ يُصَلِّي، فَقَامَتْ تُصَلِّي مَعَهُ، فَلَمْ يَزَالَا يُصَلِّيَانِ حَتَّى بَرَقَ الصُّبْحُ.
قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْ عَمِّ، أَهْدَيْتُ إِلَيْكَ ابْنَةَ عَمِّكَ اللَّيْلَةَ، فَقُمْتَ تُصَلِّي وَتَرَكْتَهَا.
قَالَ: إِنَّكَ أَدَخَلْتَنِي بَيْتًا أَوَّلَ النَّهَارِ أَذْكَرْتَنِي بِهِ النَّارَ، وَأَدْخَلْتَنِي بَيْتًا آخِرَ النَّهَارِ أَذْكَرْتَنِي بِهِ الْجَنَّةَ، فَلَمْ تَزَلْ فِكْرَتِي فِيهِمَا حَتَّى أَصْبَحْتُ.
الْبَيْتُ الَّذِي أَذْكَرَهُ بِهِ النَّارَ هُوَ الْحَمَّامُ، وَالْبَيْتُ الَّذِي أَذْكَرَهُ بِهِ الْجَنَّةَ هُوَ بَيْتُ الْعَرُوسِ.

وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ادْعُ اللَّهَ لِي.
فَقَالَ: رَغَّبَكَ اللَّهُ فِيمَا يَبْقَى، وَزَهَّدَكَ فِيمَا يَفْنَى، وَرَزَقَكَ الْيَقِينَ الَّذِي لَا تَرْكَنُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا تُعَوِّلُ فِي الدِّينِ إِلَّا عَلَيْهِ.
وَكَانَ صِلَةُ فِي غَزَاةٍ، وَمَعَهُ ابْنُهُ، فَقَالَ لَهُ: أَيْ بُنَيَّ، تَقَدَّمْ فَقَاتِلْ حَتَّى أَحْتَسِبَكَ.
فَحَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ صِلَةُ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ عِنْدَ امْرَأَتِهِ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، فَقَالَتْ: إِنْ كُنْتُنَّ جِئْتُنَّ لِتُهَنِّئْنَنِي فَمَرْحَبًا بِكُنَّ، وَإِنْ كُنْتُنَّ جِئْتُنَّ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَارْجِعْنَ.
تُوُفِّيَ صِلَةُ فِي غَزَاةٍ هُوَ وَابْنُهُ نَحْوَ بِلَادِ فَارِسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
زُهَيْرُ بْنُ قَيْسٍ الْبَلَوِيُّ شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَسَكَنَهَا، لَهُ صُحْبَةٌ، قَتَلَتْهُ الرُّومُ بِبَرْقَةَ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّرِيخَ أَتَى الْحَاكِمَ بِمِصْرَ - وَهُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ - أَنَّ الرُّومَ نَزَلُوا بَرْقَةَ، فَأَمَرَهُ بِالنُّهُوضِ إِلَيْهِمْ، فَسَاقَ زُهَيْرٌ وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ نَفْسًا، فَوَجَدَ الرُّومَ، فَأَرَادَ أَنْ يَكُفَّ عَنِ الْقِتَالِ حَتَّى يَلْحَقَهُ الْعَسْكَرُ، فَقَالُوا: يَا أَبَا شَدَّادٍ، احْمِلْ بِنَا عَلَيْهِمْ.
فَحَمَلُوا، فَقُتِلُوا جَمِيعًا.
الْمُنْذِرُ بْنُ الْجَارُودِ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
تَوَلَّى بَيْتَ الْمَالِ، وَوَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

فِيهَا أَخْرَجَ الْحَجَّاجُ مُقَاتِلَةَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَانْضَافَ عَلَيْهِمْ عَشَرَةُ آلَافٍ، فَصَارُوا خَمْسِينَ أَلْفًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ لِشَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ أَيْنَ كَانَ، وَأَنْ يُصَمِّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ مَعَهُ، وَكَانُوا قَدْ تَجَمَّعُوا أَلْفَ رَجُلٍ، وَأَنْ لَا يَفْعَلُوا كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَهَا مِنَ الْفِرَارِ وَالْهَزِيمَةِ.
وَلَمَّا بَلَغَ شَبِيبًا مَا بَعَثَ بِهِ الْحَجَّاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْجُنُودِ، لَمْ يَعْبَأْ بِهِمْ شَيْئًا، بَلْ قَامَ فِي أَصْحَابِهِ خَطِيبًا، فَوَعَظَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الصَّبْرِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَمُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ، ثُمَّ سَارَ شَبِيبٌ بِأَصْحَابِهِ نَحْوَ عَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ، فَالْتَقَيَا فِي آخِرِ النَّهَارِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأَمَرَ شَبِيبٌ مُؤَذِّنَهُ سَلَّامَ بْنَ سَيَّارٍ الشَّيْبَانِيَّ فَأَذَّنَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ صَلَّى شَبِيبٌ بِأَصْحَابِهِ الْمَغْرِبَ، وَصَفَّ عَتَّابٌ أَصْحَابَهُ - وَكَانَ قَدْ خَنْدَقَ حَوْلَ جَيْشِهِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ - فَلَمَّا صَلَّى شَبِيبٌ بِأَصْحَابِهِ الْمَغْرِبَ انْتَظَرَ حَتَّى طَلَعَ الْقَمَرُ وَأَضَاءَ، تَأَمَّلَ الْمَيْمَنَةَ وَالْمَيْسَرَةَ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى أَصْحَابِ رَايَاتِ عَتَّابٍ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا شَبِيبٌ أَبُو الْمُدَلَّهِ، لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ.
فَهَزَمَهُمْ، وَقُتِلَ أَمِيرُهُمْ قَبِيصَةُ بْنُ وَالِقٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَعَهُ، ثُمَّ كَرَّ عَلَى الْمَيْمَنَةِ وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ، فَفَرَّقَ شَمْلَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ قَصَدَ الْقَلْبَ، فَمَا زَالَ حَتَّى قُتِلَ الْأَمِيرُ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ،

وَزَهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ، وَوَلَّى عَامَّةُ الْجَيْشِ مُدْبِرِينَ، وَدَاسُوا الْأَمِيرَ عَتَّابًا، وَزَهْرَةُ، فَوَطِئَتْهُ الْخَيْلُ، وَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ عَمَّارُ بْنُ يَزِيدَ الْكَلْبِيُّ، ثُمَّ قَالَ شَبِيبٌ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَتَبَّعُوا مُنْهَزِمًا.
وَانْهَزَمَ جَيْشُ الْحَجَّاجِ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ رَاجِعِينَ إِلَى الْكُوفَةِ.
وَكَانَ شَبِيبٌ لَمَّا احْتَوَى عَلَى الْمُعَسْكَرِ أَخَذَ مِمَّنْ بَقِيَ مِنْهُمُ الْبَيْعَةَ لَهُ بِالْإِمَارَةِ وَقَالَ لَهُمْ: إِلَى سَاعَةٍ تَهْرُبُونَ؟ ثُمَّ احْتَوَى عَلَى مَا فِي الْمُعَسْكَرِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْحَوَاصِلِ، وَاسْتَدْعَى بِأَخِيهِ مُصَادٍ مِنَ الْمَدَائِنِ، ثُمَّ قَصَدَ نَحْوَ الْكُوفَةِ، وَقَدْ وَفَدَ إِلَى الْحَجَّاجِ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَكَمِيُّ مِنْ مَذْحِجٍ فِي سِتَّةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَمَعَهُمَا خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَاسْتَغْنَى الْحَجَّاجُ بِهِمْ عَنْ نُصْرَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ لَا أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ أَرَادَ بِكُمُ الْعِزَّ، وَلَا نَصَرَ مَنْ أَرَادَ بِكُمُ النَّصْرَ، اخْرُجُوا عَنَّا فَلَا تَشْهَدُوا مَعَنَا قِتَالَ عَدُّوِّنَا، الْحَقُوا بِالْحِيرَةِ فَانْزِلُوا مَعَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَلَا يُقَاتِلَنَّ مَعَنَا إِلَّا مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا، وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ قِتَالَ عَتَّابِ بْنِ وَرَقَاءَ.
وَعَزَمَ الْحَجَّاجُ عَلَى قِتَالِ شَبِيبٍ بِنَفْسِهِ، وَسَارَ شَبِيبٌ حَتَّى بَلَغَ الصَّرَاةَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الشَّامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمَّا تَوَاجَهَ الْفَرِيقَانِ نَظَرَ الْحَجَّاجُ إِلَى شَبِيبٍ وَهُوَ فِي سِتِّمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَخَطَبَ الْحَجَّاجُ أَهْلَ الشَّامِ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الشَّامِ،

أَنْتُمْ أَهْلُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، لَا يَغْلِبَنَّ بَاطِلُ هَؤُلَاءِ الْأَرْجَاسِ حَقَّكُمْ، غُضُّوا الْأَبْصَارَ، وَاجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ، وَاسْتَقْبِلُوا بِأَطْرَافِ الْأَسِنَّةِ.
فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
وَأَقْبَلَ شَبِيبٌ وَقَدْ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ ; وَاحِدَةٌ مَعَهُ، وَأُخْرَى مَعَ سُوَيْدِ بْنِ سُلَيْمٍ، وَأُخْرَى مَعَ الْمُجَلَّلِ بْنِ وَائِلٍ، وَأَمَرَ شَبِيبٌ سُوَيْدًا أَنْ يَحْمِلَ، فَحَمَلَ عَلَى جَيْشِ الْحَجَّاجِ، فَصَبَرُوا لَهُ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ وَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةً وَاحِدَةً، فَانْهَزَمَ عَنْهُمْ، فَنَادَى الْحَجَّاجُ: يَا أَهْلَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، هَكَذَا فَافْعَلُوا.
ثُمَّ أَمَرَ الْحَجَّاجُ فَقُدِّمَ كُرْسِيُّهُ الَّذِي هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ إِلَى الْأَمَامِ، ثُمَّ أَمَرَ شَبِيبٌ الْمُجَلَّلَ أَنْ يَحْمِلَ، فَحَمَلَ، فَفَعَلُوا بِهِ كَمَا فَعَلُوا بِسُوِيدٍ، وَقَالَ لَهُمِ الْحَجَّاجُ كَمَا قَالَ لِأُولَئِكَ، وَقَدَّمَ كُرْسِيَّهُ إِلَى أَمَامٍ، ثُمَّ إِنَّ شَبِيبًا حَمَلَ عَلَيْهِمْ فِي كَتِيبَتِهِ فَثَبَتُوا لَهُ، حَتَّى إِذَا غَشَّى أَطْرَافَ الْأَسِنَّةِ وَثَبُوا فِي وَجْهِهِ فَقَاتَلَهُمْ طَوِيلًا، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ طَاعَنُوهُ قُدُمًا حَتَّى أَلْحَقُوهُ بِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَى صَبْرَهُمْ نَادَى: يَا سُوَيْدُ، احْمِلْ فِي خَيْلِكَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ السِّكَّةِ ; لَعَلَّكَ تُزِيلُ أَهْلَهَا عَنْهَا، فَأْتِ الْحَجَّاجَ مِنْ وَرَائِهِ، وَنَحْمِلُ نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ أَمَامِهِ.
فَحَمَلَ فَلَمْ يُفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ قَدْ جَعَلَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ رِدْءًا لَهُ مِنْ وَرَائِهِ ; لِئَلَّا يُؤْتُوا مِنْ خَلْفِهِمْ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ بَصِيرًا بِالْحَرْبِ أَيْضًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَرَّضَ شَبِيبٌ أَصْحَابَهُ عَلَى الْحَمْلَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِهَا، فَفَهِمَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ، فَنَادَى: يَا أَهْلَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، اصْبِرُوا لِهَذِهِ الشِّدَّةِ الْوَاحِدَةِ، ثُمَّ وَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَا شَيْءٌ دُونَ الْفَتْحِ.
فَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ شَبِيبٌ بِجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا غَشِيَهُمْ نَادَى

الْحَجَّاجُ بِجَمَاعَةِ النَّاسِ، فَوَثَبُوا فِي وَجْهِهِ، فَمَا زَالُوا يَطْعَنُونَ وَيُطْعَنُونَ، وَهُمْ مُسْتَظْهِرُونَ عَلَى شَبِيبٍ وَأَصْحَابِهِ حَتَّى رَدُّوهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ إِلَى مَا وَرَاءَهَا، فَنَادَى شَبِيبٌ فِي أَصْحَابِهِ: يَا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، الْأَرْضَ الْأَرْضَ.
ثُمَّ نَزَلَ وَنَزَلَ أَصْحَابُهُ، وَنَادَى الْحَجَّاجُ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، يَا أَهْلَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، هَذَا أَوَّلُ النَّصْرِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ.
وَصَعِدَ مَسْجِدًا هُنَالِكَ لِشَبِيبٍ، وَمَعَهُ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ رَجُلًا مَعَهُمُ النَّبْلُ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا عَامَّةَ النَّهَارِ، مِنْ أَشَدِّ قِتَالٍ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِصَاحِبِهِ، وَالْحَجَّاجُ يَنْظُرُ إِلَى الْفَرِيقَيْنِ مِنْ مَكَانِهِ، ثُمَّ إِنَّ خَالِدَ بْنَ عَتَّابٍ اسْتَأْذَنَ الْحَجَّاجَ فِي أَنْ يَرْكَبَ فِي جَمَاعَةٍ فَيَأْتِيَ الْخَوَارِجَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ، فَانْطَلَقَ فِي جَمَاعَةٍ مَعَهُ نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَدَخْلَ عَسْكَرَ الْخَوَارِجِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَقَتَلَ مُصَادًا أَخَا شَبِيبٍ، وَغَزَالَةَ امْرَأَةَ شَبِيبٍ ; قَتَلَهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: فَرْوَةُ بْنُ دَفَّانَ الْكَلْبِيُّ.
وَخَرَقَ فِي جَيْشِ شَبِيبٍ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ الْحَجَّاجُ وَأَصْحَابُهُ وَكَبَّرُوا، وَانْصَرَفَ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى فَرَسٍ، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ النَّاسَ أَنْ يَنْطَلِقُوا فِي تَطَلُّبِهِمْ، فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ، وَتَخْلَّفَ شَبِيبٌ فِي حَامِيَةِ النَّاسِ، ثُمَّ انْطَلَقَ وَاتَّبَعَهُ الطَّلَبُ، فَجَعَلَ يَنْعَسُ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ حَتَّى يَخْفِقَ بِرَأْسِهِ، وَدَنَا مِنْهُ الطَّلَبُ، فَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَنْهَاهُ عَنِ النُّعَاسِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، فَجَعَلَ لَا يَكْتَرِثُ بِهِمْ، وَيَعُودُ فَتَخْفِقُ رَأْسُهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ بَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى أَصْحَابِهِ يَقُولُ: دَعُوهُ فِي

حَرَقِ النَّارِ.
فَتَرَكُوهُ وَرَجَعُوا.
ثُمَّ دَخَلَ الْحَجَّاجُ الْكُوفَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ شَبِيبًا لَمْ يُهْزَمْ قَبْلَهَا.
ثُمَّ قَصَدَ شَبِيبٌ الْكُوفَةَ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ سَرِيَّةٌ مِنْ جَيْشِ الْحَجَّاجِ، فَالْتَقَوْا مَعَهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَهُزِمَ الْخَوَارِجُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَسَارَتِ الْخَوَارِجُ هَارِبِينَ.
وَكَانَ عَلَى سَرِيَّةِ الْحَجَّاجِ الْحَارِثُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الثَّقَفِيُّ فِي أَلْفِ فَارِسٍ مَعَهُ، فَحَمَلَ شَبِيبٌ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَكَسَرَهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، وَدَخَلَ النَّاسُ الْكُوفَةَ هَارِبِينَ، وَحَصَّنَ النَّاسُ السِّكَكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو الْوَرْدِ مَوْلَى الْحَجَّاجِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ، فَقَاتِلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ هَرَبَ أَصْحَابُهُ، وَدَخَلُوا الْكُوفَةَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِ أَمِيرٌ آخَرُ فَانْكَسَرَ أَيْضًا، ثُمَّ سَارَ شَبِيبٌ بِأَصْحَابِهِ نَحْوَ السَّوَادِ، فَمَرُّوا بِعَامِلِ الْحَجَّاجِ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ خَطَبَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: اشْتَغَلْتُمْ بِالدُّنْيَا عَنِ الْآخِرَةِ.
ثُمَّ رَمَى بِالْمَالِ فِي الْفُرَاتِ، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ حَتَّى افْتَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً، وَلَا يَبْرُزُ لَهُ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ عَلَى بَعْضِ الْمُدُنِ، فَقَالَ لَهُ: يَا شَبِيبُ ابْرُزْ إِلَيَّ وَأَبْرُزُ إِلَيْكَ - وَكَانَ صَدِيقَهُ - فَقَالَ لَهُ شَبِيبٌ: إِنِّي لَا أَحِبُّ قَتْلَكَ.
فَقَالَ لَهُ: لَكِنِّي أُحِبُّ قَتْلَكَ، فَلَا تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوَقَائِعِ.
ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ شَبِيبٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَهَمَسَ رَأْسَهُ حَتَّى اخْتَلَطَ دِمَاغُهُ بِلَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، ثُمَّ كَفَّنَهُ وَدَفَنَهُ، ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ أَنْفَقَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً عَلَى الْجُيُوشِ وَالْعَسَاكِرِ فِي طَلَبِ شَبِيبٍ فَلَمْ يُطِيقُوهُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَوْتًا قَدَرًا

مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِمْ، وَلَا صُنْعِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

[ذِكْرُ مَقْتَلِ شَبِيبٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عِنْدَ ابْنِ الْكَلْبِيِّ]

وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ عَلَى الْبَصْرَةِ ; الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ، وَهُوَ زَوْجُ ابْنَةِ الْحَجَّاجِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا أَرْبَعَةَ آلَافٍ يَتَطَلَّبُونَ شَبِيبًا، وَيَكُونُونَ تَبَعًا لِسُفْيَانَ بْنِ الْأَبْرَدِ، فَفِعْلَ فَالْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَصَبَرَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِصَاحِبِهِ، ثُمَّ عَزَمَ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ فَحَمَلُوا عَلَى الْخَوَارِجِ، فَفَرُّوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ذَاهِبِينَ حَتَّى اضْطَرُّوهُمْ إِلَى جِسْرٍ هُنَاكَ، فَوَقَفَ عِنْدَهُ شَبِيبٌ فِي مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَجَزَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ، وَرَدِّهِ عَنْ مَوْقِفِهِ هَذَا بَعْدَمَا تَقَاتَلُوا نَهَارًا كَامِلًا أَشَدَّ قِتَالٍ يَكُونُ، ثُمَّ أَمَرَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ الرُّمَاةَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَرَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ رَشْقًا وَاحِدًا، فَفَرَّتِ الْخَوَارِجُ، ثُمَّ كَرَّتْ عَلَى الرُّمَاةِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا،

مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَبْرَدِ، وَجَاءَ اللَّيْلُ بِظَلَامِهِ، فَكَفَّ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَبَاتَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مُصِرًّا عَلَى مُنَاهَضَةِ الْآخَرِ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ عَبَرَ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْجِسْرِ، فَبَيْنَمَا شَبِيبٌ عَلَى مَتْنِ الْجِسْرِ، وَهُوَ عَلَى حِصَانٍ لَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ فَرَسٌ أُنْثَى، فَنَزَا فَرَسُهُ وَهُوَ عَلَى الْجِسْرِ، وَنَزَلَ حَافِرُ فَرَسِ شَبِيبٍ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَسَقَطَ فِي الْمَاءِ، فَقَالَ: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا.
ثُمَّ انْغَمَرَ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: 12] فَغَرِقَ.
وَلَمَّا تَحَقَّقَتِ الْخَوَارِجُ سُقُوطَهُ فِي الْمَاءِ كَرُّوا، وَانْصَرَفُوا ذَاهِبِينَ مُفَرَّقِينَ فِي الْبِلَادِ، وَجَاءَ أَمِيرُ جَيْشِ الْحَجَّاجِ، فَاسْتَخْرَجَ شَبِيبًا مِنَ الْمَاءِ، وَعَلَيْهِ دِرْعُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَشُقَّ صَدْرُهُ، فَاسْتُخْرِجَ قَلْبُهُ، فَإِذَا هُوَ مُجْتَمِعٌ صُلْبٌ كَأَنَّهُ صَخْرَةٌ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ بِهِ الْأَرْضَ فَيَثِبُ قَامَةَ الْإِنْسَانِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ قَدْ أَبْغَضُوهُ لِمَا أَصَابَ مِنْ عَشَائِرِهِمْ، فَلَمَّا تَخَلَّفَ فِي السَّاقَةِ اشْتَوَرُوا وَقَالُوا: نَقْطَعُ الْجِسْرَ بِهِ.
فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَمَالَتِ السُّفُنُ بِالْجِسْرِ، وَنَفَرَ فَرَسُهُ، فَسَقَطَ فِي الْمَاءِ فَغَرِقَ، فَنَادَوْا: غَرِقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.
فَعَرَفَ جَيْشُ الْحَجَّاجِ ذَلِكَ فَجَاءُوا فَاسْتَخْرَجُوهُ.
وَلَمَّا نُعِيَ شَبِيبٌ إِلَى أُمِّهِ، قَالَتْ: صَدَّقْتُمْ، إِنِّي كُنْتُ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ وَأَنَا حَامِلٌ بِهِ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنِّي شِهَابٌ مِنْ نَارٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يُطْفِئُهُ إِلَّا الْمَاءُ.
وَكَانَتْ أُمُّهُ جَارِيَةٌ اسْمُهَا جَهِيزَةُ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً، وَكَانَتْ مِنْ أَشْجَعِ

جارٍ التحميل