الفصل الرابع: دراسة كتاب "شرح مشكل الوسيط"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
والنسائي 1، وغيرهم 2، وهو في رواية مسلم وأكثر الروايات مفصَّل مع الترجيع تسع عشرة 3 كلمة، وإن لم يقولوا: تسع 4 عشرة كلمة، والله أعلم.
التثويب في أذان الصبح 5 رواه أبو داود 6، وغيره 7 في حديث أبي محذورة.
ولم يخرَّج في "الصحيحين".
وأكثر أصحابنا أو 8 الكثير منهم لما يجعلوا المسألة ذات قولين، ورأوا القطع باستحبابه 9. وفي "المهذب" 10: "قال أصحابنا يسن
ذلك قولاً واحداً، وإنما كرهه في الجديد لأن أبا محذورة لم يحكه، وقد صحَّ ذلك في حديث أبي محذورة 1 "، والله أعلم.
قوله: "المشهور أنه ليس ركناً وجهاً واحداً، وفيه احتمال 2 " 3 أي ليس فيه خلاف، وإن كان في الترجيح خلاف.
"وفيه احتمال 4 " أبداه شيخه 5؛ لأنه كسائر الأذان في شرعيَّة رفع الصوت به 6، فكان أولى بالخلاف من الترجيع 7، والله أعلم.
ثم إنه عدَّ 8 رفع الصوت في الأذان العام الذي يعتبر فيه الإبلاغ ركناً، والترتيب شرطاً 9. وقد سبق منه في الوضوء عدُّ الترتيب ركناً 10 وهذا مشكل وشرحه: أن المبلغ إنما هو أذان يرفع به الصوت، (فرفع الصوت) 11 إذاً جزء من المبَلَغ فكان ركناً فيه، والترتيب هئية فيه يحصل أصل الإبلاغ والإعلام بدونه لما فيه من التصريح بقوله 12: حيَّ على الصلاة.
ثم إنَّ له التساهل
بتسمية الشرط ركناً على جهة الاستعارة، ولهذا عدَّ الترتيب ركناً في الوضوء.
وسيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى تمام الكلام في هذا في أول باب استقبال القبلة، والله أعلم.
قوله في 1 أذان الكافر لا يصح: "ويتصور ذلك منه إذا كان 2 عيسوياً أن يعتقد أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسول الله إلى العرب 3 " 4 العيسوية: طائفة من اليهود، وليست هذه التسمية 5 نسبة 6 إلى عيسى بن مريم - صلى الله عليه وسلم - وعلى نبينا والنبيين وسلم، وإنما هي 7 نسبة إلى أبي 8 عيسى الأصفهاني اليهودي 9. ولا يضيق تصوير ذلك، ولا ينحصر فيما ذكره، بل ذلك متصور في كل كافر؛ لأنه وإن صار مسلماً بالشهادتين، فأول أذانه باطل لكفره حينئذٍ، فيبطل أذانه ببطلان أوله 10، والله أعلم.
قوله: "ولا يعتد بأذان المجنون، والسكران المخبط" 1 هو المخبَط بفتح الباء، وهو الذي غلب عليه 2 السكر حتى صار كالنائم، والمغشي عليه 3. فالصحيح أنه لا يجري فيه الخلاف في أن السكران كالصاحي في أقواله وأفعاله 4، والله أعلم.
قوله في صفات المؤذن: "أن يكون عدلاً ثقة" 5 جمع بينهما كما جمع الشافعي بينهما 6، واختلف أصحابه في وجه ذلك، فقيل: جمع بينهما تأكيداً.
وقيل: أراد عدلاً إن كان حراً، ثقة إن كان عبداً.
وقيل: أراد عدلاً في دينه، ثقة في علمه بالأوقات 7، والله أعلم.
قوله: "وقيل: سبب امتناعه 8 - صلى الله عليه وسلم -" 9 تقديره: وقيل: بل الأذان أفضل، وسبب امتناعه - صلى الله عليه وسلم - (من الأذان) 10 كذا وكذا.
وما ذكره من السبب في ذلك
يشتمل على دعاوى غير صحيحة، والصحيح في سبب ذلك 1: (أن) 2 اشتغاله - صلى الله عليه وسلم - بأعباء النبوة، والأمور المهمة كان يشغله عن التأذين؛ لاحتياجه إلى صرف وقتٍ في مراقبة المواقيت، كما امتنع الخلفاء الراشدون منه مع انتفاء ما ذكره من السبب فيهم.
وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "لو أطقت الأذان مع الخِلِّيفي لأذنت" 3. والخلِّيفي بكسر الخاء وتشديد اللام المكسورة: الخلافة 4، والله أعلم.
ومن باب استقبال القبلة
1
قوله في صخرة بيت المقدس.
"هي قبلة الأنبياء" 2 - صلى الله عليهم - مروي عن الزهري 3، ولم نجد له إسناداً صحيحاً 4. ومشهورٌ أن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وعلى نبينا - كانت قبلته الكعبة، وذلك هو السبب في ائثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استقبال الكعبة فيما رواه (ابن) 5 جرير الطبري 6 بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما 7. وروى أيضاً عن مجاهد 8 أن السبب: قول اليهود: يخالفنا محمَّد ويتبع
قبلتنا 1. وهذا أقوم من قول 2 صاحب الكتاب: "عيَّرته 3 اليهود وقالوا: إنه على ديننا ويصلّي إلى 4 قبلتنا" 5 وينبغي أن يفسر: بأنه على ديننا في 6 القبلة.
قوله: "وكان 7 يقف بين الركنين اليمانيين" 8 هو 9 مقتضى ما رويناه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يصلّى نحو بيت المقدس والكعبة بي يديه 10. فإن هذا إنّما يتهيأ بالوقوف بين الركنين اليمانيين.
والركنان اليمانيان: أحدهما: الركن الأسود الذي لا يسمى منفرداً بالركن اليماني، لكن هذا من باب قولهم في أبى بكر وعمر: العمران، وفي الأب والأم 11: الأبوان.
والياء في آخر اليماني غير مشددة عند جماهير النحويين لكونها ليست 12 ياء النسب؛
لأن الألف عوض منها 1، فلا يجمع بين العوض والمعوض 2. وأجاز المبرد 3، وغيره 4 تشديدها، وهو غريب شاذ عند أهل العربية، والله أعلم.
قوله: "وللاستقبال ثلاثة أركان: الصلاة، والقبلة، والمصلّي" 5 قلت: للإمام الغزالي - رحمه الله وإيانا - تصرف في استعمال لفظة الركن، كرره في تصانيفه، قد أشكل على الأكثرين 6 تحقيقه، وتنقيحه، ومع كثرة تداوره 7 في
كتبه لم أجد أحداً 1 تقدّم بكشفه من أهل العناية بكلامه، وقد منَّ الله تعالى الكريم بكشفه بعد مدة مديدة 2. ووجه الإشكال فيه: أن ركن الشيء عند الغزالي 3، وغيره 4: "ما تركبت حقيقة الشيء منه ومن غيره".
ثم إنه لا يزال في أمثال هذا 5 يستعمل الركن فيما ليس جزءاً من الحقيقة كما فعله ههنا؛ فإنه عدَّ الصّلاة، والمصلّى، والقبلة أركاناً للاستقبال، وليست داخلة في حقيقة الاستقبال قطعاً، ولا يستقيم أن يقال: إنه 6 أراد بالركن ما لا بدَّ منه في الاستقبال مثلًا تجوُّزاً منه؛ لأن ذلك يبطل 7 بالزمان والمكان، ويبطل بالشروط فإنها لا بدَّ منها وهو يجعلها غير الأركان.
فأقول - والله الموفق -: إنَّ ركن الشيء - فيما نحن بصدده، وفي 8 أمثاله - عبارة عمَّا لا بدَّ للشيء منه 9 في
وجود صورته عقلاً، إما لكونه داخلاً في حقيقته، وإما لكونه لازماً له به (اختصاص) 1، فقولنا: لا بدَّ له منه وجود صورته فيه: احتراز عن الشرط؛ فإنه لا بدَّ منه في وجود صحته شرعاً، لا في وجود 2 صورته 3 حسَّاً.
ومن أجل هذا اعتذر في كتاب النكاح حيث عدَّ 4 الشهادة من الأركان فقال: هي شرط لكن تساهلنا بتسميتها ركناً 5. وقولنا: لكونه داخلاً في حقيقته، أو لازماً له به اختصاص، أحترزنا به عن الزمان والمكان ونحوهما 6 من الأمور العامة التي لا بدَّ منها ولا تعد أركاناً.
وما جعله أركاناً للاستقبال بهذه المثابة فإنّه لا بدَّ في وجود 7 صورة 8 الاستقبال حسَّاً وعقلًا من: المستقبِل، والمستقبَل، وما فيه الاستقبال.
وهذه الأمور الثلاثة في هذا 9 الاستقبال الذي نحن بصدده هي: المصلي، والقبلة، والصلاة.
ثم إنّه قد يستعير اسم الركن للشرط، كما فعله في عده الترتيب في الوضوء من أركانه 10، وكذا في الشهادة في النكاح، والله أعلم.
ما ذكره من أن 1 الفريضة مع تمام أركانها لا تصح على البعير المعقول 2، وتصح في الزورق المشدود على الساحل 3. هو طريقة شيخه 4، ولا يقوى الفرق بينهما، ولا يرتضى ذلك، وهو خلاف نقل صاحب "التهذيب" 5، وغيره 6 من 7 أنه تجوز الفريضة (مع) 8 تمام أركانها على الدابة واقفةً.
وفي السائرة وجهان: أحدهما: الجواز كالسفينة الجارية 9، والله أعلم.
قوله: "روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - أوتر على البعير، فاستدلَّ به الشافعي على أنه 10 غير واجب" 11 هذا مشكل من حيث إنَّ الوتر كان واجباً على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 12، وقد
أداه مع ذلك على الراحلة 1. وسئلت عن ذلك بنيسابور - حرسها الله تعالى وسائر بلاد الإسلام وأهله - فأجبت: بأن الاستدلال بذلك وقع على نفي وجوبه على العموم، كما صار إليه أبو حنيفة 2. فنقول: لو كان واجباً على المكلفين على العموم لما جاز أداؤه على الراحلة كسائر الواجبات التي هي على العموم، وقد جاز أداؤه على الراحلة 3 بدلالة فعله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يكون 4 واجباً على العموم، ولا أثر للنزاع في 5 التسمية 6 التي لا مستند لها عند التحقيق إلا اصطلاح مجرد أريد به الفرق بين المقطوع بلزومه، وغير المقطوع.
وهذا الذي قررته حاكم بالإبطال على ما رأيته من بعد (من) 7 حكاية الروياني 8 صاحب "البحر" عن والده 9 من قدحه في الاستدلال المذكور، وقوله: لم يدل ذلك على نفي وجوبه عنه، فلأن لا يدل على نفي وجوبه عن غيره أولى، والله أعلم.
قوله: "فلو كان راكب تعاسيف فلا يتنفل أصلًا" 1 ذكر الأزهري 2 أن العسف: هو ركوب الأمر بغير رويَّة، وركوب الفلاة وقطعها من 3 غير صوب.
وقوله "فلا يتنفل أصلًا" أطلقه، وقد قيده شيخه في "النهاية" 4 فقال: "فلا يتنفل أصلًا إذا لم يكن مستقبلًا في جميع صلاته".
فأقول: التنفل على الراحلة رخصة من رخص السفر على ما تقرر 5، وراكب التعاسيف لا يترخص برخص السفر، فهو إذاً كالمقيم.
والمقيم لو تنفل على الدابة مستقبلًا للقبلة في جميع الصلاة ففي "النهاية" 6 عن القفال تجويز ذلك.
والصحيح أنه كالمتنفل مضطجعاً مع القدرة مومياً إلى الركوع والسجود، وذلك غير جائز على ظاهر المذهب 7، والله أعلم.
ما ذكره من أن تحريفه دابته عن صوب طريقه 8 عمداً مبطل لصلاته 9. ليس على إطلاقه؛ فإنه لو حرفها إلى القبلة لم تبطل صلاته؛ فإنها هي الأصل، وإنما هو مخصوص بما إذا حرفها عن صوب الطريق إلى غير جهة القبلة.
وبذلك قيد غيره كلامه في ذلك 10، والله أعلم.
ذكر أنّه إذا أماله عن قبلته إنسان وقصر الزمان فقيل البطلان وجهان.
وقال فيما إذا كان بجماح 1 دابته: الظاهر أنّه لا تبطل 2. فاعلم أنّهم قطعوا في الجماح بعدم البطلان مع قصر الزمان 3، فإن كان أراد بقوله "الظاهر أنّه لا تبطل" أن فيه خلافاً، فقد انفرد بذلك عن غيره 4، والله أعلم.
قوله في جماح الدابة: "لا يسجد للسهو إذ لا تقصير منه" 5 وجهه: أن ذلك فعل الدابة لا فعله، بخلاف انحرافه ناسياً، ومنهم من سوَّى فقال.
يسجد فيهما 6، والله أعلم.
قوله: "وإن كان في مرقد 7 فليتم الركوع والسجود" 8 وهكذا يلزمه استقبال القبلة في جميع صلاته لتيسره 9، والله أعلم.
ما ذكره من 10 أن 11 الماشي يتشهد لابثاً على الأرض، ولا يمشي إلا في حالة القيام 12 قد نقله الشيخ أبو محمَّد الجويني 13 عن نصِّ الشافعي، وأضاف
ولده إمام الحرمين نقل ذلك عن النصِّ إلى الأصحاب 1، وغيرهما نقل النصَّ في لبثه في الركوع والسجود دون التشهد وألحقوا التشهد 2 بالقيام في جواز مشي الماشي فيه؛ لطول زمانه، وإلى هذا صار الشيخ أبو حامد الأسفراييني 3، وغيره من العراقيين 4، وصاحبا 5 "التهذيب" 6، و"التتمة" 7 من الخراسانيين، وهو ظاهر المذهب 8، والله أعلم.
وأما قوله: "وحكم استقباله حكم راكب بيده زمام دابته" 9 فهذا إطلاق غير مرضي، والصواب فيه 10 ما ذكره شيخه 11 من أن هذا إنما هو على تخريج ابن سريج 12 في أن الماشي ليس عليه اللبث، وأنه كالراكب في جواز السير، والإيماء في الركوع وغيره.
فعلى هذا حكم استقباله في حالة التحرم وما بعده حكم راكب وغيره زمام دابته، وأما إذا فرعنا على النص، وظاهر المذهب في
وجوب اللبث في ذلك، فاستقباله القبلة في التحرم وهذه الأفعال واجب قطعاً، قطع به الأصحاب 1 ووجهه ظاهر، والله أعلم.
ذكر أنّه إذا استقبل وهو في جوف الكعبة - زادها الله شرفاً - بابها وهو 2 مفتوح والعتبة مرتفعة قدر مؤخرة الرحل جاز ذلك 3. فمؤخرة الرحل: الصحيح أنها بميم مضمومة، تاء همزة ساكنة، ثم خاء معجمة مكسورة، وفي آخرها 4 تاء التأنيث، وهي عبارة (عمَّا) 5 يستند إليه راكب الرحل من خلف ظهره 6. والرحل منزلته من ظهر الجمل منزلة البردعة 7 من ظهر الحمار.
ثم ما مقدار مؤخرة الرحل؟ ففي "النهاية" 8 في نفس هذه المسألة: "أنّها تقارب ثلثي ذراع".
وفي "المهذب" 9 في بيان سترة المصلّي ممّن يمر بين يديه أن مؤخرة الرحل: "ذراع"، (وذكره) 10 عن
عطاء 1. و 2 هذا قد رويناه في "السنن الكبير" 3 بإسناد صحيح عن عطاء - وهو ابن أبي رباح - وعن قتادة 4: "أنّها ذراع وشبر".
ورويِّنا من "سنن أبي داود" 5 عن عطاء قال: "مؤخرة الرحل ذراع فما فوقه".
وذكر ابن الصباغ 6، وغيره 7 أنّه يكفي في ذلك شاخص دون ذلك، ويجزئ أن يكون مستقبلًا جزءاً من البيت، والله أعلم.
قوله: "ولو غرز بين يديه خشبة فوجهان" 8 هذا عنده فيما إذا لم تكن مسمَّرة (فإن كانت مسمَّرة) 9 كفت من غير خلاف يجري فيها من جهة
الثبات 1. لكن في "النهاية" 2 أنّه يطرد فيه 3 الخلاف الآتي فيما إذا وقف على طرف الكعبة خارجاً ونصف بدنه خارجاً عن محاذاة الركن 4، والله أعلم.
قوله: "أمّا في سائر البلاد فيجوز الاعتماد على المحراب المتفق عليه" 5 يعني المتفق عليه بين 6 أهل البلدة على تعاقب الأزمان 7، وهذا مخصوص بالبلاد والقرى الكثيرة الأهلين 8. وقوله "فيجوز الاعتماد عليه" بل يجب الاعتماد عليه فيما يرجع إلى أصل جهته 9. ثم إنَّ في النفس إشكالًا من هذا الحكم.
ومن أحسن ما قيل في تقريره قول صاحب "الحاوي" 10 فيه: "إنّه يتعذر مع اتفاقهم على قديم الزمان، وتعاقب الأعصار، وكثرة العدد، أن يكونوا على خطأ يستدركه الواحد باجتهاده".
ولا يزول الإشكال بهذا؛ فإنهم بعض الأمة، بل عدد يسير بالنسبة إلى سائر الأمة، وبعض الأمة 11 يتمكن منهم 12 احتمال الخطأ، ولهذا لم يكن اتفاق مثلهم من العلماء على حكم من أحكام الشرع
حجة.
فأقول: إن لم يكن ذلك إجماعاً فالإجماع منعقد على اتباعه والعمل به 1؛ فإن جميع السلف والخلف مجمعون على أن 2 من انتهى إلى بلد صلّى إلى قبلة أهله ولم يجتهد، والله أعلم.
قوله في الأعمى: "قلَّد شخصاً، بصيراً، مكلفاً، مسلماً، عارفاً بأدلة القبلة" 3 ترك شرط العدالة 4 مع كونه 5 ذكر ما هو أوضح منه وهو التكليف وغيره، والله أعلم.
قوله: "وإن أرتج عليه طريق الصواب" 6 أُرتج هو بضم الهمزة، وإسكان الراء، وكسر التاء: أي أغلق عليه، ونفد نظره 7، بخلاف الذي ذكره قبله 8.
قوله: "فيصلّي على حسب حاله" 9 هو بفتح السين أي على قدر حاله 10، وأكثر الفقهاء يغلطون بتسكين السين منه.
قوله: "وأمّا البصير الجاهل بالأدلة" 11 يعني به: المتمكن من تعلمها 12، والله أعلم.
قوله: "أمّا إذا كان له الخطأ يقيناً ولم يظهر له جهة 1 الصواب إلا بالاجتهاد، ففي القضاء قولان مرتبان، وأولى بأن لا يجب؛ لأن الخطأ ممكن في القضاء فأشبه خطأ الحجيج يوم عرفة" 2 يرد عليه أن يقال: ليس مثله؛ لأن القضاء ليس على الفور، فهو متمكن من تأخيره إلى أن يصل إلي بعض محاريب البلد 3 التي يأمن معها من الخطأ.
وقد 4 اعترض إمام الحرمين 5 بنحو هذا على ذلك.
فأقول في تقريره: لو وجب القضاء لجاز له على الفور بالاجتهاد؛ فإنّه لا يجب تأخيره ولأمكن 6 فيه حينئذٍ من الخطأ ما ليس مثله فيما إذا بان له جهة الصواب يقيناً.
وهذا القدر كاف في ترتيبه عليه، وفي ثبوت الأولوية 7 (المذكورة) 8. وينبغي أن يشرح معنى 9 ترتيب الخلاف على الخلاف 10.
قوله فيما إذا بان له الخطأ في أثناء الصلاة: "الثاني: أنّه يستأنف؛ لأن الجمع في صلاة واحدة بين جهتين مستنكر" 1 قلت: الفرق بين هذا وبين فعل أهل قباء 2: أن ذلك جمع بين قبلتين كلّ واحدة منهما صواب، وهذا جمع بين جهتين 3 والقبلة واحدة، وإحدى الجهتين خطأ، فلا يجوز؛ كالجمع في قضيَّة واحدة بين حكمين مختلفين، والله أعلم.
قوله فيما إذا أدرك في أثناء الصلاة جهة الصواب على القرب: "مدة القرب تعتبر بما إذا صُرف وجه المصلّي عن القبلة قهراً" 4 هذا مشكل؛ فإنّه يسبق إلى الفهم منه 5 أنّه أحال على ذلك في بيان مقدار مدَّة القرب، وذلك حوالة على عدم؛ فإنه لم يذكر ذلك هنالك 6 والعهد به قريب 7. والأمر فيه 8 ما
ذكره شيخه 1 من أنّه يعتبر في ذلك طول الزمان وقصره؛ فإن طال بطلت صلاته، وإن قصر فوجهان وإن لم يمض ركن في تلك الحالة، ولا يعتبر في ذلك ما اعتبر فيما إذا شكَّ بعد التحرُّم بالصلاة 2 في النيَّة 3، ثم تذكَّر أنّه كان قد نوى، كما ذهب إليه الشيخ أبو محمّد 4 من أنّه إن مضى في حالة الشكِّ ركن لا يزاد مثله بطلت صلاته و 5 إن قصر الزمان، وإن لم يمضِ ركن لم تبطل صلاته، وإن طال الزمان فعلى أحد الوجهين؛ وهذا لأنه في حالة تردده في جهة القبلة في حكم المنحرف عن القبلة.
ثم إنّه ينبغي أن يرجع في معرفة طول الزمان إلى العرف، فإن لأهله حكماً شائعاً فيما طال من الزمان، وفيما قصر منه 6. وفيما علَّقته 7 ممّا علِّق عنه في الدرس تحديد طول الزمان بأن يمضي ركن أو وقت مضي ركن.
وهذا شيء آخر غير مرضي، والله أعلم.
ما 8 ذكره من الخلاف في أن مطلوب المجتهد في اجتهاده جهة الكعبة، أو عينها، ونسبته الخلاف إلى الأصحاب، وقدحه في القول بالجهة بدلالة الصف الطويل 9 القريب من الكعبة الخارج بعضه من محاذاة الكعبة، وقدحه في القول
بالعين بدلالة الصف الطويل البعيد، وتأويله قولهم، وقوله: "لعلّ مراد الأصحاب أن بين موقف المحاذي الذي يقول الحاذق فيه 1: انه على غاية السداد.
وبين موقفه الذي يقال فيه: إنه خرج فيه عن اسم الاستقبال بالكلية، مواقف يقال فيها: إنَّ بعضها أسدَّ من بعض، وإن كان الكل سديداً، فطلب الأسدَّ هل يجب؟ فيه وجهان" 2 فأقول: حاصل ما ذكره: القطع بأنّه يجب على المجتهد أن 3 يطلب باجتهاده استقبال 4 عين الكعبة ومحاذاتها من حيث الاسم لا من حيث الحقيقة التي من شأنها أنّه لو مدَّ خيط مستقيم من موقفه إلى الكعبة 5 لانتهى إليها نفسها، ورد الخلاف المذكور إلى أنّه هل 6 يجب طلب 7 الأقوم والأسدّ ممّا يشمله اسم الاستقبال، أو 8 يكفي مجرد ما هو سديد يشمله اسم الاستقبال، وإن لم يكن بالأسدِّ؟ 9 ثم إنَّ سياق كلامه يقتضي أن موقف المحاذي لها على غاية السداد ليس من قبيل الأسد المذكور، وليس كذلك بل هو منه وأولى.
إذا 10 فهمت ما صار إليه فاعلم أن هذه طريقة اخترعها إمام
الحرمين 1، واتبعه هو فيها مع تصرف يسير، والذي عليه نَقَلَةُ المذهب أن المسألة ذات قولين، لا ذات وجهين 2: أحدهما - وهو نصُّه في "الأم" 3 -: أن فرضه طلب عين الكعبة.
ومن الأصحاب من جعله المذهب قولًا واحداً، وقال: القول الثاني المنسوب إلى نقل المزني 4: أن فرضه الجهة، لا يعرف للشافعي، وإنّما هو قول أبي حنيفة 5، وهذه هي طريقة الشيخ أبي حامد الأسفراييني 6، وهذا القول هو الأصح عند جماعة منهم: القفال 7، ومن الدليل عليه حديث ابن عباس في "الصحيحين" 8 (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما دخل البيت، خرج وصلّى إليه وقال هذه القبلة).
ومن الدليل على القول بأن الجهة فرضه ما ثبت من قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) 9.
ومنهم من رفعه عنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمشهور وقفه على عمر - رضي الله عنه - 1. ثم إنّه لا يقدح في القول بالعين صحة صلاة 2 الصف الطويل كما ذكره؛ لأنّه كلما بعدت المسافة كثر المحاذي للعين حقيقة 3، ألا ترى أن النار المشتعلة على رأس جبل يقف من لا يحصى من الخلق في محاذاتها بحيث يكون كل واحد منهم محاذياً لعينها حتى لو مدَّ من موضعه خيطاً إليها لاتصل الخيط بها نفسها 4، ولأنّه إن خرج بعضهم عن مسامتة 5 عينها حقيقة فهو غير متعين فلا يحكم على أحد متهم ببطلان صلاته لذلك، كما لو صلّى أربع 6 إلى 7 أربع جهات بأربع اجتهادات 8. ثم إنا لو سلكنا طريقة من يفسر استقبال 9 عينها بما يعد استقبالًا لعينها اسماً لا حقيقة، واكتفينا بذلك، لكنا مكتفين بأصل اسم 10 الاستقبال
مسوِّين بين جميع من يشمله اسم المستقبل 1 من غير تخصيص للأسدِّ كما ذكره.
وأمّا قدحه في القول بأن فرضه الجهة بدلالة أن الصف القريب من الكعبة إذا خرج بعضهم عن محاذاة عين الكعبة لم تصح صلاته، وإن كان مستقبلًا للجهة.
فأقول: إنه غير ممتنع من 2 أن يفرق في ذلك بين القريب والبعيد 3؛ فيكتفى في حق البعيد بالجهة، وإن لم توجد محاذاة العين أصلًا، ترخيصاً وتوسعةً؛ لما في إيجاب محاذاة العين عليه من الإحواج 4 إلى تعلم 5 أدلة القبلة مع العسر في تعلمها واستعمالها.
فقد قررنا - ولله الحمد الأكمل - وجه ما اشتهر بين العلماء منا ومن غيرنا من الاختلاف في أن الفرض طلب عين الكعبة أو جهتها، ووضح معناه من غير حاجة إلى سلوك المضيق الوعر الذي سلكه صاحب الكتاب وشيخه ومن أخذ عنهما، والله أعلم.
قوله: "ولو قطع بخطئه، فيلزمه القبول" 6 يعني سواء كان القاطع بخطأ مقلِّده أعلم من مقلَّده، أو دونه، أو مثله، وإن ساوى مقلّده في كونهما مجتهدين؛ نظراً إلى كونه قطع والأول لم يقطع.
هكذا نقل ذلك إمام
الحرمين 1 عن الأئمة.
وأنا أقول: هذا فيه نظر وينبغي أن لا يقبل منه إذا كان دون الأول، أو مثله كما لو لم يقطع؛ لأنّه في نفس الأمر ظان فهو في قطعه مجازف, واضعٌ للقطع في غير موضعه، فلا يقع به ترجيح، وهذا في غاية الاتجاه 2، والله أعلم.
ومن الباب الرابع في كيفية الصلاة
قوله: "أفعال الصلاة تنقسم إلى أركان، وأبعاض، وسنن" 1 قلت: ركن الصلاة عبارة عما هو جزء من أجزائها الأصلية، وحقيقتها متركبة منه ومن غيره، وفي قولي: الأجزاء الأصلية: احتراز 2 عن السنن, والأبعاض، وغيرها، التي إذا وجدت كانت معدودة من أجزائها، ولكنها ليست أجزاء أصلية؛ لكون 3 حقيقتها توجد بدونها.
وفي ذلك أيضاً احتراز 4 عن الشروط؛ فإن الشرط خارج عن حقيقتها مع كونه أمراً وجودياً يتوقف عليه صحتها.
وفي قولي: وجودي: احتراز عن عدم المانع؛ فإنّه أمر خارج يتوقف عليه صحتها، ولكنه ليس أمراً وجودياً 5 فاعلم ذلك، والله أعلم.
وأمّا تسمية 6 ما يجبر بالسجود من السنن أبعاضاً 7. فقد نقل إمام الحرمين 8 هذه التسمية عن الأئمة وذكر في توجيهها ما معناه موضحاً: أن كل واحدة 9 منها أطلقوا عليه أنّه 10 بعض السنن التي تجبر بالسجود؛ فإن البعض يطلق
على الأقل وهي كذلك، ثم قالوا 1 في جميعها: الأبعاض التي تجبر بالسجود ثم اختصروا فقالوا: الأبعاض.
وهذا تكلف، وهذه التسمية إنّما هي من قول بعض الأصحاب 2، ولعلّ الوجه في تسميتها بذلك: أن هذه السنن 3 لما تأكدت حتى جبرت بالسجود مُيِّزت عن سائر السنن باسم يشبه اسم الأركان التي هي أجزاء على الحقيقة إشعاراً بتأكدها 4. ثم وجدت نحو هذا محكياً عن بعضهم 5، ولله الحمد.
قوله: "وأمّا النية فبالشروط أشبه، ولو كانت النية ركناً لافتقرت إلى نيّة" 6 قد خالف هذا في نيّة الصوم، فإنّه جعلها فيه ركناً 7. والمسألة فيها وجهان محكيان 8. وقوله "لو كانت ركناً لافتقرت إلى نيّة" يمنع ويقال 9: لما افتقرت حينئذٍ إلى نيّة تعين ما نذكره من امتناع 10 أن تكون النية منوية، ولكان 11 يفرق
بينها وبين سائر 1 الأركان بهذا الفارق، فينبغي أن لا يقول: لافتقرت.
ويقول: لكانت 2 منوية بنية الصلاة المشتملة على جميع أركانها، ولا يعقل أن تكون النية منوية 3، والله أعلم.
قوله في بيان حقيقة النيَّة: "ليس فيها نطق، و 4 نظم حروف لا بالقلب ولا باللسان.
نعم تستحب مساعدة اللسان للقلب 5 " 6 لا تناقض في هذا، ومعناه: أن النطق المعبِّر عن النيَّة باللسان ليس نيَّة في الحقيقية، وإنّما هو إعانة على حضور حقيقة النية في القلب 7، والله أعلم.
قوله: "قال الشافعي: ينوي مع التكبير لا قبله ولا بعده" 8 إنّما لفظه على ما نصَّ عليه المزني 9: "نوى صلاته في حال التكبير لا بعده ولا قبله" وهذا اللفظ يحتمل من اختلاف الأصحاب الواقع في ذلك ما لا يحتمله ما ذكره 10.
قوله 1 في الوجه الأول: "يبسط النية على التكبير بحيث ينطبق أولها 2 على أوله، وآخرها 3 على آخره" 4 و 5 هذا تساهل منه في العبارة؛ فإن نفس النية 6 عنده وعند المحققين لا يتصور انبساطها؛ فإنها قصد، والقصد إنّما يوجد في لحظة واحدة، وإنّما الذي ينبسط 7 على التكبير على هذا الوجه علوم متعددة بصفات الصلاة المنوية، متعددة من كونها: ظهراً، و 8 فرضاً، وغيرهما، فيحصرها 9 في ذهنه من أول التكبير إلى آخره، فإذا تكامل في ذهنه في آخر التكبير العلم بصفات الصلاة قصد حينئذٍ فعلها، فينطبق على أول التكبير أول تلك العلوم، وعلى آخره القصد إلى فعل الصلاة الموصوفة بتلك الصفات المعلومة، وآخره هو وقت انعقادها فليقترن نفس النية به!.
وقد أشار إلى هذا فيما أتى به من التحقيق بعده 10، وهذا تحقيق سبق إليه شيخه إمام الحرمين
فذكر ما شرحه 1: أن النية نفسها لا يتصور انبساطها على أزمنة مترتبة، وإن الذي يترتب وينبسط علوم متعاقبة متعددة.
أمّا على قول من قال: يقرن النية بهمزة التكبير، ويستديمها إلى آخر التكبير 2 فهي العلوم المتعلقة بصفات الصلاة المنوية، فمن لم يهجم على قلبه تلك العلوم كما هو الواقع في العادة يقدم استحضار تلك العلوم في ذهنه قبل التكبير فإذا اجتمعت قصد فعلها بصفاتها قصداً مقترناً بأول التكبير 3 فتكون نفس النية مقرونة بأول جزء من التكبير، والمتقدم إنّما هو العلم بصفات الصلاة.
ثم المستدام إلى آخر 4 التكبير ليس نفس 5 النية لما سبق، وإنّما هو العلم بجريان النية، وبذكرها بقلبه، وحاصل ذلك علوم أخر مترتبة متعلّقة بغير ما تعلّقت به 6 تلك العلوم المتقدمة، إذ تلك متعلّقة بصفات الصلاة، وهذه متعلّقة بجريان نيّة الصلاة بصفاتها.
وأمّا على الوجه الآخر - الأوّل في الكتاب - فلا يقدم عليه تلك العلوم بصفات الصلاة على التكبير، بل يبسطها من أوله إلى آخره، ويقرن نفس النية بآخر التكبير.
ولا يبعد 7 عند إمام الحرمين على هذا الوجه
جواز تأخير 1 أولها عن أول التكبير؛ لأن الاعتبار على هذا 2 إنّما هو باقتران نفس النية بآخر 3 التكبير، إذ به يقع الانعقاد.
هذا إيضاح ما ذكره، ثم إنّه اختار من عنده أنّه لا يلزم التدقيق المذكور في تحقيق مقارنة 4 النية، وأنّه يكفي المقارنة العرفية العاميَّة 5 بحيث يعد مستحضراً لصلاته غير غافل عنها اقتداء بالأولين في تساهلهم في ذلك 6. ووافقه على ذلك صاحب الكتاب في "بسيطه" 7. وقدح قادح فيما قاله إمام الحرمين في امتناع بسط نفس النية وقال: لا مانع من 8 بسط النية إلا كونها 9 عرضاً فرداً، والعرض الفرد لا يتصور بسطه 10. وذلك لازم له في العلم والذكر؛ لأنّها أعراض لا يمكن بسط الفرد منها، فإن عني ببسط العلوم توالي أمثالها، فذلك جوابنا في بسط النية، إذ لا معنى لبسط العرض واستمراره إلا توالي أمثاله، وهذا لا يستقيم؛ لأن قوله: "يبسط النية"، مريداً به: توال نيات أمثال.
إن أراد به أنّه يتذكر نيته، وتذكرها بقلبه ذكراً بعد ذكر، فهذا لم يمنعه الإمام بل أثبته على القول باقتران النية بهمزة
التكبير، وهو الأصح الأشهر، وذلك على الحقيقة إنّما هو علوم بجريان النية متعاقبة إلى آخر التكبير، وليست نيات أمثالًا، فلا يتحقق به ما ادعاه من بسط النية نفسها.
وإن أراد به توالي نيات متجددات ينشئها نيّة بعد نيّة، فهذا باطل مُبْطَل؛ لأن النية الثانية تتضمن إبطال ما قبلها على ما 1 عرف فيمن كبَّر في إحرامه بالصلاة تكبيرات بنيات منشأت 2، إذ من ضرورة إنشاء عقد حلُّ ما انعقد قبله؛ فإن المنعقد لا يعقد، فكيف يستقيم إلحاق النيات المتنافية بالعلوم المتواردة 3؟، والله أعلم.
قوله في التكبير: "من غير قطع ولا عكس" 4 فقوله "من غير قطع" احتراز من قوله: الله الجليل أكبر.
قوله 5 "ولا عكس" احتراز من قوله: أكبر الله.
وما ذكره من أن 6 قوله: "أكبر الله 7 "، لا يسمى تكبيراً.
وقوله: "عليكم السلام" يسمى تسليماً 8. توجيهه: أن العرب اعتادت في التسليم قولها: عليك سلام الله، ونحوه، ولم تعتد في التكبير: أكبر الله 9، والله أعلم.
تحقيق الفرق في أن العاجز عن التكبير يأتي بمعناه، والعاجز عن الفاتحة لا يأتي بمعناها 1: أن النظم المعجز لا يتهيأ الاحتواء على لطائف معانيه ودقائقه في ترجمته وتفسيره، بخلاف غير المعجز؛ ولأن معنى التكبير منتظم ذكراً، ومعنى الفاتحة لا ينتظم كله ذكراً، ولا إعجاز في التكبير 2، والله أعلم.
قوله في الاحتجاج للقول بأن الرفع إلى حذو المنكبين: "رواه أبو حميد الساعدي 3 في عشرة من جملة الصحابة" 4 أي رواه أبو حميد 5 بمحضر من عشرة من الصحابة هو أحدهم، أو زائد عليهم فصدقوه.
والحديث ثابت رواه البخاري 6 من غير بيان لعددهم ذاكراً 7 أن ذلك في نفر منهم.
وعند أبي داود 8، وغيره 9 بيان أنّهم كانوا عشرة.
وعلى وفق روايتهم المذكورة رواية ابن
عمر في "الصحيحين" 1، ورواية علي ابن أبي طالب فى "سنن أبي داود" 2، ورواية غيرهم 3. وأمّا الرفع إلى محاذاة الأذنين 4 فقد رواه مالك بن الحويرث 5، ووائل بن حجر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - روى ذلك مسلم في "صحيحه" 6. وفي رواية لأبي داود 7 في حديث وائل بن حجر: (رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه)، وهذا شاهد لما ذكر صاحب "شرح السُّنَّة" 8 من أنّه حكى عن
أبي ثور عن الشافعي أنّه جمع 1 رواية المنكبين ورواية الأُذُنَين هكذا.
وفي رواية أخرى قليلة عن وائل 2: (إبهاميه إلى شحمة أذنيه) 3. ثم إنَّ المشهور في المذهب قطع القول بالرفع إلى حذو المنكبين 4، ورجحه الشافعي 5 بأنّه أثبت إسناداً، ورواه عدد من الصحابة رضي الله عنهم، وهو مرجح أيضاً بأن الرواية اختلفت 6 عمن روى الرفع إلى محاذاة الأُذُنَين بخلاف من روى الرفع إلى حذو المنكبين 7.
والقول بالرفع إلى حذو الأُذُنَين منسوب فيما لا تحصيه من كتب المذهب 8 إلى أبي حنيفة، ومعدود ذلك من مسائل الخلاف بيننا وبينه.
وأمّا الذي في "الوسيط" من جعل ذلك قولًا للشافعي 9 فغريب 10، وما ذكره من الحكاية عن
الشافعي من جمعه بين الروايات لما سئل عن ذلك 1 حين قدم العراق 2، هو هذا القول الثاني الغريب بزيادة شرح، وكذا هو في كتاب شيخه 3 جعل في المسألة قولين فحسب، وثانيهما على ما ذكرته 4، وذكر أنّه على القول بالرفع إلى 5 حذو المنكبين لا يجاوز بأصابعه منكبيه.
وأمّا الواقع في بعض نسخ 6 "الوجيز".
من جعل ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها أنّه يرفع إلى حذو منكبيه.
والثاني: إلى أن يحاذي رؤوس أصابعه أذنيه.
والثالث: إلى أن يحاذي أطراف أصابعه أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وكفاه منكبيه 7. فيما لا يعرف، ولا صحة له 8، وجماهير الأصحاب لم يذكروا في المسألة خلافاً، بل منهم من قطع بقول الرفع إلى حذو المنكبين، وذلك هو الأكثر، والأشهر كما سبق 9. ومنهم من قطع بالجمع بين الروايات 10 وهو 11 من المستغرب.
والحكاية
المذكورة في الكتاب في الجمع عن صاحب المذهب الشافعي 1، قد كنت أستنكرها، ولا أراها 2 تصح عنه، ثم وجدت مصداق ذلك في كتاب "التقريب" 3 وعلقته منه بنيسابور: ذكر أنّه حُكي له ذلك عن الشافعي.
ثم استنكره، وذكر أنّه لم يجد له أصلًا في أمهات كتب الشافعي، وأن الموجود في الكتاب القديم: أنّه يرفع إلى حذو المنكبين 4. قلت: وإن لم يصح ذلك رواية عن الشافعي فهو متجه، وقد اختاره صاحب الكتاب في تدريسه له 5، والله أعلم.
ذكر أن (في) 6 وقت رفع اليدين أوجهاً ثلاثة نسب كل وجه منها إلى رواية صحابي 7، وليس ما ذكره بعينه، ولفظه وارداً في رواياتهم؛ فقوله: "إنّه يرفع غير مكبِّر ثم يبتدئ التكبير عند إرسال اليد وهي رواية الساعدي" يعني المروية في عشرة من الصحابة، وفيها (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبَّر حتى يقرَّ كل عظم 8 في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ).
رويناه في كتاب أبي داود 9 هكذا بكلمة "حتى" التي للغاية، وهي تدل
بالمعنى على ما ذكره.
ورواية البخاري 1 (رأيته إذا كبَّر جعل يديه حذاء 2 منكبيه) وهذا لا يدل على ذلك، بل على خلافه، والله أعلم.
قوله: "وقيل يبتدئ الرفع مع التكبير، فيكون انتهاء التكبير مع انتهاء اليد إلى مقرها، وهذه 3 رواية وائل بن حجر" 4 فقوله "إلى مقرهما 5 " معناه: إلى مقرهما من الصدر، فذلك هو مقرهما لا غير.
وهذا 6 ما ذكره صاحب "التقريب" 7، فإنّه قال فيه: "ينهيه مع انتهاء الإرسال" 8.
قوله 9 في الوجه الثالث: "قارتان حذو منكبيه" 10 لا يستفاد منه تفسير مقرهما ههنا بحذو المنكبين؛ فإن ذلك القرار إنّما هو على الوجه الثاني 11، أمّا على هذا الوجه فلا يقرهما إذا حاذى منكبيه، وإذا كان كذلك فهذا خلاف ما