البداية والنهايةصفحات 200-239

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 200-239

فَقِيلَ لَهُ: تُبْ تُبْ.
فَقَالَ: تُبْتُ، فَذَهَبَتْ فَلَا نَدْرِي أَيْنَ ذَهَبَتْ.
رَوَاهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْمُعَمَّرِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ، هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا جَدَّدَ الْخَلِيفَةُ الْخِلَعَ عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي الْمَعَالِي هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ وَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ.
وَفِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْهَا دَخَلَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ إِلَى بَغْدَادَ فَتَلَقَّاهُ الْوَزِيرُ وَالْأَعْيَانُ، وَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْ جَيْشِهِ إِلَى شَيْءٍ، وَتَغَضَّبَ السُّلْطَانُ غِيَاثُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ عَلَى صَدَقَةَ بْنِ مَنْصُورٍ الْأَسَدِيِّ صَاحِبِ الْحِلَّةِ وَتَكْرِيتَ بِسَبَبٍ أَنَّهُ آوَى رَجُلًا مِنْ أَعْدَائِهِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو دُلَفَ سُرْخَابُ الدَّيْلَمِيُّ صَاحِبُ سَاوَةَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ لِيُرْسِلَهُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ جَيْشًا فَهَزَمُوا جَيْشَهُ، وَقَدْ كَانَ جَيْشَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ رَاجِلٍ وَقُتِلَ صَدَقَةُ فِي الْمَعْرَكَةِ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِهِ، وَأَخَذُوا مِنْ زَوْجَتِهِ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَجَوَاهِرَ نَفِيسَةً.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَظَهَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ صَبِيَّةٌ عَمْيَاءُ تَتَكَلَّمُ عَلَى أَسْرَارِ النَّاسِ، وَبَالَغَ النَّاسُ فِي الْحِيَلِ، لِيَعْلَمُوا حَالَهَا فَلَمْ يَعْلَمُوا، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَأَشْكَلَ أَمْرُهَا عَلَى الْعُلَمَاءِ وَالْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ، حَتَّى إِنَّهَا كَانَتْ تُسْأَلُ عَنْ نُقُوشِ

الْخَوَاتِمِ الْمَقْلُوبَةِ الصَّعْبَةِ، وَعَنْ أَنْوَاعِ الْفُصُوصِ وَصِفَاتِ الْأَشْخَاصِ، وَمَا فِي دَاخِلِ الْبَنَادِقِ مِنَ الشَّمْعِ وَالطِّينِ وَالْحَبِّ الْمُخْتَلِفِ وَالْخَرَزِ، وَبَالَغَ أَحَدُهُمْ حَتَّى تَرَكَ يَدَهُ عَلَى ذَكَرِهِ فَقِيلَ لَهَا: مَا الَّذِي فِي يَدِهِ فَقَالَتْ: يَحْمِلُهُ إِلَى أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ.
وَفِيهَا قَدِمَ الْقَاضِي فَخْرُ الْمُلْكِ أَبُو عُبَيْدٍ عَلِيُّ بْنُ عَمَّارٍ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ إِلَى بَغْدَادَ يَسْتَنْفِرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْفِرِنْجِ، فَأَكْرَمَهُ السُّلْطَانُ غِيَاثُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ إِكْرَامًا زَائِدًا، وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَبَعَثَ مَعَهُ الْجُيُوشَ الْكَثِيرَةَ لِقِتَالِ الْفِرِنْجِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: تَمِيمُ بْنُ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَةَ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ خُلَقًا وَكَرَمًا وَإِحْسَانًا، مَلَكَ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَعُمِّرَ تِسْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَتَرَكَ مِنَ الْبَنِينَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، وَمِنَ الْبَنَاتِ سِتِّينَ بِنْتًا، وَمَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ يَحْيَى، وَمِنْ أَحْسَنِ مَا مُدِحَ بِهِ الْأَمِيرُ تَمِيمٌ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَصَحُّ وَأَعْلَى مَا سَمِعْنَاهُ فِي النَّدَى ... مِنَ الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ مُنْذُ قَدِيمِ أَحَادِيثُ تَرْوِيهَا السُّيُولُ عَنِ الْحَيَا ... عَنِ الْبَحْرِ عَنِ كَفِّ الْأَمِيرِ تَمِيمِ صَدَقَةُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ دُبَيْسِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ الْأَسَدِيُّ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ، صَاحِبُ الْحِلَّةِ وَتَكْرِيتَ وَوَاسِطٍ وَغَيْرِهَا كَانَ كَرِيمًا، عَفِيفًا، ذَا ذِمَامٍ، مَلْجَأً لِكُلِّ خَائِفٍ، يَأْمَنُ فِي بِلَادِهِ وَتَحْتَ جَنَابِهِ، وَكَانَ يُحْسِنُ يَقْرَأُ الْكُتُبَ،

وَلَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ، وَقَدِ اقْتَنَى كُتُبًا كَثِيرَةً جِدًّا نَفِيسَةً، وَكَانَ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَى امْرَأَةٍ قَطُّ، وَلَا يَتَسَرَّى عَلَى سُرِّيَّةٍ ; حِفْظًا لِلذِّمَامِ وَلِئَلَّا يَكْسِرَ قَلْبَ أَحَدٍ، وَقَدْ مُدِحَ بِأَوْصَافٍ جَمِيلَةٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، قُتِلَ فِي بَعْضِ الْمَعْرَكَةِ، قَتَلَهُ غُلَامٌ اسْمُهُ بُزْغَشُ.
وَكَانَ لَهُ مِنَ الْعُمْرِ تِسْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَلِيَ الْإِمَارَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً؛ رَحِمَهُ اللَّهُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ تَزَوَّجَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ بِالْخَاتُونِ بِنْتِ مَلِكْشَاهْ أُخْتِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، عَلَى صَدَاقِ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَنُثِرَ الذَّهَبُ، وَكُتِبَ الْعَقْدُ بِأَصْبَهَانَ، وَفِيهَا كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ الْأَتَابِكِ طُغْتِكِينَ صَاحِبِ دِمَشْقَ وَبَيْنَ الْفِرِنْجِ.
وَفِيهَا مَلَكَ سَعِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْعُمَرِيُّ الْحِلَّةَ السَّيْفِيَّةَ.
وَفِيهَا زَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً كَثِيرَةً فَغَرِقَتِ الْغَلَّاتُ فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِسَبَبِ ذَلِكَ غَلَاءً شَدِيدًا وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْأَمِيرُ قَايْمَازُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحَسَنُ الْعَلَوِيُّ أَبُو هَاشِمٍ رَئِيسُ هَمَذَانَ وَكَانَ ذَا مَالٍ جَزِيلٍ، صَادَرَهُ السُّلْطَانُ بِتِسْعِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَوَزَنَهَا وَلَمْ يَبِعْ فِيهَا عَقَارًا وَلَا غَيْرَهُ.
الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو الْفَوَارِسِ، ابْنُ الْخَازِنِ الْكَاتِبُ الْمَشْهُورُ بِالْخَطِّ الْمَنْسُوبِ، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا، قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: كَتَبَ بِيَدِهِ خَمْسَمِائَةِ

خَتْمَةٍ، مَاتَ فَجْأَةً؛ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو الْمَحَاسِنِ الرُّويَانِيُّ، مِنْ أَهْلِ طَبَرِسْتَانَ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وُلِدَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَرَحَلَ إِلَى الْآفَاقِ حَتَّى بَلَغَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَحَصَّلَ عُلُومًا جَمَّةً، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَصَنَّفَ كُتُبًا فِي الْمَذْهَبِ مِنْ ذَلِكَ " الْبَحْرُ " فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ حَافِلٌ كَامِلٌ شَامِلٌ لِلْغَرَائِبِ وَغَيْرِهَا، وَفِي الْمَثَلِ: حَدِّثْ عَنِ الْبَحْرِ وَلَا حَرَجَ.
وَكَانَ يَقُولُ: لَوِ احْتَرَقَتْ كُتُبُ الشَّافِعِيِّ أَمْلَيْتُهَا مِنْ حِفْظِي.
قُتِلَ ظُلْمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ وَهُوَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَامِعِ بِطَبَرِسْتَانَ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ نَاصِرٍ الْمَرْوَزِيِّ وَعَلَّقَ عَنْهُ، وَكَانَ لِلرُّويَانِيِّ الْجَاهُ الْعَظِيمُ وَالْحُرْمَةُ الْوَافِرَةُ فِي تِلْكَ الدِّيَارِ، وَكَانَ نِظَامُ الْمُلْكِ كَثِيرَ التَّعْظِيمِ لَهُ، وَقَدْ صَنَّفَ كُتُبًا فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ مِنْهَا: " بَحْرُ الْمَذْهَبِ " وَكِتَابُ " مَنَاصِيصِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ " وَكِتَابُ " الْكَافِي " وَ " حِلْيَةِ الْمُؤْمِنِ " وَلَهُ كُتُبٌ فِي الْخِلَافِ أَيْضًا؛ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ بِسْطَامٍ الشَّيْبَانِيُّ التَّبْرِيزِيُّ أَبُو زَكَرِيَّا أَحَدُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ، قَرَأَ عَلَى أَبِي الْعَلَاءِ وَغَيْرِهِ.
وَتَخَرَّجَ بِهِ جَمَاعَةٌ ;

مِنْهُمْ أَبُو مَنْصُورٍ ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ، قَالَ ابْنُ نَاصِرٍ: وَكَانَ ثِقَةً فِي النَّقْلِ، وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْكَثِيرَةُ.
وَقَالَ ابْنُ خَيْرُونَ: لَمْ يَكُنْ مَرْضِيَّ الطَّرِيقَةِ، تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ بِبَابِ أَبْرَزَ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا أَخَذَتِ الْفِرِنْجُ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - مَدِينَةَ طَرَابُلُسَ، وَقَتَلُوا مَنْ فِيهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَسَبَوُا الْحَرِيمَ وَالْأَطْفَالَ، وَغَنِمُوا الْأَمْتِعَةَ وَالْأَمْوَالَ، ثُمَّ أَخَذُوا مَدِينَةَ جَبَلَةَ بَعْدَهَا بِعَشْرِ لَيَالٍ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، وَقَدْ هَرَبَ مِنْهُمْ فَخْرُ الْمُلْكِ بْنُ عَمَّارٍ فَقَصَدَ صَاحِبَ دِمَشْقَ طُغْتِكِينَ فَأَكْرَمَهُ وَأَقْطَعَهُ بِلَادًا كَثِيرَةً.
وَفِيهَا وَثَبَ بَعْضُ الْبَاطِنِيَّةِ عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي نَصْرِ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ فَجَرَحَهُ، ثُمَّ أُخِذَ الْبَاطِنِيُّ فَسُقِيَ الْخَمْرَ فَأَقَرَّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْبَاطِنِيَّةِ فَأُخِذُوا فَقُتِلُوا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْأَمِيرُ قَايْمَازُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو بَكْرٍ الْعُلْثِيُّ، كَانَ يَعْمَلُ فِي تَجْصِيصِ الْحِيطَانِ وَلَا يَنْقُشُ صُورَةً، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، وَكَانَتْ لَهُ أَمْلَاكٌ يَبِيعُ مِنْهَا

وَيَتَقَوَّتُ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْفِقْهِ، وَكَانَ إِذَا حَجَّ يَزُورُ الْقُبُورَ بِمَكَّةَ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَى قَبْرِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ يَخُطُّ إِلَى جَانِبِهِ خَطًّا بِعَصَاهُ وَيَقُولُ: يَا رَبِّ هَاهُنَا فَقُدِّرَ أَنَّهُ حَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَوَقَفَ بِعَرَفَاتٍ مُحْرِمًا فَتُوفِّيَ بِهَا مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
فَغُسِّلَ وَكُفِّنَ وَطِيفَ بِهِ حَوْلَ الْبَيْتِ، ثُمَّ دُفِنَ إِلَى جَانِبِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ.
فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ يَخُطُّهُ بِعَصَاهُ، وَلَمَّا بَلَغَ النَّاسَ وَفَاتُهُ بِبَغْدَادَ اجْتَمَعُوا لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ صَلَاةَ الْغَائِبِ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ.
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ سَعْدَوَيْهِ أَبُو الْفِتْيَانِ الدِّهِسْتَانِيُّ رَحَلَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ، وَدَارَ الدُّنْيَا، وَخَرَّجَ وَانْتَخَبَ، وَكَانَ لَهُ فِقْهٌ فِي هَذَا الشَّأْنِ، وَكَانَ ثِقَةً، وَقَدْ صَحَّحَ عَلَيْهِ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَّالِيُّ كِتَابَ الصَّحِيحَيْنِ، كَانَتْ وَفَاتُهُ بِسَرْخَسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
مُحَمَّدٌ وَيُعْرَفُ بِأَخِي حَمَّادِي كَانَ أَحَدَ الصُّلَحَاءِ الْكِبَارِ، كَانَ بِهِ مَرَضٌ مُزْمِنٌ، فَرَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ فَعُوفِيَ، فَلَزِمَ مَسْجِدًا لَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، لَا يَخْرُجُ إِلَّا إِلَى الْجُمُعَةِ، وَانْقَطَعَ عَنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ، كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ فِي زَاوِيَةٍ بِالْقُرْبِ مِنْ قَبْرِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي أَوَّلِ هَذِهِ السَّنَةِ تَجَهَّزَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْبَغَادِدَةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرُهُمْ، وَفِيهِمُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ لِلْخُرُوجِ إِلَى الشَّامِ لِيُقَاتِلُوا الْفِرِنْجِ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - وَذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُمْ أَنَّهُمْ فَتَحُوا مَدَائِنَ عِدَّةً ; مِنْ ذَلِكَ مَدِينَةُ صَيْدَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَذَا غَيْرُهَا مِنَ الْمَدَائِنِ، ثُمَّ رَجَعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ حِينَ بَلَغَهُمْ كَثْرَةُ الْفِرِنْجِ.
وَفِيهَا قَدِمَتْ خَاتُونُ بِنْتُ مَلِكْشَاهْ زَوْجَةُ الْخَلِيفَةِ إِلَى بَغْدَادَ، فَنَزَلَتْ فِي دَارِ أَخِيهَا السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ حُمِلَ جِهَازُهَا عَلَى مِائَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ جَمَلًا وَسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ بَغْلًا، وَزُيِّنَتْ بَغْدَادُ لِقَدُومِهَا، وَكَانَ دُخُولُهَا عَلَى الْخَلِيفَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْ رَمَضَانَ وَكَانَتْ لَيْلَةً مَشْهُودَةً.
وَفِي شَعْبَانَ دَرَّسَ أَبُو بَكْرٍ الشَّامِيُّ بِالنِّظَامِيَّةِ مَعَ التَّاجِيَّةِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْوَزِيرُ وَالْأَعْيَانُ مِنَ الدَّوْلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْأَمِيرُ قَايْمَازُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْخُرَاسَانِيُّونَ مِنَ الْحَجِّ مِنَ الْعَطَشِ وَقِلَّةِ الْمَاءِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: إِدْرِيسُ بْنُ حَمْزَةَ أَبُو الْحَسَنِ الشَّامِيُّ الرَّمْلِيُّ الْعُثْمَانِيُّ أَحَدُ فُحُولِ

الْمُنَاظِرِينَ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، تَفَقَّهَ أَوَّلًا عَلَى نَصْرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ بِبَغْدَادَ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَدَخَلَ خُرَاسَانَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَأَقَامَ بِسَمَرْقَنْدَ وَدَرَّسَ بِمَدْرَسَتِهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِمَادِ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ، وَيُعْرَفُ بِإِلْكِيَا الْهَرَّاسِيِّ، أَحَدُ الْفُقَهَاءِ الْكِبَارِ مِنْ رُءُوسِ الشَّافِعِيَّةِ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمَائَةٍ، وَاشْتَغَلَ عَلَى إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَكَانَ هُوَ وَالْغَزَّالِيُّ أَكْبَرَ التَّلَامِذَةِ، وَقَدْ وَلِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا تَدْرِيسَ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَقَدْ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا فَصِيحًا جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ جَمِيلًا.
وَكَانَ يُكَرِّرُ الدَّرْسَ عَلَى كُلِّ مَرْقَاةٍ مِنْ مَرَاقِي دَرَجِ النِّظَامِيَّةِ بِنَيْسَابُورَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَكَانَتِ الْمَرَاقِي سَبْعِينَ مَرْقَاةً، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَنَاظَرَ وَأَفْتَى وَدَرَّسَ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ وَسَادَاتِ الْفُقَهَاءِ، وَلَهُ كِتَابٌ يَرُدُّ فِيهِ عَلَى مَا انْفَرَدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُجَلَّدٍ، وَلَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ، وَقَدِ اتُّهِمَ فِي وَقْتٍ بِأَنَّهُ يُمَالِئُ الْبَاطِنِيَّةَ فَنُزِعَ مِنْهُ التَّدْرِيسُ، ثُمَّ شَهِدَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِبَرَاءَتِهِ مِنْ ذَلِكَ ; مِنْهُمُ ابْنُ عَقِيلٍ فَأُعِيدَ إِلَيْهِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُسْتَهَلَّ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ؛ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ الْحَدِيثَ وَيُنَاظِرُ بِهِ، وَهُوَ الْقَائِلُ: إِذَا جَالَتْ فُرْسَانُ الْأَحَادِيثِ فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ طَارَتْ رُءُوسُ الْمَقَايِيسِ فِي مَهَابِّ الرِّيَاحِ، وَحَكَى السَّلَفِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتُفْتِيَ فِي كَتَبَةِ الْحَدِيثِ هَلْ يَدْخُلُونَ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْفُقَهَاءِ؟ فَأَجَابَ نَعَمْ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا عَالِمًا» وَأَنَّهُ اسْتُفْتِيَ فِي يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَذَكَرَ عَنْهُ ثَلْبًا وَفِسْقًا وَسَوَّغَ شَتْمَهُ، وَأَمَّا الْغَزَّالِيُّ فَإِنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ وَمَنَعَ مِنْ لَعْنِهِ ; لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ يَثْبُتْ بِأَنَّهُ رَضِيَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِلَعْنِهِ ; لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يُلْعَنُ، لَا سِيَّمَا وَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: 25] (الشُّورَى: مِنَ الْآيَةِ 25) قَالَ: وَأَمَّا التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ فَجَائِزٌ؛ بَلْ مُسْتَحَبٌّ؛ بَلْ نَحْنُ نَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ فِي جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ عُمُومًا فِي الصَّلَوَاتِ، ذَكَرَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ مَبْسُوطًا بِلَفْظِهِ فِي تَرْجَمَةِ إِلْكِيَا هَذَا، قَالَ: وَإِلْكِيَا مَعْنَاهُ: كَبِيرُ الْقَدْرِ، الْمُقَدَّمُ الْمُعَظَّمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا بَعَثَ السُّلْطَانُ غِيَاثُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ جَيْشًا كَثِيفًا صُحْبَةَ الْأَمِيرِ مَوْدُودِ بْنِ التُّوتِكِينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ وَسُكْمَانَ الْقُطْبِيِّ صَاحِبِ تَبْرِيزَ وَأَحْمَدِيلَ صَاحِبِ مَرَاغَةَ وَالْأَمِيرِ إِيلْغَازِي صَاحِبِ مَارِدِينَ، وَالْمُقَدَّمُ عَلَى الْجَمِيعِ الْأَمِيرُ مَوْدُودٌ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ لِقِتَالِ الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ، فَانْتَزَعُوا مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ حُصُونًا كَثِيرَةً، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَلَمَّا دَخَلُوا دِمَشْقَ دَخَلَ الْأَمِيرُ مَوْدُودٌ إِلَى جَامِعِهَا لِيُصَلِّيَ فِيهِ فَجَاءَهُ بَاطِنِيٌّ فِي زِيِّ سَائِلٍ يَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئًا، فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهُ ضَرَبَهُ فِي فُؤَادِهِ فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى هَذَا الْبَاطِنِيِّ، وَوُجِدَ رَجُلٌ أَعْمَى فِي سَطْحِ الْجَامِعِ بِبَغْدَادَ مَعَهُ سِكِّينٌ مَسْمُومٌ، فَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يُرِيدُ قَتْلَ الْخَلِيفَةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وُلِدَ لِلْخَلِيفَةِ مِنْ بِنْتِ السُّلْطَانِ وَلَدٌ ذَكَرٌ فَضُرِبَتِ الدَّبَادِبُ وَالْبُوقَاتُ، وَجَلَسَ الْوَزِيرُ بِبَابِ الْفِرْدَوْسِ لِلْهَنَاءِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَخُو الْخَلِيفَةِ فَقُطِعَ الطَّبْلُ أَيَّامًا، وَجَلَسَ الْوَزِيرُ بِبَابِ الْفِرْدَوْسِ

لِلْعَزَاءِ، وَهَكَذَا الدُّنْيَا قَرْضٌ هَذَا يُعَزَّى وَهَذَا يُهَنَّى.
وَفِي رَمَضَانَ عُزِلَ الْوَزِيرُ أَحْمَدُ بْنُ النِّظَامِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وَزَارَتِهِ أَرْبَعَ سِنِينَ وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا.
وَفِيهَا حَاصَرَتِ الْفِرِنْجُ مَدِينَةَ صُورَ، وَكَانَتْ بِأَيْدِي الْمِصْرِيِّينَ، عَلَيْهَا عِزُّ الْمُلْكِ الْأَعَزُّ مِنْ جِهَتِهِمْ فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا عَظِيمًا وَمَنَعَهَا مَنْعًا جَيِّدًا حَتَّى فَنِيَ مَا عِنْدَهُ مِنَ النِّشَابِ وَالْعُدَدِ، فَأَمَدَّهُ طُغْتِكِينُ صَاحِبُ دِمَشْقَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْعُدَدَ وَالْآلَاتِ فَقَوِيَ جَانِبُهُ، وَتَرَحَّلَتْ عَنْهُ الْفِرِنْجُ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَمِيرُ الْجُيُوشِ نَظَرٌ الْخَادِمُ وَكَانَتْ سَنَةً مُخْصِبَةً.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَّالِيُّ وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمَائَةٍ وَتَفَقَّهَ عَلَى إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَبَرَعَ فِي عُلُومٍ كَثِيرَةٍ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ مُنْتَشِرَةٌ فِي فُنُونٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَكَانَ مِنْ أَذْكِيَاءِ الْعَالَمِ فِي كُلِّ مَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ، وَسَادَ فِي شَبِيبَتِهِ حَتَّى إِنَّهُ دَرَّسَ بِالنِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، فَحَضَرَ عِنْدَهُ رُءُوسَ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ مِمَّنْ حَضَرَ عِنْدَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنْ رُءُوسِ الْحَنَابِلَةِ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ فَصَاحَتِهِ وَاطِّلَاعِهِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَتَبُوا كَلَامَهُ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ عَنِ الدُّنْيَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَقْبَلَ

عَلَى أَعْمَالِ الْآخِرَةِ، فَكَانَ يَرْتَزِقُ مِنَ النَّسْخِ، وَرَحَلَ إِلَى الشَّامِ فَأَقَامَ بِهَا بِدِمَشْقَ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ مُدَّةً، وَصَنَّفَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ كِتَابَهُ " إِحْيَاءَ عُلُومِ الدِّينِ " وَهُوَ كِتَابٌ عَجِيبٌ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى عُلُومٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الشَّرْعِيَّاتِ، وَمَمْزُوجٌ بِأَشْيَاءَ لَطِيفَةٍ مِنَ التَّصَوُّفِ وَأَعْمَالِ الْقُلُوبِ، لَكِنْ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ غَرَائِبُ وَمُنْكَرَاتٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَوْضُوعٌ، كَمَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفُرُوعِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَالْكِتَابُ الْمَوْضُوعُ لِلرَّقَائِقِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ أَسْهَلُ أَمْرًا مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ شَنَّعَ عَلَيْهِ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ ثُمَّ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي ذَلِكَ تَشْنِيعًا كَثِيرًا، وَأَرَادَ الْمَازَرِيُّ أَنْ يَحْرِقَ كِتَابَهُ " إِحْيَاءَ عُلُومِ الدِّينِ " وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، وَقَالُوا: هَذَا كِتَابُ إِحْيَاءِ عُلُومِ دِينِهِ، وَأَمَّا دِينُنَا فَإِحْيَاءُ عُلُومِهِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ، كَمَا قَدْ حَكَيْتُ كَلَامَهُ فِي تَرْجَمَتِهِ مِنْ طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ زَيَّفَ ابْنُ سُكَّرٍ مَوَاضِعَ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ، وَبَيَّنَ زَيْفَهَا فِي مُصَنَّفٍ مُفِيدٍ، وَقَدْ كَانَ الْغَزَّالِيُّ يَقُولُ: أَنَا مُزْجَى الْبِضَاعَةِ فِي الْحَدِيثِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَالَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ إِلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَالتَّحَفُّظِ " لِلصَّحِيحَيْنِ " وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ كِتَابًا عَلَى الْإِحْيَاءِ وَسَمَّاهُ، " إِعْلَامُ الْأَحْيَاءِ بِأَغَالِيطِ الْإِحْيَاءِ ". قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ثُمَّ أَلْزَمَهُ بَعْضُ الْوُزَرَاءِ بِالْخُرُوجِ إِلَى نَيْسَابُورَ فَدَرَّسَ بِنِظَامِيَّتِهَا ثُمَّ

عَادَ إِلَى بَلَدِهِ طُوسَ، وَابْتَنَى بِهَا رِبَاطًا وَاتَّخَذَ دَارًا حَسَنَةً، وَغَرَسَ فِيهَا بُسْتَانًا، أَنِيقًا، وَأَقْبَلَ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَحِفْظِ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَدُفِنَ بِطُوسَ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ سَأَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَهُوَ فِي السِّيَاقِ، فَقَالَ: أَوْصِنِي فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالْإِخْلَاصِ فَلَمْ يَزَلْ يُكَرِّرُهَا حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا جَلَسَ ابْنُ الطَّبَرِيِّ مُدَرِّسًا بِالنِّظَامِيَّةِ وَعُزِلَ عَنْهَا الشَّاشِيُّ، وَفِيهَا دَخَلَ الشَّيْخُ الصَّالِحُ أَحَدُ الْعُبَّادِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ إِلَى بَغْدَادَ فَوَعَظَ النَّاسَ، وَكَانَ لَهُ الْقَبُولُ التَّامُّ، وَكَانَ فَقِيهًا شَافِعِيًّا، تَفَقَّهَ بِالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ، فَكَانَتْ لَهُ أَحْوَالٌ صَالِحَةٌ، جَارَاهُ رَجُلٌ مَرَّةً يُقَالُ لَهُ: ابْنُ السَّقَّاءِ فِي مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ فَإِنِّي أَجِدُ مِنْ كَلَامِكَ رَائِحَةَ الْكُفْرِ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُوتَ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ.
فَاتَّفَقَ بَعْدَ مُدَّةٍ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ فِي حَاجَةٍ، فَتَنَصَّرَ هُنَاكَ.
فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا.
وَقَامَ إِلَيْهِ مَرَّةً وَهُوَ يَعِظُ النَّاسَ ابْنَا أَبِي بَكْرٍ الشَّاشِيِّ، فَقَالَا لَهُ: إِنْ كُنْتَ تَتَكَلَّمُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ وَإِلَّا فَاسْكُتْ، فَقَالَ: لَا مُتِّعْتُمَا بِشَبَابِكُمَا، فَمَاتَا شَابَّيْنِ وَلَمْ يَبْلُغَا سِنَّ الْكُهُولَةِ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا أَمِيرُ الْجُيُوشِ نَظَرٌ الْخَادِمُ، وَنَالَهُمْ عَطَشٌ شَدِيدٌ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: صَاعِدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ صَاعِدٍ أَبُو الْعَلَاءِ الْخَطِيبُ

النَّيْسَابُورِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَوَلِيَ الْخَطَابَةَ بَعْدَ أَبِيهِ وَالتَّدْرِيسَ وَالتَّذْكِيرَ، وَكَانَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ يُثْنِي عَلَيْهِ، وَقَدْ وَلِيَ قَضَاءَ خُوَارَزْمَ.
مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَلَاسَاغُونِيُّ التُّرْكِيُّ الْحَنَفِيُّ وَيُعْرَفُ بِالْلَامِشِيِّ، أَوْرَدَ عَنْهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ حَدِيثًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ وَلِيَ قَضَاءَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَشَكَوْا مِنْهُ، فَعُزِلَ عَنْهَا، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ دِمَشْقَ، وَكَانَ غَالِيًا فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الَّذِي رَتَّبَ الْإِقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى، قَالَ: إِلَى أَنْ أَزَالَ اللَّهُ ذَلِكَ بِدَوْلَةِ الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ.
قَالَ: وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى نَصْبِ إِمَامٍ حَنَفِيٍّ بِالْجَامِعِ ; فَامْتَنَعَ أَهْلُ دِمَشْقَ مِنْ ذَلِكَ، وَامْتَنَعُوا مِنَ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ، وَصَلَّوْا بِأَجْمَعِهِمْ فِي دَارِ الْخَيْلِ، وَهِيَ الَّتِي قِبْلِيَّ الْجَامِعِ مَكَانَ الْمَدْرَسَةِ الْأَمِينِيَّةِ وَمَا يُجَاوِرُهَا، وَحَدُّهَا الطُّرُقَاتُ الْأَرْبَعَةُ، وَكَانَ يَقُولُ: لَوْ كَانَتْ لِي الْوِلَايَةُ لَأَخَذْتُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْجِزْيَةَ، وَكَانَ مُبْغِضًا لِأَصْحَابِ مَالِكٍ أَيْضًا.
قَالَ: وَلَمْ تَكُنْ سِيرَتُهُ فِي الْقَضَاءِ مَحْمُودَةً، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا.
قَالَ: وَقَدْ شَهَدْتُ جِنَازَتَهُ وَأَنَا صَغِيرٌ فِي الْجَامِعِ.

الْمُعَمَّرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُعَمَّرِ أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي عِمَامَةَ، الْوَاعِظُ كَانَ فَصِيحًا بَلِيغًا مَاجِنًا ظَرِيفًا ذَكِيًّا، لَهُ كَلِمَاتٌ فِي الْوَعْظِ حَسَنَةٌ وَرَسَائِلُ مَسْمُوعَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ، تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ.
أَبُو عَلِيٍّ الْمَغْرِبِيُّ كَانَ عَابِدًا زَاهِدًا وَرِعًا، يَتَقَوَّتُ بِأَدْنَى شَيْءٍ، ثُمَّ عَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِعِلْمِ الْكِيمْيَاءِ، فَأُخِذَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
نُزْهَةُ أُمُّ وَلَدٍ لِلْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، كَانَتْ سَوْدَاءَ مُحْتَشِمَةً كَرِيمَةَ النَّفْسِ، تُوُفِّيَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثَانِي عَشَرَ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ مُصَنِّفُ " الْأَنْسَابِ " وَغَيْرُهُ، وَهُوَ تَاجُ الْإِسْلَامِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُظَفَّرِ الْمَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، السَّمْعَانِيُّ، الْمَرْوَزِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الْحَافِظُ الْمُحَدِّثُ، قِوَامُ الدِّينِ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمُصَنِّفِينَ رَحَلَ وَسَمِعَ الْكَثِيرَ حَتَّى كَتَبَ عَنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ شَيْخٍ، وَصَنَّفَ " التَّفْسِيرَ "، " وَالتَّارِيخَ " وَ " الْأَنْسَابَ " وَ " الذَّيْلَ " عَلَى تَارِيخِ الْخَطِيبِ

الْبَغْدَادِيِّ، وَذَكَرَ لَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ مُصَنَّفَاتٍ عَدِيدَةً جِدًّا ; مِنْهَا كِتَابُهُ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ مِائَةِ شَيْخٍ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَهُوَ مُفِيدٌ جِدًّا، رَحِمَهُ اللَّهُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفِرِنْجِ فِي أَرْضِ طَبَرِيَّةَ كَانَ فِيهَا مَلِكُ دِمَشْقَ الْأَتَابِكُ طُغْتِكِينُ، وَفِي خِدْمَتِهِ صَاحِبُ سِنْجَارَ وَصَاحِبُ مَارِدِينَ وَصَاحِبُ الْمَوْصِلِ، فَهَزَمُوا الْفِرِنْجَ هَزِيمَةً فَاضِحَةً، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمُوا مِنْهُمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَمَلَكُوا تِلْكَ النَّوَاحِيَ كُلَّهَا؛ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى دِمَشْقَ فَذَكَرَ ابْنُ السَّاعِي فِي تَارِيخِهِ مَقْتَلَ الْمَلِكِ مَوْدُودٍ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فِي هَذِهِ السَّنَةِ، قَالَ: صَلَّى هُوَ وَالْأَتَابِكُ طُغْتِكِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْجَامِعِ، ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّحْنِ وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي يَدِ الْآخَرِ، فَطَفَرَ بَاطِنِيٌّ عَلَى مَوْدُودٍ، فَقَتَلَهُ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَيُقَالُ: إِنَّ طُغْتِكِينَ هُوَ الَّذِي مَالَأَ عَلَيْهِ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَجَاءَ كِتَابٌ مِنَ الْفِرِنْجِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ: إِنَّ أُمَّةً قَتَلَتْ عَمِيدَهَا فِي يَوْمِ عِيدِهَا فِي بَيْتِ مَعْبُودِهَا لَحَقِيقٌ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُبِيدَهَا.
وَفِيهَا مَلَكَ حَلَبَ أَلْبُ أَرْسَلَانَ بْنُ رِضْوَانَ بْنِ تُتُشَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَقَامَ بِأَمْرِ السَّلْطَنَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ لُؤْلُؤٌ الْخَادِمُ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى الرَّسْمِ.
وَفِيهَا فُتِحَ الْمَارَسْتَانُ الَّذِي أَنْشَأَهُ كُمُشْتِكِينُ الْخَادِمُ بِبَغْدَادَ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ زَنْكِي بْنُ بُرْسُقَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَتَنَقَّلَ فِي الْبِلَادِ، وَدَرَّسَ بِمَدِينَةِ خُوَارِزْمَ، وَكَانَ فَاضِلًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَرْضِيَّ الطَّرِيقَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِبَلَدِهِ بَيْهَقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
شُجَاعُ بْنُ أَبِي شُجَاعٍ فَارِسِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ فَارِسٍ أَبُو غَالِبٍ الذُّهْلِيُّ الْحَافِظُ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ فَاضِلًا فِي هَذَا الشَّأْنِ، وَشَرَعَ فِي تَتْمِيمِ " تَارِيخِ الْخَطِيبِ " ثُمَّ غَسَلَهُ، وَكَانَ يُكْثِرُ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ ; لِأَنَّهُ كَتَبَ شِعْرَ ابْنِ الْحَجَّاجِ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
تُوُفِّيَ فِي هَذَا الْعَامِ عَنْ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَنْبَسَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ الْأُمَوِيُّ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَبِيْوَرْدِيُّ الشَّاعِرُ، كَانَ عَالِمًا بِاللُّغَةِ وَالْأَنْسَابِ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَصَنَّفَ " تَارِيخَ أَبِيْوَرْدَ " وَ " أَنْسَابَ الْعَرَبِ " وَلَهُ كِتَابٌ فِي الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ يُنْسَبُ

إِلَى الْكِبْرِ وَالتِّيهِ الزَّائِدِ ; حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَدْعُو فِي صِلَاتِهِ اللَّهُمَّ مَلِّكْنِي مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَكَتَبَ مَرَّةً إِلَى الْخَلِيفَةِ: الْخَادِمُ الْمُعَاوِيُّ، فَكَشَطَ الْخَلِيفَةُ الْمِيمَ فَبَقِيَتِ الْعَاوِيَّ، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: تَنَكَّرَ لِي دَهْرِي وَلَمْ يَدْرِ أَنَّنِي ... أَعِزُّ وَأَحْدَاثُ الزَّمَانِ تَهُونُ وَظَلَّ يُرِينِي الْخَطْبَ كَيْفَ اعْتِدَاؤُهُ ... وَبِتُّ أُرِيهِ الصَّبْرَ كَيْفَ يَكُونُ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو الْفَضْلِ الْمَقْدِسِيُّ الْحَافِظُ، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمَائَةٍ، وَأَوَّلُ سَمَاعِهِ سَنَةَ سِتِّينَ، وَسَافَرَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ إِلَى بِلَادٍ كَثِيرَةٍ، وَسَمِعَ كَثِيرًا، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ، وَصَنَّفَ كُتُبًا مُفِيدَةً ; غَيْرَ أَنَّهُ صَنَّفَ كِتَابًا فِي إِبَاحَةِ السَّمَاعِ وَفِي التَّصَوُّفِ، وَاسْتَعْمَلَ فِيهِ أَحَادِيثَ مُنْكَرَةً جِدًّا، وَأَوْرَدَ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً فِي غَيْرِ كُنْهِهَا، وَقَدْ أَثْنَى عَلَى حِفْظِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ هَذَا الَّذِي سَمَّاهُ " صِفَةَ التَّصَوُّفِ " وَقَالَ عَنْهُ: يَضْحَكُ مِنْهُ مَنْ رَآهُ، قَالَ: وَكَانَ دَاوُدِيَّ الْمَذْهَبِ، فَمَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَثْنَى لِأَجْلِ حِفْظِهِ لِلْحَدِيثِ، وَإِلَّا فَمَا يُجَرَّحُ بِهِ أَوْلَى، قَالَ: وَذَكَرَهُ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ وَانْتَصَرَ لَهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، بَعْدَ أَنْ قَالَ: سَأَلْتُ عَنْهُ شَيْخَنَا إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَحْمَدَ الطَّلْحِيَّ فَأَسَاءَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَكَانَ سَيِّئَ الرَّأْيِ فِيهِ.
قَالَ وَسَمِعْنَا

أَبَا الْفَضْلِ بْنَ نَاصِرٍ.
يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، صَنَّفَ فِي جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى الْمُرْدِ، وَكَانَ يَذْهَبُ مَذْهَبَ الْإِبَاحِيَّةِ، ثُمَّ أَوْرَدَ لَهُ مِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: دَعِ التَّصَوُّفَ وَالزُّهْدَ الَّذِي اشْتَغَلَتْ ... بِهِ جَوَارِحُ أَقْوَامٍ مِنَ النَّاسِ وَعُجْ عَلَى دَيْرِ دَارَيَّا فَإِنَّ بِهِ الْرُّهْ ... بَانَ مَا بَيْنَ قِسِّيسٍ وَشَمَّاسِ وَاشْرَبْ مُعَتَّقَةً مِنْ كَفِّ كَافِرَةٍ ... تَسْقِيكَ خَمْرَيْنِ مِنْ لَحْظٍ وَمِنْ كَاسِ ثُمَّ اسْتَمِعَ رَنَّةَ الْأَوْتَارِ مِنْ رَشَأٍ ... مُهَفْهَفٍ طَرْفُهُ أَمْضَى مِنَ الْمَاسِ غَنِّي بِشِعْرِ امْرِئٍ فِي النَّاسِ مُشْتَهِرٍ ... مُدَوَّنٍ عَنْدَهُمْ فِي صَدْرِ قِرْطَاسِ لَوْلَا نَسِيمٌ بِذِكْرَاكُمْ يُرَوِّحُنِي ... لَكُنْتُ مُحْتَرِقًا مِنْ حَرِّ أَنْفَاسِي ثُمَّ قَالَ السَّمْعَانِيُّ: لَعَلَّهُ قَدْ تَابَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهَذَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ ; أَنْ يَذْكُرَ جَرْحَ الْأَئِمَّةِ لَهُ، ثُمَّ يَعْتَذِرُ عَنْ ذَلِكَ بِاحْتِمَالِ تَوْبَتِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ لَمَّا احْتُضِرَ جَعَلَ يُرَدِّدُ هَذَا الْبَيْتَ: وَمَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ الْجَفَا ... فَمِمَّنْ تُرَى قَدْ تَعَلَّمْتُمُ ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَادَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا.
أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ صَاحِبُ الْمُسْتَظْهِرِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ الشَّاشِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، وُلِدَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ

وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمَائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ عَلَى أَبِي يَعْلَى بْنِ الْفَرَّاءِ وَأَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَقَرَأَ " الشَّامِلَ " عَلَى مُصَنِّفِهِ ابْنِ الصَّبَّاغِ، وَاخْتَصَرَهُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي جَمَعَهُ لِلْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ وَسَمَّاهُ " حِلْيَةَ الْعُلَمَاءِ بِمَعْرِفَةِ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ " وَيُعْرَفُ بِالْمُسْتَظْهِرِيِّ، وَقَدْ دَرَّسَ بِالنِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا، وَكَانَ يُنْشِدُ: تَعَلَّمْ يَا فَتَى وَالْعُودُ غَضٌّ ... وَطِينُكَ لَيِّنٌ وَالطَّبْعُ قَابِلْ فَحَسْبُكَ يَا فَتَى شَرَفًا وَفَخْرًا ... سُكُوتُ الْحَاضِرِينَ وَأَنْتَ قَائِلْ تُوُفِّيَ سَحَرَ يَوْمِ السَّبْتِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ بِبَابِ أَبْرَزَ.
الْمُؤْتَمَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو نَصْرٍ السَّاجِيُّ الْمَقْدِسِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَخَرَّجَ، وَكَانَ ثِقَةً، صَحِيحَ النَّقْلِ، حَسَنَ الْخَطِّ، مَشْكُورَ السِّيرَةِ، لَطِيفَ النَّفْسِ، اشْتَغَلَ فِي الْفِقْهِ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ مُدَّةً، وَرَحَلَ إِلَى أَصْبَهَانَ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْ جُمْلَةِ الْحُفَّاظِ لَا سِيَّمَا لِلْمُتُونِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهُوَ أَحَقُّ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَأَيْنَ الثُّرَيَّا مِنَ الثَّرَى؟ تُوُفِّيَ الْمُؤْتَمَنُ يَوْمَ السَّبْتِ ثَامِنَ عَشَرَ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ بِبَغْدَادَ، وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ هَائِلَةٌ بِأَرْضِ الْجَزِيرَةِ هَدَمَتْ مِنْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ بُرْجًا، وَمِنَ الرُّهَا بُيُوتًا كَثِيرَةً وَبَعْضَ سُورِ حَرَّانَ وَدُورًا كَثِيرَةً فِي بِلَادٍ شَتَّى ; فَهَلَكَ أَكْثَرُهَا، وَفِي بَالِسَ نَحْوًا مِنْ مِائَةِ دَارٍ، وَقُلِبَ بِنِصْفِ قَلْعَةِ حَرَّانَ وَسَلِمَ نِصْفُهَا، وَخُسِفَ بِمَدِينَةِ سُمَيْسَاطَ، وَهَلَكَ تَحْتَ الرَّدْمِ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا قُتِلَ صَاحِبُ حَلَبَ تَاجُ الدَّوْلَةِ أَلْبُ أَرْسَلَانَ بْنُ رِضْوَانَ بْنِ تُتُشَ، قَتَلَهُ غِلْمَانُهُ، وَقَامَ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ سُلْطَانْشَاهِ بْنُ رِضْوَانَ.
وَفِيهَا مَلَكَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ بْنُ مَلِكْشَاهْ بِلَادَ غَزْنَةَ وَخُطِبَ لَهُ بِهَا بَعْدَ مُقَاتَلَةٍ عَظِيمَةٍ، وَأَخَذَ مِنْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَةً ; مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةُ تِيجَانٍ ; قِيمَةُ كُلِّ تَاجٍ مِنْهَا أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَسَبْعَةَ عَشَرَ سَرِيرًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَأَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةِ قِطْعَةِ مَصَاغٍ مُرَصَّعَةٍ، فَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَرَّرَ فِي مُلْكِهَا بَهْرَامْ شَاهْ مِنْ بَيْتِ بَنِي سُبُكْتِكِينَ وَلَمْ يُخْطَبْ بِغَزْنَةَ قَبْلَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ مِنَ السَّلْجُوقِيَّةِ لِأَحَدٍ.

وَفِيهَا وَلَّى السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ لِلْأَمِيرِ آقْ سَنْقُرَ الْبُرْسُقِيِّ الْمَوْصِلَ وَأَعْمَالَهَا، وَأَمَرَهُ بِمُقَاتَلَةِ الْفِرِنْجِ فَقَاتَلَهُمْ فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَخَذَ مِنْهُمُ الرُّهَا، وَخَرَّبَهَا وَسُرُوجَ وَسُمَيْسَاطَ، وَنَهَبَ مَارِدِينَ، وَأَسَرَ ابْنَ مَلِكِهَا إِيَازَ بْنَ إِيلْغَازِي، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ إِلَيْهِ مَنْ يَتَهَدَّدُهُ، فَفَرَّ مِنْهُ إِلَى طُغْتِكِينَ صَاحِبِ دِمَشْقَ، فَاتَّفَقَا عَلَى عِصْيَانِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ نَائِبِ حِمْصَ قُرْجَانَ بْنِ قُرَاجَةَ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ ثُمَّ اصْطَلَحُوا.
وَفِيهَا مَلَكَتْ زَوْجَةُ مَرْعَشَ الْإِفْرِنْجِيَّةُ، بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا أَمِيرُ الْجُيُوشِ أَبُو الْخَيْرِ يَمَنٌ الْخَادِمُ، وَشَكَرَ النَّاسُ حَجَّهُمْ مَعَهُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا جَهَّزَ السُّلْطَانُ غِيَاثُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مَلِكْشَاهْ صَاحِبُ الْعِرَاقِ جَيْشًا كَثِيفًا مَعَ الْأَمِيرِ بُرْسُقَ بْنِ بُرْسُقَ إِلَى إِيلْغَازِي صَاحِبِ مَارِدِينَ وَإِلَى طُغْتِكِينَ صَاحِبِ دِمَشْقَ لِيُقَاتِلَهُمَا عَلَى تَمَالُئِهِمَا عَلَى عِصْيَانِ السُّلْطَانِ، وَقَطْعِ خُطْبَتِهِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ عَمَدَ لِقِتَالِ الْفِرِنْجِ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ الْجَيْشُ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ هَرَبَا مِنْهُ وَتَحَيَّزَا إِلَى الْفِرِنْجِ، وَجَاءَ الْأَمِيرُ بُرْسُقُ إِلَى كَفَرْ طَابَ فَفَتَحَهَا عَنْوَةً، وَأَخَذَ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَجَاءَ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ رُوجِيلُ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ وَأَلْفَيْ رَاجِلٍ، فَكَبَسَ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَخَذَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَهَرَبَ بُرْسُقُ فِي طَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَتَمَزَّقَ الْجَيْشُ الَّذِي كَانَ مَعَهُ شَذَرَ مَذَرَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا قَدِمَ السُّلْطَانُ غِيَاثُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ إِلَى بَغْدَادَ، وَجَاءَ إِلَيْهِ طُغْتِكِينُ صَاحِبُ دِمَشْقَ مُعْتَذِرًا إِلَيْهِ فَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَرَضِيَ عَنْهُ، وَرَدَّهُ إِلَى عَمَلِهِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَلَّةَ أَبُو عُثْمَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَحَدُ

الرَّحَّالِينَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَعَظَ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ ثَلَاثِينَ مَجْلِسًا، وَاسْتَمْلَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ وَتُوُفِّيَ بِأَصْبَهَانَ.
مُنْتَجَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُسْتَظْهِرِيُّ، أَبُو الْحَسَنِ الْخَادِمُ، كَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: وَقَفَ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ مُوسَى أَبُو الْبَرَكَاتِ السَّقَطِيُّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَرَحَلَ فِيهِ، وَكَانَ فَاضِلًا عَارِفًا بِاللُّغَةِ، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ.
يَحْيَى بْنُ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ عَارِفًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، مُحِبًّا لِلْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، وَلَهُمْ عَلَيْهِ أَرْزَاقٌ، مَاتَ وَلَهُ ثِنْتَانِ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَتَرَكَ ثَلَاثِينَ وَلَدًا، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ عَلِيٌّ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا وَقَعَ حَرِيقٌ بِبَغْدَادَ احْتَرَقَتْ فِيهِ دُورٌ كَثِيرَةٌ ; مِنْهَا دَارُ نُورِ الْهُدَى الزَّيْنَبِيِّ، وَرِبَاطُ بِهْرُوزَ وَدَارُ كُتُبِ النِّظَامِيَّةِ، وَسَلِمَتِ الْكُتُبُ ; لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ نَقَلُوهَا.
وَفِيهَا قُتِلَ صَاحِبُ مَرَاغَةَ فِي مَجْلِسِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ قَتَلَهُ الْبَاطِنِيَّةُ، وَفِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَالسُّنَّةِ بِمَشْهَدِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا بِمَدِينَةِ طُوسَ ; فَقُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَفِيهَا سَارَ السُّلْطَانُ إِلَى فَارِسَ بَعْدَ مَوْتِ نَائِبِهَا خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ صَاحِبِ كَرْمَانَ،.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَمِيرُ الْجُيُوشِ أَبُو الْحَسَنِ نَظَرٌ الْخَادِمُ، وَكَانَتْ سَنَةً مُخْصِبَةً آمِنَةً، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْبَغَوِيُّ الْمُفَسِّرُ الْمُحَدِّثُ الْفَقِيهُ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ، كَمَا سَيَأْتِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
عَقِيلُ بْنُ الْإِمَامِ أَبِي الْوَفَا عَلِيِّ بْنِ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ، كَانَ شَابًّا قَدْ بَرَعَ وَحَفِظَ الْقُرْآنَ وَكَتَبَ مَلِيحًا وَفَهِمَ الْمَعَانِي جَيِّدًا، وَلَمَّا تُوُفِّيَ تَصَبَّرَ أَبُوهُ وَتَشَكَّرَ

وَأَظْهَرَ التَّجَلُّدَ، فَقَرَأَ قَارِئٌ فِي الْعَزَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف: 78] الْآيَةَ.
فَبَكَى ابْنُ عَقِيلٍ بُكَاءً شَدِيدًا.
عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَيَانٍ الرَّزَّازُ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ مَخْلَدٍ بِجُزْءِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ، وَتَفَرَّدَ بِأَشْيَاءَ غَيْرِهِ أَيْضًا، تُوُفِّيَ فِيهَا عَنْ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَبُو بَكْرٍ السَّمْعَانِيُّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَحَدَّثَ، وَوَعَظَ بِالنِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَأَمْلَى بِمَرْوَ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ مَجْلِسًا، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِالْحَدِيثِ، وَكَانَ أَدِيبًا شَاعِرًا فَاضِلًا لَهُ قَبُولٌ عَظِيمٌ فِي الْقُلُوبِ، تُوُفِّيَ بِمَرْوَ عَنْ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ طَاهِرِ بْنِ حَمَدٍ أَبُو مَنْصُورٍ الْخَازِنُ، فَقِيهُ الْإِمَامِيَّةِ وَمُفْتِيهِمْ بِالْكَرْخِ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ التَّنُوخِيِّ وَابْنِ غَيْلَانَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَمَضَانَ.

مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو بَكْرٍ النَّسَوِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَكَانَتْ إِلَيْهِ تَزْكِيَةُ الشُّهُودِ بَنَسَا، وَكَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا وَرِعًا.
مَحْفُوظُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو الْخَطَّابِ الْكَلْوَذَانِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ وَمُصَنِّفِيهِمْ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَتَفَقَّهَ بِالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَقَرَأَ الْفَرَائِضَ عَلَى الْوَنِّيِّ، وَدَرَّسَ وَأَفْتَى وَنَاظَرَ، وَصَنَّفَ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ وَجَمَعَ قَصِيدَةً يَذْكُرُ فِيهَا اعْتِقَادَهُ وَمَذْهَبَهُ، يَقُولُ فِيهَا: دَعْ عَنْكَ تَذْكَارَ الْخَلِيطِ الْمُنْجِدِ ... وَالشَّوْقَ نَحْوَ الْآنِسَاتِ الْخُرَّدِ وَالنَّوْحَ فِي تَذْكَارِ سُعْدَى إِنَّمَا ... تَذْكَارُ سُعْدَى شُغْلُ مَنْ لَمْ يَسْعَدِ وَاسْمَعْ مَقَالِي إِنْ أَرَدْتَ تَخَلُّصًا ... يَوْمَ الْحِسَابِ وَخُذْ بِهَدْيِي تَهْتَدِ وَذَكَرَ تَمَامَهَا وَهِيَ طَوِيلَةٌ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ الْقَصْرِ، وَجَامِعِ الْمَنْصُورِ وَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي رَابِعِ صَفَرٍ مِنْهَا انْكَسَفَ الْقَمَرُ كُسُوفًا كُلِّيًّا، وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ هَجَمَ الْفِرِنْجُ عَلَى رَبَضِ حَمَاةَ فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَرَجَعُوا - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - إِلَى بِلَادِهِمْ.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِبَغْدَادَ ; سَقَطَتْ مِنْهَا دُورٌ كَثِيرَةٌ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَغَلَتِ الْغَلَّاتُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِبَغْدَادَ جِدًّا، وَفِيهَا قُتِلَ لُؤْلُؤٌ الْخَادِمُ الَّذِي كَانَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى مَمْلَكَةِ حَلَبَ بَعْدَ مَوْتِ أُسْتَاذِهِ رِضْوَانَ بْنِ تُتُشَ، قَتَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مِنْ حَلَبَ مُتَوَجِّهًا إِلَى جَعْبَرَ، فَتَنَادَى جَمَاعَةٌ مِنْ مَمَالِيكِهِ وَغَيْرِهِمْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ: أَرْنَبٌ أَرْنَبٌ.
فَرَمَوْهُ بِالسِّهَامِ مُوهِمِينَ أَنَّهُمْ يَصِيدُونَ صَيْدًا فَقَتَلُوهُ.
وَفِيهَا كَانَ وَفَاةُ السُّلْطَانِ غِيَاثِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ بْنِ أَلْبِ أَرْسَلَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ، مَلِكِ بِلَادَ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ وَالْأَقَالِيمِ الْوَاسِعَةِ، كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَأَحْسَنِهِمْ سِيرَةً، عَادِلًا رَحِيمَ الْقَلْبِ سَهْلَ الْأَخْلَاقِ مَحْمُودَ الْعِشْرَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ

اسْتَدْعَى وَلَدَهُ مَحْمُودًا، وَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَبَكَى كُلٌّ مِنْهُمَا، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ عَلَى سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ، وَعُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَنَةً، فَجَلَسَ وَعَلَيْهِ التَّاجُ وَالسُّوَارَانِ، وَحَكَمَ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ صَرَفَ الْخَزَائِنَ إِلَى الْعَسَاكِرِ، وَكَانَ فِيهَا أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَاسْتَقَرَّ الْمُلْكُ لَهُ، وَخُطِبَ لَهُ بِبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَ عُمْرُ أَبِيهِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَقَدْ كَانَ خُطِبَ لَهُ بِبَغْدَادَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، وَنَازَعَهُ أَخُوهُ بَرْكْيَارُوقُ ثُمَّ اسْتَقَرَّ لَهُ الْمُلْكُ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
وَفِيهَا وُلِدَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنِ زَنْكِي بْنِ آقْ سُنْقُرَ، صَاحِبُ حَلَبَ وَدِمَشْقَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْقَاضِي الْمُرْتَضَى أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْقَاسِمِ الشَّهْرَزُورِيُّ، وَالِدُ الْقَاضِي جَمَالِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشَّهْرَزُورِيِّ قَاضِي دِمَشْقَ فِي أَيَّامِ نُورِ الدِّينِ، اشْتَغَلَ بِبَغْدَادَ وَتَفَقَّهَ بِهَا، وَكَانَ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، بَارِعًا دَيِّنًا حَسَنَ النَّظْمِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ فَكَانَ يَعِظُ وَيَتَكَلَّمُ عَلَى الْقُلُوبِ، وَلَهُ قَصِيدَةٌ بَارِعَةٌ فِي عِلْمِ التَّصَوُّفِ، أَوْرَدَهَا الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ بِتَمَامِهَا لِحُسْنِهَا وَفَصَاحَتِهَا: لَمَعَتْ نَارُهُمْ وَقَدْ عَسْعَسَ اللَّيْ ... لُ وَمَلَّ الْحَادِي وَحَارَ الدَّلِيلُ

فَتَأَمَّلْتُهَا وَفِكْرِي مِنَ الْبَيْ نِ عَلِيلٌ وَلَحْظُ عَيْنِي كَلِيلُ ... وَفُؤَادِي ذَاكَ الْفُؤَادُ الْمُعَنَّى وَغَرَامِي ذَاكَ الْغَرَامُ الدَّخِيلُ وَمِنْ شِعْرِهِ: يَا لَيْلُ مَا جِئْتُكُمْ زَائِرًا ... إِلَّا وَجَدْتُ الْأَرْضَ تُطْوَى لِي وَلَا ثَنَيْتُ الْعَزْمَ عَنْ بَابِكُمْ ... إِلَّا تَعَثَّرْتُ بِأَذْيَالِي وَمِنْ شَعْرِهِ دُوبَيْتُ: يَا قَلْبُ إِلَامَ لَا يُفِيدُ النُّصْحُ ... دَعْ مَزْحَكَ كَمْ جَنَى عَلَيْكَ الْمَزْحُ مَا جَارِحَةٌ مِنْكَ عَدَاهَا جُرْحُ ... مَا تَشْعُرُ بِالْخُمَارِ حَتَّى تَصْحُو كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَزَعَمَ الْعِمَادُ فِي " الْخَرِيدَةِ " أَنَّهُ تُوُفِّيَ بَعْدَ الْعِشْرِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبْهَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْكَاتِبُ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَرَوَى وَعُمِّرَ مِائَةَ سَنَةٍ، وَتَغَيَّرَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ ; فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ: لِي أَجَلٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ ... نَعَمْ وَرِزْقٌ أَتَوَفَّاهُ

حَتَّى إِذَا اسْتَوْفَيْتُ مِنْهُ الَّذِي قُدِّرَ لِي لَا أَتَعَدَّاهُ ... قَالَ كِرَامٌ كَنْتُ أَغْشَاهُمُ فِي مَجْلِسٍ قَدْ كُنْتُ أَغْشَاهُ ... صَارَ ابْنُ نَبْهَانَ إِلَى رَبِّهِ يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ أَمِيرُ الْحَاجِّ يُمْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو الْخَيْرِ الْمُسْتَظْهِرِيُّ، كَانَ جَوَّادًا كَرِيمًا مُمَدَّحًا، ذَا رَأْيٍ وَفِطْنَةٍ ثَاقِبَةٍ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ طَلْحَةَ النِّعَالِيِّ بِإِفَادَةِ أَبِي نَصْرٍ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَكَانَ يَؤُمُّ بِهِ فِي الصَّلَوَاتِ، وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولًا إِلَى أَصْبَهَانَ حَدَّثَ بِهَا، وَاتَّفَقَ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ هُنَاكَ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا خُطِبَ لِلسُّلْطَانِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ بِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ.
وَفِيهَا سَأَلَ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ بْنِ مَنْصُورٍ الْأَسَدِيِّ مِنَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى الْحِلَّةِ وَغَيْرِهَا، مِمَّا كَانَ أَبُوهُ يَتَوَلَّاهُ مِنَ الْأَعْمَالِ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَوَلَّاهُ مَا كَانَ أَبُوهُ يَتَوَلَّاهُ مِنْ ذَلِكَ، فَعَظُمَ وَارْتَفَعَ شَأْنُهُ.

[وَفَاةُ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ]

وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، كَانَ خَيِّرًا فَاضِلًا ذَكِيًّا بَارِعًا، كَتَبَ الْخَطَّ الْمَنْسُوبَ، وَكَانَتْ أَيَّامُهُ بِبَغْدَادَ كَأَنَّهَا الْأَعْيَادُ، وَكَانَ رَاغِبًا فِي الْبِرِّ وَالْخَيْرِ مُسَارِعًا إِلَى ذَلِكَ ; لَا يَرُدُّ سَائِلًا، وَكَانَ جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ، لَا يُصْغِي إِلَى أَقْوَالِ الْوُشَاةِ فِي النَّاسِ وَلَا يَثِقُ بِالْمُبَاشِرِينَ، وَقَدْ ضَبَطَ أُمُورَ الْخِلَافَةِ جَيِّدًا وَأَحْكَمَهَا وَعَرَفَهَا وَعَلِمَهَا، وَلَدَيْهِ عِلْمٌ كَثِيرٌ، وَفَضْلٌ كَبِيرٌ، وَشِعْرٌ حَسَنٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا عِنْدَ ذِكْرِ خِلَافَتِهِ، وَقَدْ وَلِيَ غُسْلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ السُّنِّيِّ، وَصَلَّى عَلَيْهِ وَلَدُهُ أَبُو مَنْصُورٍ الْفَضْلُ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا، وَدُفِنَ فِي حُجْرَةٍ كَانَ يَسْكُنُهَا.

وَالْعَجَبُ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ السُّلْطَانُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ مَاتَ بَعْدَهُ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ مَاتَ بَعْدَهُ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ مَاتَ بَعْدَهُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ؛ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَكَانَتْ وَفَاةُ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ فِي سَادِسَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا.

[خِلَافَةُ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي مَنْصُورٍ الْفَضْلِ بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ]

لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ - كَمَا ذَكَرْنَا - بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَخُطِبَ لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَقَدْ كَانَ وَلِيَ الْعَهْدَ مِنْ مُدَّةِ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ الَّذِي أَخَذَ الْبَيْعَةَ لَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ الدَّامَغَانِيُّ، وَلَمَّا اسْتَقَرَّتِ الْبَيْعَةُ لَهُ هَرَبَ أَخُوهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي سَفِينَةٍ وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، وَقَصَدَ دُبَيْسَ بْنَ صَدَقَةَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ دُبَيْسِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ الْأَسَدِيَّ بِالْحِلَّةِ، فَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَقَلِقَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، فَرَاسَلَ دُبَيْسًا فِي ذَلِكَ مَعَ نَقِيبِ النُّقَبَاءِ الزَّيْنَبِيِّ، فَهَرَبَ أَخُو الْخَلِيفَةِ مِنْ دُبَيْسٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ جَيْشًا فَأَلْجَئُوهُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَلَحِقَهُ عَطَشٌ شَدِيدٌ فَلَقِيَهُ بَدَوِيَّانِ فَسَقَيَاهُ مَاءً، وَحَمَلَاهُ إِلَى بَغْدَادَ، فَأَحْضَرَهُ أَخُوهُ إِلَيْهِ فَاعْتَنَقَا وَتَبَاكَيَا، وَأَنْزَلَهُ الْخَلِيفَةُ دَارًا كَانَ يَسْكُنُهَا قَبْلَ الْخِلَافَةِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَطَيَّبَ نَفْسَهُ، وَكَانَ مُدَّةُ غَيْبَتِهِ عَنْ بَغْدَادَ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، وَاسْتَقَرَّتِ الْخِلَافَةُ بِلَا مُنَازَعَةٍ لِلْمُسْتَرْشِدِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِبَغْدَادَ، وَانْقَطَعَ الْغَيْثُ وَعُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ، وَتَفَاقَمَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ بِبَغْدَادَ، وَنَهَبُوا الدِّيَارَاتِ نَهَارًا جِهَارًا، وَلَمْ تَسْتَطِعِ الشُّرْطَةُ لِذَلِكَ

تَغْيِيرًا وَلَا إِنْكَارًا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نَظَرٌ الْخَادِمُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ آنِفًا فِي هَذَا الْعَامِ.
ثُمَّ تُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ جَدَّتُهُ أَمُّ أَبِيهِ الْمُقْتَدِي.
أُرْجُوَانُ الْأَرْمَنِيَّةُ وَتُدْعَى قُرَّةَ الْعَيْنِ، وَكَانَ لَهَا بِرٌّ كَثِيرٌ وَمَعْرُوفٌ وَصَدَقَاتٌ، وَقَدْ حَجَّتْ ثَلَاثَ حَجَّاتٍ، وَأَدْرَكَتْ خِلَافَةَ ابْنِهَا الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ وَخِلَافَةَ ابْنِهِ الْمُسْتَظْهِرِ وَخِلَافَةَ ابْنِهِ الْمُسْتَرْشِدِ، وَرَأَتْ لِلْمُسْتَرْشِدِ وَلَدًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ؛ رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى.
بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ أَبُو الْفَضْلِ الْأَنْصَارِيُّ، رَوَى الْحَدِيثَ، وَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي حِفْظِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَتَفَقَّهَ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَلْوَانِئِيِّ، وَكَانَ يَذْكُرُ الدُّرُوسَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ سُئِلَ مِنْ غَيْرِ مُطَالَعَةٍ وَلَا مُرَاجَعَةٍ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ طَلَبِهِ يُكَرِّرُ الْمَسْأَلَةَ أَرْبَعَمِائَةِ مَرَّةٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الزَّيْنَبِيُّ، قَرَأَ الْقُرْآنَ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيِّ

فَبَرَعَ وَأَفْتَى، وَدَرَّسَ بِمَشْهَدِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَنَظَرَ فِي أَوْقَافِهَا وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلُقِّبَ نُورَ الْهُدَى، وَسَارَ فِي الرُّسُلِيَّةِ إِلَى الْمُلُوكِ، وَوَلِيَ نِقَابَةَ الطَّالِبِيِّينَ وَالْعَبَّاسِيِّينَ، ثُمَّ اسْتَعْفَى بَعْدَ شُهُورٍ، فَوَلِيَ أَخُوهُ طِرَادٌ نِقَابَةَ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ صَفَرٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثِنْتَانِ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيٌّ، وَحَضَرَهُ الْأَعْيَانُ وَالْعُلَمَاءُ، وَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِي حَنِيفَةَ دَاخِلَ الْقُبَّةِ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ.
يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو طَاهِرٍ وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْخَرَزِيِّ صَاحِبُ الْمَخْزَنِ فِي أَيَّامِ الْمُسْتَظْهِرِ، وَكَانَ لَا يُوَفِّي الْمُسْتَرْشِدَ حَقَّهُ مِنَ التَّعْظِيمِ، وَهُوَ وَلِيُّ عَهْدٍ، فَلَمَّا صَارَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ صَادَرَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ غُلَامًا لَهُ فَأَوْمَأَ إِلَى بَيْتٍ، فَوَجَدَ فِيهِ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَخَذَهَا الْخَلِيفَةُ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ فِي هَذَا الْعَامِ.
أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْخَازِنِ، كَانَ أَدِيبًا لَطِيفًا شَاعِرًا فَاضِلًا، فَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: وَافَيْتُ مَنْزِلَهُ فَلَمْ أَرَ صَاحِبًا ... إِلَّا تَلَقَّانِي بِوَجْهٍ ضَاحِكِ وَالْبِشْرُ فِي وَجْهِ الْغُلَامِ نَتِيجَةٌ ... لِمُقَدِّمَاتِ ضِياءِ وَجْهِ الْمَالِكِ وَدَخَلْتُ جَنَّتَهُ وَزُرْتُ جَحِيمَهُ ... فَشَكَرْتُ رِضْوَانًا وَرَأْفَةَ مَالِكِ

جارٍ التحميل