من [كتاب] جنايات "شرح مشكل الوسيط"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
نقول: مستنده استحالة البرّ فيها لذاته، أو اقتران الحنث بها 1، ونخالفه في وجوب الكفارة، فلا يوجبها هو لعدم الانعقاد 2، ونوجبها 3 نحن 4 لوجود مخالفة اليمين، والانتهاك لحرمتها 5، فنعتبر نحن في وجوب الكفارة 6 مجرد العقد والحنث، وهم يعتبرون العقد، والانعقاد، والحنث، والله أعلم.
قوله في تقديم الكفارة على الحنث إذا حلف على محظور أنه لا يفعله: "الأقيس أنه يجزئ 7؛ لأن التحريم ينافي مأخذ اليمين" 8.
هذا مشكل، ومعناه: أن التحريم كان ثابتا قبل اليمين، ولم يتغير 9 باليمين، ويلزم من ذلك أن لا 10 يتأثر به حكم اليمين، وفي بعض النسخ "التحريم يباين مأخذ اليمين" و"يباين" أليق من "ينافي"، ويكون قد استعمل "ينافي" بمعنى "يفارق ويباين"، وهو جائز، والله أعلم.
قوله "أما الصوم فالمذهب أنه لا يقدّم، لا سيما في اليمين، وهو مرتب على العجز" 11.
فقوله "لا سيما في اليمين"، فيه احتراز عن الصوم غير 1 المرتّب على العجز عن المال في كفارات الحج إذا قلنا: يجوز تقديمها عقيب الإحرام، والله أعلم.
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا 2 منها فليكفّر عن يمينه، وليأت الذي هو خير" 3 هو حديث متفق على صحته 4، رواه من الصحابة عبد الرحمن 5 بن سمرة، وغيره 6، وأكثر الروايات فيها ذكر الكفارة قبل
الحنث بحرف الواو، وفي رواية واحدة رواها أبو داود في سننه 1 بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن سمرة، (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: يا عبد الرحمن إذا حلفت ...) فذكره، وقال: فيه (فكفر عن يمينه، ثم ائت الذي هو خير) بحرف "ثم"، وهذا صريح، والرواية التي 2 بحرف الواو دالّة أيضاً على جواز تقديم الكفارة، فإن حرف الواو، وإن كان لا يوجب الترتيب على أقوى المذهبين 3 فتقديم أحد المذكورين 4 في الذكر، يدلّ على جواز تقديمه في الفعل، والله أعلم.
قوله "وكفارة الظهار بعد الظهار، وقبل العود إن أمكن" 5.
هو ممكن في الصور 6 التي يتباطأ فيها 7 العود عن الظهار كما إذا ظاهر عن رجعيّة، ثم كفّر، ثم راجع.
وكما إذا ظاهر، ثم طلق طلاقا رجعيا، ثم كفر، ثم راجع، وغير 8 ذلك 9، والله أعلم.
قوله "في 1 صوم الولي خلاف" 2، وهذا موضع استقصائه كتاب الصوم، ولكنا لا ندع معاودة بيانه لما وقع فيه من مرغوب عنه، فاعلم أن الخلاف فيه اختلاف قولين: أحدهما: ينسب إلى القديم، فإنه يصوم عنه وليّه 3. والثاني: وهو الجديد، والمعروف من مذهب الشافعي - رحمه الله -،: أنه يطعم عنه عن كل يوم مدّ 4، والحجة له ما روي عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (فمن مات وعليه صوم رمضان أنه يطعم عنه مكان كل يوم مسكين)، روي (مدّ من حنطة) 5، والصحيح الذي لا يعدل عنه أنه يصوم عنه وليّه 6؛ إذ ثبت في الصحيحين 7 من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليّه)، وثبت في صحيح مسلم وغيره من رواية ابن عباس وبريدة بن الحصيب - رضي الله عنهم - (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر امرأة ماتت أمها، وعليها صوم أن تصوم عن أمها) 8.
وأما حديث ابن عمر فغير ثابت، والصحيح فيما ذكره الترمذي 1 وغيره من 2 أئمة الحديث 3 أنه موقوف على ابن عمر من قوله.
ولمن نصر القول الجديد على ما ورد في صوم الولي كلام نشأ 4 من عدم الاطلاع.
وما روي عن ابن عباس وعائشة من أنهما أفتيا في 5 ذلك بالإطعام 6 ليس فيه ترك ونفي 7 منهما لما روياه 8، وقد قال الحافظ البيهقي 9 من يجوز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه، ثم قد عرف من قاعدة مذهبنا: "إن إفتاء راوي الحديث بخلافه 10 لا يضعفه" 11.
وأنا أقول 12: ينبغي أن يرفع الخلاف في ذلك من المذهب، ويقطع 13 بأن مذهب الشافعي تجويز الصوم عن الميت، فقد ثبت عنه أنه أمرنا في أمثال ذلك
بالعمل بالحديث، وترك ما قاله على 1 خلافه 2، وعمل الأصحاب مثل هذا في مسألة التثويب، وغيرها.
وقد قال الحافظ 3 الفقيه أحمد البيهقي 4: لو وقف الشافعي - رحمه الله - على جميع طرق هذه الأحاديث، ونظائرها لم يخالفها (إن شاء الله، وبالله التوفيق) 5.
ثم إننا لم نجد لأحد من الأصحاب تفسير الولي 6 المذكور، وتردّد إمام الحرمين 7 في أنه الولي الذي يلي أمر المولى عليه، أو هو الوارث، أو هو القريب، وإن لم يرث، أو العصبة 8، ولم يقض فيه بشيء، وقال: لا نقل عندي فيه، وليس معنا في معناه ثبت نعتمده.
قال الشارح - رحمه الله -: فظهر 9 حمله على القريب بإطلاقه، فإنه أقرب إلى العموم أو إلى الحديث 10، وإلى أصل وضع اللفظ، فإن الولي في الأصل
عبارة عن القريب، وهو مأخوذ من الولي على وزان الرمي، وهو القُرْب 1، والله أعلم.
ثم إنه موجود 2 في طريقتي العراق وخراسان أن الولي على هذا 3، لو أمر أجنبيا حتى صام عنه بأجرة، أو غير أجرة جاز 4، وممن ذكر ذلك صاحب "الشامل" 5، وصاحب "التتمة" 6، والله أعلم.
إذا أوصى بإعتاق عبد، وقيمته زائدة على قيمة الطعام والكسوة فقد ذكر أن في احتسابه من الثلث 7 وجهين 8. وإذا قلنا: يحتسب من الثلث (ففي كيفية احتسابه وجهان ذكرهما 9، حاصلهما هل تحسب 10 جميع قيمة العبد من الثلث) 11، أو تحسب منه مقدار قيمة الطعام من رأس المال، والزائد على ذلك يحسب من الثلث، فيه الوجهان 12، والله أعلم.
قوله في صوم العبد "إن كان الحنث أو اليمين أو كلاهما بإذن السيد ففيه نظر، ذكرناه في الظهار، ومنعه عن صوم كفارة الظهار 1 غير ممكن؛ لأن فيه إدامة التحريم، وإضرارا 2 بالعبد" 3.
هذا موهم، ولا يخفى على الفقيه أن هذا لا يستقيم حيث 4 لم يوجد الإذن من السيد أصلا، أو وجد على وجه لم نجعله إذناً في الصوم، وإنما هذا 5 متعلق بمحذوف لم يذكره لا ههنا، ولا فيما أَحال عليه من كتاب الظهار، وهو أنه إذا وجد الحنث واليمين بإذن السيد، فالمذهب أنه ليس له منعه من تعجيل الصوم 6، وقيل: له منعه 7 كما أن للزوج منع زوجته من الحجّ على قول.
وهذا الخلاف لا جريان له في صوم كفارة الظهار 8 (إذا كان الظهار) 9 والعود بإذن السيد لما فيه من إدامة التحريم كما ذكره، وهو على هذا الوجه الذي ذكرناه مذكور في "البسيط" 10 و"النهاية" 11، والله أعلم.
ذكر أن العبد إذا أعتق ما ملّكه السيد ففيه تفصيل ذكره في البسيط 1، والنفس تتشوف عند الحوالة إلى البيان، واختصاره أنه إن أعتق بغير إذن السيد لم يصحّ 2، وإن أعتق بإذنه ففيه خلاف مبني على أن العبد، هل 3 يتأهل لثبوت الولاية؟ 4، فإن قلنا: نعم، وهو قول غريب ضعيف صحّ تكفيره بإعتاقه 5، وإن قلنا: لا، فلا يقع عن كفارته، ويقع عن 6 السيد 7، والله أعلم.
قوله في قول المزني " 8 أنه لا يصح ممن بعضه عبد أن يكفّر بالمال؛ لأنه يقع عن جملته؛ إذ التجزئة لا تمكن 9 في المؤدّي" 10.
(هو بكسر الدال - والذي قاس عليه من إعتاق نصف رقبة، وإطعام خمسة هو تجزئة) 11 في المؤدّى - بفتح الدال 12 فاعتبر المؤدّي 13 (بالمؤدّى) 14، والله أعلم.
ومن الباب الثالث
قوله - رحمه الله وإيانا - في الحنث "أنه مخالفة اليمين لفظاً وعرفاً" 1.
كنا نستنكر الجمع بينهما، ونتأوّل كلامه على خلاف ظاهره حتى استبان أنه على ظاهره صحيح، فلا يكفي في ذلك المخالفة لفظا لا عرفا، كما إذا حلف: لا يأكل رأسا، فأكل رأس حوت فلا يحنث، وإن خالف لفظا لكونه لم يخالف عرفاً 2، ولا يكفي أيضاً المخالفة عرفا لا لفظًا، كما إذا حلف لا يشرب له ماء من عطش، فأكل من طعامه فقد خالف عرفا ولم يحنث، بكونه لم يخالف لفظا 3، والله أعلم.
ما ذكره من السطح المسقف 4 ينبغي أن يصور على وجه يكون السقف فيه غير مخرج ما تحته 5 عن أن يكون سطحا مثل أن يكون السقف غير مطين بطين 6 السطوح، أو نحو ذلك، والله أعلم.
قوله "فيما إذا حلف على الخروج، فصعد السطح، قال القاضي: ينبغي أن نجعله خارجا" 7.
هذا يوهم أن القاضي لم يقطع بكونه خارجا، وقد قطع بذلك فيما وجدته في تعليقه 1 وغيره 2، والله أعلم.
قوله "لو قال: لا أدخل الدار، فصعد السطح، ونزل في الدار، وخرج ففي الحنث وجهان من حيث إنه حصل في الدار لكن لم يدخل من الباب" 3.
المعروف والمذكور في غير واحد من كتب العراقيين والخراسانيين أنه يحنث وجها واحدا 4، ولو صحّ نقل الوجه الآخر 5 لم يكن ينبغي أن يجمع بينه وبين الوجه 6 المعروف، ويقول 7: فيه وجهان 8، والله أعلم.
قوله "فيما إذا قال: لا أدخلها وهو فيها، ففيه وجه بعيد أنه لا بدّ من مفارقة الدار" 9، بل هو قول مشهور 10، والله أعلم.
قال الشارح - رحمه الله -: إيضاح الفرق بين ما إذا حلف لا يدخل بيتا، فدخل بيت شعر حيث يحنث، وإن كان قروياً، (وبين) 11 ما إذا حلف لا يأكل
رأسا حيث لا يحنث بأكل رأس السمك ولحمه؛ إن القروي يطلق اسم البيت على بيت الشعر، وإنما يفارق البدوي في عدم استعماله له فعلا لا في عدم استعمال اسمه قولاً، وليس كذلك اسم الرأس واللحم، فإنه لا يطلق مقرونا بالأكل على 1 رأس السمك ولحمه، ونظير البيت من الرؤوس رأس ما هو قليل 2 الوجود من الرؤوس التي يحنث بها، فإنه يحصل الحنث به عند الإطلاق 3، والله أعلم.
ما حكاه عن القفال من أنه لا يحنث ببيت الشعر إذا حلف بالفارسية قائلا: "دَرْخانَة نَشَوَم" 4 قد وافق 5 القفال 6 عليه غير واحد من المصنفين بعده، منهم: الفوراني 7 والروياني 8، وصاحب "النهاية" 9، وصاحب "التهذيب" 10.
و 11 قد يعترض 12 عليه بأن يقال: أيضاً بالفارسية: خَانَة تُرْكَمَانْ خَانَه عَرَب 13.
ويجاب عنه: بأن ذلك يريدون به المحلّة 1 لا بيتا مفردا منها.
وقوله "درْخانَهْ نَشَوَمْ" هو بدال مهملة مفتوحة، ثم راء مهملة ساكنة، ثم خاء منقوطة بعدها ألف، ثم نون مفتوحة، وبعدها هاء ساكنة، قد يسقط في الوصل، ثم نون مفتوحة، ثم شين مثلّثة مفتوحة، ثم 2 واو مفتوحة، ثم ميم ساكنة، والله أعلم.
قوله "لو قال: لا آكل 3 التفاح، وهو لا يدري ما التفاح؟ حنث بما سمّاه العرب تفاحا" 4.
صورته ما إذا نوى ما هو معناه بالعربية، ونظيره من الطلاق ما إذا لفظ العجمي بلفظ الطلاق ناوياً به موجبه، وفي ذلك وجهان 5 غير مذكورين في هذا الكتاب، وهذا مثله، والله أعلم.
قول الصيدلاني أنه لا يحنث بخبز الأرز في 6 غير طبرستان 7 قد خولف فيه، وفيما يأتي في مسألة الرؤوس ما يدلّ على الخلاف فيه، والأصح أنه
يحنث 1 كما في نظيره من بيت الشعر، والله أعلم.
قوله "فيما إذا حلف لا يسكن في هذه الدار، وهو فيها، إن خرج وترك أهله لم يحنث" 2.
هذا بشرط أن يخرج على قصد الانتقال ليقع 3 الفرق بينه وبين الساكن الذي من شأنه 4 أن يخرج، ويعود.
وقوله "لو انتهض لنقل الأقمشة قالت 5 المراوزة: لا يحنث، وقال العراقيون: يحنث، وقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا بالمقام يوما وليلة" 6.
وهكذا 7 هو 8 في "نهاية المطلب" 9، ولا يصحّ ذلك، وقد راجعنا في ذلك كتب أصحابه وكتب 10 أصحابنا، وإنما 11 حكاه صاحب "الحاوي" 12،
وصاحب "الشامل" 1 وغيرهما 2 عن مالك 3، وجعلا الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة (في المنسوب ههنا إلى المراوزة، فجعلاه مذهب أبي حنيفة) 4 5، وجعلا 6 القول 7 بالحنث مذهبنا من غير خلاف 8، والله أعلم.
شرح ما ذكره فيما إذا حلف: ليشربنّ ماء هذه الإداواة، ولا ماء فيها 1، 2 من الأصحاب من قال: لا يلزمه 3 الكفارة 4؛ لأن اليمين لم تنعقد؛ لأن البرّ فيما حلف عليه، والوفاء به محال لذاته بخلاف صعود 5 السماء، فإنه ممكن في ذاته، وإنما استحالته من حيث العادة، فانعقدت اليمين هناك نظرا إلى إمكانه في ذاته، ثم اتّصل بها الحنث والانحلال لحصول اليأس من الوفاء نظرا إلى استحالته من حيث العادة، فوجبت الكفارة فيه لتحقق الانعقاد والحنث.
وهذا فاسد؛ لأن وجوب الكفارة عندنا لا يتوقف على انعقاد اليمين، بل على مجرد العقد والحنث 6، و 7 إن لم يثبت الانعقاد، فإن يمين 8 الغموس لا تنعقد 9؛ لأن البرّ فيها 10 محال لذاته، فإنه إذا حلف مثلا أنه ما فعل، وكان قد فعل، فمحال عدم فعله مع وجوده، وإنما أوجبنا 11 الكفارة 12؛ لمخالفته اليمين، وانتهاكه بذلك حرمة الاسم المعظم فكذلك ههنا.
وأما مسألة اليمين على صعود السماء فبين الأصحاب اختلاف 1 في أن الكفارة وجبت فيها بناء على المخالفة من غير انعقاد، أو بناء على الانعقاد ثم الحنث 2، والله أعلم.
قال: "إذا قال: لا آكل هذا الرغيف، وهذا الرغيف لا يحنث إلا 3 بأكلهما، وكذا لو قال: لا آكل ولا أكلّم زيدا لا يحنث إلا بمجموعهما، وقد ذكرناه في الطلاق، وليس يخلو عن إشكال" 4.
هذا لم يذكره في الطلاق، ولا ما هو نظيره من الطلاق، وهو أن يكون بصيغة الشرط مثل 5 أن يقول: إن كلّمتك ودخلت دارك فأنت طالق، والحكم فيه أنها 6 لا تطلّق إلا بالأمرين، كما لو قال: بصيغة التثنية، إن دخلت هذين الدارين، أو أكلت هذين الرغيفين فأنت طالق 7. وكذلك في اليمين، لو قال: لآكلنّ 8 هذين الرغيفين، أو لا آكل هذين الرغيفين، فيتعلق كل 9 ذلك بمجموع الأمرين 10.
أما إذا كان ذلك في اليمين بصيغة العطف لا بصيغة التثنية، بأن يقول: لا آكل هذا الرغيف، وهذا الرغيف، فقد حكى إمام الحرمين 1 عن الأصحاب أنه لا يحنث إلا بأكلهما 2 كما في صيغة التثنية، وذكر أن فيه إشكالا من حيث إن العطف يقتضي التشريك بين المعطوف (والمعطوف) 3 عليه في المذكور فيه، فهو في التقدير كأنه قال: والله لا آكل هذا الرغيف، والله لا آكل هذا الرغيف، ولو قال ذلك محقّقا 4 يحنث بأحدهما، فكذا إذا قال 5 مقدّرا 6.
وفرق الإمام بين هذا وبين ما سبق من صيغة الشرط في مثله في الطلاق بأن صيغة الشرط تقتضي 7 ارتباط الجواب المتأخر بجميع الشروط 8 التي 9 تقدّمته، وتعليقه بها ثم قال: "وأقصى ما ذكره الأصحاب أن الاسم المعطوف على الاسم بمثابة الاسمين المجموعين بصيغة التثنية، قال: والإشكال قائم".
قال الشارح - رحمه الله - وقوله في الوسيط "قالوا: الواو العاطفة (تجعل الاسمين) 10 كالاسم الواحد المثنى" 11.
قد صحف منه كلمة المثنى في أكثر النسخ بالمسمّى 1، وإنما هو بالثاء المثلّثة من التثنية.
وقد خالف صاحب "التتمة" 2 ما نقله الإمام عن الأصحاب، فقال 3 في صورة 4 الإثبات: لو قال: والله لألبسنّ هذا الثوب، وهذا الثوب فهما 5 يمينان لكل واحدة حكمها، واحتجّ بأنه أدخل حرف العطف، والمعطوف غير المعطوف عليه.
وأحسب هذا من تصرفه، وما نقله 6 الإمام عن الأصحاب هو المعتمد عليه 7 في نقل المذهب، ويمكن الاعتذار للأصحاب 8 عن الإشكال المذكور بأن المقدر ليس بلازم أن يكون كالمحقّق، ولذلك 9 شواهد كثيرة.
منها: أن قولهم: "بالله" 10، تقديره على ما عرف: أقسمت، أو أقسم بالله، (ومن المعلوم أن قولنا: بالله صريح في القسم، وقولنا: أقسم، أو أقسمت بالله) 11
مردد 1 غير 2 صريح في القسم 3، ومن ذلك ما 4 نحن فيه أنه لو قال: إن كلّمتك، أو دخلت دارك فأنت طالق لم تطلق إلا بمجموعهما كما سبق والتقدير فيه: إن كلّمتك وإن دخلت، ولو قال ذلك محققا فمقطوع بأنه يحنث بأحدهما، وإن فعلهما طلقت طلقتين.
وإذا عرفت ما أصلناه وحققناه عرفت أن ما 5 في الوسيط 6 من التسوية بين قوله: لا آكل هذا الرغيف وهذا الرغيف، وبين قوله: لا آكل ولا أكلم زيدا، غير مرضيّ، فإنه قد كرّر في قوله: لا آكل ولا أكلّم، حرف النفي مع حرف العطف، وذلك يقتضي كونهما يمينين كما في تكرير حرف الشرط، وفي كتاب الفوراني 7، وكتاب "البحر" 8، و"التهذيب" 9، وغيرها 10 القطع بأنه لو قال مثلا: لا أكلّم زيداً ولا عمراً، فهما يمينان، يحنث بكل واحدة 11 منهما، والله أعلم.
قوله "إذا حلف لا يأكل الرأس لم يحنث برأس الطير والسمك على الظاهر، ويحنث برأس الإبل والبقر؛ لأن ذلك يؤكل ببعض الأقطار، ورؤوس الظباء لا يحنث بها؛ لأنها 1 لا تؤكل في سائر الأقطار، وإن كان يعتاد في قُطر حنث 2 من حلف بذلك القطر، وهل يحنث بقطر 3 آخر؟ 4 فيه وجهان، مأخذهما أنه يراعى 5 أصل العادة، أو عادة الحالفين" 6. هذا الكلام فيه إشكال يزول إن شاء الله تعالى ببسطه، فأقول: لا يحنث على ظاهر المذهب بأكل رؤوس الطير والسمك 7؛ لأنها لا تفرد بالأكل، ولا يفهم من ذكر الرؤوس مضافا إليها ذكر الأكل في جميع الأقطار، وفيه القول الضعيف المحكي عن صاحب "التقريب" 8، وقد سبق 9. ويحنث بأكل رؤوس الإبل والبقر 10؛ لأنها تفرد بالأكل في بعض الأقطار ويتناولها 11 إطلاق اسم الرؤوس في ذلك في جميع الأقطار، ولا يختص
كاختصاص فعل الأكل، ولا يحنث بأكل رؤوس الظباء 1؛ لأنها لا تفرد بالأكل ولا يتناولها 2 إطلاق ذلك في جميع الأقطار، فإن طرأ اعتياد لأفراد رؤوس الظباء بالأكل في قطر، أو كان ذلك الآن 3 معتادا 4 في قطر على خلاف ما ظنناه، أو 5 كانت رؤوس غيرها من الوحش تفرد بالأكل في عادة أهل قطر فيحنث بذلك أهل ذلك القطر 6، وهل يحنث به غيرهم؟ فيه وجهان 7 كما في خبز الأرز، ولم يجرِ هذا الخلاف في رؤوس الإبل والبقر، وإن كان اعتياد 8 أكلها مخصوصا ببعض الأقطار لما قدّمناه من أن الاختصاص فيها واقع في الفعل، لا في القول؛ إذ يتناولها إطلاق اسم الرؤوس في ذلك في جميع الأقطار، ولا وجود لهذا فيما ذكرناه من صور الخلاف، فاعلم ذلك فإنا قد بينا منه ما لا تجد بيانه في غير هذا الشرح.
وقوله "سائر الأقطار"، استعمل فيه "سائر" 9 بمعنى "جميع"، وذلك لا يجوّزه أهل اللغة، وإن شاع في استعمال غيرهم، وإنما يجوز استعماله بمعنى
"الباقي" 1، والله أعلم.
وقوله: "حنث من حلف بذلك القطر".
المراد به من شملته تلك العادة بدلالة قوله "عادة الحالفين"، والله أعلم.
الرئة 2 مهموزة، والله أعلم.
قوله: "وإن حلف لا يأكل الفاكهة حنث بالرطب، واليابس، والعنب، والرمان، خلافا لأبي حنيفة"، يعني خلافاً له في العنب والرمان، وكذا يخالف في الرطب 3، وتمسك بقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ 4، وبقوله تعالى ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ 5، والعطف يقتضي المغايرة 6.
وهذا مردود عند أهل اللغة، والعطف في 1 ذلك للتخصيص 2، والتفضيل كما في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ 3، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ....﴾ 4، ونقل عن الخليل بن أحمد أنه قال: الفاكهة الثمار كلها 5.
وما ذكره صاحب الكتاب من التسوية بين الرطب واليابس هو المقطوع (به في) 6 "النهاية" 7، و"تعليق" القاضي حسين 8، و"التهذيب" 9، وغيرها 10، وفيها القطع بأن اسم الثمار لا يحمل مطلقه على اليابس منها.
وفي كتاب "التتمة" 11 القطع بأن اسم الفاكهة كذلك لا يتناول اليابس، وأحسن صاحب "الحاوي" 12، فذكر أن اليابس فيها على ضربين:
أحدهما: ما ينتقل 1 عن اسمه بعد يبسه كالرطب يسمى بعد جفافه تمرا، وكالعنب يسمى بعد جفافه زبيباً، فلا يحنث بأكله، وقد خرج عن 2 الفاكهة بزواله عن اسمه 3.
و 4 الضرب الثاني: ما لا يتنقل عن اسمه بعد جفافه كالتين، والخَوْخ 5، والمشمش، ففي حنثه به وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لبقاء 6 اسمه.
والثاني: لا يحنث؛ لانتقاله عن صفته، والله أعلم.
ووقع ههنا "وفي الحنث بالقثاء تردّد" 7، وصوابه ما في "الوجيز" 8، و"البسيط" 9، و"النهاية" 10 وغيرها 11 أنه لا يحنث بالقثاء، وفي البطيخ تردّد، وهو وجهان 12، والله أعلم.
قوله: "فقال: المسعودي تلميذه" 1، وهذا قاله بعد نزول شيخه من كرسي الوعظ، وذلك هو اللائق 2 بالأدب.
والمسعودي هذا هو أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله 3 المروزي، من قدماء أصحاب القفال المروزي، والمسعودي الذي يحكى عنه اليمني صاحب "البيان" يعني به صاحب كتاب "الإبانة"، وذاك 4 أنه وقع باليمن منسوبا إلى المسعودي وليس للمسعودي 5، إنما هو للفوراني 6 أبي القاسم 7 عبد الرحمن بن محمَّد المروزي 8، والله أعلم.
قوله: "إلا أن يحلف على ما لا يقدر عليه، كقوله: لا أبني بيتا، وهو ليس 1 ببنّاء 2، أو قال الأمير: لا أضرب" 3.
ينبغي أن يجعل قوله "أو قال الأمير" عطفا على قوله في أول الكلام "إلا أن يحلف" فهو جائز، وإن كان قوله "يحلف" مستقبلا، وقوله "قال" ماضيا، والله أعلم.
قوله "لو قال: لا أكلّم امرأة تزوجها زيد، فقبل له وكيله، فالقياس أنه 4 لا يحنث كما في الشراء، وقال الصيدلاني: يحنث، وهو تشوّف إلى مذهب أبي حنيفة في أن من تزوج بالوكيل حنث في يمين التزويج" 5.
مذهب أبي حنيفة أنه إذا حلف لا يتزوج 6 فوكل حنث 7، ولو حلف لا يشتري 8 فوكل لم يحنث، ووافقه بعض أصحابنا 9. فالفرق أن الوكيل في التزوج يضيف العقد إلى الموكل، وكان 10 الموكل بمنزلة العاقد بخلاف الشراء،
والصيدلاني لم يتشوف إلى موافقته على الفرق في هذا، بل وافق الأصحاب على عدم الفرق في ذلك فيما نقله عنه الإمام أبو المعالي في "نهايته" 1. وإنما فرق بين الشراء والتزوج فيما إذا قال: لا أكلّم عبدا اشتراه زيد، وما إذا قال: لا أكلّم امرأة تزوجها زيد، فلم يقل بالحنث في العبد، وقال به (في الزوجة، وقطع) 2 الإمام 3 بخطئه على المذهب، ومناقضته، وحكى اتفاق الأصحاب على (عدم الحنث في مسألة الزوجة أيضاً) 4 5، وكأن الصيدلاني رأى أن فعل الزوج إذا جعل صفة للمرأة 6 بأن 7 قيل: (امرأة تزوجها فلان نزل) 8 في الاستعمال بمنزلة 9 قوله: زوجة فلان، ولم يظهر من حيث الاستعمال ينزل 10 قوله: عبدا اشتراه فلان [بمنزلة قوله: (زوجة فلان، ولم يظهر من حيث الاستعمال ينزل قوله: عبدا اشتراه فلان بمنزلة قوله] 11 عبدا ملكه فلان) 12 بالشراء، والله أعلم.
الصدقة 1 تتميز عن الهبة باللفظ، وبالمعنى أيضاً من حيث إن الصدقة موضوعة للقربة، لا تنفك عن جهة القربة بخلاف الهبة، فقد 2 تقع لغير القربة، (وكان الفرق الواضح بينهما أن المقصود بالصدقة الخير، وسدّ الخلّة، ودفع الضرر، والمقصود بالهبة المواصلة، واختلاف 3 المودّة والتعاطف) 4، والله أعلم.
قوله 5: في اليمين على الكلام "لو كاتبه لم يحنث، ولو رمز بإشارة مفهمة، فالجديد أنه لا يحنث" 6.
محل القولين القديم والجديد إنما هو ما إذا كاتبه 7، أو راسله 8، وأضاف إليه أصحابنا الإشارة فخرّجوها على القولين 9، والله أعلم.
قوله "وإن قال: لأحمدنّ الله بمجامع 10 الحمد فليقل: ما علّمه جبريل آدم 11 عليهما السلام "الحمد لله حمدا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده" 12.
هذا فرع ذكره غير واحد من أصحابنا الخراسانيين المتأخرين 1، وفيه نظر، وله مستند 2 ضعيف الإسناد غير متصل رويناه 3 عن محمَّد بن النضر 4، قال: قال آدم صلوات الله عليه: يا ربّ شغلتني بكسب يدي، فعلّمني شيئاً فيه مجامع الحمد والتسبيح، فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: يا آدم إذا أصبحت فقل: ثلاثا، وإذا أمسيت فقل: ثلاثًا (الحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده) فذلك مجامع الحمد والتسبيح) 5، الحمد يتضمن التسبيح، فإن الحمد يطلق على مطلق الثناء، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ 6.
وقوله "يوافي نعمه" أي يلاقي نعمه، أي نستجلبها 7 فتحصل معه.
وقوله "ويكافئ مزيده" بالهمز، أي يساوي مزيد 8 النعم والإحسان الذي يقتضيه الشكر، والله أعلم.
ما ذكره في نوع الحلف على الكلام من مسألة الحلف على الصلاة 1، اعترض عليه فيه بعض 2 من شرح "الوجيز" 3، وقال: ليست من هذا النوع، واعتذرت له بأنّه 4 5 لما 6 كان يحنث بالتكبير 7، وهو كلام حسن ذكرها فيه، وهو متبع للفوراني 8 في ذلك، واستتبعت 9 مسألة الصوم (والحج لتعلقها به 10، والله أعلم) 11. قوله "فيما إذا حلف: ليأكلنّ هذا الطعام غدا، فإن أكل الطعام قبل (الغد حنث لكن الكفارة تلزمه 12 في الوقت) 13 أو غدا، فيه خلاف" 14.
هذا يوهم القطع بتقديم الحنث في الوقت، وإجراء الخلاف في تأخر لزوم الكفارة إلى غد، وليس كذلك قطعا، بل وجوب الكفارة يلازم وجود الحنث، والمذكور في غير هذا الكتاب، هل يحنث في الوقت أو في غد؟ فيه خلاف 1.
فأقول: قوله أولا "حنث" المراد به إثبات حنثه على الجملة من غير تعرض لوقته، ثم ذكر الخلاف في وقت الحنث معبّرا عنه بلزوم الكفارة لتلازمها 2، فاعلم ذلك! والله أعلم.
وقوله "أو غدا" 3، اقتصار على أحد الوجهين الجاريين على تقدير تأخر الحنث، وذلك إنا إذا قلنا: بتأخر الحنث إلى غد ففي وجه: يحنث بمضي مدّة تسع الأكل 4 من أول النهار 5، فإنه يتحقق به فوت البرّ في الوقت المحلوف عليه، وفي وجه: لا يحنث إلا بغروب الشمس من الغد 6 كما لو كان الطعام باقيا، والله أعلم.
قوله "فيما إذا تلف الطعام، أو مات الحالف في أثناء الغد بعد مضيّ زمان الإمكان، الصحيح أنه يحنث؛ لأنه فوت البرّ مع إمكانه، وكذلك لو فات مهما قلنا: إن الحنث يحصل بغير اختياره" 1 2.
هذا مشكل من حيث إنه فرض الكلام أولا فيما إذا فات، ثم قال: "وكذلك لو فات ... "، وشرحه: أن الفوات الأول هو فوات الطعام أو الحالف، والفوات الثاني هو فوات البرّ، ومقصوده 3 بهذا الكلام إثبات الحنث سواء 4 كان ذلك تفويتا للبرّ، أو فواتا إن كان تفويتا فعلى القولين معا، وإن كان فوتا 5 فعلى قولنا: يحصل الحنث بغير اختياره 6، والله أعلم.
قوله بعد هذا "سواء مات قبل الغد أو بعده" 7، يعني به أو بعد دخول الغد في أثنائه 8، هذا هو الذي يشعر به سياق كلامه، والله أعلم.
ما ادّعاه فيما إذا حلف 1: لأقضينّه حقه عند رأس الهلال من كون ذلك محالا 2، ليس على وجهه، فإنه يتصوّر أن يصادف بذلك 3 رأس الهلال فإنه مصادفة، وإن تعسرت مراصدته، والعرف والعسر كافيان في الحكم في الاكتفاء 4 بالممكن من مقارنة 5 رأس الهلال، والله أعلم.
قوله "لو قال: لأقضينّ حقك إلى حين، فهذا ينبسط على العمر، ولو قال: إذا مضى حين فأنت طالق، تطلق بعد لحظة، وهذا في جانب الطلاق ممكن" 6.
معناه وهذا الانبساط على العمر في مسألة الطلاق ممكن، وما 7 ذكره من الفرق غير واضح، وإيضاحه: أن المفهوم في عرف أهل اللسان من قوله: لأفعلنّ كذا إلى حين، الاسترسال على جميع العمر، والمفهوم من قوله: إذا مضى حين فأنت طالق، الاكتفاء في ذلك بلحظة، وأما الإلزام 8 بأنّه إذا قال: والله لأقضينّك 9 حقك إذا مضى حين، فإنه ينبسط على جميع العمر، فهذا 10 غير مسلم، بل يتعلق 11 البرّ فيه بلحظة كما في مسألة الطلاق، وهذا ما ذكره
الإمام 1 في أول كلامه، لكن أورد بعده سؤالا 2 يتضمن القول بانبساطه على جميع العمر، ووقع هذا في "البسيط" 3 منسوبا إلى الأصحاب، ولا يصحّ ذلك ولا يعرف، وكأنه سهو، والله أعلم.
قوله: "ولو عزل القاضي الذي عيّنه، فلم يرفعه إليه بعد العزل، قال الشافعي: خشيت أن يحنث، فأطلق الأصحاب قولين" 4.
ينبغي أن يكونا من القولين اللذين قالهما الشافعي على جهة تردّد بينهما، وذلك نوع من أنواع القولين قليل، والله أعلم.
قوله: "إذا قال: لأضربنّك مائة خشبة، حصل البر بالضرب بشمراخ عليه مائة من القُضْبَان، وهذا بعيد على موجب اللفظ، قال الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ 5 " 6.
اعلم 7! أن الاكتفاء في هذا (بالضرب) 8 بالشمراخ وقع في "النهاية" 9، وفي بعض كتب الخراسانيين 10، وهو بعيد يأباه لفظ الخشبة، وفي "النهاية" 11 عن
جماهير الأصحاب فيما إذا قال: "مائة سوط" 1 أنه لا يحنث بقضبان الشماريخ 2؛ لأنها لا تسمّى سياطا، وهكذا لا يسمّى خشبا على ما هو لأنها المعروف في اللسان العربي.
وصاحب المذهب الشافعي فرض المسألة فيما إذا حلف: ليضربنّ عبده مائة سوط، فجمع السياط فضربه 3 بها 4. ولا نص (بلحى تعبدا) 5 إلى القول بما ذكروه على إطلاقه، وأما الآية فهي واردة في واقعة عين فلا عموم فيها نتمسك به، فإن وقائع الأعيان لا عموم لها على ما 6 تقرّر في أصول الفقه 7،
والصواب أن تخصيص ما ذكروه بعرف قوم يطلقون اسم الخشب على عيدان الشماريخ، والله أعلم.
قوله: "ثم لا بدّ أن يتثاقل على المضروب بحيث تنكبس 1 جميع القُضْبَان" 2.
هذا غير متعين، والمشترط، إما هذا وإما 3 أن يماس البدن جميعها 4، والله أعلم.
قوله: "نص أنه لو قال: لا أدخل الدار إلا أن يشاء زيد" 5.
هذا فيه تعيير 6 لنصّه بالمعنى، فإن نصه "لو حلف ليفعلنّ كذا لوقت 7 إلا أن يشاء فلان" 8، والله أعلم.
قوله: " (لو قال) 9: لأضربنّ مائة ضربة، فلا يكفي الضرب مرة واحدة بالشماريخ، وقال العراقيون: يكفي الضرب بالسياط معا" 10.
خصّص الوجه الثاني بالعراقيين، والوجهان معا مشهوران في كتب العراقيين 11، وعبارة شيخه 12 في ذلك: "وذكر العراقيون وجهين"، ثم إن
شيخه 1 ذكر أنه على القول بتعدّد الضربات نشترط 2 فيها التوالي، وهذا فيه نظر، وينبغي أن لا يشترط ذلك ههنا، (بخلاف الحدّ، فإنه يكتفي ههنا) 3 بما يقع عليه الاسم 4، ولهذا يكتفى فيه بضرب فيه أدنى الإيلام 5. وبعض أصحابنا عبّر عن هذا بأن قال: يكفي ضرب غير مؤلم 6، والعبارة الأولى أولى، فإن 7 ما يسمّى ضربا لا يخلو من أدنى إيلام، وذلك بخلاف الحدّ، والله أعلم.
قوله 8: "فيما لو حمل قهرا، وفيه وجه أنه كالإذن 9 " 10.
توجيهه على ضعفه أن المحمول في حالة الاختيار جعلناه كالداخل، فكذلك في حالة الإكراه نجعله كالداخل كرها حتى يخرج على القولين، والله أعلم.
شرح ما ذكره في توجيه 1 القولين في وجود الصفة على جهة الإكراه أو النسيان 2، وتقريره: أما القول بالتحنيث 3، فوجهه أنه مختار في التعليق بالدخول مثلا، وقد وجدت صورة الدخول، فحصل ما تعلق به، كما يحصل الحنث 4 بوجود سببه، سواء وجد عمداً أو سهواً؛ ولأن غاية ما فيه أنه لم يوجد منه فعل، والحنث لا يتوقف على فعل الحالف 5، فإن 6 اليمين قد يكون توقيتاً لا صنع 7 فيها، كما إذا علّق على طلوع الشمس.
وأما القول بعدم التحنيث 8 فوجهه أن الكلام فيما إذا علّق على فعله، وهذا ليس بفعله 9 شرعاً؛ لأنه بمنزلة 10 ما لم يفعله في رفع حكمه عنه؛ لما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، رواه ابن
ماجه 1، وهذا لفظه، وليس في الكتب الخمسة الأصول، وهي: الصحيحان 2 وسنن أبي داود وسنن النسائي وكتاب الترمذي، ولكن إسناده حسن، ورويناه أيضاً في السنن الكبير 3، ولفظه: (تجاوز الله عن أمتي الخطأ ... إلى آخره).
وقد أمعنت النظر في هذه المسألة، وفي أدلتها لمسيس الحاجة إليها في الفتوى، فوجدت 4 كثيرا من مصنفي أصحابنا العراقيين ذهبوا إلى أن الصحيح عدم