شرح مشكل الوسيطصفحات 177-216
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام

صفحات 177-216
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الصلاح
الكتاب
شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
المؤلف
عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
المحقق
د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
الناشر
دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1432 هـ - 2011 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما) حديث متفق على صحته 2، وفي رواية للبخاري (فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين).
قول صاحب الكتاب 3: "فرؤية الهلال سبب للوجوب" 4، ينبغي أن يقول: رؤية الهلال أو استكمال عدّة شعبان سبب الوجوب 5 (كما نوعه في الحديث) 6، والله أعلم.
قوله: "في طريق معرفته، وأقصاه بعد العيان شهادة عدلين، سواء كانت السماء مُصْحِيَة، أو لم تكن" 7.1

ينبغي أن يقول: وأقصاه بعد العيان والتواتر 1، (وعند أبي حنيفة: إذا كانت السماء مُصْحِيَة، فلا بد من التواتر) 2 أو الاستفاضة 3، والله أعلم.
قوله في 4 هلال شهر رمضان: "هل يقبل فيه قول واحد؟ فيه ثلاثة أقوال" 5، المعروف (والمذكور في "النهاية" 6، و"البسيط" 7) 8 أن فيه قولين 9: أحدهما: لا يقبل.
والثاني: يقبل.
فإذا قلنا: يقبل، فهل حكمه حكم الشهادة، أو الخبر؟ فيه وجهان 10.

ومنهم من قطع باشتراط لفظ الشهادة 1، فجعله 2 إذاً 3 الوجه المقول (فيه أنه) 4 خبر 5 قولاً ثالثاً 6 بعيدٌ في النقل، ثم وكأنه من تصرفه، ثم إن 7 الأصح أنه يقبل قول الواحد، وأنه 8 شهادة، وهو المنصوص جديدا وقديما 9، ودليله ما 10 رواه ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته فصام، وأمر الناس بصيامه) أخرجه 11 أبو داود 12 هكذا، وهو ثابت في درجة الحسن، والله أعلم.

ثم (إن الأظهر) 1 أن الأصح من الوجهين اللذين ذكرهما 2 فيما إذا صمنا بقول واحد، وانقضت ثلاثون يوما، ولم نر هلال شوال أنه يجوز الإفطار، وقد نص الشافعي عليه 3. وإيراده 4 ذلك عقيب القول الثاني يوهم اختصاصه به دون الثالث 5، وليس مختصاً به، بل هو في غير هذا الكتاب مطلق مفرّع على قبول قول الواحد من غير فرق بين 6 أن يكون من قبيل الشهادة، أو قبيل الخبر 7، والله أعلم.
و 8 أما إذا صمنا بشهادة عدلين، والسماء مصحية، ولم نر هلال شوال، الأصح أنه يجوز الإفطار 9. قوله في توجيه المنع: "قول العدلين اجتهاد، وهذا يقين" 10 قد كنت وجهته بأن الرؤية في أول رمضان بقول العدلين مظنونة، وعدم رؤيتنا لهلال شوال

يقين، وإن لم يكن عدم الهلال في نفسه يقيناً، فالمقابلة بين اليقين والظن وقعت في الرؤية، لا في 1 نفس الهلال.
ثم وجدت كلامه، وفيما علق عنه في الدرس، كلام من يدّعي اليقين في عدم 2 الهلال نفسه قائلا: "إن النفوس متشوقة إلى طلب الهلال، والأعين حادة إلى طلب الهلال، فلو كان مرئيا في نفسه لرؤي"، وهذا (ليس بشيء) 3، والله أعلم.
ومن المهم معرفة أنه إذا أخبر من يوثق بقوله برؤية الهلال فصدقه لزمه 4 الصوم، وإن لم يذكر بين 5 يدي قاضٍ أصلاً 6. ذكر ذلك طائفة من العراقيين والخراسانيين إلا أن منهم من فرعه على القول بأنه يسلك به مسلك الخبر، وأما على القول الآخر فإنه لا يصوم 7. والله أعلم.
إذا رؤي الهلال في بلد 8 فهل يعمّ حكمه سائر البلاد وجهان؟ 9، وشرح ما ذكره 10 في الوجه الثاني أن مناط التعبد بالصوم أن يكون الهلال مرئياً

(بالنسبة إلى نظر) 1 المكلفين به، وذلك يختلف باختلاف البقاع المتباعدة، واختلافها في المناظر والمطالع.
قال الإِمام أبو المعالي 2: قد يبدوا الهلال في ناحية، ولا يتصور أن يرى في ناحية أخرى، ولا خلاف في اختلاف البقاع في طلوع الصبح وعزوب الشمس، وطول الليل وقصره، فقد تطلع الشمس 3 في إقليم، ونحن في ذلك الوقت في بقية صالحة من الليل، وعلى هذا فلا ضابط للبعد إلا مسافة القصر التي هي ضابط البعد في أحكام كثيرة، فإنا لا نجد ضابطا آخر وراءها؛ إذ الضبط باختلاف المطالع يحوج إلى تحكيم المنجمين في ذلك، وهو غير سائغ شرعاً.
ثم إن الإِمام أبا المعالي حكى ضبط ذلك بمسافة القصر عن الأصحاب، وذكر أنه لو ضبط بتفاوت المناظر والمطالع لكان متجها في المعنى، ولكن لا قائل به، واتبعه هو في "البسيط" 4 فادّعى اتفاق الأصحاب على مسافة القصر 5، وذلك منهما كالعجب، فإن العراقيين وأبا بكر الصيدلاني من الخراسانيين وغيرهم ضبطوا ذلك باختلاف المطالع 6.

ومنهم من قال: تعتبر 1 باختلاف الأقاليم 2، ثم إن الأصح أن الأصح 3 من الوجهين أنه لا يعمّ الحكم مع التباعد 4 لما ذكرناه 5. ولأن ابن عباس رضي الله عنهما 6 لم يعتبر رؤية أهل الشام وهو بالمدينة، وقال: هكذا أمرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم -، (رواه مسلم) 7 في صحيحه 8، ثم إن 9 الأصح اعتبار التباعد 10 باختلاف المطالع.

قلت: فإن علم ذلك كما في إقليمين متباعدين فلا إشكال، وإن كان التباعد بحيث يشك في تأثيره في اختلاف المطالع، فليلتحق بما إذا شك في رؤية الهلال من أصله وحكمه أنه لا يجب الصوم عملاً بالأصل 1، وهذا متجه 2 قويم، والله أعلم.
ما ذكره فيما إذا أصبح معيّدا مفطرا في بلدة الرؤية 3، ثم سارت به السفينة إلى بلد لم ير فيه، وقلنا: لا يعم حكم الرؤية، من 4 إيجاب إمساك بقية النهار عليه بعيد لما فيه من تبعيض اليوم الواحد 5. تمامه أن يقال: مع تبعيض السبب ليكون فيه احتراز عن يوم الشك إذا بان فيه كونه من شهر رمضان 6، والله أعلم.
و 7 الفرق في رؤية الهلال نهارا بين ما قبل الزوال وبين 8 ما بعده 9 حكاه هو وشيخه 10 عن أبي حنيفة، وهو غير ثابت عنه، ونقل عنه مثل مذهبنا 11، وإنما

هو 1 عن أبي يوسف صاحبه، هذا هو المعروف 2، والله أعلم.
اختار ههنا أن النية ركن 3، واختار في الصلاة 4 أنها شرط 5، وهذا كالرجوع عن ذلك؛ إذ لا فرق، وهو أحد الوجهين 6. قوله: "نية 7 معيِّنة مبيِّتة" 8. يجوز 9 في قوله "معينة" فتح الياء وكسرها؛ لأن التعيين والإطلاق يتطرقان إلى النية والمنوي معا، وفي تعيين المنوي تعيين للنية 10، وفي إطلاقه إطلاقها، والله أعلم.
قوله: "عندنا يلزمه أن يقول بقلبه أؤدي غداً فرض صوم رمضان" 11، هذا غير مرضي، فإن القول بالقلب، والقراءة 12 بالقلب كالقول باللسان في أنهما غير النية، وأنهما غير لازمين، فإن النية عبارة عن القصد، وليس في

القصد حروف منظومة 1، وقد توجد ممن هو ذاهل عن القصد، وقد سبق تحقيق هذا في نية الصلاة 2، ولعله - رحمه الله وإيانا - قال ذلك، لأن الغالب أنه إذا قال ذلك بقلبه حضرته 3 فيه 4 النية، والله أعلم.
وإنما نبهنا على هذا 5، ولم نكتف بقوله بعد هذا.
"والمراد من النية قصد القلب" 6؛ لأنه قد يتوهم من سياقة كلامه إيجاب 7 القول بالقلب 8 مع القصد به، والله أعلم.
قوله: "وفي الفرضية خلاف" 9، ولم يتعرض للإضافة 10 إلى الله تعالى، وفيها خلاف أيضاً 11، والأصح أن الأصح إيجابهما لفرض 12 التقرب،

والإخلاص لا لفرض 1 التمييز 2، فإن 3 التقرب (بالفرض) 4 فوق التقرب بمطلق العبادة على ما عرف من نص الحديث 5. وذكر صاحب الكتاب في كتاب الصلاة في الدرس أن الأليق بقاعدة الشافعي - رحمه الله - إيجاب الأمرين، فإنه أوجب في نية الصوم تعيين رمضان مع تعيين الوقت لذلك 6 و 7 نظراً 8 إلى كون ذلك 9 صفة مقصودة، والله أعلم.

قوله: "وأما اللفظ فلا أثر له" 1 أي في أنه تصح النية بمجرده، وإلا فله أثر من حيث إنه مستحب لإعانته على تحقيق النية، والله أعلم.
قوله: "ولو تصورت القدرة على أن تقترن النية بأول جزء من اليوم ففي صحته وجهان؛ لورود (لفظ 2 التبييت" 3 لو قال: ولو اقترنت النية بأول جزء لكان أولى، فإن الخلاف جارٍ سواء قصد ذلك) 4 على تقدير قدرته، أو وقع ذلك اتفاقا من غير قصد منه لذلك، (واطلع على ذلك بخبر نبينا أولا، أو عيسى بن مريم آخرا صلى الله عليهما 5 وعلى النبيين وسلم) 6. وأما لفظ 7 التبييت (من غير نية) 8 ففي حديث حفصة 9 - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له)،

أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم 1. وهذا لفظه عند النسائي في رواية, وعند الأكثر (من لم يجمع الصيام 2 ...) أي لم يعزم عليه 3، وهو حديث حسن حجة، وإن وقفه جماعة من رواته على حفصة، فقد رفعه آخرون، وممن رفعه من الثقات، عبد الله بن أبي بكر ابن محمَّد بن عمرو بن حزم 4، والزيادة من الثقة مقبولة.

وقد روى من حديث عائشة مرفوعاً 1 بإسناد رواته ثقات، والله أعلم.
ثم إن المصير إلى أنه لا يصح بنية مقترنة هو الأصح، وإليه ذهب أكثر أصحابنا 2، ويكون كأن الشارع أوجب إمساك جزء من آخر الليل مقرونا بالنية، وذلك غير ممتنع، والله أعلم.
قوله: "وأما التطوع فيصح بنية قبل الزوال؛ للخبر" 3. و 4 هو حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل عليّ 5 النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، فقال: (هل عندكم شيء؟) فقلنا: لا، قال: (فإنى إذاً صائم) أخرجه

مسلم 1 بهذا اللفظ في روايته، وفي السنن الكبير 2 في رواية إسنادها صحيح، قال: "إذاً أصوم".
قوله: "ولا مرد للتنصيف إلا بعد الزوال" 3، يعني إذا اعتبرنا بقاء المعظم، فذلك بإيقاع النية قبل النصف، ولا مردّ للنصف إلا الزوال لما ذكره، والله أعلم.
(ثم إن) 4 الأصح نفي الصحة بالنية بعد الزوال، وعليه نص في معظم كتبه 5، والله أعلم.
ثم متى يكون صائما، فيه وجهان قويان 6: أحدهما: - وهو قول الأكثرين - أنه يكون صائما من أول النهار حتى يثاب على صوم جميعه؛ لأن الصوم لا يتجزأ في اليوم الواحد.

والثاني: - ونسب إلى المحققين - أنه من وقت النية 1؛ لأن النية لا تتعلق بما مضى، ولا صوم من غير نية، ونستخير الله تعالى في أن 2 الأصح منهما أيهما؟، وهذا الثاني أظهر، والأول أغوص، وإياه اختار صاحب الكتاب في تدريسه له 3. ثم، وإن جعلناه صائما من وقت النية، فالصحيح أن شرطه خلو ما مضى من نهاره عن الموانع، من الكفر والحيض والجنون وغيرها 4، والله أعلم.
5 الأصح أن الأصح بطلان الصوم بنية الخروج 6 كالصلاة 7؛ إذ يبقى بعضه بغير نية، والنية شرط في جميعه.

ثم إن الأصح من القولين فيما إذا نوى قضاء ثم قلبه بالنية نذرا 1 أن صومه يبطل، ولا ينقلب نفلاً 2، والله أعلم.
قوله في جزم النية: "لو كان له مستند، وهو مع ذلك شاك جاز" 3. هذا لا يلائم 4 حقيقة الشك على ما تحقق في أصول الفقه، فإن الشك التردد بين احتمالين على السواء من غير ترجيح لأحدهما 5، وإذا كان له مستند من المستندات التي ذكرها 6، فقد ترجح أحدهما، لكن هذا تساهل في العبارة، جرى فيه على عرف من يطلق من غير الأصوليين لفظ الشك على الظن 7، إذا كان للاحتمال المرجوح فيه تأثير في القلب، وحرارة 8 في النفس، والله أعلم.
ذكر أن من المستندات المعتمدة في جزم النية، وجواز الصوم بناء عليها أن تكون له معرفة بتسيير 9 الأهلّة.

ثم قال: "إذا كان الغيم مطبقا، واقتضى الحساب الرؤية ففي وجوبه على من عرف الحساب وجهان" 1. أما معرفته بسير الأهلّة فهو معرفته منازل القمر، فإذا نوى الصوم بناء عليها، ثم ثبت الشهر بالشهادة صح صومه 2، وهي غير المعرفة بالحساب على ما أشعر به كلامه في الدرس، فالحساب أمر دقيق يختصّ بمعرفته الآحاد، والمعرفة بالمنازل 3 كالمحسوس يشترك في دركه الجمهور، و 4 ممن يراقب النجوم، فذكر في الأول الجواز، ولم يتعرض للوجوب، وفي الثاني: ذكر الوجوب والخلاف في الجواز، وفي الكل خلاف 5. وقد ذكر الروياني صاحب "البحر" في شرحه "للمختصر" 6 أنه يجوز له الصوم 7 على أحد الوجهين بناء على المعرفة بمنازل القمر عرف ذلك بنفسه أو أخبره ثقة عرف ذلك، ولا يلزمه الصوم بذلك على أصح الوجهين، ويكفي في الجواز ما لا يكفي في الوجوب، فإنه يجوز له الشروع في الصلاة إذا غلب على ظنه دخول وقتها، ولا يجب ذلك.

وذكر أن المعرفة بالنجوم، أي بحسابها، لا يجوز الصوم 1 بناء عليها ههنا قولاً واحداً، وإجماع الأصحاب هذا إنما حكاه صاحب "الشامل" 2 في عدم الوجوب، فتحصل من مجموع النقلين أن القول بالجواز واللزوم خلاف الجمهور، والله أعلم.
المحبوس في مطمورة 3 إذا اجتهد، وصام شهرا ظنه رمضان ووقع ذلك في شوال فالصحيح أنه قضاء 4، والقول بأنه أداء ضعيف، وكذا 5 ما يفرع عليه، والله أعلم.
قوله: "الاستمناء قصدا، والاستقاء قصدا" 6. ذكر القصد 7 فيه من قبيل التوكيد، إذ لفظ الاستمناء والاستقاء مشعر بالقصد يقال: استَقَاءَ استِقَاءً بالمدّ في الفعل، والمصدر، والأصح

أنه مفطر في عينه 1 كالاستمناء، وإن تحفظ 2 فلم يرجع إلى جوفه شيء 3 4 هو ظاهر الخبر، وهو ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من ذرعه القيء، وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض) أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما 5، وإن تفرد به هشام بن

حسان القُرْدُوسِيّ 1 2 فله شاهد 3، وهو ثابت بثبوت النوع المسمى بالحسن.
"وذرعه" بالذال المعجمة، أي سبقه وغلبه 4، والله أعلم.
وقوله "كداخل القحف والخريطة" 5، فالقحف هو 6 العظم الذي 7 فوق الدماغ 8، وتحته خريطة الدماغ، وهي المسماة "أم الدماغ"، وهي جلدة رقيقة محيطة بالدماغ 9، والله أعلم.

قوله: "وما لا يعتاد 1 أكله كالحصاة والبرد" 2. في تمثيله ذلك بالبرد شيء، ولكن كأنه خصه بالذكر من أجل خلاف أبي طلحة الأنصاري 3 الصحابي - رضي الله عنه -، فإنه روى عنه أنه كان يستفّ 4 البرد في الصوم، ويقول: ليس بطعام ولا شراب 5. وروي عن الحسن بن صالح بن حيّ 6 أنه قال: ما ليس بطعام لا يفطر، وقد

انعقد الإجماع بعدهما على خلاف ما قالاه 1، والله أعلم.
قوله: "وفيما يصل إلى الإحليل وجهان، والصحيح أن تقطير 2 الدهن في الأذن لا يفطر" 3. هذا الخلاف ينبني 4 في الصورتين على أن المعتبر في ذلك الوصول إلى جوف، فيه قوة محيلة كما سبق أو إلى ما يقع عليه اسم الجوف 5، وفي ذلك وجهان 6: وهذا الثاني أشبه بكلام الأكثر، ولهذا يفطر بوصول واصل إلى الحلق (مع أنه ليس فيه قوة الإحالة) 7 والأظهر أنه يفطر فيهما 8، والله أعلم.
ذكر أن قوله "في منفذ مفتوح احتراز مما 9 يصل في المسامّ" 10، ثم قال: "إلا أن يكون به جراحة جائفة، فإذا نزل عين الدواء إلى الجوف أفطر" 11.

وجه هذا الاستثناء أن الجراحة، وإن كانت منطبقة لا يشاهد فيها شيء مفتوح، فالواصل منها مفطر 1؛ لأن فيها من حيث الحقيقة منفذا مفتوحا، والله أعلم.
أصح الوجهين 2 في مداواة المغمى عليه بالإيجار 3 أنه لا يفطر 4؛ لأنه بغير اختياره حقيقة، والخلاف مفرع على أن مطلق الإغماء غير مفطر 5، والله أعلم.
إذا جمع ريقه في فيه قصدا وبلعه 6 فالأصح فيما ذكره الروياني 7 وإمام الحرمين 8 9 أنه لا يفطر به 10.

ووجهه أنه وصل إلى جوفه من معدته مع كونه من 1 جنس ما عفي عنه، والله أعلم.
قوله: "والخياط إذا بلّ الخيط ثم ردّه إلى فيه، قال الأصحاب: يفطر" 2. هذا إذا أعاده، وفيه شيء من عين الريق يمكن فصله وبلعه، أما مجرد البلّ 3 فلا بأس به 4، والله أعلم.
ما ذكره في النخامة 5 فيه إيهام 6، وشرحه أنها تنزل من ثقبة نافذة إلى الدماغ في أقصى الفم جارية إلى داخل الحلقوم، فإن جرت كذلك إلى الباطن بغير اختياره لم يفطر 7، وإن ردها عن مجراها، وعن سَنَن الحُلْقُوم 8 إلى الفم،

وبلعها أفطر 1، هذا المراد بقوله "وإن ردّه إلى أقصى الفم"، وإن قدر على قطعها عن 2 مجراها فلم يفعل، وتركها حتى جرت، ففيها وجهان 3 في الأرجح منهما نظر، ولم أجد ذكرا لأصحهما 4، ولعل الأقرب أنه لا يفطر؛ لأنه لم يفعل شيئاً، وإنما ترك الدفع فهو كما إذا وصل الغبار إلى جوفه مع كونه قادرا على دفعه بإطباق فمه فلم يفعل، و 5 في "التهذيب" 6 أنه لو فتح فاه عمدا حتى دخل الغبار جوفه لم يفطر على أصح الوجهين، والله أعلم.
الصحيح في وصول الماء بالمضمضة والاستنشاق أنه لا يفطر عند عدم المبالغة، ويفطر عند المبالغة 7، والله أعلم.
ذكر أنه لا يكره القبلة في الصوم لمن يملك إرْبه، وقد (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبِّل نساءه، وهو صائم) 8، هذا حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبّل وهو صائم، وكان أملككم لإربه)، وهو مروي في

الصحيحين، وغيرهما 1 بألفاظ فيها (يقبل بعض أزواجه)، (يقبّل، يقبّلني) ونحو ذلك، ليس في شيء منها (يقبل نساءه) على العموم كما قاله.
قوله: "لإربه" رواه أكثر الرواة - بكسر الهمزة، وإسكان الراء، ورواه بعضهم بفتح الهمزة وفتح الراء 2 أي لحاجته، والصحيح على رواية الكثير أنه أيضاً الحاجة، وهما لغتان في الحاجة 3. وقيل: معناه لعضوه، فإن الأراب، الأعضاء واحدها إرْب - بالكسر، والمراد أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يملك نفسه عن المواقعة 4، والله أعلم.
الصحيح من الوجهين المذكورين 5 في اقتلاع النخامة من الباطن، ولفظها أنه لا يفطر 6؛ لأن الحاجة إليه تكثر، ولم يذكر كثير من المصنفين غيره، وإلحاقه بالاستقاء مبني على أن الاستقاء مفطر لنفسه لا لرجوع شيء منه.

وضَبْطُه الباطن بمخرج الحاء المهملة، والظاهر بمخرج الخاء المنقوطة 1، لم أجده 2 لغيره، وقد قال: في الدرس: لا تقتلع النخامة إلا من هذين المخرجين، و 3 هذا فيه نظر، فإن الحاء المهملة تخرج مما فوق الباطن 4، والله أعلم.
القولان في إفطار المكره 5، قلّ من تعرّض لبيان الأصح منهما 6، وعند صاحب الكتاب أن الأصح القول بالإفطار 7، والذي يظهر أن القول بعدم الإفطار أقوى وأصح 8، وذلك؛ لأنه بالإكراه سقط حكم اختياره حتى لا يأثم بالأكل، وصار مأمورا بالأكل غير منهي عنه، فهو كالناسي، وبل 9 أولى من حيث إنه مأمور به، والناسي لا يتوجه نحوه أمر، ولا خطاب.

وقولهم في توجيه الآخر أنه أكل لدفع الضرر عنه فأفطر، كما لو أكل لدفع ضرر الجوع والعطش 1. قلت: والفرق بينهما أن الإكراه قادح في اختياره، (والجائع أو العطشان، وإن اضطر فاضطراره غير قادح في اختياره) 2، بل يزيده اختيارا للأكل 3 والشرب، والله أعلم.
قوله في الناسي: "لورود الحديث" 4، هو ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب فليتمّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) أخرجاه في الصحيحين 5 6، والله أعلم.
يجوز للصائم الإفطار عند اليقين 7، بأن يعلم الغروب بالمشاهدة في المواضع المرتفعة، وألحق صاحب الكتاب الاعتقاد القطعي باليقين، والفرق بينهما أن

اليقين يستند إلى دليل قاطع (موجب للعلم 1، والاعتقاد: جزم القلب من غير استناد إلى دليل قاطع) 2 كاعتقاد العامي المقلد في كثير من القواعد الدينية، والصحيح جوازه بالظن المستند إلى اجتهاد وأمارة 3. وخالف الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني 4 في ذلك 5، وفي وقت الصلاة أيضاً؛ لإمكان الاستيقان بالصبر، وذلك خطأ إذ ثبت عن هشام بن عروة 6 عن فاطمة بنت المنذر 7 عن أسماء بنت أبي بكر الصديق 8، قالت: (أفطرنا على عهد رسول

الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم غيم ثم طلعت الشمس، قيل لهشام: فأمروا بالقضاء، فقال: بدّ من قضاء) 1، أخرجه البخاري في صحيحه 2، ومثل هذا معدود من قبيل المرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما قررناه في "معرفة علوم الحديث" 3. وروى الشافعي عن مالك بإسناده 4 أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (أفطر في رمضان في يوم ذي غيم، ورأى أنه قد أمسى، وغابت الشمس، فجاءه رجل فقال: قد طلعت الشمس، فقال عمر 5: الخُطْبُ يسير، وقد اجتهدنا) 6. قال الشافعي ومالك: يعني قضاء يوم مكانه 7، والله أعلم.

ما ذكره من أنه يجوز الأكل في آخر الليل بالظن، ولا يجوز هجوما 1، يستفاد منه أنه لا بدّ من الظن فلا يكفي مجرد 2 الاستصحاب حتى يلحظه مستثيرا للظن منه معتمدا عليه، ومع ذلك فلو هجم دون ذلك فلا قضاء عليه إلا أن يتبين أن الفجر 3 كان طالعا 4. وما ذكره من أنه لا يجوز الهجوم كأنه من تصرفه، ولم أجده لغيره، وهو يخالف ظاهر 5 نص الشافعي في "المختصر" 6 حيث قال: "وإن أكل شاكا في الفجر فلا شيء عليه" بل يخالف ظاهر إطلاق قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ 7، فإن الهاجم لم يتبين ذلك 8.

وروينا أن رجلاً قال لابن عباس: متى أدع السحور؟ فقال رجل: إذا شككت، فقال ابن عباس: (كل ما 1 شككت حتى يتبين لك) 2. قال: "ولو أحرم مجامعاً ثم نزع ففي انعقاد إحرامه وجهان" 3. قلت: الذي يظهر أن الأصح منهما أنه لا ينعقد 4؛ لأنه غير معذور في ابتدائه الإحرام في هذه الحالة المنافية لإحرامه، وهو شبيه بالمتلاعب، والله أعلم.
قوله: "ثم للعقل 5 زوال بالجنون، وانغمار بالإغماء، واستتار بالنوم" 6. شرحه أن العقل على المذهب المختار غريزة يتهيأ بها إدراك الحقائق 7. ثم قد يختلّ ذلك التهيؤ بمعارض 8 يطرأ، وذلك المعارض ينقسم (ثلاثة أقسام) 9،

فإن تمكن وبَعد زواله، ولم يندفع بالاختيار فهو الذي جعله زوالا للعقل، وهو المسمى جنونا، وإن قرب زواله، لكن استولى بحيث لا يندفع بالاختيار فهو (الذي) 1 جعله انغمارا للعقل، وهو المسمى بالإغماء، وإن قرب زواله، وكان يندفع بالاختيار فهو ما جعله استتارا للعقل، وكأنه كالشيء المستور الذي يسهل كشف الساتر عنه، والله أعلم.
قوله: "والثالث: أن الإغماء كالحيض" 2، كأنه إنما لم يقل كالجنون مع كونه أشبه به؛ لأن هذا القول مأخوذ من نصه في "كتاب اختلاف العراقيين" 3، وهما 4 أبو حنيفة، وابن أبي ليلى 5 أن المرأة إذا أغمي عليها، وهي صائمة، أو حاضت بطل صومها 6، والله أعلم.

اختلفوا في الأرجح، والأصح من الأقوال المذكورة في الإغماء 1، فعند الروياني صاحب "البحر" 2 وغيره أن أصحها 3 أنه يكفي إفاقته في جزء من النهار 4، وبه قال أحمد بن حنبل 5، وينساق مع هذا قول من قطع به، وقال: لا قول في المسألة غيره 6. ومن العجب قول الشيخ أبي إسحاق في "مهذبه" 7: "لا أعرف له وجهاً"، ووجهه إمام الحرمين 8 بما تحريره أن الأصل اعتبار اقتران 9 النية بجميع 10 أجزاء العبادة، لكن حطّ ذلك رخصة لما فيه من الحرج، واكتفى بتقديم النية عزما متعلقا بجميع العبادة، فلا أقل من أن يكون المعزوم عليه بحيث يتصور قصده من العازم حتى يتنزل منزلة المقصود حقيقة، والمغمى عليه لا يتصور منه القصد فلا يقع

إمساكه مقصودا حتى ينصرف إليه العزم السابق، ويُنَزَّل منزلة المقصود بقصد مقارن، وإذا وجدت الإفاقة في بعضه، كانت بمنزلة الإفاقة في جميعه من حيث إنه لا ينقسم، ولا يتجزأ فيتبع زمان الإغماء زمان الإفاقة، والله أعلم.
ومن قطع من الأصحاب، بأنه يعتبر الإفاقة في الجزء الأول من النهار 1، وقال: لا قول 2 في المسألة غيره، فقد رجحه أبلغ ترجيح، وهو مذهب مالك 3، ويشبه أن يكون هذا هو الأصح، إذا جعلنا المسألة ذات أقوال، وإلى أن هذا هو الأصح 4 ذهب صاحب الكتاب في "الوجيز" 5، والله أعلم.
ما ذكره على طريقة مَنْ قطع بما نصّ عليه في الصوم 6 من اعتبار الإفاقة في أي جزء كان، من أنه تأول بقية النصوص 7، أما نصه في الظهار 8 فتعينه فيه أول 9 النهار، مثال في اعتبار لحظة (1)، لا

تقييد 1، وأما نصه في التسوية بين الإغماء والحيض فمحمول على الإغماء المستغرق 2، والله أعلم.
الأصح من الوجهين في صحة [صوم] 3 يوم الشك، والصلوات في الأوقات المكروهة 4، القول بالإبطال 5، كما في صوم يوم العيد، والفرق على الوجه الآخر 6، كون هذا الوقت قابلا للصوم، والصلاة على الجملة 7. ما ذكره من أنه يفطر على تمر، أو ماء 8 ليس على التخيير، بل على الترتيب 9،

روى أبو داود وغيره 1 من حديث أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من وجد تمرا فليفطر عليه، وإلا فليفطر على الماء، فإنه طهور)، وهو حديث حسن ثابت.

وقال القاضي حسين 1: "الأولى في زماننا أن يفطر على ماء 2 يأخذه بكفه من النهر، فإنه أبعد من الشبهة" 3، والله أعلم.
قوله: (كان بين تسحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصلاته الصبح قدر خمسين آية) 4، في لفظه تغيير 5، فلا يتوهم من قوله "كان" 6 تكرير 7 ذلك منه وكثرته، والحديث في الصحيحين 8 عن زيد بن ثابت 9 قال: (تسحرنا مع

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قمنا إلى الصلاة، قيل له: كم كان قدر ما بينهما؟، قال: قدر خمسين آية)، وله روايات لا تدلّ 1 ألفاظها على أكثر من مرة، والله أعلم.
حديث (الصوم جنة) 2، هو مروي في الصحيحين 3 من حديث أبي هريرة بروايات، منها: (الصيام جنة، فإذا كان يوم (صوم) 4 أحدكم فلا يرفث ولا يصخب)، وفي رواية (ولا 5 يجهل، فإن شاتمه أحد، أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، (إني صائم) 6 ليس فيها ما ذكره من قوله

فصول الكتاب · 14 فصل · 641 صفحة
جارٍ التحميل