البداية والنهايةصفحات 569-26

المقدمة

صفحات 569-26

فِيمَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَأَمَّا فِي شَرْعِنَا فَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: 21] فَمَعْنَى (أَعْثَرْنَا) أَطْلَعَنَا عَلَى أَمْرِهِمُ النَّاسَ.
قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الْمَعَادَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا، إِذَا عَلِمُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ رَقَدُوا أَزْيَدَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ ثُمَّ قَامُوا، كَمَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ مِنْهُمْ، فَإِنَّ مَنْ أَبْقَاهُمْ كَمَا هُمْ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ الْأَبْدَانِ وَإِنْ أَكَلَتْهَا الدِّيدَانُ، وَعَلَى إِحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ وَإِنْ صَارَتْ أَجْسَامُهُمْ وَعِظَامُهُمْ رُفَاتًا، وَهَذَا مِمَّا لَا يَشُكُّ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40] . هَذَا وَيَحْتَمِلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ [الكهف: 21] إِلَى أَصْحَابِ الْكَهْفِ، إِذْ عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَبْلَغُ مِنْ عِلْمِ غَيْرِهِمْ بِهِمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْجَمِيعِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] فَذَكَرَ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي كَمِّيَّتِهِمْ، فَحَكَى ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ وَضَعَّفَ الْأَوَّلَيْنِ، وَقَرَّرَ الثَّالِثَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْحَقُّ ; إِذْ لَوْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ لَحَكَاهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الثَّالِثُ هُوَ الصَّحِيحَ لَوَهَّاهُ، فَدَلَّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَلَمَّا كَانَ النِّزَاعُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَلَا جَدْوَى عِنْدَهُ، أَرْشَدَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى الْأَدَبِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ، إِذَا

اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: 22] وَقَوْلُهُ: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: 22] أَيْ: مِنَ النَّاسِ ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: 22] أَيْ سَهْلًا، وَلَا تَتَكَلَّفْ إِعْمَالَ الْجِدَالِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ، وَلَا تَسْتَفْتِ فِي أَمْرِهِمْ أَحَدًا مِنَ الرِّجَالِ; وَلِهَذَا أَبْهَمَ تَعَالَى عِدَّتَهُمْ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف: 13] وَلَوْ كَانَ فِي تَعْيِينِ عِدَّتِهِمْ كَبِيرُ فَائِدَةٍ لَذَكَرَهَا عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 23] أَدَبٌ عَظِيمٌ أَرْشَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ وَحَثَّ خَلْقَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا إِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ: إِنِّي سَأَفْعَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَذَا.
فَيُشْرَعُ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
لِيَكُونَ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِعَزْمِهِ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ وَلَا يَدْرِي أَهَذَا الَّذِي عَزَمَ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ أَمْ لَا، وَلَيْسَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ تَعْلِيقًا، وَإِنَّمَا هُوَ الْحَقِيقِيُّ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ يَصِحُّ إِلَى سَنَةٍ.
وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ لِهَذَا وَلِهَذَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ قَالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَلَمْ يَقُلْ، فَطَافَ، فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرْكًا لِحَاجَتِهِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: 24] وَذَلِكَ لِأَنَّ النِّسْيَانَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَذِكْرُ اللَّهِ يَطْرُدُهُ عَنِ الْقَلْبِ، فَيَذْكُرُ مَا كَانَ قَدْ نَسِيَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 24] أَيْ: إِذَا اشْتَبَهَ أَمْرٌ وَأَشْكَلَ حَالٌ وَالْتَبَسَ أَقْوَالُ النَّاسِ فِي شَيْءٍ، فَارْغَبْ إِلَى اللَّهِ يُيَسِّرْهُ لَكَ، وَيُسَهِّلْهُ عَلَيْكَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: 25] لَمَّا كَانَ فِي الْإِخْبَارِ بِطُولِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، ذَكَرَهَا تَعَالَى، وَهَذِهِ التِّسْعُ الْمَزِيدَةُ بِالْقَمَرِيَّةِ، وَهِيَ لِتَكْمِيلِ ثَلَاثِمِائَةٍ شَمْسِيَّةٍ، فَإِنَّ كُلَّ مِائَةٍ قَمَرِيَّةٍ تَنْقُصُ عَنِ الشَّمْسِيَّةِ ثَلَاثَ سِنِينَ ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: 26] أَيْ إِذَا سُئِلْتَ عَنْ مِثْلِ هَذَا، وَلَيْسَ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ، فَرُدَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف: 26] أَيْ: هُوَ الْعَالِمُ بِالْغَيْبِ، فَلَا يُطْلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: 26] يَعْنِي أَنَّهُ يَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَحَالِّهَا لِعِلْمِهِ التَّامِّ بِخَلْقِهِ، وَبِمَا يَسْتَحِقُّونَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 26] أَيْ: بَلْ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْمُلْكِ وَالْمُتَصَرِّفُ فِيهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

[قِصَّةُ الرَّجُلَيْنِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ]

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْكَهْفِ " بَعْدَ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف: 32] ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا - وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا - وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا - وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا - قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا - لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا - وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا - فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا - أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا - وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا - وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا - هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: 33 - 44] [الْكَهْفِ: 32 - 44] . قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذَا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا.
وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ وَقَعَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ [الكهف: 32] يَعْنِي لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ،

فِي عَدَمِ اجْتِمَاعِهِمْ بِالضُّعَفَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَازْدِرَائِهِمْ بِهِمْ، وَافْتِخَارِهِمْ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 13] . كَمَا قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى قِصَّتِهِمْ قَبْلَ قِصَّةِ، مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَيْنِ كَانَا رَجُلَيْنِ مُصْطَحِبَيْنِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُؤْمِنًا وَالْآخِرُ كَافِرًا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَالٌ، فَأَنْفَقَ الْمُؤْمِنُ مَالَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ اتَّخَذَ لَهُ بُسْتَانَيْنِ، وَهُمَا الْجَنَّتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ فِي الْآيَةِ، عَلَى الصِّفَةِ وَالنَّعْتِ الْمَذْكُورِ ; فِيهِمَا أَعْنَابٌ، وَنَخْلٌ تَحُفُّ تِلْكَ الْأَعْنَابَ وَالزُّرُوعُ فِي خِلَالِ ذَلِكَ، وَالْأَنْهَارُ سَارِحَةٌ هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِلسَّقْيِ وَالتَّنَزُّهِ، وَقَدِ اسْتَوْسَقَتْ فِيهِمَا الثِّمَارُ، وَاضْطَرَبَتْ فِيهِمَا الْأَنْهَارُ، وَابْتَهَجَتِ الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ، وَافْتَخَرَ مَالِكُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ الْمُؤْمِنِ الْفَقِيرِ قَائِلًا لَهُ: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: 34] أَيْ: وَأَمْنَعُ جَنَابًا.
وَمُرَادُهُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَمَعْنَاهُ، مَاذَا أَغْنَى عَنْكَ إِنْفَاقُكَ مَا كُنْتَ تَمْلِكُهُ فِي الْوَجْهِ الَّذِي صَرَفْتَهُ فِيهِ؟ كَانَ الْأَوْلَى بِكَ أَنْ تَفْعَلَ كَمَا فَعَلْتُ لِتَكَوْنَ مِثْلِي.
فَافْتَخَرَ عَلَى صَاحِبِهِ ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الكهف: 35] أَيْ: وَهُوَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقَةٍ مَرْضِيَّةٍ ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35] وَذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنِ اتِّسَاعِ أَرْضِهَا، وَكَثْرَةِ مَائِهَا وَحُسْنِ نَبَاتِ أَشْجَارِهَا ; وَلَوْ قَدْ بَادَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ

الْأَشْجَارِ لَاسْتَخْلَفَ مَكَانَهَا أَحْسَنَ مِنْهَا، وَزُرُوعُهَا دَارَّةٌ لِكَثْرَةِ مِيَاهِهَا.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: 36] فَوَثِقَ بِزَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، وَكَذَّبَ بِوُجُودِ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ الدَّائِمَةِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: 36] أَيْ: وَلَئِنْ كَانَ ثَمَّ آخِرَةٌ وَمَعَادٌ فَلَأَجِدَنَّ هُنَاكَ خَيْرًا مِنْ هَذَا.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اغْتَرَّ بِدُنْيَاهُ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِهِ ذَلِكَ فِيهَا إِلَّا لِحُبِّهِ لَهُ وَحَظْوَتِهِ عِنْدَهُ، كَمَا قَالَ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ فِيمَا قَصَّ اللَّهُ مِنْ خَبَرِهِ وَخَبَرِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 77] [فُصِّلَتْ: 50] . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: 50] . وَقَالَ قَارُونُ ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78] . أَيْ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيَّ أَنِّي أَسْتَحِقُّهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: 78] . وَقَدْ قَدَّمَنَا الْكَلَامَ عَلَى قِصَّتِهِ فِي أَثْنَاءِ قِصَّةِ مُوسَى.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: 37] . وَقَالَ تَعَالَى:

﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 55] أَيْ: يُجَادِلُهُ ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: 37] أَيْ: أَجَحَدْتَ الْمَعَادَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ صَوَّرَكَ أَطْوَارًا حَتَّى صِرْتَ رَجُلًا سَوِيًّا سَمِيعًا بَصِيرًا، تَعْلَمُ وَتَبْطِشُ وَتَفْهَمُ، فَكَيْفَ أَنْكَرْتَ الْمَعَادَ وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْبَدَاءَةِ ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: 38] أَيْ: لَكِنْ أَنَا أَقُولُ بِخِلَافِ مَا قُلْتَ وَأَعْتَقِدُ خِلَافَ مُعْتَقَدِكَ ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: 38] أَيْ: لَا أَعْبُدُ سِوَاهُ، وَأَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَبْعَثُ الْأَجْسَادَ بَعْدَ فَنَائِهَا، وَيُعِيدُ الْأَمْوَاتَ، وَيَجْمَعُ الْعِظَامَ الرُّفَاتَ، وَأَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ، وَلَا فِي مُلْكِهِ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ.
ثُمَّ أَرْشَدَهُ إِلَى مَا كَانَ الْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَسْلُكَهُ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِهِ فَقَالَ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: 39] وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ حَالِهِ أَنْ يَقُولَ كَذَلِكَ.
وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ ; قَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا جَرَّاحُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ زُرَارَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً مِنْ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
فَيَرَى فِيهِ آفَةً دُونَ الْمَوْتِ» وَكَانَ يَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: 39] قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ: عِيسَى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ أَنَسٍ، لَا يَصِحُّ.
ثُمَّ قَالَ الْمُؤْمِنُ لِلْكَافِرِ: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ [الكهف: 40] أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف: 40] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ: أَيْ: عَذَابًا مِنَ السَّمَاءِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمَطَرُ الْمُزْعِجُ الْبَاهِرُ، الَّذِي يَقْتَلِعُ زُرُوعَهَا وَأَشْجَارَهَا ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: 40] وَهُوَ التُّرَابُ الْأَمْلَسُ الَّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ [الكهف: 41] وَهُوَ ضِدُّ الْمَعِينِ السَّارِحِ ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: 41] يَعْنِي، فَلَا تَقْدِرُ عَلَى اسْتِرْجَاعِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: 42] أَيْ: جَاءَهُ أَمْرٌ أَحَاطَ بِجَمِيعِ حَوَاصِلِهِ، وَخَرَّبَ جَنَّتَهُ، وَدَمَّرَهَا ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الكهف: 42] أَيْ: خَرِبَتْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا عَوْدَةَ لَهَا، وَذَلِكَ ضِدُّ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَمَّلَ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَمَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35] وَنَدِمَ عَلَى مَا كَانَ سَلَفَ مِنْهُ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي كَفَرَ بِسَبَبِهِ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، فَهُوَ يَقُولُ: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: 42] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا هُنَالِكَ﴾ [الكهف: 43] أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ يَتَدَارَكُ مَا فَرَطَ مِنْ أَمْرِهِ، وَمَا كَانَ لَهُ قُدْرَةٌ فِي نَفْسِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: 10] .

وَقَوْلُهُ: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف: 44] وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْتَدِئُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف: 44] وَهُوَ حَسَنٌ أَيْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: 26] . فَالْحُكْمُ الَّذِي لَا يُرَدُّ وَلَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ - فِي تِلْكَ الْحَالِ وَفِي كُلِّ حَالٍ - لِلَّهِ الْحَقِّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ رَفَعَ (الْحَقِّ) جَعَلَهُ صِفَةً لِ (الْوِلَايَةَ) وَهُمَا مُتَلَازِمَتَانِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: 44] أَيْ: مُعَامَلَتُهُ خَيْرٌ لِصَاحِبِهَا ثَوَابًا، وَهُوَ الْجَزَاءُ، وَخَيْرٌ عُقْبًا ; وَهُوَ الْعَاقِبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ تَضَمَّنَتْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرْكَنَ إِلَى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَا يَغْتَرَّ بِهَا، وَلَا يَثِقَ بِهَا، بَلْ يَجْعَلَ طَاعَةَ اللَّهِ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ.
وَفِيهَا أَنَّ مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ، عُذِّبَ بِهِ، وَرُبَّمَا سُلِبَ مِنْهُ ; مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.
وَفِيهَا أَنَّ الْوَاجِبَ قَبُولُ نَصِيحَةِ الْأَخِ الْمُشْفِقِ، وَأَنَّ مُخَالَفَتَهُ وَبَالٌ وَدَمَارٌ عَلَى مَنْ رَدَّ النَّصِيحَةَ الصَّحِيحَةَ.
وَفِيهَا، أَنَّ النَّدَامَةَ لَا تَنْفَعُ إِذَا حَانَ الْقَدَرُ، وَنَفَذَ الْأَمْرُ الْحَتْمُ.
وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

[قِصَّةُ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ]

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: 17] [إِبْرَاهِيمَ: 28، 29] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ.
فَضَرَبَ تَعَالَى لَهُمْ مَثَلًا بِأَصْحَابِ الْجَنَّةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَنْوَاعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ الَّتِي قَدِ انْتَهَتْ وَاسْتَحَقَّتْ أَنْ تُجَدَّ ; وَهُوَ الصِّرَامُ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ [القلم: 17] فِيمَا بَيْنَهُمْ ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ [القلم: 17] أَيْ: لَيَجُدُّنَّهَا، وَهُوَ الِاسْتِغْلَالُ (مُصْبِحِينَ) أَيْ: وَقْتَ الصُّبْحِ، حَيْثُ لَا يَرَاهُمْ فَقِيرٌ وَلَا مُحْتَاجٌ فَيُعْطُوهُ شَيْئًا، فَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ

يَسْتَثْنُوا فِي يَمِينِهِمْ، فَعَجَّزَهُمُ اللَّهُ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا الْآفَةَ الَّتِي أَحْرَقَتْهَا ; وَهِيَ السَّفْعَةُ الَّتِي اجْتَاحَتْهَا وَلَمْ تُبْقِ بِهَا شَيْئًا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلِهَذَا قَالَ ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: 19] أَيْ: كَاللَّيْلِ الْأَسْوَدِ الْمُنْصَرِمِ مِنَ الضِّيَاءِ وَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: 21] أَيْ: فَاسْتَيْقَظُوا مِنْ نَوْمِهِمْ فَنَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: ﴿اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ [القلم: 22] أَيْ: بَاكِرُوا إِلَى بُسْتَانِكُمْ فَاصْرِمُوهُ.
قَبْلَ أَنْ يَرْتَفِعَ النَّهَارُ وَيَكْثُرَ السُّؤَالُ ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم: 23] أَيْ: يَتَحَدَّثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ خُفْيَةً قَائِلِينَ: ﴿لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: 24] أَيْ: اتَّفِقُوا عَلَى هَذَا وَاشْتَوِرُوا عَلَيْهِ ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25] أَيْ: انْطَلَقُوا مُجِدِّينَ فِي ذَلِكَ قَادِرِينَ عَلَيْهِ مُصَمِّمِينَ مُصِرِّينَ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ الْفَاسِدَةِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ [القلم: 25] أَيْ: غَضَبٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
وَأَبْعَدَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ ; أَنَّ اسْمَ حَرْثِهِمْ حَرْدٌ.
فَلَمَّا رَأَوْهَا أَيْ: وَصَلُوا إِلَيْهَا، وَنَظَرُوا مَا حَلَّ بِهَا، وَمَا قَدْ صَارَتْ إِلَيْهِ مِنَ الصِّفَةِ الْمُنْكَرَةِ بَعْدَ تِلْكَ النَّضْرَةِ وَالْحُسْنِ وَالْبَهْجَةِ، فَانْقَلَبَتْ بِسَبَبِ النِّيَّةِ الْفَاسِدَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ [القلم: 26] أَيْ: قَدْ تُهْنَا عَنْهَا وَسَلَكْنَا غَيْرَ طَرِيقِهَا.
ثُمَّ قَالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: 67] أَيْ: بَلْ عُوقِبْنَا بِسَبَبِ سُوءِ قَصْدِنَا، وَحُرِمْنَا بَرَكَةَ حَرْثِنَا ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: 28] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ

وَاحِدٍ: هُوَ أَعْدَلُهُمْ وَخَيْرُهُمْ.
﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: 28] قِيلَ: تَسْتَثْنُونَ.
قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ.
وَقِيلَ: تَقُولُونَ خَيْرًا بَدَلَ مَا قُلْتُمْ مِنَ الشَّرِّ ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ [القلم: 29] فَنَدِمُوا حَيْثُ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وَاعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ، وَذَلِكَ حَيْثُ لَا يَنْجَعُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا إِخْوَةً وَقَدْ وَرِثُوا هَذِهِ الْجَنَّةَ عَنْ أَبِيهِمْ، وَكَانَ يَتَصَدَّقُ مِنْهَا كَثِيرًا، فَلَمَّا صَارَ أَمْرُهَا إِلَيْهِمُ اسْتَهْجَنُوا أَمْرَ أَبِيهِمْ، وَأَرَادُوا اسْتِغْلَالَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطُوا الْفُقَرَاءَ شَيْئًا، فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ أَشَدَّ الْعُقُوبَةِ ; وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالصَّدَقَةِ مِنَ الثِّمَارِ وَحَثَّ عَلَى ذَلِكَ يَوْمَ الْجَدَادِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] . ثُمَّ قِيلَ: كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: ضِرْوَانُ.
وَقِيلَ: مِنْ أَهْلِ الْحَبَشَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ [القلم: 33] أَيْ: هَكَذَا نُعَذِّبُ مَنْ خَالَفَ أَمْرَنَا، وَلَمْ يَعْطِفْ عَلَى الْمَحَاوِيجِ مِنْ خَلْقِنَا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ [الزمر: 26] أَيْ: أَعْظَمُ وَأَطَمُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
وَقِصَّةُ هَؤُلَاءِ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: 112] [النَّحْلِ: 112، 113] .

قِيلَ: هَذَا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ.
وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ أَنْفُسُهُمْ، ضَرَبَهُمْ مَثَلًا لِأَنْفُسِهِمْ.
وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

[قِصَّةُ أَصْحَابِ أَيْلَةَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي سَبْتِهِمْ]

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، فِي سُورَةِ " الْأَعْرَافِ ": ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 163] [الْأَعْرَافِ: 163 - 166] . وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ ": ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 65] [الْبَقَرَةِ: 65، 66] . وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " النِّسَاءِ ": ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: 47] .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ: هُمْ أَهْلُ أَيْلَةَ.
زَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيْنَ مَدْيَنَ وَالطُّورِ.
قَالُوا: وَكَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ التَّوْرَاةِ فِي تَحْرِيمِ السَّبْتِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَكَانَتِ الْحِيتَانُ قَدْ أَلِفَتْ مِنْهُمُ السَّكِينَةَ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الِاصْطِيَادُ فِيهِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الصَّنَائِعِ وَالتِّجَارَاتِ وَالْمَكَاسِبِ، فَكَانَتِ الْحِيتَانُ فِي مِثْلِ يَوْمِ السَّبْتِ يَكْثُرُ غَشَيَانُهَا لِمَحِلَّتِهِمْ مِنَ الْبَحْرِ ; فَتَأْتِي مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا ظَاهِرَةً آمِنَةً مُسْتَرْسِلَةً فَلَا يُهَيِّجُونَهَا وَلَا يَذْعَرُونَهَا.
﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: 163] وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَصْطَادُونَهَا فِيمَا عَدَا السَّبْتِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ [الأعراف: 163] أَيْ: نَخْتَبِرُهُمْ بِكَثْرَةِ الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ.
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 59] أَيْ: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ الْمُتَقَدِّمِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ احْتَالُوا عَلَى اصْطِيَادِهَا فِي يَوْمِ السَّبْتِ، بِأَنْ نَصَبُوا الْحِبَالَ وَالشِّبَاكَ وَالشُّصُوصَ، وَحَفَرُوا الْحُفَرَ الَّتِي يَجْرِي مَعَهَا الْمَاءُ إِلَى مَصَانِعَ قَدْ أَعَدُّوهَا، إِذَا دَخَلَهَا السَّمَكُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا جَاءَتِ الْحِيتَانُ مُسْتَرْسِلَةً يَوْمَ السَّبْتِ، عَلِقَتْ بِهَذِهِ الْمَصَايِدِ، فَإِذَا خَرَجَ سَبْتُهُمْ أَخَذُوهَا، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ ; لَمَّا احْتَالُوا عَلَى خِلَافِ أَمْرِهِ، وَانْتَهَكُوا مَحَارِمَهُ بِالْحِيَلِ الَّتِي هِيَ ظَاهِرَةٌ لِلنَّاظِرِ، وَهِيَ فِي الْبَاطِنِ مُخَالَفَةٌ مَحْضَةٌ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ افْتَرَقَ الَّذِينَ لَمْ يَفْعَلُوا فِرْقَتَيْنِ ; فِرْقَةٌ أَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ صَنِيعَهُمْ

هَذَا وَاحْتِيَالَهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَفِرْقَةٌ أُخْرَى لَمْ يَفْعَلُوا وَلَمْ يَنْهَوْا، بَلْ أَنْكَرُوا عَلَى الَّذِينَ نَهَوْا وَقَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: 164] يَقُولُونَ لَهُمْ: مَا الْفَائِدَةُ فِي نَهْيِكُمْ هَؤُلَاءِ وَقَدِ اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ لَا مَحَالَةَ؟ فَأَجَابَتْهُمُ الطَّائِفَةُ الْمُنْكِرَةُ بِأَنْ قَالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 164] أَيْ: فِيمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَنَقُومُ بِهِ خَوْفًا مِنْ عَذَابِهِ.
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] أَيْ: وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ يَتْرُكُونَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الصَّنِيعِ، فَيَقِيهِمُ اللَّهُ عَذَابَهُ وَيَعْفُو عَنْهُمْ إِذَا هُمْ رَجَعُوا وَاسْتَمَعُوا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: 44] أَيْ: لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى مَنْ نَهَاهُمْ عَنْ هَذَا الصَّنِيعِ الشَّنِيعِ الْفَظِيعِ ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: 165] وَهُمُ الْفِرْقَةُ الْآمِرَةُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَةُ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأعراف: 165] وَهُمُ الْمُرْتَكِبُونَ الْفَاحِشَةَ ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] وَهُوَ الشَّدِيدُ الْمُؤْلِمُ الْمُوجِعُ.
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 59] ثُمَّ فَسَّرَ الْعَذَابَ الَّذِي أَصَابَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 166] وَسَنَذْكُرُ مَا وَرَدَ مِنَ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَهْلَكَ الظَّالِمِينَ، وَنَجَّى الْمُؤْمِنِينَ الْمُنْكِرِينَ، وَسَكَتَ عَنِ السَّاكِتِينَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِمُ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ ; فَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنَ النَّاجِينَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنَ الْهَالِكِينَ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، إِمَامُ الْمُفَسِّرِينَ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُنَاظَرَةِ

مَوْلَاهُ عِكْرِمَةُ، فَكَسَاهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حُلَّةً سَنِيَّةً ; تَكْرِمَةً.
قُلْتُ: وَإِنِمَّا لَمْ يُذْكَرُوا مَعَ النَّاجِينَ ; لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَرِهُوا بِبَوَاطِنِهِمْ تِلْكَ الْفَاحِشَةَ، إِلَّا أَنَّهُمْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا ظَوَاهِرَهُمْ بِالْعَمَلِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنَ الْإِنْكَارِ الْقَوْلِيِّ، الَّذِي هُوَ أَوْسَطُ الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثِ، الَّتِي أَعْلَاهَا الْإِنْكَارُ بِالْيَدِ ذَاتِ الْبَنَانِ، وَبَعْدَهَا الْإِنْكَارُ الْقَوْلِيِّ بِاللِّسَانِ، وَثَالِثُهَا الْإِنْكَارُ بِالْجَنَانِ.
فَلَمَّا لَمْ يُذَكِّرُوا، لَمْ يُذْكَرُوا مَعَ النَّاجِينَ، إِذْ لَمْ يَفْعَلُوا الْفَاحِشَةَ، بَلْ أَنْكَرُوا.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَكَى مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ رُومَانَ، وَشَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، مَا مَضْمُونُهُ أَنَّ الَّذِينَ ارْتَكَبُوا هَذَا الصُّنْعَ، اعْتَزَلَهُمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَنَهَاهُمْ مَنْ نَهَاهُمْ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَكَانُوا يَبِيتُونَ وَحْدَهُمْ وَيُغْلِقُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ أَبْوَابًا، حَاجِزًا لِمَا كَانُوا يَتَرَقَّبُونَ مِنْ هَلَاكِهِمْ فَأَصْبَحُوا ذَاتَ يَوْمٍ وَأَبْوَابُ نَاحِيَتِهِمْ مُغْلَقَةٌ لَمْ يَفْتَحُوهَا، وَارْتَفَعَ النَّهَارُ وَاشْتَدَّ الضُحَاءُ فَأَمَرَ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْبَلَدِ رَجُلًا أَنْ يَصْعَدَ عَلَى سَلَالِمَ وَيُشْرِفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، إِذَا هُمْ قِرَدَةٌ لَهَا أَذْنَابٌ يَتَعَاوَوْنَ وَيَتَعَادَوْنَ، فَفَتَحُوا عَلَيْهِمُ الْأَبْوَابَ فَجَعَلَتِ الْقِرَدَةُ تَعْرِفُ قَرَابَاتِهِمْ، وَلَا تَعْرِفُهُمْ قَرَابَاتُهُمْ، فَجَعَلُوا يَلُوذُونَ بِهِمْ، وَيَقُولُ لَهُمُ النَّاهُونَ: أَلَمْ نَنْهَكُمْ عَنْ صَنِيعِكُمْ؟ فَتُشِيرُ الْقِرَدَةُ بِرُءُوسِهَا أَنْ نَعَمْ.
ثُمَّ بَكَى عَبْدُ

اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: إِنَّا لَنَرَى مُنْكَرَاتٍ كَثِيرَةً، وَلَا نُنْكِرُهَا، وَلَا نَقُولُ فِيهَا شَيْئًا.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: صَارَ شَبَابُ الْقَرْيَةِ قِرَدَةً، وَشُيُوخُهَا خَنَازِيرَ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمْ لَمْ يَعِيشُوا إِلَّا فُوَاقًا، ثُمَّ هَلَكُوا، مَا كَانَ لَهُمْ نَسْلٌ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ لَمْ يَعِشْ مَسْخٌ قَطُّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَأْكُلْ هَؤُلَاءِ وَلَمْ يَشْرَبُوا وَلَمْ يَنْسِلُوا.
وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا الْآثَارَ فِي ذَلِكَ، فِي تَفْسِيرِ سُورَتَيِ " الْبَقَرَةِ "، وَ " الْأَعْرَافِ ". وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: مُسِخَتْ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ، كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا.
وَهَذَا صَحِيحٌ إِلَيْهِ، وَغَرِيبٌ مِنْهُ جِدًّا، وَمُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَلِمَا نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[قِصَّةُ لُقْمَانَ]

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ - وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ - وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ - وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ - يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ - يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ - وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ - وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 12 - 19] [لُقْمَانَ 12 - 19]

هُوَ لُقْمَانُ بْنُ عَنْقَاءَ بْنِ سَدُونَ، وَيُقَالَ لُقْمَانُ بْنُ ثَارَانَ حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ وَالْقُتَيْبِيِّ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَكَانَ نُوبِيًّا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ قُلْتُ: وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، ذَا عِبَادَةٍ، وَعِبَارَةٍ، وَحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَيُقَالُ: كَانَ قَاضِيًا فِي زَمَنِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: عَنِ الْأَشْعَثِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجَّارًا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: مَا انْتَهَى الَيْكُمْ فِي شَأْنِ لُقْمَانَ؟ قَالَ: كَانَ قَصِيرًا، أَفْطَسَ مِنَ النُّوبَةِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ مِنْ سُودَانِ مِصْرَ، ذَا مَشَافِرَ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، وَمَنَعَهُ النُّبُوَّةَ.

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ قَالَ: جَاءَ أَسْوَدُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يَسْأَلُهُ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: لَا تَحْزَنَ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ أَسْوَدُ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَخْيَرِ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ مِنَ السُّودَانِ ; بِلَالٌ، وَمِهْجَعٌ مَوْلَى عُمَرَ، وَلُقْمَانُ الْحَكِيمُ، كَانَ أَسْوَدَ نُوبِيًّا ذَا مَشَافِرَ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ، كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا أَسْوَدَ عَظِيمَ الشَّفَتَيْنِ، مُشَقَّقَ الْقَدَمَيْنِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: مُصَفَّحَ الْقَدَمَيْنِ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ: كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ، مُصَفَّحَ الْقَدَمَيْنِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ وَهُوَ فِي مَجْلِسِ أُنَاسٍ يُحَدِّثُهُمْ فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى مَعِيَ الْغَنَمَ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ وَالصَّمْتُ عَمَّا لَا يَعْنِينِي.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْهُ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ

حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ بِحِكْمَتِهِ فَرَآهُ رَجُلٌ كَانَ يَعْرِفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَ: أَلَسْتَ عَبْدَ بَنِي فُلَانٍ الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى بِالْأَمْسِ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: قَدَرُ اللَّهِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَصِدْقُ الْحَدِيثِ، وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ الْقِتْبَانِيُّ عَنْ عُمَرَ مَوْلَى غَفْرَةَ قَالَ: وَقَفَ رَجُلٌ عَلَى لُقْمَانَ الْحَكِيمِ فَقَالَ: أَنْتَ لُقْمَانُ أَنْتَ عَبْدُ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأَنْتَ رَاعِي الْغَنَمِ الْأَسْوَدُ قَالَ: أَمَّا سَوَادِي فَظَاهِرٌ فَمَا الَّذِي يُعْجِبُكَ مِنْ أَمْرِي قَالَ: وَطْءُ النَّاسِ بِسَاطَكَ، وَغَشْيُهُمْ بَابَكَ، وَرِضَاهُمْ بِقَوْلِكَ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنْ صَنَعْتَ مَا أَقُولُ لَكَ كُنْتَ كَذَلِكَ قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ لُقْمَانُ: غَضِّي بَصَرِي، وَكَفِّي لِسَانِي، وَعِفَّةُ مَطْعَمِي، وَحِفْظِي فَرْجِي، وَقِيَامِي بِعُدَّتِي، وَوَفَائِي بِعَهْدِي، وَتَكْرُمَتِي ضَيْفِي، وَحِفْظِي جَارِي، وَتَرْكِي مَا لَا يَعْنِينِي; فَذَاكَ الَّذِي صَيَّرَنِي كَمَا تَرَى.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا، وَذَكَرَ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ فَقَالَ: مَا أُوتِيَ مَا أُوتِيَ عَنْ أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا حَسَبٍ وَلَا خِصَالٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَمْصَامَةً سِكِّيتًا طَوِيلَ التَّفَكُّرِ، عَمِيقَ النَّظَرِ، لَمْ يَنَمْ نَهَارًا قَطُّ، وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ يَبْزُقُ وَلَا يَتَنَخَّعُ وَلَا يَبُولُ وَلَا يَتَغَوَّطُ وَلَا يَغْتَسِلُ وَلَا يَعْبَثُ وَلَا يَضْحَكُ وَكَانَ لَا يُعِيدُ مَنْطِقًا نَطَقَهُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ حِكْمَةً يَسْتَعِيدُهَا إِيَّاهُ أَحَدٌ وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ، وَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ فَمَاتُوا فَلَمْ يَبْكِ عَلَيْهِمْ وَكَانَ يَغْشَى السُّلْطَانَ، وَيَأْتِي الْحُكَّامَ لِيَنْظُرَ وَيَتَفَكَّرَ وَيَعْتَبِرَ فَبِذَلِكَ أُوتِيَ مَا أُوتِيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةَ فَخَافَ أَنْ لَا يَقُومُ بِأَعْبَائِهَا; فَاخْتَارَ الْحِكْمَةَ لِأَنَّهَا أَسْهَلُ عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ قَتَادَةَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ نَبِيًّا.
وَهَذَا ضَعِيفٌ لِحَالِ الْجُعْفِيِّ.

وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ كَانَ حَكِيمًا وَلِيًّا، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ فَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَحَكَى مِنْ كَلَامِهِ فِيمَا وَعَظَ بِهِ وَلَدَهُ الَّذِي هُوَ أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ وَهُوَ أَشْفَقُ النَّاسِ عَلَيْهِ فَكَانَ مِنْ أَوَّلِ مَا وَعَظَ بِهِ أَنْ قَالَ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] فَنَهَاهُ عَنْهُ، وَحَذَّرَهُ مِنْهُ.
وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ؟ ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] » وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ بِهِ، ثُمَّ اعْتَرَضَ تَعَالَى بِالْوَصِيَّةِ بِالْوَالِدَيْنِ، وَبَيَانِ حَقِّهِمَا عَلَى الْوَلَدِ، وَتَأَكُّدِهِ، وَأَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا حَتَّى وَلَوْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ، وَلَكِنْ لَا يُطَاعَانِ عَلَى الدُّخُولِ فِي دِينِهِمَا، إِلَى أَنْ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ لُقْمَانَ فِيمَا وَعَظَ بِهِ وَلَدَهُ ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 16] يَنْهَاهُ عَنْ ظُلْمِ النَّاسِ وَلَوْ بِحَبَّةِ خَرْدَلٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَسْأَلُ عَنْهَا وَيُحْضِرُهَا حَوْزَةَ الْحِسَابِ، وَيَضَعُهَا فِي الْمِيزَانِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40] وَقَالَ تَعَالَى

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47] . وَأَخْبَرَهُ أَنَّ هَذَا الظُّلْمَ لَوْ كَانَ فِي الْحَقَارَةِ كَالْخَرْدَلَةِ وَلَوْ كَانَ فِي جَوْفِ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَا بَابَ لَهَا وَلَا كُوَّةَ، أَوْ لَوْ كَانَتْ سَاقِطَةً فِي شَيْءٍ مِنْ ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ أَوِ السَّمَاوَاتِ فِي اتِّسَاعِهِمَا، وَامْتِدَادِ أَرْجَائِهِمَا لَعَلِمَ اللَّهُ مَكَانَهَا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 16] أَيْ عِلْمُهُ دَقِيقٌ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ الذَّرُّ مِمَّا تَرَاءَى لِلنَّوَاظِرِ أَوْ تَوَارَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59] وَقَالَ ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: 75] وَقَالَ ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 3] وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ فِي خَبَرِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الصَّخْرَةِ; الصَّخْرَةُ الَّتِي تَحْتَ الْأَرْضِينَ السَّبْعِ، وَهَكَذَا حُكِيَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، وَأَبِي مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِمْ، وَفِي صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَصْلِهِ نَظَرٌ، ثُمَّ فِي أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ نَظَرٌ آخَرُ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَكِرَةٌ غَيْرُ مُعَرَّفَةٍ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا مَا قَالُوهُ لَقَالَ: فَتَكُنْ فِي الصَّخْرَةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَيِّ صَخْرَةٍ كَانَتْ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ حَدَّثَنَا

دَرَّاجٌ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ لَهَا بَابٌ وَلَا كُوَّةٌ لَخَرَجَ عَمَلُهُ لِلنَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ» ثُمَّ قَالَ ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان: 17] أَيْ أَدِّهَا بِجَمِيعِ وَاجِبَاتِهَا مِنْ حُدُودِهَا، وَأَوْقَاتِهَا، وَرُكُوعِهَا، وَسُجُودِهَا، وَطُمَأْنِينَتِهَا، وَخُشُوعِهَا وَمَا شُرِعَ فِيهَا، وَاجْتَنِبْ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: 17] أَيْ بِجُهْدِكَ، وَطَاقَتِكَ أَيْ إِنِ اسْتَطَعْتَ بِالْيَدِ فَبِالْيَدِ، وَإِلَّا فَبِلِسَانِكَ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِكَ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ فَقَالَ ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: 17] وَذَلِكَ أَنَّ الْآمِرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي مَظِنَّةِ أَنْ يُعَادَى، وَيُنَالَ مِنْهُ، وَلَكِنَّ لَهُ الْعَاقِبَةُ، وَلِهَذَا أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَاقِبَةَ الصَّبْرِ الْفَرَجُ، وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17] أَيْ أَنَّ أَمْرَكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَكَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَصَبْرَكَ عَلَى الْأَذَى مِنْ عَزَائِمِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا وَلَا مَحِيدَ عَنْهَا، وَقَوْلُهُ ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ، وَيَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: مَعْنَاهُ لَا تَتَكَبَّرْ عَلَى النَّاسِ، وَتُمِيلُ خَدَّكَ حَالَ كَلَامِكَ لَهُمْ، وَكَلَامِهِمْ لَكَ عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ وَالِازْدِرَاءِ لَهُمْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: وَأَصْلُ الصَّعَرِ دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فِي أَعْنَاقِهَا فَتَلْتَوِي رُءُوسُهَا فَشَبَّهَ بِهِ الرَّجُلَ الْمُتَكَبِّرَ الَّذِي يَمِيلُ وَجْهُهُ إِذَا كَلَّمَ النَّاسَ أَوْ كَلَّمُوهُ عَلَى وَجْهِ التَّعَاظُمِ عَلَيْهِمْ.
قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي شِعْرِهِ

وَكُنَّا قَدِيمًا لَا نُقِرُّ ظُلَامَةً ... إِذَا مَا ثَنَوْا صُعْرَ الْخُدُودِ نُقِيمُهَا وَقَالَ عَمْرُو بْنُ حُنَيٍّ التَّغْلِبِيُّ وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلِهِ فَتَقَوَّمَا وَقَوْلُهُ ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18] يَنْهَاهُ عَنِ التَّبَخْتُرِ فِي الْمِشْيَةِ عَلَى وَجْهِ الْعَظَمَةِ وَالْفَخْرِ عَلَى النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37] يَعْنِي: لَسْتَ بِسُرْعَةِ مَشْيِكَ تَقْطَعُ الْبِلَادَ فِي مِشْيَتِكَ هَذِهِ، وَلَسْتَ بِدَقِّكَ الْأَرْضَ بِرِجْلِكَ تَخْسِفَ الْأَرْضَ بِوَطْئِكَ عَلَيْهَا، وَلَسْتَ بِتَشَامُخِكَ، وَتَعَاظُمِكَ، وَتَرَفُّعِكَ تَبْلُغُ الْجِبَالَ طُولًا فَاتَّئِدْ عَلَى نَفْسِكَ فَلَسْتَ تَعْدُوَ قَدْرَكَ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ يَتَبَخْتَرُ فِيهِمَا إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «إِيَّاكَ، وَإِسْبَالُ الْإِزَارِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ وَالْمَخِيلَةُ لَا يُحِبُّهَا اللَّهُ» .

كَمَا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18] وَلَمَّا نَهَاهُ عَنِ الِاخْتِيَالِ فِي الْمَشْيِ أَمَرَهُ بِالْقَصْدِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَابُدَّ لَهُ أَنْ يَمْشِيَ فَنَهَاهُ عَنِ الشَّرِّ، وَأَمَرَهُ بِالْخَيْرِ فَقَالَ ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: 19] أَيْ لَا تَتَبَاطَأْ مُفْرِطًا وَلَا تُسْرِعْ إِسْرَاعًا مُفْرِطًا، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63] ثُمَّ قَالَ ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: 19] يَعْنِي: إِذَا تَكَلَّمْتَ فَلَا تَتَكَلَّفْ رَفْعَ صَوْتِكَ فَإِنَّ أَرْفَعَ الْأَصْوَاتِ، وَأَنْكَرَهَا صَوْتُ الْحَمِيرِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ الْأَمْرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ الْحَمِيرِ بِاللَّيْلِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا، وَلِهَذَا نُهِيَ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ حَيْثُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْعُطَاسِ فَيُسْتَحَبُّ خَفْضُ الصَّوْتِ، وَتَخْمِيرُ الْوَجْهِ; كَمَا ثَبَتَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنْ صَنِيعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ، وَعِنْدَ الدُّعَاءِ إِلَى الْفِئَةِ لِلْقِتَالِ، وَعِنْدَ الْإِهْلَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَذَلِكَ مَشْرُوعٌ فَهَذَا مِمَّا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ لُقْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْوَصَايَا النَّافِعَةِ الْجَامِعَةِ لِلْخَيْرِ الْمَانِعَةِ مِنَ الشَّرِّ، وَقَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ كَثِيرَةٌ فِي أَخْبَارِهِ وَمَوَاعِظِهِ، وَقَدْ كَانَ لَهُ كِتَابٌ يُؤْثَرُ عَنْهُ يُسَمَّى بِحِكْمَةِ لُقْمَانَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَيَسَّرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنِي نَهْشَلُ بْنُ مُجَمِّعٍ الضَّبِّيُّ عَنْ قَزَعَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ كَانَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ إِذَا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ» وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالتَّقَنُّعَ; فَإِنَّهُ مَخْوَفَةٌ بِاللَّيْلِ مَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ» . . وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الْحِكْمَةَ أَجْلَسَتِ الْمَسَاكِينَ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ، وَحَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِذَا أَتَيْتَ نَادِي قَوْمٍ فَارْمِهِمْ بِسَهْمِ الْإِسْلَامِ -

يَعْنِي السَّلَامَ - ثُمَّ اجْلِسْ فِي نَاحِيَتِهِمْ فَلَا تَنْطِقُ حَتَّى تَرَاهُمْ قَدْ نَطَقُوا فَإِنْ أَفَاضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ فَأَجِلْ سَهْمَكَ مَعَهُمْ، وَإِنْ أَفَاضُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَتَحَوَّلَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ.
وَحَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَضَعَ لُقْمَانُ جِرَابًا مِنْ خَرْدَلٍ إِلَى جَانِبِهِ، وَجَعَلَ يَعِظُ ابْنَهُ وَعْظَةً وَيُخْرِجُ خَرْدَلَةً حَتَّى نَفِدَ الْخَرْدَلُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَقَدْ وَعَظْتُكَ مَوْعِظَةً لَوْ وُعِظَهَا جَبَلٌ لَتَفَطَّرَ.
قَالَ: فَتَفَطَّرَ ابْنُهُ.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْمِصِّيصِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَرَّانِيُّ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّرَائِفِيُّ حَدَّثَنَا أَبْيَنُ بْنُ سُفْيَانَ الْمَقْدِسِيُّ عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّخِذُوا السُّودَانَ فَإِنَّ ثَلَاثَةً مِنْهُمْ مَنْ سَادَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ; لُقْمَانُ الْحَكِيمُ وَالنَّجَّاشِيُّ، وَبِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ.» قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: يَعْنِي الْحَبَشَةَ.
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ بَلْ مُنْكَرٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ تَرْجَمَةً فِي كِتَابِ الزُّهْدِ ذَكَرَ فِيهَا فَوَائِدَ مُهِمَّةً وَفَرَائِدَ جَمَّةً فَقَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: 12] قَالَ: الْفِقْهَ وَالْإِصَابَةَ فِي غَيْرِ

نُبُوَّةٍ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا.
وَحَدَّثَنَا أَسْوَدُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ لُقْمَانَ كَانَ خَيَّاطًا.
وَحَدَّثَنَا سَيَّارٌ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ - يَعْنِي - ابْنَ دِينَارٍ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ اتَّخِذْ طَاعَةَ اللَّهِ تِجَارَةً ; تَأْتِكَ الْأَرْبَاحُ مِنْ غَيْرِ بِضَاعَةٍ.
وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ يَقُولُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُرِ النَّاسَ أَنَّكَ تَخْشَى اللَّهَ لِيُكْرِمُوكَ بِذَلِكَ وَقَلْبُكَ فَاجِرٌ.
وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَوَكِيعٌ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ عَنْ خَالِدٍ الرِّبْعِيِّ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجَّارًا فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: اذْبَحْ لِي شَاةً فَذَبَحَ لَهُ شَاةً فَقَالَ لَهُ: ائْتِنِي بِأَطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ فِيهَا فَأَتَاهُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ فَقَالَ: أَمَا كَانَ فِيهَا شَيْءٌ أَطْيَبَ مِنْ هَذَيْنَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ مَا

سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اذْبَحْ لِي شَاةً فَذَبَحَ لَهُ شَاةً فَقَالَ لَهُ: أَلْقِ أَخْبَثَهَا مُضْغَتَيْنِ فَرَمَى بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ فَقَالَ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِأَطْيَبِهَا مُضْغَتَيْنِ; فَأَتَيْتَنِي بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، وَأَمَرْتُكَ أَنْ تُلْقِيَ أَخْبَثَهَا مُضْغَتَيْنِ; فَأَلْقَيْتَ اللِّسَانَ وَالْقَلْبَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَطْيَبَ مِنْهُمَا إِذَا طَابَا وَلَا أَخْبَثَ مِنْهُمَا إِذَا خَبُثَا.
وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رَشِيدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يُقَالُ لَهُ: الْجَعْدُ أَبُو عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: لَا تَرْغَبْ فِي وُدِّ الْجَاهِلِ فَيَرَى أَنَّكَ تَرْضَى عَمَلَهُ وَلَا تَهَاوَنْ بِمَقْتِ الْحَكِيمِ فَيَزْهَدَ فِيكَ.
وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رَشِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ: أَلَا إِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى أَفْوَاهِ الْحُكَمَاءِ لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدُهُمْ إِلَّا مَا هَيَّأَ اللَّهُ لَهُ.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: كُنْتُ أُقَنِّعُ رَأْسِي بِاللَّيْلِ فَقَالَ لِي عَمْرٌو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ: الْقِنَاعُ بِالنَّهَارِ مَذَلَّةٌ، مَعْذِرَةٌ أَوْ قَالَ مَعْجَزَةٌ بِاللَّيْلِ فَلِمَ تُقَنِّعُ رَأْسَكَ بِاللَّيْلِ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ لُقْمَانَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ الْجُنَيْدِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ

لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ مَا نَدِمْتُ عَلَى الصَّمْتِ قَطُّ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مِنْ فِضَّةٍ فَالسُّكُوتُ مِنْ ذَهَبٍ.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ وَوَكِيعٌ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ اعْتَزِلِ الشَّرَّ يَعْتَزِلْكَ فَإِنَّ الشَّرَّ لِلشَّرِّ خُلِقَ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالرَّغَبَ فَإِنَّ الرَّغَبَ كُلَّ الرَّغَبِ يُبْعِدُ الْقَرِيبُ مِنَ الْقَرِيبِ، وَيُزِيلُ الْحِلْمَ كَمَا يُزِيلُ الطَّرَبَ يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَشِدَّةَ الْغَضَبِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْغَضَبِ مَمْحَقَةٌ لِفُؤَادِ الْحَكِيمِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: يَا بُنَيَّ اخْتَرِ الْمَجَالِسَ عَلَى عَيْنِكَ فَإِذَا رَأَيْتَ الْمَجْلِسَ يُذْكَرُ فِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ فَإِنَّكَ إِنْ تَكُ عَالِمًا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ غَبِيًّا يُعَلِّمُوكَ، وَإِنْ يَطَّلِعِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَةٍ تُصِبْكَ مَعَهُمْ يَا بُنَيَّ لَا تَجْلِسْ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ فَإِنَّكَ إِنْ تَكُ عَالِمًا لَا يَنْفَعُكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ غَبِيًّا يُزِيدُوكَ

غَبَاءً، وَإِنْ يَطَّلِعِ اللَّهُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِسُخْطٍ يُصِبْكَ مَعَهُمْ يَا بُنَيَّ لَا تَغْبِطَنَّ امْرَأً رَحْبَ الذِّرَاعَيْنِ يَسْفِكُ دِمَاءَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ قَاتِلًا لَا يَمُوتُ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: بُنِيَّ لِتَكُنْ كَلِمَتُكَ طَيِّبَةً، وَلْيَكُنْ وَجْهُكَ بَسْطًا، تَكُنْ أَحَبَّ إِلَى النَّاسِ مِمَّنْ يُعْطِيهِمُ الْعَطَاءَ، وَقَالَ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ أَوِ فِي التَّوْرَاةِ: الرِّفْقُ رَأْسُ الْحِكْمَةِ.
وَقَالَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ: كَمَا تَرْحَمُونَ تُرْحَمُونَ، وَقَالَ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: كَمَا تَزْرَعُونَ تَحْصُدُونَ، وَقَالَ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: أَحِبَّ خَلِيلَكَ، وَخَلِيلَ أَبِيكَ.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: قِيلَ لِلُقْمَانَ: أَيُّ النَّاسِ أَصْبَرُ؟ قَالَ: صَبْرٌ لَا يَتْبَعُهُ أَذًى قِيلَ: فَأَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ: مَنِ ازْدَادَ مِنْ عِلْمِ النَّاسِ إِلَى عِلْمِهِ قِيلَ: فَأَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الْغَنِيُّ قِيلَ: الْغَنِيُّ مِنَ الْمَالِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْغَنِيَّ الَّذِي إِذَا الْتُمِسَ عِنْدَهُ خَيْرٌ وُجِدَ، وَإِلَّا أَغْنَى نَفْسَهُ عَنِ النَّاسِ.
وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - قَالَ قِيلَ لِلُقْمَانَ: أَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يُبَالِي أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ مُسِيئًا، وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ

قَالَ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْحِكْمَةِ يُبَدِّدُ اللَّهُ عِظَامَ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَهْوَاءِ النَّاسِ، وَوَجَدْتُ فِيهَا لَا خَيْرَ لَكَ فِي أَنْ تَعْلَمَ مَا لَمْ تَعْلَمْ، وَلَمَّا تَعْمَلْ بِمَا قَدْ عَلِمْتَ ; فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ احْتَطَبَ حَطَبًا فَحَزَمَ حُزْمَةً، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْمِلَهَا فَعَجَزَ عَنْهَا فَضَمَّ إِلَيْهَا أُخْرَى.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبِي زُهَيْرٍ - وَهُوَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى - حَدَّثَنَا الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا الْأَتْقِيَاءُ، وَشَاوِرْ فِي أَمْرِكَ الْعُلَمَاءَ.
وَهَذَا مَجْمُوعُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنَ الْآثَارِ كَثِيرًا لَمْ يَرْوِهَا كَمَا أَنَّهُ ذَكَرَ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ عِنْدَنَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ الْخُزَاعِيُّ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: خَيَّرَ اللَّهُ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ فَاخْتَارَ الْحِكْمَةَ عَلَى النُّبُوَّةِ قَالَ: فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ نَائِمٌ فَذَرَّ عَلَيْهِ الْحِكْمَةَ.
قَالَ: فَأَصْبَحَ يَنْطِقُ بِهَا.
قَالَ سَعِيدٌ: فَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ: قِيلَ لِلُقْمَانَ: كَيْفَ اخْتَرْتَ الْحِكْمَةَ عَلَى النُّبُوَّةِ وَقَدْ خَيَّرَكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ أُرْسِلَ إِلَيَّ بِالنُّبُوَّةِ عَزْمَةً، لَرَجَوْتُ فِيهِ الْفَوْزَ مِنْهُ، وَلَكُنْتُ

أَرْجُو أَنْ أَقُومَ بِهَا، وَلَكِنْ خَيَّرَنِي فَخِفْتُ أَنْ أَضْعُفَ عَنِ النُّبُوَّةِ فَكَانَتِ الْحِكْمَةُ أَحَبَّ إِلَيَّ.
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ; قَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَالَّذِي رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: 12] قَالَ: يَعْنِي الْفِقْهَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ، وَهَكَذَا نَصَّ عَلَى هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[قِصَّةُ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ]

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ - وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ - وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ - قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ - النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ - إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ - وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ - وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ - الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهِ عَلَى كُلِ شَيْءٍ شَهِيدٌ - إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: 1 - 10] [الْبُرُوجِ: 10] قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَدْ زَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ كَانُوا بَعْدَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ هَذَا الصَّنِيعَ مُكَرَّرٌ فِي الْعَالَمِ مِرَارًا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْجَبَّارِينَ الْكَافِرِينَ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآنِ قَدْ وَرَدَ فِيهِمْ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، وَأَثَرٌ أَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَهُمَا مُتَعَارِضَانِ، وَهَا نَحْنُ نُورِدُهُمَا لِتَقِفَ عَلَيْهِمَا.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ فَلَمَّا كَبُرَ السَّاحِرُ، قَالَ لِلْمَلِكِ

إِنِّي قَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَحَضَرَ أَجَلِي فَادْفَعْ إِلَيَّ غُلَامًا فَلْأُعَلِّمْهُ السِّحْرَ.
فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلَامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ وَكَانَ بَيْنَ الْمَلِكِ وَبَيْنَ السَّاحِرِ رَاهِبٌ فَأَتَى الْغُلَامُ عَلَى الرَّاهِبِ فَسَمِعَ مِنْ كَلَامِهِ فَأَعْجَبَهُ نَحْوُهُ وَكَلَامُهُ، وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ وَقَالَ: مَا حَبَسَكَ، وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ ضَرَبُوهُ وَقَالُوا: مَا حَبَسَكَ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ السَّاحِرُ أَنْ يَضْرِبَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا أَرَادَ أَهْلُكَ أَنْ يَضْرِبُوكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ.
قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ فَظِيعَةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجُوزُوا فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرَ السَّاحِرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ أَمْ أَمْرَ الرَّاهِبِ قَالَ: فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ وَأَرْضَى مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَجُوزَ النَّاسُ، وَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى فَأَخْبَرَ الرَّاهِبَ بِذَلِكَ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّي، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ.
فَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَسَائِرَ الْأَدْوَاءِ وَيَشْفِيهِمْ.
وَكَانَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ فَعَمِيَ فَسَمِعَ بِهِ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا أَجْمَعُ.
فَقَالَ: مَا أَنَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنْ آمَنْتَ بِهِ، وَدَعَوْتُ اللَّهَ شَفَاكَ، فَآمَنَ فَدَعَا اللَّهَ فَشَفَاهُ، ثُمَّ أَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ مِنْهُ نَحْوَ مَا كَانَ يَجْلِسُ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: يَا فُلَانُ مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ فَقَالَ: رَبِّي قَالَ: أَنَا قَالَ: لَا.
رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ.
قَالَ: وَلَكَ رَبُّ غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ.
فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبْهُ،

حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ أَنْ تُبْرِئَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَهَذِهِ الْأَدْوَاءَ، قَالَ: مَا أَشْفِي أَنَا أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَوَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ قَالَ: فَأَخَذَهُ أَيْضًا بِالْعَذَابِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ فَأُتِيَ بِالرَّاهِبِ فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْأَعْمَى: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ.
وَقَالَ لِلْغُلَامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَبَعَثَ بِهِ مَعَ نَفَرٍ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: إِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَدَهْدِهُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَلَمَّا عَلَوُا الْجَبَلَ قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَدُهْدِهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ الْغُلَامُ يَتَلَمَّسُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ فَبَعَثَ بِهِ مَعَ نَفَرٍ فِي قُرْقُورٍ فَقَالَ: إِذَا لَجَجْتُمُ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَأَغْرِقُوهُ فِي الْبَحْرِ، فَلَجَّجُوا بِهِ الْبَحْرَ فَقَالَ الْغُلَامُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَغَرِقُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ الْغُلَامُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ.
ثُمَّ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرَكَ بِهِ فَإِنْ أَنْتَ فَعَلْتَ مَا آمُرُكَ بِهِ قَتَلْتَنِي، وَإِلَّا فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ قَتْلِي.
قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ تَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، وَتَأْخُذُ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي.
فَفَعَلَ

وَوَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ رَمَاهُ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ الْغُلَامُ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ السَّهْمِ وَمَاتَ فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ فَقَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ قَدْ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فَأَمَرَ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَحَفَرَ فِيهَا الْأَخَادِيدَ، وَأُضْرِمَتْ فِيهَا النِّيرَانُ، وَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَدَعُوهُ، وَإِلَّا فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا.
وَقَالَ: فَكَانُوا يَتَعَادَوْنَ فِيهَا، وَيَتَدَافَعُونَ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا تُرْضِعُهُ فَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِي النَّارِ فَقَالَ الصَّبِيُّ: اصْبِرِي يَا أُمَّاهُ فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ» كَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ زَادَ النَّسَائِيُّ: وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ بِهِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ بِإِسْنَادِهِ، نَحْوَهُ، وَحَرَّرَ إِيرَادَهُ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ

جارٍ التحميل