[وُفُودُ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيِّ]
ِّ أَحَدِ، رُؤَسَاءِ قَوْمِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيُّ مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ، وَمُبَاعِدًا لَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ كَانَ بَيْنَ قَوْمِهِ مُرَادٍ وَبَيْنَ هَمْدَانَ وَقْعَةٌ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ، أَصَابَتْ هَمْدَانُ مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى أَثْخَنُوهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ يُقَالُ لَهُ: الرَّدْمُ.
وَكَانَ الَّذِي قَادَ هَمْدَانَ إِلَيْهِمُ الْأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مَالِكُ بْنُ خُرَيْمٍ الْهَمْدَانِيُّ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَقَالَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ:
مَرَرْنَ عَلَى لِفَاتَ وَهُنَّ خُوصٌ ... يُنَازِعْنَ الْأَعِنَّةَ يَنْتَحِينَا
فَإِنْ نَغْلِبْ فَغَلَّابُونَ قِدْمًا ... وَإِنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلَّبِينَا
وَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ ... مَنَايَانَا وَطُعْمَةُ آخَرِينَا
كَذَاكَ الدَّهْرُ دَوْلَتُهُ سِجَالٌ ... تَكُرُ صُرُوفُهُ حِينًا فَحِينَا
فَبَيْنَا مَا نُسَرُّ بِهِ وَنَرْضَى وَلَوْ لُبِسَتْ غَضَارَتُهُ سِنِينَا ... إِذِ انْقَلَبَتْ بِهِ كَرَّاتُ دَهْرٍ فَأَلْفَيْتَ الْأُولَى غُبِطُوا طَحِينَا ... فَمَنْ يُغْبَطْ بِرَيْبِ الدَّهْرِ مِنْهُمْ يَجِدْ رَيْبَ الزَّمَانِ لَهُ خَئُونَا ... فَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إِذًا خَلَدْنَا وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إِذًا بَقِينَا ... فَأَفْنَى ذَلِكُمْ سَرَوَاتِ قَوْمِي كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الْأَوَّلِينَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا تَوَجَّهَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفَارِقًا مُلُوكَ كِنْدَةَ قَالَ: لَمَّا رَأَيْتُ مُلُوكَ كِنْدَةَ أَعْرَضَتْ ... كَالرِّجْلِ خَانَ الرِّجْلَ عِرْقُ نَسَائِهَا قَرَّبْتُ رَاحِلَتِي أَؤُمُّ مُحَمَّدًا ... أَرْجُو فَوَاضِلَهَا وَحُسْنَ ثَرَائِهَا قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَى فَرْوَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ، فِيمَا بَلَغَنِي: «يَا فَرْوَةُ هَلْ سَاءَكَ مَا أَصَابَ قَوْمَكَ يَوْمَ الرَّدْمِ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ ذَا الَّذِي يُصِيبُ قَوْمَهُ مَا أَصَابَ قَوْمِي يَوْمَ الرَّدْمِ، لَا يَسُوءُهُ ذَلِكَ؟! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَا إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْ قَوْمَكَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا خَيْرًا ".» وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى مُرَادٍ وَزُبَيْدٍ وَمَذْحِجٍ كُلِّهَا، وَبَعَثَ مَعَهُ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَكَانَ مَعَهُ فِي بِلَادِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
[قُدُومُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ فِي أُنَاسٍ مِنْ زُبَيْدٍ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ قَالَ لِقَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ الْمُرَادِيِّ، حِينَ انْتَهَى إِلَيْهِمْ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا قَيْسُ، إِنَّكَ سَيِّدُ قَوْمِكَ وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدٌ.
قَدْ خَرَجَ بِالْحِجَازِ، يُقَالُ: إِنَّهُ نَبِيٌّ.
فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ حَتَّى نَعْلَمَ عِلْمَهُ، فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا كَمَا يَقُولُ، فَإِنَّهُ لَنْ يَخْفَى عَلَيْنَا، وَإِذَا لَقِينَاهُ اتَّبَعْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ عَلِمْنَا عِلْمَهُ.
فَأَبَى عَلَيْهِ قَيْسٌ ذَلِكَ، وَسَفَّهَ رَأْيَهُ، فَرَكِبَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمَ وَصَدَّقَهُ وَآمَنَ بِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قَيْسَ بْنَ مَكْشُوحٍ، أَوْعَدَ عَمْرًا وَقَالَ: خَالَفَنِي وَتَرَكَ أَمْرِي وَرَأْيِي.
فَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ فِي ذَلِكَ:
أَمَرْتُكَ يَوْمَ ذِي صَنْعَا ... ءَ أَمْرًا بَادِيًا رَشَدُهْ
أَمَرْتُكَ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ ... وَالْمَعْرُوفِ تَتَّعِدُهْ خَرَجْتَ مِنَ الْمُنَى مِثْلَ الْ ... حُمَيِّرِ غَرَّهُ وَتِدُهْ تَمَنَّانِي عَلَى فَرَسٍ ... عَلَيْهِ جَالِسًا أَسَدُهْ عَلَيَّ مُفَاضَةٌ كَالنَّهْ ... يِ أَخْلَصَ مَاءَهُ جَدَدُهْ تَرُدُّ الرُّمْحَ مُنْثَنِيَ السِّ ... نَانِ عَوَائِرًا قِصَدُهْ فَلَوْ لَاقَيْتَنِي لَلَقِي ... تَ لَيْثًا فَوْقَهُ لِبَدُهْ تُلَاقِي شَنْبَثًا شَثْنَ الْ ... بَرَاثِنِ نَاشِزًا كَتَدُهْ يُسَامِي الْقِرْنَ إِنْ قِرْنٌ ... تَيَمَّمَهُ فَيَعْتَضِدُهْ فَيَأْخُذُهُ فَيَرْفَعُهُ ... فَيَخْفِضُهُ فَيَقْتَصِدُهْ فَيَدْمَغُهُ فَيَحْطِمُهُ ... فَيَخْضِمُهُ فَيَزْدَرِدُهْ ظَلُومُ الشِّرْكِ فِيمَا أَحْ ... رَزَتْ أَنْيَابُهُ وَيَدُهْ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَأَقَامَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ وَعَلَيْهِمْ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْتَدَّ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ فِي مَنِ ارْتَدَّ وَهَجَا فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ فَقَالَ:
وَجَدْنَا مُلْكَ فَرْوَةَ شَرَّ مُلْكٍ ... حِمَارًا سَافَ مَنْخِرُهُ بِثَفْرِ
وَكُنْتَ إِذَا رَأَيْتَ أَبَا عُمَيْرٍ ... تَرَى الْحُوَلَاءَ مِنْ خُبْثٍ وَغَدْرِ
قُلْتُ: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَشَهِدَ فُتُوحَاتٍ كَثِيرَةً فِي أَيَّامِ الصَّدِيقِ، وَعُمَرَ الْفَارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ، وَالْأَبْطَالِ الْمَشْهُورِينَ، وَالشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ، تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ بَعْدَمَا شَهِدَ فَتْحَ نَهَاوَنْدَ وَقِيلَ: بَلْ شَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَكَانَ وُفُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَةَ تِسْعٍ.
وَقِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ.
فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ.
قُلْتُ: وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ مَعْدِ يكَرِبَ لَمْ يَأْتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ:
إِنَّنِي بِالنَّبِيِّ مُوقِنَةٌ نَفْ ... سِي وَإِنْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ عَيَانَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ طُرًّا وَأَدْنَا ... هُمْ إِلَى اللَّهِ حِينَ بَانَ مَكَانَا جَاءَنَا بِالنَّامُوسِ مِنْ لَدُنِ اللَّهِ ... وَكَانَ الْأَمِينَ فِيهِ الْمُعَانَا حُكْمُهُ بَعْدَ حِكْمَةٍ وِضِيَاءٍ ... فَاهْتَدَيْنَا بِنُورِهَا مِنْ عَمَانَا وَرَكِبْنَا السَّبِيلَ حِينَ رَكِبْنَ ... اهُ جَدِيدًا بِكُرْهِنَا وَرِضَانَا وَعَبَدْنَا الْإِلَهَ حَقًّا وَكُنَّا ... لِلْجَهَالَاتِ نَعْبُدُ الْأَوْثَانَا وَائْتَلَفْنَا بِهِ وَكُنَّا عَدُوًّا ... فَرَجَعْنَا بِهِ مَعًا إِخْوَانًا فَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَالسِّلْمُ مِنَّا ... حَيْثُ كُنَّا مِنَ الْبِلَادِ وَكَانَا إِنْ نَكُنْ لَمْ نَرَ النَّبِيَّ فَإِنَّا ... قَدْ تَبِعْنَا سَبِيلَهُ إِيمَانَا
[قُدُومُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ، فَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ قَدِمَ فِي ثَمَانِينَ رَاكِبًا مِنْ كِنْدَةَ، فَدَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْجِدَهُ قَدْ رَجَّلُوا جُمَمَهُمْ وَتَكَحَّلُوا، عَلَيْهِمْ جُبَبُ
الْحِبَرَةِ قَدْ كَفَّفُوهَا بِالْحَرِيرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ: «أَلَمْ تُسْلِمُوا؟ " قَالُوا: بَلَى.
قَالَ: " فَمَا بَالُ هَذَا الْحَرِيرِ فِي أَعْنَاقِكُمْ؟ " قَالَ: فَشَقُّوهُ مِنْهَا فَأَلْقَوْهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ، وَأَنْتَ ابْنُ آكِلِ الْمُرَارِ.
قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: " نَاسِبُوا بِهَذَا النَّسَبِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ» ". وَكَانَا تَاجِرَيْنِ، إِذَا شَاعَا فِي الْعَرَبِ فَسُئِلَا: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ قَالَا: نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ.
يَعْنِي يَنْتَسِبَانِ إِلَى كِنْدَةَ لِيَعِزَّا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ ; لِأَنَّ كِنْدَةَ كَانُوا مُلُوكًا، فَاعْتَقَدَتْ كِنْدَةُ أَنَّ قُرَيْشًا مِنْهُمْ لِقَوْلِ عَبَّاسٍ وَرَبِيعَةَ: نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ.
وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُجْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ مُرْتِعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ كِنْدِيِّ.
وَيُقَالُ: ابْنُ كِنْدَةَ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ: «لَا، نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لَا نَقْفُوا أُمَّنَا، وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا» . فَقَالَ لَهُمُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ لَا أَسْمَعُ رَجُلًا يَقُولُهَا إِلَّا ضَرَبْتُهُ ثَمَانِينَ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا
بَهْزٌ وَعَفَّانُ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ حَدَّثَنِي عَقِيلُ بْنُ طَلْحَةَ - وَقَالَ عَفَّانُ فِي حَدِيثِهِ: أَنْبَأَنَا عَقِيلُ بْنُ طَلْحَةَ السُّلَمِيُّ - عَنْ مُسْلِمِ بْنِ هَيْصَمٍ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ - قَالَ عَفَّانُ: لَا يَرَوْنِي أَفْضَلَهُمْ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَزْعُمُ أَنَّكُمْ مِنَّا.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُو أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا ".» قَالَ: قَالَ الْأَشْعَثُ: فَوَاللَّهِ لَا أَسْمَعُ أَحَدًا نَفَى قُرَيْشًا مِنَ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ إِلَّا جَلَدْتُهُ الْحَدَّ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَعَنْ هَارُونَ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ثَلَاثَتُهُمْ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ نَحْوَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَنْبَأَنَا مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: «قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ فَقَالَ لِي: " هَلْ لَكَ مِنْ وَلَدٍ؟ " قُلْتُ: غُلَامٌ وُلِدَ لِي فِي مَخْرَجِي إِلَيْكَ مِنَ ابْنَةِ جَمْدٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ مَكَانَهُ شَبِعَ الْقَوْمُ.
قَالَ: " لَا تَقُولَنَّ ; ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِمْ قُرَّةَ عَيْنٍ، وَأَجْرًا إِذَا قُبِضُوا ثَمَّ، وَلَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ إِنَّهُمْ لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ، إِنَّهُمْ لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ» تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ.
[قُدُومُ أَعْشَى بَنِي مَازِنٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، ثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَنَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْجُنَيْدُ بْنُ أُمَيْنِ بْنِ ذِرْوَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ بُهْصُلٍ الْحِرْمَازِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي أُمَيْنٌ، عَنْ أَبِيهِ ذِرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ نَضْلَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: الْأَعْشَى.
وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَعْوَرِ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا: مُعَاذَةُ.
خَرَجَ فِي رَجَبٍ يَمِيرُ أَهْلَهُ مِنْ هَجَرَ، فَهَرَبَتِ امْرَأَتُهُ بَعْدَهُ نَاشِزًا عَلَيْهِ، فَعَاذَتْ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: مُطَرِّفُ بْنُ نَهْشَلِ بْنِ
كَعْبِ بْنِ قُمَيْثِعِ بْنِ ذُلَفِ بْنِ أَهْضِمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحِرْمَازِ، فَجَعَلَهَا خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ لَمْ يَجِدْهَا فِي بَيْتِهِ، وَأُخْبِرَ أَنَّهَا نَشَزَتْ عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا عَاذَتْ بِمُطَرِّفِ بْنِ نَهْشَلٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَمِّ، أَعِنْدَكَ امْرَأَتِي مُعَاذَةُ؟ فَادْفَعْهَا إِلَيَّ.
قَالَ: لَيْسَتْ عِنْدِي، وَلَوْ كَانَتْ عِنْدِي لَمْ أَدْفَعْهَا إِلَيْكَ.
قَالَ: وَكَانَ مُطَرِّفٌ أَعَزَّ مِنْهُ.
قَالَ: فَخَرَجَ الْأَعْشَى حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَاذَ بِهِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
يَا سَيِّدَ النَّاسِ وَدَيَّانَ الْعَرَبْ ... إِلَيْكَ أَشْكُو ذِرْبَةً مِنَ الذِّرَبْ
كَالذِّئْبَةِ الْغَبْسَاءِ فِي ظِلِّ السَّرَبْ ... خَرَجْتُ أَبْغِيهَا الطَّعَامَ فِي رَجَبْ
فَخَلَّفَتْنِي بِنِزَاعٍ وَهَرَبْ ... أَخْلَفَتِ الْوَعْدَ وَلَطَّتْ بَالذَّنَبْ
وَقَذَفَتْنِي بَيْنَ عَصْرٍ مُؤْتَشَبْ ... وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: " «وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ ".» فَشَكَى إِلَيْهِ امْرَأَتَهُ
وَمَا صَنَعَتْ بِهِ، وَأَنَّهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: مُطَرِّفُ بْنُ نَهْشَلٍ، فَكَتَبَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُطَرِّفٍ: «انْظُرِ امْرَأَةَ هَذَا، مُعَاذَةَ، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ ".» فَأَتَاهُ كِتَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُرِئَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا مُعَاذَةُ، هَذَا كِتَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيكِ، فَأَنَا دَافِعُكِ إِلَيْهِ.
فَقَالَتْ: خُذْ لِي عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ أَنْ لَا يُعَاقِبَنِي فِيمَا صَنَعْتُ.
فَأَخَذَ لَهَا ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَدَفَعَهَا مُطَرِّفٌ إِلَيْهِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
لَعَمْرُكَ مَا حُبِّي مُعَاذَةَ بِالَّذِي ... يُغَيِّرُهُ الْوَاشِي وَلَا قِدَمُ الْعَهْدِ
وَلَا سُوءُ مَا جَاءَتْ بِهِ إِذْ أَزَالَهَا ... غُوَاةُ الرِّجَالِ إِذْ يُنَاجُونَهَا بَعْدِي
[قُدُومُ صُرَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ ثُمَّ وُفُودِ أَهِلِ جُرَشَ بَعْدَهُمْ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَفْدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَنْ أَسْلَمَ مَنْ يَلِيهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَذَهَبَ فَحَاصَرَ جُرَشَ وَبِهَا قَبَائِلُ مِنَ الْيَمَنِ، وَقَدْ ضَوَتْ إِلَيْهِمْ خَثْعَمُ حِينَ سَمِعُوا بِمَسِيرِهِ إِلَيْهِمْ، فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، فَامْتَنَعُوا فِيهَا مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: شَكَرُ.
فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ وَلَّى عَنْهُمْ مُنْهَزِمًا، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ قَتْلًا شَدِيدًا، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ جُرَشَ بَعَثُوا مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمْ عِنْدَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ إِذْ قَالَ: «بِأَيِّ بِلَادِ اللَّهِ شَكَرُ؟ " فَقَامَ الْجُرَشِيَّانِ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِبِلَادِنَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ: كَشَرُ، وَكَذَلِكَ يُسَمِّيهِ أَهْلُ جُرَشَ.
فَقَالَ: " إِنَّهُ لَيْسَ بِكَشَرَ، وَلَكِنَّهُ شَكَرُ ". قَالَا: فَمَا شَأْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " إِنَّ بُدْنَ اللَّهِ لَتُنْحَرُ عِنْدَهُ الْآنَ ". قَالَ: فَجَلَسَ الرَّجُلَانِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، أَوْ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُمَا: وَيْحَكُمَا! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآنَ لَيَنْعَى لَكُمَا قَوْمَكُمَا، فَقُومَا إِلَيْهِ، فَاسْأَلَاهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ فَيَرْفَعَ عَنْ قَوْمِكُمَا.
فَقَامَا إِلَيْهِ فَسَأَلَاهُ ذَلِكَ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمْ ". فَرَجَعَا، فَوَجَدَا قَوْمَهُمَا قَدْ أُصِيبُوا يَوْمَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،» ثُمَّ جَاءَ وَفْدُ أَهْلِ جُرَشَ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ، وَحَمَى لَهُمْ حَوْلَ قَرْيَتِهِمْ.
[قُدُومُ رَسُولِ مُلُوكِ حِمْيَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]
قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ كِتَابُ مُلُوكِ حِمْيَرَ وَرُسُلُهُمْ
بِإِسْلَامِهِمْ مَقْدِمَهُ مِنْ تَبُوكَ وَهُمْ ; الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ كُلَالٍ، وَنُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ كُلَالٍ، وَالنُّعْمَانُ قَيْلُ ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ زُرْعَةُ ذُو يَزَنَ مَالِكَ بْنَ مُرَّةَ الرَّهَاوِيَّ بِإِسْلَامِهِمْ وَمُفَارَقَتِهِمُ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، «فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ النَّبِيِّ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ وَنُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ وَالنُّعْمَانِ قَيْلِ ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ أَمَّا بَعْدَ ذَلِكُمْ ; فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَإِنَّهُ قَدْ وَقَعَ بِنَا رَسُولُكُمْ مُنْقَلَبَنَا مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فَلَقِيَنَا بِالْمَدِينَةِ، فَبَلَّغَ مَا أَرْسَلْتُمْ بِهِ، وَخَبَّرَ مَا قَبِلَكُمْ، وَأَنْبَأَنَا بِإِسْلَامِكُمْ، وَقَتْلِكُمُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ هَدَاكُمْ بِهُدَاهُ، إِنْ أَصْلَحْتُمْ وَأَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأَعْطَيْتُمْ مِنَ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللَّهِ، وَسَهْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفِيَّهُ، وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ ; مِنَ الْعَقَارِ عُشْرُ مَا سَقَتِ الْعَيْنُ وَسَقَتِ السَّمَاءُ، وَعَلَى مَا سَقَى الْغَرْبُ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَأَنَّ فِي الْإِبِلِ فِي الْأَرْبَعِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ، وَفِي ثَلَاثِينَ مِنَ الْإِبِلِ ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَفِي كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي كُلِّ عَشْرٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاتَانِ، وَفِي
كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ، وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ سَائِمَةٍ وَحْدَهَا شَاةٌ، وَإِنَّهَا فَرِيضَةُ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ، فَمَنْ زَادَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ وَأَشْهَدَ عَلَى إِسْلَامِهِ وَظَاهَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَلَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، وَإِنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ عَنْهَا وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ ; عَلَى كُلِّ حَالِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، دِينَارٌ وَافٍ مِنْ قِيمَةِ الْمَعَافِرِ أَوْ عِوَضُهِ ثِيَابًا، فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنَّ لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، وَمَنْ مَنَعَهُ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.
أَمَّا بَعْدُ ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مُحَمَّدًا النَّبِيَّ أَرْسَلَ إِلَى زُرْعَةَ ذِي يَزَنَ أَنْ إِذَا أَتَاكَ رُسُلِي فَأُوصِيكُمْ بِهِمْ خَيْرًا ; مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَمَالِكُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ نَمِرٍ، وَمَالِكُ بْنُ مُرَّةَ وَأَصْحَابُهُمْ، وَأَنِ اجْمَعُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْجِزْيَةِ مِنْ مَخَالِيفِكُمْ، وَأَبْلِغُوهَا رُسُلِي، وَإِنَّ أَمِيرَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَا يَنْقَلِبَنَّ إِلَّا رَاضِيًا.
أَمَّا بَعْدُ ; فَإِنَّ مُحَمَّدًا يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ إِنَّ مَالِكَ بْنَ مُرَّةَ الرَّهَاوِيَّ قَدْ حَدَّثَنِي أَنَّكَ أَسْلَمْتَ مِنْ أَوَّلِ حِمْيَرَ، وَقَتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ،
فَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ، وَآمُرُكَ بِحِمْيَرَ خَيْرًا، وَلَا تَخُونُوا وَلَا تَخَاذَلُوا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ هُوَ مَوْلَى غَنِيِّكُمْ وَفَقِيرِكُمْ، وَإِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ زَكَاةٌ يُزَكَّى بِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ وَإِنَّ مَالِكًا قَدْ بَلَّغَ الْخَبَرَ وَحَفِظَ الْغَيْبَ، فَآمُرُكُمْ بِهِ خَيْرًا، وَإِنِّي قَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ صَالِحِي أَهْلِي وَأُولِي دِينِهِمْ وَأُولِي عِلْمِهِمْ، فَآمُرُكُمْ بِهِمْ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ مَنْظُورٌ إِلَيْهِمْ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ".»
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنْ مَالِكَ ذِي يَزَنَ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّةً قَدْ أَخَذَهَا بِثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ نَاقَةً.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ الصَّيْدَلَانِيِّ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بِهِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ هَاهُنَا حَدِيثَ كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَنَا، الَّذِي كَتَبَهُ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ يُفَقِّهُ أَهْلَهَا، وَيُعَلِّمُهُمُ السُّنَّةَ، وَيَأْخُذُ صَدَقَاتِهِمْ، فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا وَعَهْدًا، وَأَمَرَهُ فِيهِ أَمْرَهُ فَكَتَبَ: «بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] (الْمَائِدَةِ: 1) عَهْدًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعْثِهِ إِلَى الْيَمَنِ ; آمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ".» وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحَقِّ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، وَأَنْ يُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْخَيْرِ وَيَأْمُرَهُمْ بِهِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، وَأَنْ يَنْهَى النَّاسَ فَلَا يَمَسَّ أَحَدٌ الْقُرْآنَ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ، وَأَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِالَّذِي لَهُمْ وَالَّذِي عَلَيْهِمْ، وَيَلِينُ لَهُمْ فِي الْحَقِّ، وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ فِي الظُّلْمِ، فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الظُّلْمَ وَنَهَى عَنْهُ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [هود: 18] (هُودٍ: 18، 19) وَأَنْ يُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْجَنَّةِ وَبِعَمَلِهَا، وَيُنْذِرَ النَّاسَ النَّارَ وَعَمَلَهَا، وَيَسْتَأْلِفَ النَّاسَ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ مَعَالِمَ الْحَجِّ وَسُنَنِهِ وَفَرَائِضِهِ، وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَالْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْحَجُّ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ، وَأَنْ يَنْهَى النَّاسَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ صَغِيرٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَاسِعًا فَيُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَيَنْهَى أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَيُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَلَا يَنْقُضَ شَعْرَ رَأْسِهِ إِذَا عَفَا فِي قَفَاهُ
وَيَنْهَى النَّاسَ إِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ هَيْجٌ أَنْ يَدْعُوا إِلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ، وَلْيَكُنْ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَمَنْ لَمْ يَدْعُ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَدَعَا إِلَى الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ فَلْيَعْطِفُوا بِالسَّيْفِ حَتَّى يَكُونَ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَأْمُرَ النَّاسَ بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ، وَأَرْجُلَهُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَأَنْ يَمْسَحُوا رُءُوسَهُمْ كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَأُمِرُوا بِالصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا، وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَأَنْ يُغَلَّسَ بِالصُّبْحِ، وَأَنْ يُهَجَّرَ بِالْهَاجِرَةِ، حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَصَلَاةُ الْعَصْرِ وَالشَّمْسِ فِي الْأَرْضِ مُبَدَّدَةٌ، وَالْمَغْرِبُ حِينَ يُقْبِلُ اللَّيْلُ وَلَا تُؤَخَّرُ حَتَّى تَبْدُوَ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ، وَالْعِشَاءُ أَوَّلُ اللَّيْلِ، وَأَمَرَهُ بِالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ إِذَا نُودِيَ بِهَا، وَالْغُسْلِ عِنْدَ الرَّوَاحِ إِلَيْهَا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللَّهِ، وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنَ الْعَقَارِ فِيمَا سَقَتِ الْعَيْنُ وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَمَا سَقَى الْقَرَبُ فَنِصْفُ الْعُشْرِ، وَفِي كُلِّ عَشْرٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاتَانِ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ،
وَفِي أَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ، وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ سَائِمَةٍ وَحْدَهَا شَاةٌ، فَإِنَّهَا فَرِيضَةُ اللَّهِ الَّتِي افْتَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الصَّدَقَةِ فَمَنْ زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَإِنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ إِسْلَامًا خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ فَدَانَ دِينَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُغَيَّرُ عَنْهَا، وَعَلَى كُلِّ حَالِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ دِينَارٌ وَافٍ أَوْ عِوَضُهُ مِنَ الثِّيَابِ، فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ ذِمَّةَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَذِمَّةَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ".
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جِدِّهِ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْصُولًا بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ وَنُقْصَانٍ عَنْ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ وَالدِّيَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قُلْتُ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ فِي " سُنَنِهِ " مُطَوَّلًا، وَأَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ " الْمَرَاسِيلِ "، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي " السُّنَنِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَسَنَذْكُرُ بَعْدَ الْوُفُودِ بَعْثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُمَرَاءَ إِلَى الْيَمَنِ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ وَأَخْذِ صَدَقَاتِهِمْ وَأَخْمَاسِهِمْ ; مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَأَبَا مُوسَى، وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
[قُدُومُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ وَإِسْلَامُهُ]
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شِبْلٍ قَالَ: وَقَالَ جَرِيرٌ: «لَمَّا دَنَوْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ أَنَخْتُ رَاحِلَتِي، ثُمَّ حَلَلْتُ عَيْبَتِي، ثُمَّ لَبِسْتُ حُلَّتِي، ثُمَّ دَخَلْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَرَمَانِي النَّاسُ بِالْحَدَقِ فَقُلْتُ لِجَلِيسِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ، ذَكَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَكَرَكَ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ.
فَبَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ إِذْ عُرِضَ لَهُ فِي خُطْبَتِهِ، وَقَالَ: " يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَوْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ إِلَّا أَنَّ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةَ مَلَكٍ ". قَالَ جَرِيرٌ: فَحَمِدْتُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى مَا أَبْلَانِي» : وَقَالَ أَبُو قَطَنٍ: فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنْهُ؟ أَوْ: سَمِعْتَهُ مِنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شِبْلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ،
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شِبْلٍ - وَيُقَالُ: ابْنُ شُبَيْلٍ - عَنْ عَوْفٍ الْبَجَلِيِّ الْكُوفِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ.
وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرٍ بِقِصَّتِهِ: «يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ مَلَكٍ ".» الْحَدِيثُ وَهَذَا عَلَى شَرْطِ " الصَّحِيحَيْنِ ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: «مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي» . وَقَدْ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْهُ.
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " زِيَادَةٌ: «وَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي،» وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا ".»
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ عَنْهُ
وَزَادَ فِيهِ: «يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ مَلَكٍ ".» فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَّاكُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ السَّوَّاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الْخُرَاسَانِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عُمَرَ الْأَحْمَسِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " يَا جَرِيرُ، لِأَيِّ شَيْءٍ جِئْتَ؟ " قُلْتُ: أُسْلِمُ عَلَى يَدَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: فَأَلْقَى عَلَيَّ كِسَاءً، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: " إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ ". ثُمَّ قَالَ: " يَا جَرِيرُ، أَدْعُوكَ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَتُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ". فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَرَانِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي.» هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.» وَأَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ بِهِ، وَهُوَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ جَرِيرٍ بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، ثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ شَقِيقٍ - يَعْنِي أَبَا وَائِلٍ -، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشْتَرِطْ عَلَيَّ فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالشَّرْطِ.
قَالَ: «أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَنْصَحَ الْمُسْلِمَ، وَتَبْرَأَ مِنَ الْمُشْرِكِ ".» وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ جَرِيرٍ.
وَفِي طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنِ الْأَعْمَشِ وَعَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي نُخَيْلَةَ، عَنْ جَرِيرٍ بِهِ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي
وَائِلٍ، وَالشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ بِهِ.
وَرَوَاهُ عَنْ جَرِيرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرَةَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ مُنْفَرِدًا بِهِ.
وَابْنُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَرِيرٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مُنْفَرِدًا بِهِ.
وَأَبُو جَمِيلَةَ وَصَوَابُهُ أَبُو نُخَيْلَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ جَرِيرٍ، فَذَكَرَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ أَبُو نُخَيْلَةَ الْبَجَلِيُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ حِينَ أَسْلَمَ إِلَى ذِي الْخَلَصَةِ - بَيْتٍ كَانَ يَعْبُدُهُ خَثْعَمٌ وَبُجَيْلَةُ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ.
يُضَاهُونَ بِهِ الْكَعْبَةَ الَّتِي بِمَكَّةَ، وَيَقُولُونَ لِلَّتِي بِبَكَّةَ: الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ.
وَلِبَيْتِهِمْ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ ". فَحِينَئِذٍ شَكَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ فِي صَدْرِهِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِيهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا ". فَلَمْ يَسْقُطْ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ فَرَسٍ، وَنَفَرَ إِلَى ذِي الْخَلَصَةِ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ رَاكِبٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَحْمَسَ، فَخَرَّبَ ذَلِكَ الْبَيْتَ، وَحَرَّقَهُ حَتَّى تَرَكَهُ مِثْلَ الْجَمَلِ الْأَجْرَبِ، وَبَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشِيرًا يُقَالُ لَهُ: أَبُو أَرْطَاةَ.
فَبَشَّرَهُ بِذَلِكَ، فَبَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ.» وَالْحَدِيثُ مَبْسُوطٌ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَغَيْرِهِمَا، كَمَا قَدَّمْنَاهُ بَعْدَ الْفَتْحِ اسْتِطْرَادًا بَعْدَ ذِكْرِ تَخْرِيبِ بَيْتِ الْعُزَّى عَلَى يَدَيْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْفَتْحِ بِمِقْدَارٍ جَيِّدٍ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَاثَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: إِنَّمَا أَسْلَمْتُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ، وَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ بَعْدَ مَا أَسْلَمْتُ.
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا بَيْنَ مُجَاهِدٍ وَبَيْنَهُ.
وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ فِي مَسْحِ الْخُفِّ ; لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ،
وَسَيَأْتِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ يَا جَرِيرُ ".» وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا، وَكَانَ ذَا شَكْلٍ عَظِيمٍ، كَانَتْ نَعْلُهُ طُولُهَا ذِرَاعٌ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا، وَكَانَ مَعَ هَذَا مِنْ أَغَضِّ النَّاسِ طَرْفًا، وَلِهَذَا رَوَيْنَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ: " أَطْرِقْ بَصَرَكَ» ".
[وِفَادَةُ وَائِلِ بْنِ حُجْرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَحَدِ مُلُوكِ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]
وِفَادَةُ وَائِلِ بْنِ حُجْرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ يَعْمَرَ الْحَضْرَمِيِّ أَبِي هُنَيْدٍ، أَحَدِ مُلُوكِ الْيَمَنِ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ أَحَدَ أَقْيَالِ حَضْرَمَوْتَ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ مُلُوكِهِمْ.
وَيُقَالُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ قَبْلَ قُدُومِهِ بِهِ وَقَالَ: «يَأْتِيكُمْ بَقِيَّةُ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ ".» فَلَمَّا دَخَلَ رَحَّبَ، بِهِ وَأَدْنَاهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَرَّبَ مَجْلِسَهُ، وَبَسَطَ لَهُ رِدَاءَهُ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي وَائِلٍ وَوَلَدِهِ وَوَلِدِ وَلَدِهِ ".»
وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَقْيَالِ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَكَتَبَ مَعَهُ ثَلَاثَ كُتُبٍ ; مِنْهَا كِتَابٌ إِلَى الْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَكِتَابٌ إِلَى الْأَقْيَالِ وَالْعَبَاهِلَةِ، وَأَقْطَعَهُ أَرْضًا، وَأَرْسَلَ مَعَهُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، فَخَرَجَ مَعَهُ رَاجِلًا، فَشَكَى إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ حَرَّ الرَّمْضَاءِ، فَقَالَ: انْتَعِلْ ظِلَّ النَّاقَةِ.
فَقَالَ: وَمَا يُغْنِي عَنِّي ذَلِكَ؟ لَوْ جَعَلْتَنِي رِدْفًا.
فَقَالَ لَهُ وَائِلٌ: اسْكُتْ فَلَسْتَ مِنْ أَرْدَافِ الْمُلُوكِ.
ثُمَّ عَاشَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ حَتَّى وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَعَرَفَهُ مُعَاوِيَةُ، فَرَحَّبَ بِهِ وَقَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ، وَأَذْكَرَهُ الْحَدِيثَ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ جَائِزَةً سَنِيَّةً فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا، وَقَالَ: أَعْطِهَا مَنْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنِّي.
وَأَوْرَدَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ بَعْضَ هَذَا، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ فِي " التَّارِيخِ " رَوَى فِي ذَلِكَ شَيْئًا.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعُهُ أَرْضًا.
قَالَ: فَأَرْسَلَ مَعِي مُعَاوِيَةَ أَنْ أَعْطِهَا إِيَّاهُ - أَوْ قَالَ: أَعْلِمْهَا إِيَّاهُ - قَالَ: فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَرْدِفْنِي خَلْفَكَ.
فَقُلْتُ: لَا تَكُونُ مِنْ أَرْدَافِ الْمُلُوكِ.
قَالَ: فَقَالَ: أَعْطِنِي نَعْلَكَ.
فَقُلْتُ: انْتَعِلْ ظِلَّ النَّاقَةِ.
قَالَ: فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ مُعَاوِيَةُ أَتَيْتُهُ، فَأَقْعَدَنِي مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَذَكَّرَنِي» الْحَدِيثَ.
قَالَ سِمَاكٌ: فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ حَمْلَتُهُ بَيْنَ يَدَيَّ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ.
[وِفَادَةُ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ الْمُنْتَفِقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]
وِفَادَةُ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ الْمُنْتَفِقِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: كَتَبَ إِلَيَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ: كَتَبْتُ إِلَيْكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ عَرَضْتُهُ وَسَمِعْتُهُ عَلَى مَا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْكَ، فَحَدِّثْ بِذَلِكَ عَنِّي.
قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُغِيرَةَ الْحِزَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَيَّاشٍ السَّمَعِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْقُبَائِيُّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ دَلْهَمِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاجِبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ الْعُقَيْلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ دَلْهَمٌ: وَحَدَّثَنِيهِ أَبِي الْأَسْوَدُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ «أَنَّ لَقِيطًا خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ.
قَالَ لَقِيطٌ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبِي حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
انْسِلَاخَ رَجَبٍ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَافَيْنَاهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكُمْ صَوْتِي مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، أَلَا لَأُسْمِعَنَّكُمْ، أَلَا فَهَلْ مِنَ امْرِئٍ بَعَثَهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا: اعْلَمْ لَنَا مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ؟ أَلَا ثُمَّ لَعَلَّهُ أَنْ يُلْهِيَهُ حَدِيثُ نَفْسِهِ، أَوْ حَدِيثُ صَاحِبِهِ، أَوْ يُلْهِيَهُ الضُّلَّالُ، أَلَا إِنِّي مَسْئُولٌ، هَلْ بَلَّغْتُ، أَلَا اسْمَعُوا تَعِيشُوا، أَلَا اجْلِسُوا، أَلَا اجْلِسُوا ". قَالَ: فَجَلَسَ النَّاسُ، وَقُمْتُ أَنَا وَصَاحِبِي حَتَّى إِذَا فَرَغَ لَنَا فُؤَادُهُ وَبَصَرُهُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِنْدَكَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ؟ فَضَحِكَ، لَعَمْرُ اللَّهِ وَهَزَّ رَأْسَهُ، وَعَلِمَ أَنِّي أَبْتَغِي لِسَقْطِهِ، فَقَالَ: " ضَنَّ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ بِمَفَاتِيحِ خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ ". وَأَشَارَ بِيَدِهِ قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: " عِلْمُ الْمَنِيَّةِ، قَدْ عَلِمَ مَتَى مَنِيَّةُ أَحَدِكُمْ وَلَا تَعْلَمُونَهُ، وَعِلْمُ الْمَنِيِّ حِينَ يَكُونُ فِي الرَّحِمِ، قَدْ عَلِمَهُ وَلَا تَعْلَمُونَ، وَعِلْمُ مَا فِي غَدٍ، وَمَا أَنْتَ طَاعِمٌ غَدًا وَلَا تَعْلَمُهُ، وَعِلْمُ يَوْمِ الْغَيْثِ يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ آزِلِينَ مُسْنِتِينِ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ، قَدْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَكُمْ إِلَى قَرِيبٍ ". قَالَ لَقِيطٌ: قُلْتُ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا.
" وَعِلْمُ يَوْمِ السَّاعَةِ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنَا مِمَّا تُعَلِّمُ النَّاسَ، وَمَا تَعْلَمُ، فَأَنَا مِنْ قَبِيلٍ
لَا يُصَدِّقُونَ تَصْدِيقَنَا أَحَدٌ مِنْ مَذْحِجٍ الَّتِي تَرْبُوا عَلَيْنَا، وَخَثْعَمٍ الَّتِي تَوَالِينَا، وَعَشِيرَتِنَا الَّتِي نَحْنُ مِنْهَا.
قَالَ: " تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ ثُمَّ يُتَوَفَّى نَبِيُّكُمْ، ثُمَّ تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ ثُمَّ تُبْعَثُ الصَّائِحَةُ، لَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا مَاتَ، وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ مَعَ رَبِّكَ، عَزَّ وَجَلَّ، فَأَصْبَحَ رَبُّكَ، عَزَّ وَجَلَّ، يَطُوفُ فِي الْأَرْضِ وَقَدْ خَلَتْ عَلَيْهِ الْبِلَادُ، فَأَرْسَلَ رَبُّكُ السَّمَاءَ تَهْضِبُ مِنْ عِنْدِ الْعَرْشِ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ مَصْرَعِ قَتِيلٍ وَلَا مَدْفَنِ مَيِّتٍ إِلَّا شَقَّتِ الْقَبْرَ عَنْهُ حَتَّى تُخْلِفَهُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ فَيَسْتَوِي جَالِسًا، فَيَقُولُ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ مَهْيَمْ؟ - لِمَا كَانَ فِيهِ - فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَمْسِ الْيَوْمَ.
فَلِعَهْدِهِ بِالْحَيَاةِ يَحْسَبُهُ حَدِيثًا بِأَهْلِهِ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَجْمَعُنَا بَعْدَمَا تُمَزِّقُنَا الرِّيَاحُ وَالْبِلَى وَالسِّبَاعُ؟ فَقَالَ: " أُنْبِئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللَّهِ، الْأَرْضُ أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ مَدَرَةٌ بَالِيَةٌ فَقُلْتَ: لَا تَحْيَا أَبَدًا.
ثُمَّ أَرْسَلَ رَبُّكَ عَلَيْهَا السَّمَاءَ،
فَلَمْ تَلْبَثْ عَلَيْكَ إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ شَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَكُمْ مِنَ الْمَاءِ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتَ الْأَرْضِ، فَتُخْرَجُونَ مِنَ الْأَصْوَاءِ وَمِنْ مَصَارِعِكُمْ، فَتَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ وَنَحْنُ مَلْءُ الْأَرْضِ وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ شَخْصٌ وَاحِدٌ، يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَنَنْظُرُ إِلَيْهِ؟! فَقَالَ: " أُنْبِئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللَّهِ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَةٌ مِنْهُ صَغِيرَةٌ تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا، وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَرَاكُمْ وَتَرَوْنَهُ مِنْ أَنْ تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا يَفْعَلُ بِنَا رَبُّنَا إِذَا لَقِينَاهُ؟ قَالَ: " تُعْرَضُونَ عَلَيْهِ بَادِيَةً لَهُ
صَفَحَاتُكُمْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، فَيَأْخُذُ رَبُّكَ، عَزَّ وَجَلَّ، بِيَدِهِ غُرْفَةً مِنَ الْمَاءِ فَيَنْضَحُ قَبِيلَكُمْ بِهَا، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تُخْطِئُ وَجْهَ أَحَدِكُمْ مِنْهَا قَطْرَةٌ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَتَدَعُ وَجْهَهُ مِثْلَ الرَّيْطَةِ الْبَيْضَاءِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَخْطِمُهُ بِمِثْلِ الْحُمَمِ الْأَسْوَدِ، أَلَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ نَبِيُّكُمْ، وَيَنْصَرِفُ عَلَى أَثَرِهِ الصَّالِحُونَ، فَتَسْلُكُونَ جِسْرًا مِنَ النَّارِ فَيَطَأُ أَحَدُكُمُ الْجَمْرَ فَيَقُولُ: حَسِّ.
فَيَقُولُ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ: أَوْ أَنَّهُ، فَتَطْلُعُونَ عَلَى حَوْضِ الرَّسُولِ عَلَى أَظْمَأِ وَاللَّهِ نَاهِلَةٍ عَلَيْهَا، مَا رَأَيْتُهَا، قَطُّ فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَا يَبْسُطُ وَاحِدٌ مِنْكُمْ يَدَهُ إِلَّا وَقَعَ عَلَيْهَا قَدَحٌ يُطَهِّرُهُ مِنَ الطَّوْفِ وَالْبَوْلِ وَالْأَذَى، وَتُحْبَسُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فَلَا تَرَوْنَ مِنْهُمَا وَاحِدًا ".
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبِمَ نُبْصِرُ؟ قَالَ: " بِمِثْلِ بَصَرِكَ سَاعَتَكَ هَذِهِ، وَذَلِكَ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي يَوْمٍ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ وَوَاجَهَتْهُ الْجِبَالُ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبِمَ نُجْزَى مِنْ سَيِّئَاتِنَا وَحَسَنَاتِنَا؟ قَالَ: " الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِمَّا الْجَنَّةُ وَإِمَّا النَّارُ؟ قَالَ: " لَعَمْرُ إِلَهِكَ، إِنَّ لِلنَّارِ لَسَبْعَةَ أَبْوَابٍ، مَا مِنْهُنَّ بَابَانِ إِلَّا يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا، وَإِنَّ لِلْجَنَّةِ لَثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مَا مِنْهَا بَابَانِ إِلَّا يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلَامَ نَطَّلِعُ مِنَ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: " عَلَى أَنْهَارٍ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى، وَأَنْهَارٍ مِنْ كَأْسٍ مَا بِهَا مِنْ صُدَاعٍ وَلَا نَدَامَةٍ، وَأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَمَاءٌ غَيْرُ آسِنٍ، وَفَاكِهَةٍ، لَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَعْلَمُونَ، وَخَيْرٍ مِنْ مِثْلِهِ مَعَهُ، وَأَزْوَاجٍ مُطَهَّرَةٍ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَنَا فِيهَا أَزْوَاجٌ؟ أَوَ مِنْهُنَّ مُصْلِحَاتٌ؟ قَالَ: " الصَّالِحَاتُ لِلصَّالِحِينَ، تَلَذُّونَ بِهِنَّ مِثْلَ لَذَّاتِكُمْ فِي الدُّنْيَا وَيَلْذَذْنَ بِكُمْ، غَيْرَ أَنْ لَا تَوَالُدَ ". قَالَ لَقِيطٌ: فَقُلْتُ: أَقْصَى مَا نَحْنُ بَالِغُونَ وَمُنْتَهُونَ إِلَيْهِ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَامَ أُبَايِعُكَ؟ قَالَ: فَبَسَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ، وَقَالَ: " عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَزِيَالِ الْمُشْرِكِ، وَأَنْ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ ". قَالَ: قُلْتُ: وَإِنَّ لَنَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ؟ فَقَبَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ وَظَنَّ أَنِّي مُشْتَرِطٌ شَيْئًا لَا يُعْطِينِيهِ.
قَالَ: قُلْتُ: نَحِلُّ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا وَلَا يَجْنِي امْرُؤٌ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ.
فَبَسَطَ يَدَهُ وَقَالَ: " ذَلِكَ لَكَ، تَحِلُّ حَيْثُ شِئْتَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْكَ إِلَّا نَفْسُكَ ". قَالَ: فَانْصَرَفْنَا عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ هَذَيْنِ مِنْ أَتْقَى النَّاسِ - لَعَمْرُ إِلَهِكَ - فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ". فَقَالَ لَهُ كَعْبُ بْنُ الْخُدَارِيَّةِ أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَنُو الْمُنْتَفِقِ أَهْلُ ذَلِكَ.
قَالَ: فَانْصَرَفْنَا وَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى خَيْرٌ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ؟ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ قُرَيْشٍ: وَاللَّهِ إِنَّ أَبَاكَ الْمُنْتَفِقَ لَفِي النَّارِ.
قَالَ: فَلَكَأَنَّهُ وَقَعَ حَرٌّ بَيْنَ جِلْدِي وَوَجْهِي وَلَحْمِي ; مِمَّا قَالَ لِأَبِي عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ: وَأَبُوكَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ ثُمَّ إِذَا الْأُخْرَى أَجْمَلُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَأَهْلُكُ؟ قَالَ: " وَأَهْلِي لَعَمْرُ اللَّهِ، مَا أَتَيْتَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْرِ عَامِرِيٍّ أَوْ قُرَشِيٍّ مِنْ مُشْرِكٍ، فَقُلْ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ فَأُبَشِّرُكَ بِمَا يَسُوءُكَ ; تُجَرُّ عَلَى وَجْهِكَ وَبَطْنِكَ فِي النَّارِ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ وَقَدْ كَانُوا عَلَى عَمَلٍ لَا يُحْسِنُونَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَقَدْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُصْلِحُونَ؟ قَالَ: " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِي آخِرِ كُلِّ سَبْعِ أُمَمٍ - يَعْنِي نَبِيًّا - فَمَنْ عَصَى نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَمَنْ أَطَاعَ نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ".» هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا وَأَلْفَاظُهُ فِي بَعْضِهَا نَكَارَةٌ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ " الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ "، وَعَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ فِي " الْعَاقِبَةِ "، وَالْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِ " التَّذْكِرَةِ فِي أَحْوَالِ الْآخِرَةِ " وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ " الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[وِفَادَةُ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْأَسَدَابَاذِيُّ بِهَا أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ
أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ بِشْرُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيُّ سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ يُحَدِّثُ قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَدْ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى قَوْمِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ارْدُدِ الْجَيْشَ، وَأَنَا لَكَ بِإِسْلَامِ قَوْمِي وَطَاعَتِهِمْ.
فَقَالَ لِيَ: " اذْهَبْ فَرُدَّهُمْ ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ رَاحِلَتِي قَدْ كَلَّتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَرَدَّهُمْ.
قَالَ الصُّدَائِيُّ: وَكَتَبْتُ إِلَيْهِمْ كِتَابًا، فَقَدِمَ وَفْدُهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا أَخَا صُدَاءٍ إِنَّكَ لَمُطَاعٌ فِي قَوْمِكَ ". فَقُلْتُ: بَلِ اللَّهُ هَدَاهُمْ لِلْإِسْلَامِ.
فَقَالَ: " أَفَلَا أُؤَمِّرُكَ عَلَيْهِمْ؟ " قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: فَكَتَبَ لِي كِتَابًا أَمَّرَنِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْ لِي بِشَيْءٍ مِنْ صَدَقَاتِهِمْ.
قَالَ: " نَعَمْ ". فَكَتَبَ لِي كِتَابًا آخَرَ.
قَالَ الصُّدَائِيُّ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِلًا، فَأَتَاهُ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ يَشْكُونَ عَامِلَهُمْ، وَيَقُولُونَ: أَخَذَنَا بِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَوَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ.
فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَنَا فِيهِمْ، فَقَالَ: " لَا خَيْرَ فِي الْإِمَارَةِ لِرَجُلٍ مُؤْمِنٍ ". قَالَ الصُّدَائِيُّ: فَدَخَلَ قَوْلُهُ فِي نَفْسِي، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ سَأَلَ النَّاسَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، فَصُدَاعٌ فِي الرَّأْسِ وَدَاءٌ فِي الْبَطْنِ ". فَقَالَ السَّائِلُ: فَأَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ
لَمْ يَرْضَ فِي الصَّدَقَاتِ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ، حَتَّى حَكَمَ هُوَ فِيهَا فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ ". قَالَ الصُّدَائِيُّ: فَدَخَلَ ذَلِكَ فِي نَفْسِي أَنِّي غَنِيٌّ وَأَنِّي سَأَلْتُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَشَى مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَلَزِمْتُهُ وَكُنْتُ قَرِيبًا، فَكَانَ أَصْحَابُهُ يَنْقَطِعُونَ عَنْهُ وَيَسْتَأْخِرُونَ مِنْهُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ أَحَدٌ غَيْرِي، فَلَمَّا كَانَ أَوَانُ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَمَرَنِي فَأَذَّنْتُ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أُقِيمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَجَعَلَ يَنْظُرُ نَاحِيَةَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْفَجْرِ وَيَقُولُ: " لَا ". حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَزَلَ فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيَّ وَهُوَ مُتَلَاحِقٌ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: " هَلْ مِنْ مَاءٍ يَا أَخَا صُدَاءٍ؟ " قُلْتُ لَا، إِلَّا شَيْءٌ قَلِيلٌ لَا يَكْفِيكَ.
فَقَالَ: " اجْعَلْهُ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ ائْتِنِي بِهِ ". فَفَعَلْتُ فَوَضَعَ كَفَّهُ فِي الْمَاءِ قَالَ: فَرَأَيْتُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ عَيْنًا تَفُورُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْلَا أَنِّي أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، لَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا، نَادِ فِي أَصْحَابِي: مَنْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الْمَاءِ؟ " فَنَادَيْتُ فِيهِمْ فَأَخَذَ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ ". قَالَ الصُّدَائِيُّ: فَأَقَمْتُ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ أَتَيْتُهُ بِالْكِتَابَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْفِنِي مِنْ هَذَيْنِ.
فَقَالَ: " مَا بَدَا لَكَ؟ " فَقُلْتُ: سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقُولُ: " لَا خَيْرَ فِي الْإِمَارَةِ لِرَجُلٍ مُؤْمِنٍ ". وَأَنَا أُومِنُ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَسَمِعْتُكَ تَقُولُ لِلسَّائِلِ: " مَنْ سَأَلَ النَّاسَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَهُوَ صُدَاعٌ، فِي الرَّأْسِ، وَدَاءٌ فِي الْبَطْنِ ". وَسَأَلْتُكَ وَأَنَا غَنِيٌّ.
فَقَالَ:
" هُوَ ذَاكَ فَإِنْ شِئْتَ فَاقْبَلْ وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ ". فَقُلْتُ: أَدَعُ.
فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَدُلَّنِي عَلَى رَجُلٍ أُؤَمِّرُهُ عَلَيْكُمْ ". فَدَلَلْتُهُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ، فَأَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَنَا بِئْرًا إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ وَسِعَنَا مَاؤُهَا وَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ قَلَّ مَاؤُهَا فَتَفَرَّقْنَا عَلَى مِيَاهٍ حَوْلَنَا، وَقَدْ أَسْلَمْنَا، وَكُلُّ مَنْ حَوْلَنَا عَدُوٌّ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فِي بِئْرِنَا، فَيَسَعَنَا مَاؤُهَا فَنَجْتَمِعَ عَلَيْهِ وَلَا نَتَفَرَّقَ.
فَدَعَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَعَرَكَهُنَّ بِيَدِهِ وَدَعَا فِيهِنَّ، ثُمَّ قَالَ: " اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْحَصَيَاتِ، فَإِذَا أَتَيْتُمُ الْبِئْرَ فَأَلْقُوا وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَاذْكُرُوا اللَّهَ ". قَالَ الصُّدَائِيُّ: فَفَعَلْنَا مَا قَالَ لَنَا، فَمَا اسْتَطَعْنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى قَعْرِهَا.
يَعْنِي الْبِئْرَ.» وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَوَاهِدُ فِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَعَثَ بَعْدَ عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فِي أَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى بِلَادِ صُدَاءٍ فَيُوَطِّئُهَا، فَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ فَقَالَ: جِئْتُكَ لِتَرُدَّ عَنْ قَوْمِي الْجَيْشَ، وَأَنَا لَكَ بِهِمْ ثُمَّ قَدِمَ وَفْدُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثُمَّ رَأَى مِنْهُمْ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مِائَةَ رَجُلٍ.
ثُمَّ رَوَى الْوَاقِدِيُّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قِصَّتَهُ فِي الْأَذَانِ.
3 -
[وِفَادَةُ الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانٍ الْبَكْرِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي أَبُو الْمُنْذِرِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ الْحَارِثِ الْبَكْرِيِّ قَالَ: «خَرَجْتُ أَشْكُو الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ، فَإِذَا عَجُوزٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مُنْقَطِعٌ بِهَا، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَةً، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغِي إِلَيْهِ؟ قَالَ: فَحَمَلْتُهَا، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا الْمَسْجِدُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، وَإِذَا رَايَةٌ سَوْدَاءُ تَخْفِقُ وَبِلَالٌ مُتَقَلِّدٌ السَّيْفَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ قَالُوا: يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَجْهًا.
قَالَ: فَجَلَسْتُ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ - أَوْ قَالَ: رَحْلَهُ - فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ: " هَلْ كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ تَمِيمٍ شَيْءٌ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، وَكَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، وَمَرَرْتُ بِعَجُوزٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مُنْقَطِعٌ بِهَا، فَسَأَلَتْنِي أَنْ أَحْمِلَهَا إِلَيْكَ، وَهَاهِيَ بِالْبَابِ.
فَأَذِنَ لَهَا فَدَخَلَتْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ تَمِيمٍ حَاجِزًا فَاجْعَلِ الدَّهْنَاءَ.
فَحَمِيَتِ الْعَجُوزُ وَاسْتَوْفَزَتْ، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ يُضْطَرُّ مُضَرُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: إِنَّمَا مَثَلِي مَا قَالَ الْأَوَّلُ: مِعْزًى حَمَلَتْ حَتْفَهَا.
حَمَلْتُ هَذِهِ وَلَا أَشْعُرُ أَنَّهَا كَانَتْ لِي خَصْمًا، أَعُوذُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ أَكُونَ كَوَافِدِ عَادٍ.
قَالَ: " هِيهِ، وَمَا وَافِدُ عَادٍ؟ " وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ، وَلَكِنْ يَسْتَطْعِمُهُ.
قُلْتُ: إِنَّ عَادًا قُحِطُوا فَبَعَثُوا وَافِدًا لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: قَيْلٌ.
فَمَرَّ بِمُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ شَهْرًا يَسْقِيهِ الْخَمْرَ، وَتُغَنِّيهِ جَارِيَتَانِ يُقَالُ لَهُمَا: الْجَرَادَتَانِ.
فَلَمَّا مَضَى الشَّهْرُ خَرَجَ إِلَى جِبَالِ مَهَرَةَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَجِئْ إِلَى مَرِيضٍ فَأُدَاوِيهْ، وَلَا إِلَى أَسِيرٍ فَأُفَادِيهْ، اللَّهُمَّ اسْقِ عَادًا مَا كُنْتَ تَسْقِيهْ.
فَمَرَّتْ بِهِ سَحَابَاتٌ سُودٌ فَنُودِيَ مِنْهَا: اخْتَرْ.
فَأَوْمَأَ إِلَى سَحَابَةٍ مِنْهَا سَوْدَاءَ فَنُودِيَ مِنْهَا: خُذْهَا رَمَادًا رَمْدَدًا، لَا تُبْقِي مِنْ عَادٍ أَحَدًا.
قَالَ: فَمَا بَلَغَنِي أَنَّهُ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ، إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَجْرِي فِي خَاتَمِي هَذَا، حَتَّى هَلَكُوا.
قَالَ أَبُو وَائِلٍ
وَصَدَقَ.
قَالَ: وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ أَوِ الرَّجُلُ إِذَا بَعَثُوا وَافِدًا لَهُمْ قَالُوا: لَا تَكُنْ كَوَافِدِ عَادٍ.» وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُنْذِرِ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِهِ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنِ الْحَارِثِ الْبَكْرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا وَائِلٍ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الْحَارِثِ، وَالصَّوَابُ: عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ الْحَارِثِ كَمَا تَقَدَّمَ.
[وِفَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ مَعَ قَوْمِهِ]
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ السُّوسِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، ثَنَا أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ الْأَسَدِيُّ، ثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ قَالَ: «انْطَلَقْتُ فِي وَفْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْنَاهُ فَأَنَخْنَا بِالْبَابِ، وَمَا فِي النَّاسِ أَبْغَضُ إِلَيْنَا مِنْ رَجُلٍ نَلِجُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا وَخَرَجْنَا، فَمَا فِي النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَجُلٍ دَخَلْنَا عَلَيْهِ.
قَالَ: فَقَالَ قَائِلٌ مِنَّا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا سَأَلْتَ رَبَّكَ مُلْكًا كَمُلْكِ سُلَيْمَانَ؟ قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: فَلَعَلَّ لِصَاحِبِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلَ مِنْ مُلْكِ سُلَيْمَانَ، إِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا أَعْطَاهُ دَعْوَةً، فَمِنْهُمْ مَنِ اتَّخَذَهَا دُنْيَا فَأُعْطِيَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ دَعَا بِهَا عَلَى قَوْمِهِ إِذْ عَصَوْهُ فَأُهْلِكُوا بِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي دَعْوَةً فَاخْتَبَأْتُهَا عِنْدَ رَبِّي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
[قُدُومُ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ]
رَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَبَّابٍ الْكَلْبِيِّ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ الْمُحَارِبِيِّ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي يُقَالُ لَهُ: طَارِقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ: «إِنِّي لَقَائِمٌ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَهُوَ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا ". وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ، يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ كَذَّابٌ فَلَا تُصَدِّقُوهُ.
فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا غُلَامٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي يَفْعَلُ بِهِ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا عَمُّهُ عَبْدُ الْعُزَّى.
قَالَ فَلَمَّا أَسْلَمَ النَّاسُ وَهَاجَرُوا خَرَجْنَا مِنَ الرَّبَذَةِ نُرِيدُ الْمَدِينَةَ نَمْتَارُ مِنْ تَمْرِهَا، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ حِيطَانِهَا وَنَخْلِهَا قَلْتُ: لَوْ نَزَلْنَا فَلَبِسْنَا ثِيَابًا غَيْرَ هَذِهِ، إِذَا رَجُلٌ فِي طِمْرَيْنِ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَقَالَ: " مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ الْقَوْمُ؟ " قُلْنَا: مِنَ الرَّبَذَةِ.
قَالَ: " وَأَيْنَ تُرِيدُونَ؟ " قُلْنَا: نُرِيدُ هَذِهِ الْمَدِينَةَ.
قَالَ: " مَا حَاجَتُكُمْ مِنْهَا؟ " قُلْنَا: نَمْتَارُ مِنْ تَمْرِهَا.
قَالَ: وَمَعَنَا ظَعِينَةٌ لَنَا وَمَعَهَا جَمَلٌ أَحْمَرُ مَخْطُومٌ فَقَالَ: " أَتَبِيعُونَ جَمَلَكُمْ هَذَا؟ " قُلْنَا: نَعَمْ، بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
قَالَ: فَمَا اسْتَوْضَعَنَا مِمَّا قُلْنَا شَيْئًا، وَأَخَذَ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَانْطَلَقَ، فَلَمَّا تَوَارَى عَنَّا بِحِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَنَخْلِهَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟! وَاللَّهِ مَا بِعْنَا جَمَلَنَا مِمَّنْ نَعْرِفُ، وَلَا أَخَذْنَا لَهُ ثَمَنًا.
قَالَ: تَقُولُ الْمَرْأَةُ الَّتِي مَعَنَا: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّ وَجْهَهُ شُقَّةُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَنَا ضَامِنَةٌ لِثَمَنِ جَمَلِكُمْ.
إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْكُمْ، هَذَا تَمْرُكُمْ، فَكُلُوا وَاشْبَعُوا وَاكْتَالُوا وَاسْتَوْفُوا.
فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا، وَاكْتَلْنَا وَاسْتَوْفَيْنَا، ثُمَّ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْنَا مِنْ خُطْبَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: " تَصَدَّقُوا فَإِنَّ الصَّدَقَةَ خَيْرٌ لَكُمْ، الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، وَأَدْنَاكَ أَدْنَاكَ ". إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ - أَوْ قَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَنَا فِي هَؤُلَاءِ دِمَاءٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَقَالَ: " إِنَّ أَبًا لَا يَجْنِي عَلَى وَلَدٍ ". ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.» وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ فَضْلَ الصَّدَقَةِ مِنْهُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ