البداية والنهايةصفحات 82-121

َجُيُوشُ الصِّدِّيقِ وَأُمَرَاؤُهُ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ

صفحات 82-121

أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ شَرْقِيَّ غَوْرِ بَيْسَانَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ.
وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ.
وَقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ، عَنْ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، أَبُو خَالِدٍ، صَخْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، أَخُو مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ يَزِيدُ أَكْبَرَ وَأَفْضَلَ.
وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: يَزِيدُ الْخَيْرِ.
أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَحَضَرَ حُنَيْنًا، وَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، وَاسْتَعْمَلَهُ الصِّدِّيقُ عَلَى رُبُعِ الْجَيْشِ إِلَى الشَّامِ وَهُوَ أَوَّلُ أَمِيرٍ وَصَلَ إِلَيْهَا، وَمَشَى الصِّدِّيقُ فِي رِكَابِهِ يُوصِيهِ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ؛ فَهَؤُلَاءِ أُمَرَاءُ الْأَرْبَاعِ.
وَلَمَّا افْتَتَحُوا دِمَشْقَ دَخَلَ هُوَ مِنْ بَابِ الْجَابِيَةِ الصَّغِيرِ عَنْوَةً كَخَالِدٍ فِي دُخُولِهِ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ عَنْوَةً، وَكَانَ الصِّدِّيقُ قَدْ وَعَدَهُ بِإِمْرَتِهَا، فَوَلِيَهَا عَنْ أَمْرِ عُمَرَ وَأَنْفَذَ لَهُ مَا وَعَدَهُ الصِّدِّيقُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَلِيَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَزَعَمَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ بَعْدَمَا فَتَحَ قَيْسَارِيَّةَ.
وَلَمَّا مَاتَ كَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ أَخَاهُ مُعَاوِيَةَ

عَلَى دِمَشْقَ فَأَمْضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَهُ ذَلِكَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَلَيْسَ فِي الْكُتُبِ شَيْءٌ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، مَثَلُ الْجَائِعِ الَّذِي لَا يَأْكُلُ إِلَّا التَّمْرَةَ وَالتَّمْرَتَيْنِ، لَا يُغْنِيَانِ عَنْهُ شَيْئًا» أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَقِيلَ: اسْمُهُ الْعَاصُ.
أَسْلَمُ قَدِيمًا، وَقَدْ جَاءَ يَوْمَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ مُسْلِمًا يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتُضْعِفَ فَرَدَّهُ أَبَوْهُ، وَأَبَى أَنْ يُصَالِحَ حَتَّى يُرَدَّ، ثُمَّ لَحِقَ أَبُو جَنْدَلٍ بِأَبِي بَصِيرٍ إِلَى سَيْفِ الْبَحْرِ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ فَتْحَ الشَّامِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ تَأَوَّلَ آيَةَ الْخَمْرِ ثُمَّ رَجَعَ.
وَمَاتَ بِطَاعُونِ عَمَوَاسَ.
رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ.
أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، هُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ تَقَدَّمَ.

أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ، قِيلَ: اسْمُهُ كَعْبُ بْنُ عَاصِمٍ.
قَدِمَ مُهَاجِرًا سَنَةَ خَيْبَرَ مَعَ أَصْحَابِ السَّفِينَةِ، وَشَهِدَ مَا بَعْدَهَا.
وَاسْتُشْهِدَ بِالطَّاعُونِ عَامَ عَمَوَاسَ هُوَ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٌ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ: كَانَ فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَجَلُولَاءَ فِيهَا.
وَالْمَشْهُورُ خِلَافُ مَا قَالَ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ فَتْحُ الْجَزِيرَةِ وَالرُّهَا وَحَرَّانَ وَرَأْسِ الْعَيْنِ وَنَصِيبِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ.
وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ، وَخَلِيفَةُ، وَابْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَ فَتْحُ قَيْسَارِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَأَمِيرُهَا مُعَاوِيَةُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ افْتَتَحَهَا قَبْلَ هَذَا بِسِنِينَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ فَتْحُ قَيْسَارِيَّةَ مِنْ فِلَسْطِينَ، وَهَرَبُ هِرَقْلَ وَفَتْحُ مِصْرَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ.
وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ: كَانَ فَتْحُ قَيْسَارِيَّةَ وَفَتْحُ مِصْرَ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فَأَمَّا فَتْحُ قَيْسَارِيَّةَ فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَأَمَّا فَتْحُ مِصْرَ فَإِنِّي سَأَذْكُرُهُ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَتْ نَارٌ مِنْ حَرَّةِ لَيْلَى، فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ

يَخْرُجُ بِالرِّجَالِ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّدَقَةِ فَطَفِئَتْ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَيُقَالُ: كَانَ فِيهَا وَقْعَةُ أَرْمِينِيَّةَ، وَأَمِيرُهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَقَدْ أُصِيبَ فِيهَا صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ بْنِ رَحْضَةَ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ، وَكَانَ أَحَدَ الْأُمَرَاءِ يَوْمَئِذٍ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا» . وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُنَافِقُونَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ فَبَرَّأَ اللَّهُ سَاحَتَهُ، وَجَنَابَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَوْجَةِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّا قَالُوا.
وَقَدْ كَانَ إِلَى حِينِ قَالُوا لَمْ يَتَزَوَّجْ.
وَلِهَذَا قَالَ: وَاللَّهُ مَا كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثَى قَطُّ.
ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ كَثِيرَ النَّوْمِ، رُبَّمَا غَلَبَ عَلَيْهِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي وَقْتِهَا، كَمَا جَاءَ فِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ "، وَغَيْرِهِ.
وَكَانَ شَاعِرًا ثُمَّ حَصَلَتْ لَهُ شَهَادَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قِيلَ: بِهَذَا الْبَلَدِ.
وَقِيلَ:

بِالْجَزِيرَةِ.
وَقِيلَ: بِسُمَيْسَاطَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا فِيمَا سَلَفَ.
وَفِيهَا فُتِحَتْ تَكْرِيتُ فِي قَوْلٍ، وَالصَّحِيحُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا فِيمَا ذَكَرْنَا أَسَرَتِ الرُّومُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ.
وَفِيهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ قُتِلَ فِيهَا أَمِيرُ الْمَجُوسِ شَهْرَكُ، وَكَانَ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ، وَنُوَّابُهُ عَلَى الْبِلَادِ وَقُضَاتُهُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ قَبْلَهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، سَيِّدُ الْقُرَّاءِ، وَهُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، أَبُو الْمُنْذِرِ وَأَبُو الطُّفَيْلِ، الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، سَيِّدُ الْقُرَّاءِ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَمَا بَعْدَهُمَا، وَكَانَ سَيِّدًا جَلِيلَ الْقَدْرِ.
وَهُوَ أَحَدُ الْقُرَّاءِ الْأَرْبَعَةِ الْخَزْرَجِيِّينَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،، وَقَدْ قَالَ لِعُمَرَ يَوْمًا: إِنِّي تَلَقَّيْتُ الْقُرْآنَ مِمَّنْ تَلَقَّاهُ مِنْ جِبْرِيلَ وَهُوَ رَطْبٌ.
وَفِي

" الْمُسْنَدِ "، وَ " النَّسَائِيِّ "، وَ " ابْنِ مَاجَهْ "، مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «أَقْرَأُ أُمَّتِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ» . وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَهُ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ". قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: " نَعَمْ» فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ.
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ عِنْدَ سُورَةِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 1] . قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ تُوُفِّيَ أُبَيٌّ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ عِشْرِينَ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ الْفَلَّاسُ، وَخَلِيفَةُ: تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَفِيهَا مَاتَ خَبَّابٌ مَوْلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَهُوَ صَحَابِيٌّ مِنَ السَّابِقِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ.
وَمَاتَ فِيهَا صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ فِي قَوْلٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[سَنَةُ عِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ]

[فَتْحُ مِصْرَ]

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ مِصْرَ.
وَكَذَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ: إِنَّهَا فُتِحَتْ هِيَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: فُتِحَتْ مِصْرُ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَإِسْكَنْدَرِيَّةُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ.
وَقَالَ سَيْفٌ: فُتِحَتْ مِصْرُ وَإِسْكَنْدَرِيَّةُ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا.
وَرَجَّحَ ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " الْكَامِلِ "؛ لِقِصَّةِ بَعْثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمِيرَةَ مِنْ مِصْرَ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَهُوَ مَعْذُورٌ فِيمَا رَجَّحَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ تُسْتَرَ فِي قَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ بَعْدَ مُحَاصَرَةِ سَنَتَيْنِ.
وَقِيلَ سَنَةٍ وَنِصْفٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[صِفَةُ فَتْحِ مِصْرَ مَجْمُوعًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَسَيْفٍ وَغَيْرِهِمَا]

قَالُوا: لَمَّا اسْتَكْمَلَ عُمَرُ وَالْمُسْلِمُونَ فَتْحَ الشَّامَ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى

مِصْرَ - وَزَعَمَ سَيْفٌ أَنَّهُ بَعَثَهُ بَعْدَ فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ - وَأَرْدَفَهُ بِالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَفِي صُحْبَتِهِ بُسْرُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَخَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ، فَاجْتَمَعَا عَلَى بَابِ مِصْرَ، فَلَقِيَهُمْ أَبُو مَرْيَمَ جَاثَلِيقُ مِصْرَ، وَمَعَهُ الْأُسْقُفُ أَبُو مَرْيَامَ فِي أَهْلِ الثَّبَاتِ، بَعَثَهُ الْمُقَوْقِسُ صَاحِبُ إِسْكَنْدَرِيَّةَ لِمَنْعِ بِلَادِهِمْ، فَلَمَّا تَصَافُّوا قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لَا تَعْجَلُوا حَتَّى نُعْذِرَ إِلَيْكُمْ، لِيَبْرُزْ إِلَيَّ أَبُو مَرْيَمَ وَأَبُو مَرْيَامَ رَاهِبَا هَذِهِ الْبِلَادِ.
فَبَرَزَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَنْتُمَا رَاهِبَا هَذِهِ الْبِلَادِ فَاسْمَعَا: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِالْحَقِّ، وَأَمَرَهُ بِهِ، وَأَمَرَنَا بِهِ مُحَمَّدٌ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَدَّى إِلَيْنَا كُلَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، ثُمَّ مَضَى وَتَرَكَنَا عَلَى الْوَاضِحَةِ، وَكَانَ مِمَّا أَمَرَنَا بِهِ الْإِعْذَارُ إِلَى النَّاسِ، فَنَحْنُ نَدْعُوكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَمَنْ أَجَابَنَا إِلَيْهِ فَمِثْلُنَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبْنَا عَرَضْنَا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ وَبَذَلْنَا لَهُ الْمَنَعَةَ، وَقَدْ أَعْلَمَنَا أَنَّا مُفْتَتِحُوكُمْ، وَأَوْصَانَا بِكُمْ؛ حِفْظًا لِرَحِمِنَا مِنْكُمْ، وَأَنَّ لَكُمْ إِنْ أَجَبْتُمُونَا بِذَلِكَ ذِمَّةً إِلَى ذِمَّةٍ، وَمِمَّا عَهِدَ إِلَيْنَا أَمِيرُنَا: اسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِيِّينَ خَيْرًا؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْصَانَا بِالْقِبْطِيِّينَ خَيْرًا؛ لِأَنَّ لَهُمْ رَحِمًا وَذِمَّةً.
فَقَالُوا: قَرَابَةٌ بَعِيدَةٌ لَا يَصِلُ مِثْلَهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ، مَعْرُوفَةٌ شَرِيفَةٌ، كَانَتِ ابْنَةَ مَلِكِنَا، وَكَانَتْ مَنْ أَهْلِ مَنْفَ وَالْمُلْكُ

فِيهِمْ، فَأُدِيلَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ عَيْنِ شَمْسٍ فَقَتَلُوهُمْ وَسَلَبُوهُمْ مُلْكَهُمْ وَاغْتَرَبُوا، فَلِذَلِكَ صَارَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، أَمِّنَّا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكَ.
فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ مِثْلِي لَا يُخْدَعُ، وَلَكِنِّي أُؤَجِّلُكُمَا ثَلَاثًا لِتَنْظُرُوا وَلِتُنَاظِرَا قَوْمَكُمَا، وَإِلَّا نَاجَزْتُكُمْ.
قَالَا: زِدْنَا.
فَزَادَهُمْ يَوْمًا، فَقَالَا: زِدْنَا.
فَزَادَهُمْ يَوْمًا، فَرَجَعَا إِلَى الْمُقَوْقِسِ فَأَبَى أَرْطَبُونُ أَنْ يُجِيبَهُمَا وَأَمَرَ بِمُنَاهَدَتِهِمْ، وَقَالَ لِأَهْلِ مِصْرَ: أَمَّا نَحْنُ فَسَنَجْتَهِدُ أَنْ نَدْفَعَ عَنْكُمْ وَلَا نَرْجِعَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ بَقِيَتْ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ.
وَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُبَيِّتُوا الْمُسْلِمِينَ.
فَقَالَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ: مَا تُقَاتِلُونَ مِنْ قَوْمٍ قَتَلُوا كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَغَلَبُوهُمْ عَلَى بِلَادِهِمْ؟ ! فَأَلَحَّ الْأَرْطَبُونُ فِي أَنْ يُبَيِّتُوا الْمُسْلِمِينَ، فَفَعَلُوا فَلَمْ يَظْفَرُوا بِشَيْءٍ بَلْ قُتِلَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الْأَرْطَبُونُ.
وَحَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ عَيْنَ شَمْسٍ مِنْ مِصْرَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَارْتَقَى الزُّبَيْرُ عَلَيْهِمْ سُورَ الْبَلَدِ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِذَلِكَ خَرَجُوا إِلَى عَمْرٍو مِنَ الْبَابِ الْآخَرِ فَصَالَحُوهُ، وَاخْتَرَقَ الزُّبَيْرُ الْبَلَدَ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْبَابِ الَّذِي عَلَيْهِ عَمْرٌو، فَأَمْضَوُا الصُّلْحَ.
وَكَتَبَ لَهُمْ عَمْرٌو كِتَابَ أَمَانٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَعْطَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَهْلَ مِصْرَ مِنَ الْأَمَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ

وَصُلُبِهِمْ، وَبَرِّهِمْ وَبَحْرِهِمْ، لَا يُدْخَلُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُنْتَقَصُ، وَلَا يُسَاكِنُهُمُ النُّوبَةُ وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى هَذَا الصُّلْحِ، وَانْتَهَتْ زِيَادَةُ نَهْرِهِمْ، خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَعَلَيْهِمْ مَا جَنَى لُصُوتُهُمْ، فَإِنْ أَبَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُجِيبَ، رُفِعَ عَنْهُمْ مِنَ الْجَزَاءِ بِقَدْرِهِمْ، وَذِمَّتُنَا مِمَّنْ أَبَى بَرِيئَةٌ، وَإِنْ نَقَصَ نَهْرُهُمْ مِنْ غَايَتِهِ إِذَا انْتَهَى، رُفِعَ عَنْهُمْ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ دَخَلَ فِي صُلْحِهِمْ مِنَ الرُّومِ وَالنُّوبَةِ، فَلَهُ مِثْلُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَبَى وَاخْتَارَ الذَّهَابَ، فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ أَوْ يَخْرُجَ مِنْ سُلْطَانِنَا، عَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، فِي كُلِّ ثُلُثِ جِبَايَةُ ثُلُثِ مَا عَلَيْهِمْ، عَلَى مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عَهْدُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ وَذِمَّةُ الْخَلِيفَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذِمَمُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَعَلَى النُّوبَةِ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا أَنْ يُعِينُوا بِكَذَا وَكَذَا رَأْسًا، وَكَذَا وَكَذَا فَرَسًا، عَلَى أَنْ لَا يَغْزُوا، وَلَا يَمْنَعُوا مِنْ تِجَارَةٍ صَادِرَةٍ وَلَا وَارِدَةٍ.
شَهِدَ الزُّبَيْرُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ ابْنَاهُ، وَكَتَبَ وَرْدَانُ وَحَضَرَ.
فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ مِصْرَ كُلُّهُمْ، وَقَبِلُوا الصُّلْحَ، وَاجْتَمَعَتِ الْخُيُولُ بِمِصْرَ، وَعَمَّرُوا الْفُسْطَاطَ، وَظَهَرَ أَبُو مَرْيَمَ وَأَبُو مَرْيَامَ فَكَلَّمَا عَمْرًا فِي السَّبَايَا الَّتِي أُصِيبَتْ بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ، فَأَبَى عَمْرٌو أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمَا، وَأَمَرَ بِطَرْدِهِمَا وَإِخْرَاجِهِمَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ أَنَّ كُلَّ

سَبْيٍ أُخِذَ فِي الْخَمْسَةِ أَيَّامٍ الَّتِي أَمَّنُوهُمْ فِيهَا أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ، وَكُلَّ سَبْيٍ أُخِذَ مِمَّنْ لَمْ يُقَاتِلْ وَكَذَلِكَ مَنْ قَاتَلَ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ سَبَايَاهُ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُخَيِّرُوا مَنْ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ السَّبْيِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَمَنِ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ فَلَا يَرُدُّوهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنِ اخْتَارَهُمْ رَدُّوهُ عَلَيْهِمْ وَأَخَذُوا مِنْهُ الْجِزْيَةَ، وَأَمَّا مَا تَفَرَّقَ مِنْ سَبْيِهِمْ فِي الْبِلَادِ وَوَصَلَ إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِمْ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى مَا يَتَعَذَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ.
فَفَعَلَ عَمْرٌو مَا أَمَرَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَمَعَ السَّبَايَا وَعَرَضُوهُمْ وَخَيَّرُوهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَادَ إِلَى دِينِهِ، وَانْعَقَدَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ.
ثُمَّ أَرْسَلَ عَمْرٌو جَيْشًا إِلَى إِسْكَنْدَرِيَّةَ - وَكَانَ الْمُقَوْقِسُ صَاحِبُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ يُؤَدِّي خَرَاجَ بَلَدِهِ وَبَلَدِ مِصْرَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ - فَلَمَّا حَاصَرَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ جَمَعَ أَسَاقِفَتَهُ وَأَكَابِرَ دَوْلَتِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْعَرَبَ غَلَبُوا كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَأَزَالُوهُمْ عَنْ مُلْكِهِمْ، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ، وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ نُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ

إِلَيْهِمْ.
ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ أُؤَدِّي الْخَرَاجَ إِلَى مَنْ هُوَ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْكُمْ؛ فَارِسَ وَالرُّومِ.
ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَبَعَثَ عَمْرٌو بِالْفَتْحِ وَالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَذَكَرَ سَيْفٌ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ لَمَّا الْتَقَى مَعَ الْمُقَوْقِسِ جَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ، فَجَعَلَ عَمْرٌو يُذَمِّرُهُمْ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الثَّبَاتِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ مِنْ حِجَارَةٍ وَلَا حَدِيدٍ.
فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: اسْكُتْ فَإِنَّمَا أَنْتَ كَلْبٌ.
فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: فَأَنْتَ إِذًا أَمِيرُ الْكِلَابِ.
فَأَعْرَضَ عَنْهُ عَمْرٌو وَنَادَى يَطْلُبُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: تَقَدَّمُوا فَبِكُمْ يَنْصُرُ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ.
فَنَهَدُوا إِلَى الْقَوْمِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَظَفِرُوا أَتَمَّ الظَّفَرِ.
قَالَ سَيْفٌ: فَفُتِحَتْ مِصْرُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ، وَقَامَ فِيهَا مُلْكُ الْإِسْلَامِ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: فُتِحَتْ مِصْرُ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ، وَفُتِحَتْ إِسْكَنْدَرِيَّةُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، بَعْدَ مُحَاصَرَةِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ عَنْوَةً.
وَقِيلَ: صُلْحًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْمُقَوْقِسَ سَأَلَ مِنْ عَمْرٍو أَنْ يُهَادِنَهُ أَوَّلًا، فَلَمْ يَقْبَلْ عَمْرٌو، وَقَالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْنَا بِمَلِكِكُمُ الْأَكْبَرِ هِرَقْلَ.
فَقَالَ الْمُقَوْقِسُ لِأَصْحَابِهِ:

صَدَقَ، فَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْإِذْعَانِ.
ثُمَّ صَالَحَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ عَمْرًا وَالزُّبَيْرَ سَارَا إِلَى عَيْنِ شَمْسٍ فَحَاصَرَاهَا، وَأَنَّ عَمْرًا بَعَثَ إِلَى الْفَرَمَا أَبَرْهَةَ بْنَ الصَّبَّاحِ، وَبَعَثَ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِأَهْلِ بَلَدِهِ: إِنْ نَزَلْتُمْ فَلَكُمُ الْأَمَانُ.
فَتَرَبَّصُوا مَاذَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ عَيْنِ شَمْسٍ، فَلَمَّا صَالَحُوا، صَالَحَ الْبَاقُونَ.
وَقَدْ قَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ لِأَهْلِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ: مَا أَحْسَنَ بَلَدَكُمْ! فَقَالُوا: إِنَّ إِسْكَنْدَرَ لَمَّا بَنَاهَا قَالَ: لَأَبْنِيَنَّ مَدِينَةً فَقِيرَةً إِلَى اللَّهِ غَنِيَّةً عَنِ النَّاسِ.
فَبَقِيَتْ بَهْجَتُهَا.
وَقَالَ أَبَرْهَةُ لِأَهْلِ الْفَرَمَا: مَا أَقْبَحَ مَدِينَتَكُمْ! فَقَالُوا: إِنَّ الْفَرَمَا - وَهُوَ أَخُو الْإِسْكَنْدَرِ - لَمَّا بَنَاهَا قَالَ: لَأَبْنِيَنَّ مَدِينَةً غَنِيَّةً عَنِ اللَّهِ فَقِيرَةً إِلَى النَّاسِ.
فَهِيَ لَا يَزَالُ سَاقِطًا بِنَاؤُهَا، فَشُوِّهَتْ بِذَلِكَ.
وَذَكَرَ سَيْفٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ لَمَّا وَلِيَ مِصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ زَادَ فِي الْخَرَاجِ عَلَيْهِمْ رُءُوسًا مِنَ الرَّقِيقِ يُهْدُونَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَيُعَوِّضُهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِطَعَامٍ مُسَمًّى وَكُسْوَةٍ.
وَأَقَرَّ ذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَوُلَاةُ الْأُمُورِ بَعْدَهُ، حَتَّى كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَمْضَاهُ أَيْضًا؛ نَظَرًا لَهُمْ، وَإِبْقَاءً لِعَهْدِهِمْ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ دِيَارُ مِصْرَ بِالْفُسْطَاطِ نِسْبَةً إِلَى فُسْطَاطِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَصَبَ خَيْمَتَهُ - وَهِيَ الْفُسْطَاطُ - مَوْضِعَ مِصْرَ الْيَوْمَ، وَبَنَى

النَّاسُ حَوْلَهُ، وَتُرِكَتْ مِصْرُ الْقَدِيمَةُ مِنْ زَمَانِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَإِلَى الْيَوْمِ، ثُمَّ رَفَعَ الْفُسْطَاطَ وَبَنَى مَوْضِعَهُ جَامِعًا وَهُوَ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ.
وَقَدْ غَزَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ فَتْحِ مِصْرَ النُّوبَةَ؛ فَنَالَهُمْ جِرَاحَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَأُصِيبَتْ أَعْيُنٌ كَثِيرَةٌ؛ لِجَوْدَةِ رَمْيِ النُّوبَةِ، فَسَمَّوْهُمْ جُنْدَ الْحِدَقِ.
ثُمَّ فَتَحَهَا اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي بِلَادِ مِصْرَ، فَقِيلَ: فُتِحَتْ صُلْحًا إِلَّا الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ.
وَهُوَ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ.
وَقِيلَ: كُلُّهَا عَنْوَةٌ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: مَا قَعَدْتُ مَقْعَدِي هَذَا وَلِأَحَدٍ مِنَ الْقِبْطِ عِنْدِي عَهْدٌ؛ إِنْ شِئْتُ قَتَلْتُ، وَإِنْ شِئْتُ بِعْتُ، وَإِنْ شِئْتُ خَمَّسْتُ، إِلَّا لِأَهْلِ أَنْطَابُلُسَ، فَإِنَّ لَهُمْ عَهْدًا نَفِي بِهِ.

[قِصَّةُ نِيلِ مِصْرَ]

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: لَمَّا افْتُتِحَتْ مِصْرُ أَتَى أَهْلُهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - حِينَ دَخَلَ بُؤْنَةُ مِنْ أَشْهُرِ

الْعَجَمِ - فَقَالُوا: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، لِنِيلِنَا هَذَا سُنَّةٌ لَا يَجْرِي إِلَّا بِهَا.
قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: إِذَا كَانَتِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ، عَمَدْنَا إِلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ مِنْ أَبَوَيْهَا، فَأَرْضَيْنَا أَبَوَيْهَا، وَجَعَلْنَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ أَفْضَلَ مَا يَكُونُ، ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا فِي هَذَا النِّيلِ.
فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: إِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ، إِنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ.
قَالَ: فَأَقَامُوا بُؤْنَةَ وَأَبِيبَ وَمِسْرَى وَالنِّيلُ لَا يَجْرِي قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، حَتَّى هَمُّوا بِالْجَلَاءِ، فَكَتَبَ عَمْرٌو إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ قَدْ أَصَبْتَ بِالَّذِي فَعَلْتَ، وَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِبِطَاقَةٍ دَاخِلَ كِتَابِي، فَأَلْقِهَا فِي النِّيلِ.
فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُهُ أَخَذَ عَمْرٌو الْبِطَاقَةَ فَإِذَا فِيهَا: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نِيلِ أَهْلِ مِصْرَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَجْرِي مِنْ قِبَلِكَ فَلَا تَجْرِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ هُوَ الَّذِي يُجْرِيكَ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُجْرِيَكَ.
قَالَ: فَأَلْقَى الْبِطَاقَةَ فِي النِّيلِ فَأَصْبَحُوا يَوْمَ السَّبْتِ، وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ النِّيلَ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَطَعَ اللَّهُ

تِلْكَ السُّنَّةَ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى الْيَوْمِ.
قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ: وَفِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - وَهِيَ عِنْدَهُ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ - جَعَلَ عُمَرُ الْمَسَالِحَ عَلَى أَرْجَاءِ مِصْرَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هِرَقْلَ أَغَزَا الشَّامَ وَمِصْرَ فِي الْبَحْرِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا أَرْضَ الرُّومِ أَبُو بَحْرِيَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ - وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دَخَلَهَا فِيمَا قِيلَ - فَسَلِمَ وَغَنِمَ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ دَخَلَهَا مَيْسَرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيُّ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِيهَا عَزَلَ عُمَرُ قَدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ عَنِ الْبَحْرَيْنِ وَحَدَّهُ فِي الشَّرَابِ، وَوَلَّى عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةِ أَبَا هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ: وَفِيهَا شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى قَالُوا: لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي.
فَعَزَلَهُ عَنْهَا وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، وَكَانَ نَائِبَ سَعْدٍ.
وَقِيلَ: بَلْ وَلَّاهَا عَمْرَو بْنَ يَاسِرٍ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، سَمِعَهُ مِنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي.
قَالَ: الْأَعَارِيبُ! وَاللَّهِ مَا آلُو بِهِمْ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، أَرْكُدُ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ.
فَسَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ.
وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، فَأَثْنَوْا خَيْرًا إِلَّا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: أَبُو سَعْدَةَ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ.
قَامَ فَقَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّ سَعْدًا لَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ، وَلَا يَخْرُجُ فِي السَّرِيَّةِ.
فَقَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا قَامَ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ، فَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَأَدِمْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ.
فَأَصَابَتْهُ دَعْوَةُ سَعْدٍ، فَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا يَرْفَعُ حَاجِبَيْهِ عَنْ عَيْنَيْهِ، وَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ فَيَغْمِزُهُنَّ، فَيُقَالُ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ فَيَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْهُ دَعْوَةُ سَعْدٍ.

وَقَدْ قَالَ عُمَرُ فِي وَصِيَّتِهِ - وَذَكَرَهُ فِي السِّتَّةِ -: فَإِنْ أَصَابَتِ الْإِمْرَةُ سَعْدًا فَذَاكَ، وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ وَلِيَ، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ.
قَالَ: وَفِيهَا أَجْلَى عُمَرُ يَهُودَ خَيْبَرَ عَنْهَا إِلَى أَذْرِعَاتٍ وَغَيْرِهَا، وَفِيهَا أَجْلَى عُمَرُ يَهُودَ نَجْرَانَ مِنْهَا أَيْضًا إِلَى الْكُوفَةِ، وَقَسَّمَ خَيْبَرَ، وَوَادِي الْقُرَى، وَنَجْرَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: وَفِيهَا دَوَّنَ عُمَرُ الدَّوَاوِينَ.
وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ دَوَّنَهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: وَفِيهَا بَعَثَ عُمَرُ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيَّ إِلَى الْحَبَشَةِ فِي الْبَحْرِ فَأُصِيبُوا، فَآلَى عُمَرُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَبْعَثَ جَيْشًا فِي الْبَحْرِ بَعْدَهَا.
وَقَدْ خَالَفَ الْوَاقِدِيَّ فِي هَذَا أَبُو مَعْشَرٍ، فَزَعَمَ أَنَّ غَزْوَةَ الْحَبَشَةِ إِنَّمَا كَانَتْ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ.
يَعْنِي فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُمَرُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ - الَّتِي مَاتَ عَنْهَا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ فِي الطَّاعُونِ - وَهِيَ أُخْتُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: وَفِيهَا مَاتَ بِلَالٌ بِدِمَشْقَ، وَأُسِيدُ بْنُ الْحُضَيْرِ فِي شَعْبَانَ،

وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
قَالَ: وَفِيهَا مَاتَ هِرَقْلُ، وَقَامَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ قُسْطَنْطِينُ.
قَالَ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ.
وَنُوَّابُهُ وَقُضَاتُهُ، وَمَنْ تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، سِوَى مِنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ عَزَلَهُ وَوَلَّى غَيْرَهُ.

[ذِكْرُ الْمُتَوَفَّيْنَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ]

أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ بْنِ سِمَاكٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ، مِنَ الْأَوْسِ، أَبُو يَحْيَى، أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ رَئِيسَ الْأَوْسِ يَوْمَ بُعَاثٍ، وَكَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسِتِّ سِنِينَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: حُضَيْرُ الْكَتَائِبِ.
يُقَالُ: إِنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَلَمَّا هَاجَرَ النَّاسُ آخَى رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا.
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ» وَذَكَرَ جَمَاعَةً.

وَقَدِمَ الشَّامَ مَعَ عُمَرَ.
وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ، وَعَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ بُكَيْرٍ أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَلَ بَيْنَ عَمُودَيْهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَدَفَنَهُ بِالْبَقِيعِ.
وَكَذَا أَرَّخَ وَفَاتَهُ سَنَةَ عِشْرِينَ الْوَاقِدِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَجَمَاعَةٌ.
أُنَيْسُ بْنُ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ، هُوَ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ صَحَابَةٌ، وَكَانَ أُنَيْسٌ هَذَا عَيْنًا لِرَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُهُ، فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ: فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ.
فَقِيلَ: أَنَّهُ أُنَيْسُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْأَسْلَمِيُّ.
وَقَدْ مَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ إِلَى تَرْجِيحِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
لَهُ حَدِيثٌ فِي الْفِتْنَةِ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ: تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عِشْرِينَ.
بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ الْحَبَشِيُّ الْمُؤَذِّنُ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَيُقَالُ لَهُ: بِلَالُ ابْنُ

حَمَامَةَ.
وَهِيَ أُمُّهُ.
أَسْلَمَ قَدِيمًا فَعُذِّبَ فِي اللَّهِ فَصَبَرَ، فَاشْتَرَاهُ الصِّدِّيقُ فَأَعْتَقَهُ.
شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا.
وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلَمَّا شُرِعَ الْأَذَانُ بِالْمَدِينَةِ كَانَ هُوَ الَّذِي يُؤَذِّنُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، يَتَنَاوَبَانِ، تَارَةً هَذَا وَتَارَةً هَذَا.
وَكَانَ بِلَالٌ نَدِيَّ الصَّوْتِ، حَسَنَهُ، فَصِيحًا، وَمَا يُرْوَى: " إِنَّ سِينَ بِلَالٍ عِنْدَ اللَّهِ شِينٌ ". فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ.
وَقَدْ أَذَّنَ يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَرَكَ الْأَذَانَ، وَيُقَالُ: أَذَّنَ لِلصِّدِّيقِ أَيَّامَ خِلَافَتِهِ.
وَلَا يَصِحُّ.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا، وَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ إِلَى الْجَابِيَةِ أَذَّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، فَانْتَحَبَ النَّاسُ بِالْبُكَاءِ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ زَارَ الْمَدِينَةَ فِي غُبُونِ ذَلِكَ فَأَذَّنَ، فَبَكَى النَّاسُ بُكَاءً شَدِيدًا.
وَيَحِقُّ لَهُمْ ذَلِكَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِبِلَالٍ: إِنِّي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْفَ نَعْلَيْكَ أَمَامِي، فَأَخْبِرْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ، فَقَالَ: مَا تَوَضَّأْتُ إِلَّا وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ.
فَقَالَ " بِذَاكَ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا أَحْدَثْتُ إِلَّا تَوَضَّأْتُ وَمَا تَوَضَّأْتُ، إِلَّا رَأَيْتُ أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» .

قَالُوا: وَكَانَ بِلَالٌ آدَمَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ، طَوِيلًا، نَحِيفًا، أَجْنَأَ، كَثِيرَ الشَّعْرِ، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ.
قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ: تُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ عِشْرِينَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَاتَ بِدَارَيَّا، وَدُفِنَ بِبَابِ كَيْسَانَ.
وَقِيلَ: دُفِنَ بِدَارَيَّا.
وَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ بِحَلَبَ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
سَعِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ، مِنْ أَشْرَافِ بَنِي جُمَحَ، شَهِدَ خَيْبَرَ، وَكَانَ مِنَ الزُّهَّادِ الْعُبَّادِ، وَكَانَ أَمِيرًا لِعُمَرَ عَلَى حِمْصَ بَعْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ.
بَلَغَ عُمَرَ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَتْهُ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَتَصَدَّقَ بِهَا جَمِيعًا، وَقَالَ

لِزَوْجَتِهِ: أَعْطَيْنَاهَا لِمَنْ يَتَّجِرُ لَنَا فِيهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ خَلِيفَةُ: فَتَحَ هُوَ وَمُعَاوِيَةُ قَيْسَارِيَّةَ، كُلٌّ مِنْهُمَا أَمِيرٌ عَلَى مَنْ مَعَهُ.
عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ أَبُو سَعْدٍ الْفِهْرِيُّ، مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَكَانَ سَمْحًا جَوَادًا، شُجَاعًا، وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَ الْجَزِيرَةَ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَازَ دَرْبَ الرُّومَ غَازِيًا، وَاسْتَنَابَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بَعْدَهُ عَلَى الشَّامِ فَأَقَرَّهُ عُمَرُ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ عَنْ سِتِّينَ سَنَةً.
أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قِيلَ: اسْمُهُ الْمُغِيرَةُ.
أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ جِدًّا، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى دِينِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَكَانَ شَاعِرًا مُطْبَقًا، يَهْجُو الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَهُوَ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي ... مُغَلْغَلَةً فَقَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ وَلَمَّا جَاءَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ لِيُسْلِمَا، لَمْ يَأْذَنْ لَهُمَا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى شَفَعَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِأَخِيهَا فَأَذِنَ لَهُ، وَبَلَغَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ هَذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَأْذَنْ لِي لَآخُذَنَّ بِيَدِ بُنَيَّ هَذَا - لِوَلَدٍ مَعَهُ صَغِيرٍ - فَلَأَذْهَبَنَّ، فَلَا يُدْرَى أَيْنَ

أَذْهَبُ.
فَرَقَّ حِينَئِذٍ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَذِنَ لَهُ، وَلَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَكَانَ آخِذًا بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ يَوْمَئِذٍ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَحَبَّهُ، وَشَهِدَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونَ خَلَفًا مِنْ حَمْزَةَ.
وَقَدْ رَثَى رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ تُوُفِّيَ بِقَصِيدَةٍ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا سَلَفَ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: أَرِقْتُ فَبَاتَ لَيْلِي لَا يَزُولُ ... وَلَيْلُ أَخِي الْمُصِيبَةِ فِيهِ طُولُ وَأَسْعَدَنِي الْبُكَاءُ وَذَاكَ فِيمَا ... أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ قَلِيلُ فَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُنَا وَجَلَّتْ ... عَشِيَّةَ قِيلَ قَدْ قُبِضَ الرَّسُولُ فَقَدْنَا الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ فِينَا ... يَرُوحُ بِهِ وَيَغْدُو جِبْرَئِيلُ ذَكَرُوا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ حَجَّ، فَلَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ قَطَعَ الْحَالِقُ ثُؤْلُولًا فِي رَأْسِهِ، فَتَمَرَّضَ مِنْهُ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ مَرْجِعِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَخَاهُ نَوْفَلًا تُوُفِّيَ قَبْلَهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، هُوَ مَالِكُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَمِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زَعُورَاءَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ

مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ نَقِيبًا، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَمَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ.
وَقِيلَ: إِحْدَى وَعِشْرِينَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ شَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَهُوَ الْأَكْثَرُ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا هُنَا.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ بْنِ رِيَابٍ الْأَسَدِيَّةُ مِنْ أَسَدِ خُزَيْمَةَ.
أَوَّلُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَفَاةً، أُمُّهَا أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، زَيْنَبَ، وَتُكَنَّى أُمَّ الْحَكَمِ، وَهِيَ الَّتِي زَوَّجَهُ اللَّهُ بِهَا، وَكَانَتْ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهْلُوكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: 37] . وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ مَوْلَاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَلَمَّا طَلَّقَهَا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قِيلَ: كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ.
وَقِيلَ: أَرْبَعٍ.
وَهُوَ الْأَشْهَرُ.
وَقِيلَ: سَنَةِ خَمْسٍ.
وَفِي دُخُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَا نَزَلَ الْحِجَابُ كَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَنَسٍ.
وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِي عَائِشَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ فِي الْجَمَالِ وَالْحُظْوَةِ، وَكَانَتْ دَيِّنَةً وَرِعَةً عَابِدَةً كَثِيرَةَ

الصَّدَقَةِ.
وَذَاكَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِقَوْلِهِ: «أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا - أَيْ بِالصَّدَقَةِ» - وَكَانَتِ امْرَأَةً صَنَاعًا تَعْمَلُ بِيَدَيْهَا وَتَتَصَدَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ، وَأَتْقَى لِلَّهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ أَمَانَةً وَصَدَقَةً، مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ.
وَلَمْ تَحُجَّ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَا هِيَ وَلَا سَوْدَةُ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَزْوَاجِهِ: «هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورُ الْحُصْرِ.» وَأَمَّا بَقِيَّةُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكُنَّ يَخْرُجْنَ إِلَى الْحَجِّ، وَقَالَتْ زَيْنَبُ وَسَوْدَةُ: وَاللَّهِ لَا تُحَرِّكُنَا بَعْدَهُ دَابَّةٌ.
قَالُوا: وَبَعَثَ عُمَرُ إِلَيْهَا فَرْضَهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَتَصَدَّقَتْ بِهِ فِي أَقَارِبِهَا، ثُمَّ قَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكُنِي عَطَاءُ عُمَرَ بَعْدَ هَذَا.
فَمَاتَتْ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عُمَرُ، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ صُنِعَ لَهَا النَّعْشُ، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ.
صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَمَّةُ الرَّسُولِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ أُمُّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَهِيَ شَقِيقَةُ حَمْزَةَ وَالْمُقَوَّمِ وَحَجْلَ، أُمُّهُمْ هَالَةُ بِنْتُ وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ.
لَا خِلَافَ فِي إِسْلَامِهَا، وَقَدْ حَضَرَتْ يَوْمَ أُحُدٍ وَوَجَدَتْ عَلَى أَخِيهَا

حَمْزَةَ وَجْدًا كَثِيرًا، وَقَتَلَتْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ جَاءَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْحِصْنِ الَّتِي هِيَ فِيهِ، وَهُوَ فَارِعٌ؛ حِصْنِ حَسَّانَ، فَقَالَتْ لِحَسَّانَ: انْزِلْ فَاقْتُلْهُ.
فَأَبَى، فَنَزَلَتْ إِلَيْهِ فَقَتَلَتْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: انْزِلْ فَاسْلُبْهُ فَلَوْلَا أَنَّهُ رَجُلٌ لَاسْتَلَبْتُهُ.
فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ.
وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِ مَنْ عَدَاهَا مِنْ عَمَّاتِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقِيلَ: أَسْلَمَتْ أَرَوَى وَعَاتِكَةُ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَشَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ الْحَافِظُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُنَّ غَيْرُهَا.
وَقَدْ تَزَوَّجَتْ أَوَّلًا بِالْحَارِثِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا الْعَوَّامَ بْنَ خُوَيْلِدٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ الزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الْكَعْبَةِ.
وَقِيلَ: تَزَوَّجَهَا الْعَوَّامُ بِكْرًا.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
تُوُفِّيَتْ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ عِشْرِينَ، عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مَنْ تُوُفِّيَ غَيْرَ هَؤُلَاءِ: عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ الْعَقَبَتَيْنِ وَالْمُشَاهِدَ كُلَّهَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108] . [التَّوْبَةِ: 108] وَلَهُ رِوَايَاتٌ.
تُوُفِّيَ هَذِهِ السَّنَةَ بِالْمَدِينَةِ.

بِشْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَنَشٍ، يُلَقَّبُ بِالْجَارُودِ، أَسْلَمَ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ، وَكَانَ شَرِيفًا مُطَاعًا فِي عَبْدِ الْقَيْسِ، وَهُوَ الَّذِي شَهِدَ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَعَزَلَهُ عُمَرُ عَنِ الْيَمَنِ وَحَدَّهُ.
قُتِلَ الْجَارُودُ شَهِيدًا.
أَبُو خِرَاشٍ خُوَيْلِدُ بْنُ مُرَّةَ الْهُذَلِيُّ، كَانَ شَاعِرًا مُجِيدًا مُخَضْرَمًا، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ، وَكَانَ إِذَا جَرَى سَبَقَ الْخَيْلَ.
نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ فَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ]

[وَقْعَةُ نَهَاوَنْدَ]

فَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ نَهَاوَنْدَ وَفَتْحُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهِيَ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا لَهَا شَأْنٌ رَفِيعٌ وَنَبَأٌ عَجِيبٌ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَهَا فَتْحَ الْفُتُوحِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ: كَانَتْ وَقْعَةُ نَهَاوَنْدَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ.
وَقَالَ سَيْفٌ: كَانَتْ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ.
وَقِيلَ: فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا سَاقَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ قِصَّتَهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَبِعْنَاهُ فِي ذَلِكَ، وَجَمَعْنَا كَلَامَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ سِيَاقًا وَاحِدًا، حَتَّى دَخَلَ سِيَاقُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ.
قَالَ سَيْفٌ وَغَيْرُهُ: وَكَانَ الَّذِي هَاجَ هَذِهِ الْوَقْعَةَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا افْتَتَحُوا الْأَهْوَازَ، وَمَنَعُوا جَيْشَ الْعَلَاءِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى دَارِ الْمَلِكِ الْقَدِيمِ مِنْ إِصْطَخْرَ مَعَ مَا حَازُوا مِنْ دَارِ مَمْلَكَتِهِمْ حَدِيثًا، وَهِيَ الْمَدَائِنُ وَأَخَذُوا تِلْكَ الْمَدَائِنَ وَالْأَقَالِيمَ وَالْكُوَرَ وَالْبُلْدَانَ الْكَثِيرَةَ، فَحَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَاسْتَجَاشَهُمْ يَزْدَجِرْدُ الَّذِي تَقَهْقَرَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، حَتَّى صَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ مُبْعَدًا طَرِيدًا، لَكِنَّهُ فِي أُسْرَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَكَتَبَ إِلَى نَاحِيَةِ نَهَاوَنْدَ وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْجِبَالِ وَالْبُلْدَانِ، فَتَجَمَّعُوا وَتَرَاسَلُوا حَتَّى كَمُلَ لَهُمْ مِنَ الْجُنُودِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُمْ قَبْلَ

ذَلِكَ.
فَبَعَثَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَثَارَ أَهْلُ الْكُوفَةِ عَلَى سَعْدٍ فِي غُبُونِ هَذَا الْحَالِ.
فَشَكَوْهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى قَالُوا: لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي.
وَكَانَ الَّذِي نَهَضَ بِهَذِهِ الشَّكْوَى رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْجَرَّاحُ بْنُ سِنَانٍ الْأَسَدِيُّ.
فِي نَفَرٍ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَهَبُوا إِلَى عُمَرَ فَشَكَوْهُ إِلَيْهِ.
قَالَ لَهُمْ عُمَرُ: مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى شَرِّكُمْ نُهُوضُكُمْ فِي هَذَا الْحَالِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِقِتَالِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا لَكُمْ، وَمَعَ هَذَا لَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمْ.
ثُمَّ بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ - وَكَانَ رَسُولَ الْعُمَّالِ - فَلَمَّا قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْكُوفَةَ طَافَ عَلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ وَالْمَسَاجِدِ بِالْكُوفَةِ، فَكُلٌّ يُثْنِي عَلَى سَعْدٍ خَيْرًا إِلَّا نَاحِيَةَ الْجَرَّاحِ بْنِ سِنَانَ، فَإِنَّهُمْ سَكَتُوا، فَلَمْ يَذُمُّوا وَلَمْ يَشْكُرُوا، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو سَعْدَةَ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ.
فَقَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّ سَعْدًا لَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الرَّعِيَّةِ، وَلَا يَغْزُو فِي السَّرِيَّةِ.
فَدَعَا عَلَيْهِ سَعْدٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ قَالَهَا كَذِبًا وَرِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَعْمِ بَصَرَهُ، وَأَكْثِرْ عِيَالَهُ، وَعَرِّضْهُ لِمُضِلَّاتِ الْفِتَنِ.
فَعَمِيَ وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ عَشْرُ بَنَاتٍ، وَكَانَ يَسْمَعُ بِالْمَرْأَةِ فَلَا يَزَالُ حَتَّى يَأْتِيَهَا فَيَجُسَّهَا، فَإِذَا عُثِرَ عَلَيْهِ قَالَ: دَعْوَةُ سَعْدٍ الرَّجُلِ الْمُبَارَكِ.
ثُمَّ دَعَا سَعْدٌ عَلَى الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابِهِ، فَكُلٌّ أَصَابَتْهُ قَارِعَةٌ فِي جَسَدِهِ، وَمُصِيبَةٌ فِي مَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَاسْتَنْفَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَهْلَ الْكُوفَةِ لِغَزْوِ أَهْلِ نَهَاوَنْدَ فِي غُبُونِ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
ثُمَّ سَارَ سَعْدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَالْجَرَّاحُ وَأَصْحَابُهُ

حَتَّى جَاءُوا عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ: كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَطُولُ فِي الْأُولَيَيْنِ وَيُخَفِّفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَمَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ.
وَقَالَ سَعْدٌ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ: لَقَدْ أَسْلَمْتُ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَلَقَدْ كُنَّا وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ حَتَّى تَقَرَّحَتْ أَشْدَاقُنَا، وَإِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمَ أُحُدٍ أَبَوَيْهِ وَمَا جَمَعَهُمَا لِأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ يَقُولُونَ: لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي.
وَفِي رِوَايَةٍ: تُعَزِّرُنِي عَلَى الْإِسْلَامِ، لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي.
ثُمَّ قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى الْكُوفَةِ؟ فَقَالَ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ.
فَأَقَرَّهُ عُمَرُ عَلَى نِيَابَتِهِ الْكُوفَةَ - وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا مِنْ أَشْرَافِ الصَّحَابَةِ، حَلِيفًا لِبَنِي الْحُبْلَى مِنَ الْأَنْصَارِ - وَاسْتَمَرَّ سَعْدٌ مَعْزُولًا مِنْ غَيْرِ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ، وَتَهَدَّدَ أُولَئِكَ النَّفَرَ، وَكَادَ يُوقِعُ بِهِمْ بَأْسًا، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ أَنْ لَا يَشْكُوَ أَحَدٌ أَمِيرًا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ اجْتَمَعُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ بِأَرْضِ نَهَاوَنْدَ حَتَّى اجْتَمَعَ مِنْهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَخَمْسُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَعَلَيْهِمُ الْفَيْرُزَانُ، وَيُقَالُ: بُنْدَارٌ.
وَيُقَالُ: ذُو الْحَاجِبِ.
وَتَذَامَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا الَّذِي جَاءَ الْعَرَبَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِبِلَادِنَا، وَلَا أَبُو بَكْرٍ الَّذِي قَامَ بَعْدَهُ تَعَرَّضُ لَنَا فِي دَارِ مُلْكِنَا، وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ هَذَا لَمَّا طَالَ مُلْكُهُ انْتَهَكَ حُرْمَتَنَا وَأَخَذَ بِلَادَنَا، وَلَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ حَتَّى أَغْزَانَا فِي عُقْرِ دَارِنَا، وَأَخَذَ بَيْتَ الْمَمْلَكَةِ، وَلَيْسَ بِمُنْتَهٍ حَتَّى يُخْرِجَكُمْ مِنْ

بِلَادِكُمْ.
فَتَعَاهَدُوا وَتَعَاقَدُوا عَلَى أَنْ يَقْصِدُوا الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ ثُمَّ يَشْغَلُوا عُمَرَ عَنْ بِلَادِهِ، وَتَوَاثَقُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَكَتَبُوا بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا.
فَلَمَّا كَتَبَ سَعْدٌ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ - وَكَانَ عَزَلَ سَعْدًا فِي غُبُونِ ذَلِكَ - شَافَهَ سَعْدٌ عُمَرَ بِمَا تَمَالَئُوا عَلَيْهِ وَقَصَدُوا إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفًا.
وَجَاءَ كِتَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى عُمَرَ مَعَ قَرِيبِ بْنِ ظَفَرٍ الْعَبْدِيِّ، بِأَنَّهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا، وَهُمْ مُتَحَرِّقُونَ مُتَذَامِرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَأَنَّ الْمَصْلَحَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ نَقْصِدَهُمْ فَنُعَالِجَهُمْ عَمَّا هَمُّوا بِهِ وَعَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمَسِيرِ إِلَى بِلَادِنَا.
فَقَالَ عُمَرُ لِحَامِلِ الْكِتَابِ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: قَرِيبٌ.
قَالَ: ابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُ ظَفَرٍ.
فَتَفَاءَلَ عُمَرُ بِذَلِكَ، وَقَالَ: ظَفَرٌ قَرِيبٌ.
ثُمَّ أَمَرَ فَنُودِيَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ.
فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِذَلِكَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَتَفَاءَلَ عُمَرُ أَيْضًا بِسَعْدٍ، فَصَعِدَ عُمَرُ الْمِنْبَرَ حَتَّى اجْتَمَعَ النَّاسُ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَيَّامِ، أَلَا وَإِنِّي قَدْ هَمَمْتُ بِأَمْرٍ فَاسْمَعُوا وَأَجِيبُوا وَأَوْجِزُوا، وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَسِيرَ بِمَنْ قِبَلِي حَتَّى أَنْزِلَ مَنْزِلًا وَسَطًا بَيْنَ هَذَيْنَ الْمِصْرَيْنِ فَأَسْتَنْفِرَ النَّاسَ، ثُمَّ أَكُونَ لَهُمْ رِدْءًا حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
فَقَامَ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ، فَتَكَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِانْفِرَادِهِ فَأَحْسَنَ وَأَجَادَ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَسِيرَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَلَكِنْ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ

وَيَحْضُرُهُمْ بِرَأْيِهِ وَدُعَائِهِ.
وَكَانَ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنْ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلَا خِذْلَانُهُ بِكَثْرَةٍ وَلَا قِلَّةٍ، هُوَ دِينُهُ الَّذِي أَظْهَرَ، وَجُنْدُهُ الَّذِي أَعَزَّ، وَأَمَدَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ، حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ، فَنَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهِ، وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ، وَمَكَانُكَ مِنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ وَيُمْسِكُهُ، فَإِذَا انْحَلَّ تَفَرَّقَ مَا فِيهِ وَذَهَبَ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَدًا، وَالْعَرَبُ الْيَوْمَ وَإِنْ كَانُوا قَلِيلًا فَهُمْ كَثِيرٌ عَزِيزٌ بِالْإِسْلَامِ، فَأَقِمْ مَكَانَكَ وَاكْتُبْ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فَهُمْ أَعْلَامُ الْعَرَبِ وَرُؤَسَاؤُهُمْ، فَلْيَذْهَبْ مِنْهُمُ الثُّلُثَانِ وَيُقِيمُ الثُّلُثُ، وَاكْتُبْ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَمُدُّونَهُمْ أَيْضًا.
وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ أَشَارَ فِي كَلَامِهِ بِأَنْ يَمُدَّهُمْ فِي جُيُوشٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَالشَّامِ.
وَوَافَقَ عُمَرُ عَلَى الذَّهَابِ بِنَفْسِهِ إِلَى مَا بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ.
فَرَدَّ عَلِيٌّ عَلَى عُثْمَانَ فِي مُوَافَقَتِهِ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى مَا بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَرَدَّ رَأْيَ عُثْمَانَ فِيمَا أَشَارَ بِهِ مِنِ اسْتِمْدَادِ أَهْلِ الشَّامِ خَوْفًا عَلَى بِلَادِهِمْ - إِذَا قَلَّ جُيُوشُهَا - مِنَ الرُّومِ، وَمِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ خَوْفًا عَلَى بِلَادِهِمْ مِنَ الْحَبَشَةِ.
فَأَعْجَبَ عُمَرَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَسُرَّ بِهِ - وَكَانَ عُمَرُ إِذَا اسْتَشَارَ أَحَدًا لَا يُبْرِمُ أَمْرًا حَتَّى يُشَاوِرَ الْعَبَّاسَ - فَلَمَّا أَعْجَبَهُ كَلَامُ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، عَرَضَهُ عَلَى الْعَبَّاسِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَفِّضْ عَلَيْكَ، فَإِنَّمَا اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الْفُرْسُ لِنِقْمَةٍ.
يَعْنِي: تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَالَ عُمَرُ:

أَشِيرُوا عَلَيَّ بِمَنْ أُوَلِّيهِ أَمْرَ الْحَرْبِ، وَلْيَكُنْ عِرَاقِيًّا.
فَقَالُوا: أَنْتَ أَبْصَرُ بِجُنْدِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأُوَلِّيَنَّ رَجُلًا يَكُونُ أَوَّلَ الْأَسِنَّةِ إِذَا لَقِيَهَا غَدًا.
قَالُوا: مَنْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ.
فَقَالُوا: هُوَ لَهَا.
وَكَانَ النُّعْمَانُ قَدْ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ وَهُوَ نَائِبٌ عَلَى كَسْكَرَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنْهَا وَيُوَلِّيَهُ قِتَالَ أَهْلِ نَهَاوَنْدَ، فَلِهَذَا أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَعَيَّنَهُ لَهُ.
ثُمَّ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى حُذَيْفَةَ أَنْ يَسِيرَ مِنَ الْكُوفَةِ بِجُنُودٍ مِنْهَا، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ يَسِيرَ بِجُنُودِ الْبَصْرَةِ، وَكَتَبَ إِلَى النُّعْمَانِ - وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ - أَنْ يَسِيرَ بِمَنْ هُنَاكَ مِنَ الْجُنُودِ إِلَى نَهَاوَنْدَ، وَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ فَكُلُّ أَمِيرٍ عَلَى جَيْشِهِ، وَالْأَمِيرُ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، فَإِذَا قُتِلَ فَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، فَإِذَا قُتِلَ فَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِذَا قُتِلَ فَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ، فَإِنْ قُتِلَ قَيْسٌ فَفُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ.
حَتَّى عَدَّ سَبْعَةً، أَحَدُهُمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ.
وَقِيلَ: لَمْ يُسَمَّ فِيهِمْ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَصُورَةُ الْكِتَابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ جُمُوعًا مِنَ الْأَعَاجِمِ كَثِيرَةً قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ بِمَدِينَةِ نَهَاوَنْدَ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَسِرْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَبِعَوْنِ اللَّهِ وَبِنَصْرِ اللَّهِ، وَبِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُوطِئْهُمْ وَعْرًا فَتُؤْذِيَهُمْ، وَلَا تَمْنَعْهُمْ حَقَّهُمْ فَتُكَفِّرَهُمْ، وَلَا تُدْخِلْهُمْ غَيْضَةً، فَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِائَةِ

أَلْفِ دِينَارٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ، فَسِرْ فِي وَجْهِكَ ذَلِكَ حَتَّى تَأْتِيَ مَاهَ، فَإِنِّي قَدْ كَتَبْتُ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنْ يُوَافُوكَ بِهَا، فَإِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْكَ جُنُودُكَ فَسِرْ إِلَى الْفَيْرُزَانِ وَمَنْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ مِنَ الْأَعَاجِمِ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ وَغَيْرِهِمْ، وَاسْتَنْصِرُوا اللَّهَ، وَأَكْثِرُوا مِنْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى نَائِبِ الْكُوفَةِ - عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - أَنْ يُعَيِّنَ جَيْشًا وَيَبْعَثَهُمْ إِلَى نَهَاوَنْدَ، وَلْيَكُنِ الْأَمِيرَ عَلَيْهِمْ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، فَإِنْ قُتِلَ النُّعْمَانُ فَحُذَيْفَةُ، فَإِنْ قُتِلَ فَنُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَوَلِّ السَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ قَسْمَ الْغَنَائِمِ.
فَسَارَ حُذَيْفَةُ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ نَحْوَ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ لِيُوَافُوهُ بِمَاهَ، وَسَارَ مَعَ حُذَيْفَةَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْعِرَاقِ، وَقَدْ أَرْصَدَ فِي كُلِّ كُورَةٍ مَا يَكْفِيهَا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَجَعَلَ الْحَرَسَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَاحْتَاطُوا احْتِيَاطًا عَظِيمًا، ثُمَّ انْتَهَوْا إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ حَيْثُ اتَّعَدُوا، فَدَفَعَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ إِلَى النُّعْمَانِ كِتَابَ عُمَرَ، وَفِيهِ الْأَمْرُ لَهُ بِمَا يَعْتَمِدُهُ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ.
فَكَمُلَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ.
فِيمَا رَوَاهُ سَيْفٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِيهِمْ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ وَرُءُوسِ الْعَرَبِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ؛ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ، وَطُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ

مَكْشُوحٍ الْمُرَادِيُّ.
فَسَارَ النَّاسُ نَحْوَ نَهَاوَنْدَ، وَبَعَثَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْأَمِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ طَلِيعَةً ثَلَاثَةً؛ وَهُمْ: طُلَيْحَةُ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَلْمَى، وَيُقَالُ لَهُ: عَمْرُو بْنُ ثُبَيٍّ أَيْضًا، لِيَكْشِفُوا لَهُ خَبَرَ الْقَوْمِ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ.
فَسَارَتِ الطَّلِيعَةُ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَرَجَعَ عَمْرُو بْنُ ثُبَيٍّ، فَقِيلَ لَهُ: مَا رَجَعَكَ؟ فَقَالَ: كُنْتُ فِي أَرْضِ الْعَجَمِ، وَقَتَلَتْ أَرْضٌ جَاهِلَهَا، وَقَتَلَ أَرْضًا عَالِمُهَا.
ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَهُ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ، وَقَالَ: لَمْ نَرَ أَحَدًا، وَخِفْتُ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَيْنَا بِالطَّرِيقِ.
وَنَفَذَ طُلَيْحَةُ وَلَمْ يَحْفِلْ بِرُجُوعِهِمَا، فَسَارَ بَعْدَ ذَلِكَ نَحْوًا مِنْ بِضْعَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى نَهَاوَنْدَ وَدَخَلَ فِي الْعَجَمِ وَعَلِمَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ مَا أَحَبَّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النُّعْمَانِ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَهَاوَنْدَ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ.
فَسَارَ النُّعْمَانُ عَلَى تَعْبِئَتِهِ وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ نُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَعَلَى الْمُجَنَّبَتَيْنِ حُذَيْفَةُ وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَعَلَى الْمُجَرَّدَةِ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى السَّاقَةِ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْفُرْسِ وَعَلَيْهِمُ الْفَيْرُزَانُ، وَمَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ كُلُّ مَنْ غَابَ عَنِ الْقَادِسِيَّةِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهُوَ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا.
فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ كَبَّرَ النُّعْمَانُ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، فَزُلْزِلَتِ الْأَعَاجِمُ وَرُعِبُوا مِنْ ذَلِكَ رُعْبًا شَدِيدًا، ثُمَّ أَمَرَ النُّعْمَانُ بِحَطِّ الْأَثْقَالِ وَهُوَ وَاقِفٌ، فَحَطَّ النَّاسُ أَثْقَالَهُمْ، وَتَرَكُوا رِحَالَهُمْ، وَضَرَبُوا خِيَامَهُمْ وَقُبَابَهُمْ، وَضُرِبَتْ خَيْمَةٌ

لِلنُّعْمَانِ عَظِيمَةٌ، وَكَانَ الَّذِينَ ضَرَبُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَشْرَافِ الْجَيْشِ؛ وَهُمْ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَعُتْبَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَبَشِيرُ بْنُ الْخَصَاصِيَةِ، وَحَنْظَلَةُ الْكَاتِبُ، وَابْنُ الْهَوْبَرِ، وَرِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ، وَعَامِرُ بْنُ مَطَرٍ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيُّ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيُّ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، فَلَمْ يُرَ بِالْعِرَاقِ خَيْمَةٌ عَظِيمَةٌ أَعْظَمَ مِنْ بِنَاءِ هَذِهِ الْخَيْمَةِ.
وَحِينَ حَطُّوا الْأَثْقَالَ أَمَرَ النُّعْمَانُ بِالْقِتَالِ، وَكَانَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءَ، فَاقْتَتَلُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالَّذِي بَعْدَهُ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ انْحَجَزُوا فِي حِصْنِهِمْ، وَحَاصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَأَقَامُوا عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَالْأَعَاجِمُ يَخْرُجُونَ إِذَا أَرَادُوا وَيَرْجِعُونَ إِلَى حُصُونِهِمْ إِذَا أَرَادُوا.
وَقَدْ بَعَثَ أَمِيرُ الْفُرْسِ يَطْلُبُ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِيُكَلِّمَهُ، فَذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَذَكَرَ مِنْ عَظَمَةِ مَا رَآهُ عَلَيْهِ مِنْ لُبْسِهِ وَمَجْلِسِهِ، وَفِيمَا خَاطَبَهُ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ فِي احْتِقَارِ الْعَرَبِ وَاسْتِهَانَتِهِ بِهِمْ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا أَطْوَلَ النَّاسِ جُوعًا، وَأَقَلَّهُمْ دَارًا وَقَدْرًا، وَقَالَ: مَا يَمْنَعُ هَؤُلَاءِ الْأَسَاوِرَةِ حَوْلِي أَنْ يَنْتَظِمُوكُمْ بِالنُّشَّابِ إِلَّا تَنَجُّسًا مِنْ جِيَفِكُمْ، فَإِنْ تَذْهَبُوا نُخَلِّ عَنْكُمْ، وَإِنْ تَأْبَوْا نُزِرْكُمْ مُصَارِعَكُمْ.
قَالَ: فَتَشَهَّدْتُ وَحَمِدْتُ اللَّهَ، وَقُلْتُ: لَقَدْ كُنَّا أَسْوَأَ حَالًا مِمَّا ذَكَرْتَ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ فَوَعَدَنَا النَّصْرَ فِي

الدُّنْيَا، وَالْجَنَّةَ فِي الْآخِرَةِ، وَمَا زِلْنَا نَتَعَرَّفُ مِنْ رَبِّنَا النَّصْرَ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ إِلَيْنَا، وَقَدْ جِئْنَاكُمْ فِي بِلَادِكُمْ، وَإِنَّا لَنْ نَرْجِعَ إِلَى ذَلِكَ الشَّقَاءِ أَبَدًا حَتَّى نَغْلِبَكُمْ عَلَى بِلَادِكُمْ وَمَا فِي أَيْدِيكُمْ، أَوْ نُقْتَلَ بِأَرْضِكُمْ.
فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ، إِنَّ الْأَعْوَرَ لَقَدْ صَدَقَكُمْ مَا فِي نَفْسِهِ.
فَلَمَّا طَالَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ هَذَا الْحَالُ وَاسْتَمَرَّ، جَمَعَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ أَهْلَ الرَّأْيِ مِنَ الْجَيْشِ، وَاشْتَوَرُوا فِي ذَلِكَ، وَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِمْ حَتَّى يَتَوَاجَهُوا هُمْ وَالْمُشْرِكُونَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ.
فَتَكَلَّمَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سُلْمَى أَوَّلًا - وَهُوَ أَسُنُّ مَنْ كَانَ هُنَاكَ - فَقَالَ: إِنَّ بَقَاءَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ أَضَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الَّذِي يَطْلُبُهُ مِنْهُمْ وَأَبْقَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَرَدَّ الْجَمِيعُ عَلَيْهِ وَقَالُوا: إِنَّا لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ إِظْهَارِ دِينِنَا، وَإِنْجَازِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَنَا.
وَتَكَلَّمَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ فَقَالَ: نَاهِدْهُمْ وَكَاثِرْهُمْ وَلَا تَخَفْهُمْ.
فَرَدُّوا جَمِيعًا عَلَيْهِ وَقَالُوا: إِنَّمَا يُنَاطِحُ بِنَا الْجُدْرَانَ، وَالْجُدْرَانُ أَعْوَانٌ لَهُمْ عَلَيْنَا.
وَتَكَلَّمَ طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَمْ يُصِيبَا، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَبْعَثَ سَرِيَّةً فَتَحْدِقَ بِهِمْ وَيُنَاوِشُوهُمْ بِالْقِتَالِ وَيُحْمِشُوهُمْ، فَإِذَا بَرَزُوا إِلَيْهِمْ فَلْيَفِرُّوا إِلَيْنَا هِرَابًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَإِذَا اسْتَطْرَدُوا وَرَاءَهُمْ وَانْتَهَوْا إِلَيْنَا، عَزَمْنَا أَيْضًا عَلَى الْفِرَارِ كُلُّنَا، فَإِنَّهُمْ حِينَئِذٍ لَا يَشُكُّونَ فِي الْهَزِيمَةِ فَيَخْرُجُونَ مِنْ حُصُونِهِمْ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، فَإِذَا تَكَامَلَ خُرُوجُهُمْ رَجَعْنَا إِلَيْهِمْ فَجَالَدْنَاهُمْ

حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَنَا.
فَاسْتَجَادَ النَّاسُ هَذَا الرَّأْيَ.
وَأَمَّرَ النُّعْمَانُ عَلَى الْمُجَرَّدَةِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْبَلَدِ فَيُحَاصِرُوهُمْ وَحْدَهُمْ وَيَهْرُبُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ إِذَا بَرَزُوا إِلَيْهِمْ.
فَفَعَلَ الْقَعْقَاعُ ذَلِكَ، فَلَمَّا بَرَزُوا مِنْ حُصُونِهِمْ نَكَصَ الْقَعْقَاعُ بِمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ نَكَصَ، ثُمَّ نَكَصَ، فَاغْتَنَمَهَا الْأَعَاجِمُ، فَفَعَلُوا مَا ظَنَّ طُلَيْحَةُ، وَقَالُوا: هِيَ هِيَ.
فَخَرَجُوا بِأَجْمَعِهِمْ وَلَمْ يَبْقَ بِالْبَلَدِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ إِلَّا مَنْ يَحْفَظُ لَهُمُ الْأَبْوَابَ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْجَيْشِ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ عَلَى تَعْبِئَتِهِ، وَذَلِكَ فِي صَدْرِ نَهَارِ جُمُعَةٍ، فَعَزَمَ النَّاسُ عَلَى مُصَادَمَتِهِمْ، فَنَهَاهُمُ النُّعْمَانُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يُقَاتِلُوا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الْأَرْوَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَفْعَلُ.
وَأَلَحَّ النَّاسُ عَلَى النُّعْمَانِ فِي الْحَمْلَةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ - وَكَانَ رَجُلًا ثَابِتًا - فَلَمَّا كَانَ الزَّوَالُ، صَلَّى بِالْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ رَكِبَ بِرْذَوْنًا لَهُ أَحَوَى قَرِيبًا مِنَ الْأَرْضِ، فَجَعَلَ يَقِفُ عَلَى كُلِّ رَايَةٍ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَيَأْمُرُهُمْ بِالثَّبَاتِ، وَيُقَدِّمُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ الْأُولَى فَيَتَأَهَّبُ النَّاسُ لِلْحَمْلَةِ، وَيُكَبِّرُ الثَّانِيَةَ فَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ أُهْبَةٌ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ وَمَعَهَا الْحَمْلَةُ الصَّادِقَةُ.
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَوْقِفِهِ، وَتَعَبَّتِ الْفُرْسُ تَعْبِئَةً عَظِيمَةً، وَاصْطَفُّوا صُفُوفًا هَائِلَةً، فِي عَدَدٍ وَعُدَدٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَقَدْ تَغَلْغَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَأَلْقَوْا حَسَكَ الْحَدِيدِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ حَتَّى لَا يُمْكِنَهُمُ الْهَرَبُ وَلَا الْفِرَارُ وَلَا التَّحَيُّزُ.
ثُمَّ إِنَّ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَبَّرَ الْأُولَى وَهَزَّ الرَّايَةَ فَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِلْحَمْلَةِ، ثُمَّ كَبَّرَ الثَّانِيَةَ وَهَزَّ الرَّايَةَ فَتَأَهَّبُوا أَيْضًا، ثُمَّ كَبَّرَ الثَّالِثَةَ وَحَمَلَ وَحَمَلَ النَّاسُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَجَعَلَتْ رَايَةُ النُّعْمَانِ تَنْقَضُّ نَحْوَ الْفُرْسِ كَانْقِضَاضِ الْعُقَابِ عَلَى

جارٍ التحميل