الفصل الرابع: دراسة كتاب "شرح مشكل الوسيط"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قوله: "إذا اختلف موقف الصف الواقف خلف الإمام ارتفاعاً وانخفاضاً" فشرح ما ذكره فيه 1: أنه يشترط الاتصال بين المستفل وبين المعتلي 2 الواقف إلى جانبه، بأن يكون المستفل بحيث يلقى رأسه ركبة المعتلي، فلو كان المستفل قصيراً، والمعتلي طويلاً نظر فإن كان موقف المستفل بحيث يلقى رأسه ركبة المعتلي لو كان لكل واحد منهما قامة معتدلة كفى ذلك 3، وصاحب "التقريب" لم يعتبر الركبة في كل 4 ذلك وقال: "يكفي أن يلقى قدمه" 5، والله أعلم.
قوله: "كما إذا قال: بعت هذه الرمكة فإذا هي نعجة" 6 هكذا وقع في كلامه، والرمكة هي الأنثى من البراذين 7، ولا تشتبه 8 بالنعجة، وصوابه: فإذا هي بغلة، والله أعلم.
قال: "الشرط الخامس: الموافقة.
ثم قال: الشرط السادس: المتابعة 1 وكل واحد من هذين اللفظين يصلح لأَن يكون في موضع الآخر، لكن اصطلح مع نفسه فعبَّر بالموافقة عن مجانبة مخالفة الإمام في ترك سجدة التلاوة ونحوها، وبالمتابعة عن مجانبة مخالفته في وقت الفعل تقدماً وتأخراً، لا 2 في أصل الفعل، والله أعلم.
قوله في "المسبوق إذا أدرك بعض الفاتحة فثلاثة أوجه: أحدها: يترك القراءة ويركع.
والثاني: يتمم؛ لأنه التزم بالخوض.
والثالث: إذا اشتغل بدعاء الاستفتاح فقد قصَّر فليتدارك وإلا فليركع.
فإن قلنا 3: يتدارك فرفع الإمام رأسه من الركوع قبل ركوعه فقد فاتته هذه الركعة، وتبطل صلاته على أحد الوجهين؛ لأن هذا الركوع قائم مقام ركعة فكأنه سبقه بركعة، وهو بعيد" 4 يعني: لأنه ركن واحد والسبق بركن غير مبطل 5. هذا مشكل من حيث إنه أطلق قوله في التفريع "فإن قلنا: يتدارك" فأوهم أنه على الوجه الثاني المقول 6 فيه: بوجوب تدارك ما بقي من الفاتحة لكونه التزم ذلك بالشروع فيها: تفوته تلك الركعة إذا رفع الإمام رأسه من الركوع قبل فراغه من التدارك، ومن
المعلوم المسطور أنه ليس كذلك، وأنه يكون مدركاً للركعة وإن لم يلحق الإمام إلا بعد أركان، فلا يضره ذلك لكونه معذوراً غير مقصِّر في 1 التخلف 2. وأحسب هذا الإيهام تعدى إليه - رحمه الله وإيانا - لما ذكره في درسه بعد طول العهد فإني رأيت هناك بخراسان في "الوسيط" الذي علَّقه عنه من الدرس ضابط يقظ من تلامذته: هذا مذكور 3 على أنه وجه زيَّفه، وذكر فيه أنه قد قيل: إن هذه الركعة قد فاتته؛ لأن المسبوق إنما يدرك الركعة إذا أدرك الإمام في الركوع، ثم قال: وليس بشيء، بل الأصح أنه يكون مدركاً للركعة، فإن قلنا: فاتته الركعة ففي بطلان صلاته وجهان 4. وهذا التزييف إنما يتأتي 5 على تقدير حمل ذلك على إطلاقه بحيث يندرج فيه الوجه الثاني.
أما إذا خصصناه بالوجه الثالث القول فيه بالتدارك بناءً على تقصيره 6 كما سنبينه إن شاء الله تعالى، فلا وجه لتزييفه، وقد حدثني بعض أصحابنا الطوسيين غير مرة أنه أرسله من استشكل ذلك بطوس 7 إلى من كان عنده أصل 8 الإمام الغزالي بخطه من ذريَّة
ابنته فأخرج له الأصل، وإذا فيه: فإن (قلنا) 1: لا يتدارك.
و"لا" فيه ملحقة، وليس الأمر في ذلك على ذلك، وإنما هو في "الوسيط": "فإن قلنا: يتدارك" من غير "لا" 2، ووجهه: أنه مخصوص بالتدارك المقول به في الوجه الثالث؛ فإنه مبني فيه على التقصير، دون التدارك المقول به في الوجه الثاني؛ فإنه غير مبني على تقصيره بل على أن الشروع 3 مُلْزم.
وهذا التخصيص مصرَّح به في "البسيط" 4، وكذلك صرَّح في "النهاية" 5 بأن الحكم بفوات الركعة وما تفرَّع عليه جار على الوجه الثالث نحو جريانه على الوجه الأول المقول فيه بوجوب الركوع، إذا خالف ولم يركع بل قرأ حتى فاته الركوع، والله أعلم.
ومن كتاب صلاة المسافرين
ذكر أن حدَّ السفر: (الانتقال مع ربط القصد بمقصد معلوم) 1. وهذا يحتاج إلى تمام بأن يقال: الانتقال من محل الإقامة؛ كيلا ينتقض بالانتقال من دار إلى دار هما في بلدة واحدة ونحو ذلك.
وقوله: "الهائم، وراكب التعاسيف لا يترخص" 2 قال الشيخ أبو الفتوح العجلي: هما عبارتان عن معبَّر 3 واحد 4. وليس كذلك إنما الفرق بينهما مما يشكل، والفرق والله أعلم: أن الهائم الذي خرج على وجهه ولا يدري أين يتوجه وإن سلك طريقاً مسلوكاً.
وراكب التعاسيف: لا يسلك طريقاً، وكلاهما مشتركان في أنهما لا يقصدان 5 مقصداً معلوماً 6، والله أعلم.
قوله في ابتداء السفر أنه: "الانفصال عن الوطن، والمستقر" 7 فالمستقر أعم من الوطن؛ فإنه يشمل مقر المقيم غير المستوطن 8.
قوله في السفر من البلد غير المسوَّر: "لا يشترط مجاوزة المزارع، والبساتين التي يُخرج إليها للتنزه" 1 فقوله "للتنزه" احتراز مما إذا كانوا يسكنونها ولو في بعض فصول السنة، فإنه يشترط في الترخص مجاوزتها 2، والله أعلم.
ما ذكره في ترخص المسافر من قرية من أنه لا بدَّ فيها من مجاوزة المزارع والبساتين المحوطة دون التي ليست بمحوطة 3. مخالف لما ذكره غيره؛ ففي طريقة العراق: أن القرية كالبلدة في أنه ليس يشترط مجاوزة البساتين والمزارع 4. وفي طريقة شيخه إمام الحرمين: أنه لا يشترط في القرية مجاوزة المزارع محوطة كانت أو غير محوطة، ويشترط مجاوزة البساتين إن كانت محوطة، ولا يشترط إن لم تكن محوطة 5، والله أعلم.
قوله: "النادي والدمن" 6 فالنادي ههنا: مجلس الناس ومجتمعهم للحديث 7. والدِمن: بكسر الدال المهملة جمع دمنة وهي ما تلبد من
السرجين 1 ونحوه، وقيل: أراد بها مطارح التراب، والمواضع التي يتردد أهل الخيام إليها 2.
قوله: "قال الشافعي: لو نزلوا في وادٍ والسفر في عرضه 3 فلا بدَّ من جزعه" 4 فقوله "في عرضه" لك أن تقرأه بفتح العين، ولك أن تقرأه بضمها أي جانبه، وهو بضمها أيضاً: وسطه، والجميع راجع إلى معنى واحد 5، وفيه احتراز مما إذا كان السفر في طول الوادي.
وجزعه: هو بفتح الجيم، وإسكان الزاي المنقوطة أي قطعه 6. وهذا وما ذكره في الربوة والوهدة 7 المراد به ما إذا لم يتسع ذلك بحيث يخرج عن كون جميعه منسوباً إليهم 8. أما إذا اتسع فلا يعتبر غير مجاوزة الخيام، والنادي، والدمن، وملعب الصبيان، وحظائر الإبل والغنم، ونحو ذلك 9. وفي قول صاحب الكتاب في المحتطب: "إلا أن يتسع بحيث لا يختص بالنازلين" 10 تنبيه على ذلك، والله أعلم.
قوله في الإقامة: "إذا زادت على ثلاثة أيام انقطع الترخص، ولا يحسب في الثلاث يوم الدخول ويوم الخروج" وكذلك قوله في العزم على الإقامة مدة تزيد على ثلاثة أيام 1. فهذه عبارة شيخه أيضاً 2. وعبارة الشافعي 3، ومعظم أصحابه 4 في ذلك إقامة أربعة أيام، ومفهومه وما صرَّح به بعضهم أنه لا يعتبر في ذلك الزيادة على ثلاثة أيام إذا لم تبلغ الأربعة 5، وعبارة صاحب الكتاب عند التحقيق راجعة إلى ذلك؛ لأنه وإياهم لا يحسبون في ذلك يومي الدخول والخروج، ويلزم من ذلك أن يكون ما ذكره 6 من الزيادة على ثلاثة أيام تمام الأربعة وهو يوم؛ لأن ما دون اليوم يكون يوم الدخول، أو يوم الخروج لا محالة، وقد اشترطنا في الزيادة أن تكون خارجة عن يومي 7 الدخول والخروج، وهذا لطيف فافهمه، ولا نقول مثل ذلك في عبارة شيخه؛ لأنه قد صرَّح بالمخالفة فقال: "إن نوى مقام أربعة أيام، أو مقام ثلاثة أيام ولحظة صار مقيماً" 8. وإنما يستقيم هذا مع القول باحتساب يومي الدخول والخروج،
وسياق كلامه يشعر 1 بأن في ذلك خلافاً، وهو 2 كذلك؛ فقد حكى فيه صاحب "التهذيب" 3، وغيره 4 وجهين، والله أعلم.
قوله: "ثم المقيم فوق الثلاث إذا كان عازماً على أن شغله لا يتنجَّز في الثلاث فلا يترخص" 5 هذه عبارة غير مرضية، وقد غيرت في بعض النسخ، وتمامها، وتحريرها بأن يقال: المقيم فوق الثلاث إذا كان عازماً من الابتداء على أن شغله لا ينجزه 6 في الثلاث، فيجعل التنجيز من فعله، والله أعلم.
قوله: "روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصر في بعض الغزوات ثمانية عشر يوماً، وروي سبعة عشر يوماً، وروي عشرين يوماً" 7 أما ثمانية عشر، وسبعة عشر ففي إقامته - صلى الله عليه وسلم - عام فتح مكة، وفي حرب هوازن 8. أما ثمانية عشر فقد رويناه في
"سنن أبي داود" 1، ورويناه في كتاب "السنن الكبير" 2 عن عمران بن الحصين، وفي إسناده علي بن زيد 3 وليس بالقوي 4. وأما رواية سبعة عشر بنقصان ثلاثة من عشرين فقد رويناه من وجوه عن ابن عباس رضي الله عنهما، منها في "السنن" لأبي داود 5. لكن الذي روينا 6 عن ابن عباس في "صحيح البخاري" 7
تسعة عشر، بنقصان واحد من عشرين، وذكر الحافظ أحمد البيهقي أن هذه أصح الروايات عن ابن عباس، قال: "ويمكن الجمع بينهما بأن يكون من قال 1: سبعة عشر يوماً لم يعد يوم الدخول، ويوم الخروج، ومن قال: تسعة عشر عدهما، ومن قال: ثمانية عشر عدَّ أحدهما، والله أعلم" 2. وأما رواية عشرين يوماً ففي غزوة تبوك 3، روينا من حديث جابر بن عبد الله قال: (أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة) أخرجه أبو داود 4، وذكر 5 الحافظ أحمد البيهقي أنه غير محفوظ مسنداً، بل مرسلاً من غير ذكر جابر 6. فالأصح إذاً ما رواه البخاري وهو تسعة عشر يوماً، وهذا يقتضي تعينها 7 دون سائر الأعداد على القول بأنه لا تجوز الزيادة في ذلك على مدة إقامته
عازم، قاصراً صلاته على النبي 1 - صلى الله عليه وسلم - 2. وحكى إمام الحرمين 3، وغيره 4 في ذلك طريقين: أحدهما: أن في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنها سبعة عشر.
والثاني: ثمانية عشر.
والثالث: عشرون.
والثاني: أن المعتمد ثمانية عشر.
قلت: والذي رأيته في كلام الشافعي ولم يحكِ صاحب "الحاوي" غيره 5: سبعة عشر أو ثمانية عشر على الترديد.
وهذا يقتضي الاقتصار على الأقل 6 سبعة 7 عشر، ولا ينبغي أن يعدل عن اختيار ما حققناه؛ فإنه من تحقيق أهل الحديث، وعليهم الاعتماد في مثل هذا.
وفي كتاب إمام الحرمين من المزال عن وجهه في هذا المقام: أنه عكس فجعل رواية ثمانية عشر عن ابن عباس، ورواية سبعة عشر عن عمران بن الحصين، وأنه جعل رواية عشرين يوماً واردة في غزوة فتح مكة 8، وإنما وردت في غزوة تبوك كما سبق ذكره، والله أعلم.
قوله: "روى أن ابن عمر رضي الله عنهما أقام على قتال بأذربيجان ستة أشهر، وكان يقصُر" 9 هذا رويناه في "السنن الكبير" 10، وإسناده
جيَّد 1. وأذربيجان الأفصح أنها بهمزة في أولها مفتوحة من غير مدٍّ، ثم ذال معجمة ساكنة، ثم راء مفتوحة، ثم باء موحدة مكسورة.
ويقال.
بهمزة ممدودة، ثم ذال مفتوحة، ثم راء ساكنة، وهذا أشهر، وهي ناحية تشتمل على بلاد معروفة 2، والله أعلم.
ما ذكره من أن السفر الطويل حدُّه 3 بالأميال 4 ثمانية وأربعون 5 ميلاً بالهاشمي 6، وكل ثلاثة أميال فرسخ 7. فالميل: أربعة آلاف خطوة، وكل خطوة ثلاثة أقدام 8، فكل ميل إذاً: اثنا عشر ألف قدم.
والمعتبر في كل ذلك الوسط 9. وقوله "بالهاشمي" نسبة إلى بني هاشم 10، وفيه احتراز من أميال
بني أميَّة، (و) 1 هي أكبر، وبها حدَّد 2 الشافعي في القديم فقال: أربعون ميلاً 3. يريد أميال بني أميَّة، والمقدار واحد 4. وأخطأ بعض الشارحين "للوجيز" فأفحش 5؛ فزعم أن ذلك نسبة إلى هاشم جدِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 6. وكأنه لم يدر 7 أن النسبة إلى بني هاشم: هاشمي، وليس يخفى أن ذلك لا يلائم حال هاشم، وإنما يلائم حال بني هاشم حين أفضت الخلافة إلى بني هاشم لما تولاها 8 بنو العبَّاس، والله أعلم.
ذكر أن الرخص المتعلقة بالسفر الطويل والقصير 9 أربع: الصلاة على الراحلة، وترك الجمعة، والتيمم، وأكل الميتة 10. قال تلميذه محمد بن يحيى: "تناول الميتة رخصة السفر والحضر جميعاً مهما تحققت الضرورة" 11. قلت: إنما يجعل 12 أكل الميتة من رخص السفر حيث يكون الاضطرار ناشئاً من السفر
في حق من كان بحيث لو أقام في الحضر لم يضطر، وهكذا التيمم بسبب عدم الماء، وذلك هو الغالب؛ فإن عدم الطعام والماء 1 لا يكاد يقع في الحضر.
وقد يقال في التيمم: إنه أراد التيمم الذي لا تجب إعادة الصلاة المؤداة به، فإن ذلك يعم السفر الطويل والقصير على أصح القولين 2. ولكن ذلك مخالف لظاهر لفظه، والله أعلم.
قوله: "القيد الثالث: المباح" 3 لم يرد بالمباح ههنا ما قرره في أصول الفقه من أن المباح: ما استوى طرفاه في عدم الثواب والعقاب 4. إنما المباح ههنا على اصطلاح الفقهاء، وهو: ما 5 لا حرج في فعله 6. فيدخل فيه الواجب والمندوب إليه، والله أعلم.
قوله في شرط القصر: "هو اثنان: أحدهما: أن لا يقتدي بمتم.
والثاني: أن يستمر على نية القصر جزماً في جميع صلاته" 7 هذا يفهم منه انحصار الشرط 8 في هذين الاثنين، وليس كذلك، فإن له شروطاً منها: أن لا يقيم في جزء من صلاته، بل يستمر سفره من أولها إلى آخرها، فلو نوى الإقامة في أثناء
صلاته، أو طرأت الإقامة نفسها بأن 1 انتهت السفينة وهو يصلي فيها إلى وسط بلده، لزمه الإتمام.
ومنها: علم القاصر بجواز القصر، فلو قصر جاهلاً بذلك 2 لم يصح قصره وإن نوى؛ لأنه لا يجوز له ترك ما أمر به من الإتمام من غير علم بما يجوز له تركه 3، والله أعلم.
(قوله) 4 في عدم اشتراط الترتيب على أحد الوجهين فيما إذا أخَّر الظهر إلى وقت العصر: "وجه الفرق أن العصر في وقته، فلم يفتقر 5 إلى تقديم غيره، بخلاف العصر في وقت الظهر" 6 هذا مشكل وإيضاحه: أنا إنما اشترطنا الترتيب أي تقديم الظهر على العصر في الجمع 7 في وقت الأولى لأن العصر في غير وقته، وإنما يصح مجموعاً إلى غيره وهو الظهر، فلا بدَّ 8 من وجود الظهر المجموع إليه أولاً ليُجمع إليه غيره، بخلاف الجمع في وقت العصر، فإن العصر واقعة في وقتها، فتصح وإن لم تقدم الظهر عليها، وتصح الظهر مؤخرة بوصف الجمع لأن الجمع قد 9 وقع ضرورة بحصولها في وقت العصر على وجه
ما دُوِّن فيه 1، والله أعلم.
قوله: "نيَّة الجمع عند التقديم في أول صلاة الأولى أو في وسطها" 2 هذا اقتصار منه على القول الأصح المنصوص عليه في الجمع بالسفر 3، وترك القول الثاني المنصوص عليه في الجمع بالمطر وهو أنه لا يجوز إلا عند التحرم بالصلاة الأولى 4، ومن المتصور ذكر القولين في الجمعين 5.
قوله 6: "فلو نوى في أول الصلاة الثانية لم يجز.
وقال المزني: يجوز" 7 هذا ليس مذهب 8 المزني، وإنما هو قول ثالث مخرَّج خرَّجه المزني للشافعي.
وإنما قول المزني ومذهبه أن نيَّة الجمع 9 ليست شرطاً أصلاً، ويكفي فعل الجمع وصورته 10. ثم إن
القول الثالث الذي خرَّجه المزني إنما هو تجويز إيقاع نيَّة الجمع بين الصلاتين، فلو أنه نوى الجمع في أول الصلاة الثانية فالظاهر من كلام المفرِّعين على تخريجه هذا أن ذلك لا يجوز؛ لأنها جازت بين الصلاتين لتعلق الجمع بالصلاتين، قال إمام الحرمين: "ليس يبعد عن القياس تجويز ذلك" 1. على هذا إذا عرفت هذا فالذي ذكره في الكتاب اختصار منه لكلام شيخه في ذلك على وجه يخلُّ بفهم المنقول عن المزني موهماً غيره، والله أعلم.
قوله: "جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة من غير خوف ولا سفر.
قال الشافعي - رضي الله عنه -: ما أراه إلا من عذر المطر" 2 هذا رواه الشافعي 3، وغيره 4 عن مالك بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال مالك: "أرى ذلك كان في مطر" 5. هذا الحديث رواه مسلم في "صحيحه" من وجهين: أحدهما: هكذا.
والثاني: "جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر" 6. فلا
حجة إذاً فيه، وقد حمل الجمع فيه 1 عمرو بن دينار 2 - وهو أحد رواته - على تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثانية إلى أول 3 وقتها 4. ولم يمنعنا مثل هذا التأويل 5 من القول بالجمع في السفر 6؛ لأن في بعض رواياته الثابتة التصريح بما معناه الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما 7، فينبغي إذاً أن يَعدل إلى الاحتجاج بالقياس على الجمع في السفر 8، ويعضده بورود فعل مثل ذلك في
المطر عن ابن عمر 1، وابن عباس 2 رضي الله عنهما، وبما رويناه بإسناد جيِّد عن موسى بن عقبة 3 "أن 4 عمر بن عبد العزيز 5 كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان مطر، وأن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن 6، ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك" 7. فدَّل هذا مع غيره على شهرة ذلك وانتشاره من غير منكر، فاعتمد ذلك؛ فإن تقرير تجويز الجمع بالمطر منا مشكلات المذهب، ولذلك توقف
بعض أصحابنا فيه وعنه 1، وطرد القياس في الجمع بعذر المرض 2 جماعة من أصحابنا فجوَّزوه 3 منهم: أبو سليمان الخطابي 4، والقاضي الحسين 5، والروياني 6، وغيرهم 7، والله أعلم.
قوله: "وفي الثلج خلاف" 8 هذا في 9 الثلج الذي يذوب، ووجه المنع: أن نفضه عن الثوب ممكن 10، والله أعلم.
قوله: "قال الأصحاب: التقديم بعذر المطر جائز، وفي التأخير وجهان" 11 لا يصح ذلك عن الأصحاب، فمشهور عنهم ذكرهم قولين في ذلك لا وجهين 12، والله أعلم.
ومن كتاب الجمعة
ما ذكره من أن شرائطها ست 1. المراد به شرائطها المختصة بها، وإلا فشرائط سائر الصلوات شرائط فيها أيضاً 2 والله أعلم.
ما اختاره من أنه إذا عظم البلد، وعسر الاجتماع في موضع واحد للزحمة جازت الزيادة على جمعة واحدة من غير تخصيص لبغداد بذلك 3. هو الصحيح، وهو اختيار المزني 4، وابن سريج 5، وأبي إسحاق المروزي 6، وأبي عبد الله الحناطي 7، والقاضي أبي 8 القاسم بن كجِّ 9، والقاضي
الروياني 1. وجعل صاحب الكتاب من هذا القبيل ما إذا كان في وسط البلد نهر عظيم لا يخيض إلا السابح 2 كدجلة في بغداد، مضيفاً ذلك إلى عسر الاجتماع في مسجد واحد بسبب النهر 3. وغيره جعل ذلك سبباً آخر لتجويز جمعتين في الجانبين مضيفاً ذلك إلى أن النهر فاصل يقطع 4 حكم أحد الشقين عن الآخر 5 , والله أعلم.
قوله: "وما ذكره متجه فهو في محل التردد" 6 أي استصحاب حكم التفرق في القرى التي تواصلت بعد تفرقها في جواز عقد جمعتين أو جمع، وجواز 7 الترخص للمسافر 8 من إحداها واقع في محل التردد والاحتمال، والله أعلم.
يُتَصَور معرفة التلاحق 1 من غير تعيين بأن يسمع من هو معذور وهو خارج المسجدين تكبيرتي 2 التحرُّم متلاحقتين ولا يعرف السابقة فيُخبر بذلك 3، والله أعلم.
قوله فيما إذا تعينت الجمعة السابقة ثم التبست: "فالمذهب أن الجمعة فائتة" 4 أي على الجميع إعادة الظهر، وليس لهم فعل الجمعة 5، وإلا فالجمعة السابقة في نفس الأمر صحيحة غير فائتة 6، والله أعلم.
قوله: "و 7 مستند العدد: أن المقصود الاجتماع، ولم ينقل في التقدير خبر.
والأربعون أكثر ما قيل.
وقال 8 جابر بن عبد الله: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة، فاستأنس الشافعي به، وبمذهب عمر بن عبد العزيز،
وبالاحتياط" 1 في هذا الكلام أمران زادهما على ما في "البسيط" 2، و"نهاية المطلب" 3 - وهما غير مرضيين - أحدهما: قوله "ولم ينقل في التقدير خبر 4 " مع جزمه بأن جابراً قال: مضت السنة ... إلى آخره.
والثاني: قوله "فاستأنس الشافعي به، وبمذهب عمر بن عبد العزيز" وهذا لأن حديث جابر 5 وإن كان ضعيفاً عند أهل الحديث 6، فهو - رحمه الله - وإيانا - لكونه لم يعان 7 علمهم 8 قد أثبته، حيث أورده إيراد الثابت قائلاً: "قال جابر", ولو كان عنده
ضعيفاً لقال: وروي عن جابر، أو نحو هذا.
وإذا كان كذلك فهو خبر وارد في التقدير حجة فيه بمفهومه، إذ من أصلنا أن (مثل) 1 هذا المفهوم حجة 2، وأن قول الصحابي: مضت السنة، محمول على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 3. فعلى هذا لم يكن ينبغي أن يقول: لم يرد في التقدير خبر، ولا أن يقول: فاستأنس الشافعي به؛ لأن 4 هذا إنما يقال فيما ليس ينتهض حجة ويصلح للترجيح.
وأيضاً فهذا الحديث غير 5 موجود في كلام الشافعي المنقول في ذلك 6. وإصلاح هذا الكلام بأن يقال: لم يَرِد في التقدير خبر ثابت، وقد روي عن جابر كذا 7، فيُستأنس 8 به، وبمذهب عمر.
وكأنه - رحمه الله وإيانا - لم ير حين ما قال ذلك أن قول الصحابى: مضت السنة محمول على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ذلك.
وتحرير 9 الدليل في المسألة أن نقول: الأصل الظهر، ولا يُعْدَل عنه إلى الجمعة إلا بشرط أصل العدد بالإجماع 10، وقد ثبت ذلك في عدد الأربعين بدلالة
حديث كعب بن مالك: (أن أسعد 1 بن زرارة صلى الجمعة 2 بالمدينة بأربعين رجلاً قبل مَقْدَم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها).
رواه أبو داود 3، وغيره 4، وهو حسن الإسناد صحيح، فيبقى فيما دون الأربعين على الأصل، والله أعلم.
ما ذكره من أن القولين في اشتراط الموالاة في الخطبة يقربان من القولين 5 في اشترط الموالاة في الوضوء 6. يقال عليه: إن بينهما تباعداً من حيث إن الجديد والأصح في الوضوء أنها لا تشترط، والجديد ههنا والأصح أنها تشترط 7، وأيضاً فترك الموالاة في الوضوء بعذر لا يقدح قولاً واحداً على أصح الطريقين
على ما ذكره الإمام في "نهايته" في باب الوضوء 1، وههنا نقل القولين مطلقاً في مسألة الانفضاض مع أنه عذر في حق الخطيب، وفيما لو سكت وطال من غير انفضاض 2. ولعل سبب الفرق: أن للموالاة تأثيراً عظيماً في إيقاظ القلوب الذي هو المقصود من الخطبة، وذلك يفوت بتركها، وسواء فيه وجود 3 العذر وعدمه.
وما هو المقصود من الوضوء لا يفوت بترك الموالاة، والله أعلم.
قوله في انفضاضهم في أثناء الصلاة فيه أقوال: "أحدها: أنه تبطل الجمعة بنقصان العدد في لحظة كما في الوقت، وكما في الخطبة" 4 يعني به ما إذا أتى بركن من أركان الخطبة 5 في حال انفضاضهم فإنها لا تصح قولاً واحداً 6، وإنما لم يجر فيها هذا الخلاف؛ لأن المصلي مصل 7 لنفسه، وذلك موجود في حالة الانفضاض 8، والخطيب يخطب لغيره، وذلك مفقود في حالة الانفضاض, فلم يلزم من المسامحة في نقصان العدد في الصلاة على قول 9، المسامحة في الخطبة، والله أعلم.
قوله فيما إذا كان الإمام عبداً، أو مسافراً، والمأمومون مع كمال صفاتهم 1: "فيه وجه أنا إذا قلنا: إن الإمام محسوب من الأربعين لا يصح بل يشترط فيه صفات الكمال" 2 شرحه: أنا 3 إذا قلنا: الإمام محسوب من الأربعين فمعناه أنه تصح الجمعة بأربعين كاملين من غير زيادة أحدهم الإمام 4، فإذا كان عدد الكاملين المأمومين أربعين فهل يجوز أن يكون الإمام غير كامل عبداً، أو مسافراً؟ أو يشترط فيه صفات الكمال وإن تمَّ عدد الأربعين الكاملين بالمأمومين؟ فوجهان: أحدهما: أنه لا يجوز، ويشترط الكمال فيه؛ لأنه 5 ركن في العدد الكامل، فينبغي أن يشترط فيه صفات الكمال وإن كان زائداً.
والثاني: - وهو الصحيح - أنه يجوز ذلك؛ لأن عدد الكاملين قد تمَّ دونه، والكمال لا يشترط في أكثر من أربعين 6. ومعنى قولنا: إن الإمام محسوب من الأربعين: أنه يجوز أن يتم به عدد الأربعين الكاملين، ولا يشترط أن يكون زائداً على الأربعين، ولا إذا كان زائداً أن يكون كاملاً في صفاته فاعلم، والله أعلم.
قوله في الاستخلاف: "الجديد جوازه، وقد نقل فيه الخبر" 1 ورد في ذلك في "الصحيحين" 2 حديث سهل بن سعد الساعدي في صلاة أبي بكر - رضي الله عنه - بالناس لغيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إصلاحه بين طائفتين من الأنصار 3، ثم رجوعه - صلى الله عليه وسلم - في أثناء الصلاة، وتقدمه وتأخر أبي بكر، وإئتمامهم به - صلى الله عليه وسلم - في بقية الصلاة، والله أعلم.
قوله في المزحوم عن السجود في الجمعة: "ينتظر التمكن، وقيل: إنه يومئ، أو 4 يتخير بين الإيماء والانتظار كتخيُّر العاري بين الصلاة قائماً أو قاعداً، وهو ضعيف" 5 هذه عبارة توهم خلاف الصواب، ويحتاج في تطبيقها على الصواب إلى تكلُّف من موفَّق، والعبارة المفصحة عن الصواب في ذلك أن نقول: ينتظر التمكن من السجود، هذا 6 هو المذهب الذي قطع به الجمهور 7. وقيل: - وهو
قول الشيخ أبي محمد الجويني وطريقته - إن فيه مع هذا الوجه 1 وجهين آخرين: أحدهما: أنه يومئ إلى السجود أقصى الإمكان كالمريض.
والثاني وهو الثالث: أنه يتخير بين الإيماء وانتظار التمكن 2. وهذه الوجوه الثلاثة تضاهي الوجوه الثلاثة في العاري: في وجه يصلي قاعداً ويومئ بالسجود حذاراً من كشف السوأتين.
وفي 3 وجه يصلي قائماً متمماً للركوع والسجود.
وفي وجه ثالث يتخيَّر بين الأمرين 4. وهذه الطريقة ضعيفة، والصحيح المعروف القطع 5 بتعيُّن 6 الانتظار للتمكن من السجود لما ذكره في الكتاب 7، والله أعلم.
ذكر 8 فيما إذا فرغ المزحوم من سجود الركعة الأولى فصادف الإمام رافعاً رأسه من ركوع الركعة الثانية أنه إذا قلنا: إنه ليس كالمسبوق فيجري على ترتيب صلاة نفسه، ويسعى خلف الإمام بحسب الإمكان، والقدوة منسحبة عليه 9. معناه: أنه مع 10 تخلفه عن الإمام ومخالفته له في حكم المقتدي، حتى
لو سها في تلك الحالة لم يسجد لسهو نفسه، وتحمَّل عنه الإمام.
ثم إنه تحتسب 1 له الركعة الثانية التي أتى بها قبل سلام 2 الإمام، وإن لم يفعلها مع الإمام؛ لكونه في حكم المقتدي، وهكذا إذا أتى بها على هذا الرأي قبل سلام الإمام وكان الإمام عند فراغ المزحوم من السجود راكعاً أو في التشهد، والله أعلم.
قوله فيما إذا لم يتمكن من سجود 3 الركعة الأولى حتى ركع الإمام في الثانية وقلنا بأصح القولين: إنه لا يشتغل بالسجود بل يركع مع الإمام 4 فخالف عالماً واشتغل بالسجود: "إن نوى قطع القدوة ففيه قولان كما في سائر؛ لأنه 5 الآن قد فاتت الجمعة" 6 معناه 7 أنه لما 8 نوى مفارقة الإمام قبل السجود لم يكن مدركاً مع الإمام ركعة، ولا جمعة، فيلزم التحاقها بباقي الصلوات 9 التي في 10 بطلانها بقطع القدوة في أثنائها قولان 11. ثم إذا قلنا: لا
تبطل من هذه الجهة فهل يحتسب 1 له ذلك من الظهر 2، أو من 3 النفل؟ فيه القولان 4 المعروفان على ما ذكره في أول التنبيهات الآتية 5، والله أعلم.
قوله: "هل تصلح القدوة الحكمية لإدراك الجمعة؟ وجهان.
ومن منع جعل الركوع الثاني 6 نهاية انسحاب 7 حكم القدوة، فإذا سجد قبله كان كالمقتدي حسَّاً، وإن كان بعده كان مقتدياً حكماً" 8 معنى ذلك أن من 9 منع الإدراك بالقدوة الحكمية ولم يصححها فليس ذلك مطلقاً فإنه لا يمنعها فيما إذا سجد المزحوم السجدتين اللتين زحم عنهما، وأدرك الإمام قائماً في الركعة الثانية،
فقام وقرأ في الركعة الثانية، فهذا باتفاق الأصحاب مدرك للركعتين 1، ويعفى عن هذا التخلف، وقد سبق ذكره في أول صورة الزحام 2، وإنما ذلك لعذر الزحام، فإنه لو تخلف مثل هذا التخلف مختاراً من غير عذر بطلت قدوته.
وإنما الخلاف في القدوة الحكمية الواقعة فيما إذا كان سجوده في الركعة الأولى واقعاً بعد ركوع الإمام في الركعة الثانية (في الركعة) 3 الملفقة المذكورة من غير إقتداء حسِّي فيه فهذا تخلف مفرط، فاختلفوا لذلك 4. فهذا معنى قول صاحب الكتاب "جعل الركوع الثاني نهاية انسحاب حكم 5 القدوة، فإذا سجد قبله كان كالمقتدي حسَّاً، وإن كان بعده كان مقتدياً حكماً" فإن قلت: فقد ذكر بعد هذا في التفريع على القول الثاني: أنه إذا لم يتبع الإمام في الركوع وجرى على ترتيب صلاة نفسه وسجد، فسجوده واقع في قدوة حكمية، و 6 في الإدراك بها الوجهان 7. فأجرى الوجهين وإن سجد وأدرك الإمام راكعاً بعد.
قلت: ليس معنى قوله: "وإن كان بعده" كان بعد فراغ الإمام من الركوع، بل معناه كان بعد شروعه في الركوع.
قوله 8: "وجعل الركوع الثاني نهاية انسحاب حكم
القدوة" أي الشروع في الركوع الثاني، فإذا لم يبتدئ بسجوده حتى ركع الإمام ولم يدرك القيام فهذا أيضاً لم يسجد إلا بعد انتهاء الإمام إلى الركوع الذي هو 1 نهاية إدراك المسبوق، فهو تخلف كثير غير محتمل في ذلك، فافهم ذلك فإنه مِعْوص 2، والله أعلم.
ما ذكره من أن 3 القائل ببطلان الصلاة إذا لم تصح جمعة 4 لا يأمر أولاً بما يفضي آخراً إلى البطلان 5. مثاله: إذا لم يتمكن من السجود حتى ركع الإمام في الركعة الثانية وأمرناه بالركوع معه، وقلنا: المحسوب هو الركوع الأول، ويتلفق له ركعة من الركوع في الأولى والسجود في الثانية، فمن قال: لا يدرك بها الجمعة، وتبطل صلاته لا يأمره أولاً بالركوع، بل يقول: امتنع عليه تدارك السجود فتنقطع صلاته أصلاً، والله أعلم.
قوله في النسيان على أحد الوجهين: "لا ينتهض عذراً مرخصاً في التخلف" 6 ذكر شيخه أنه على هذا يجعل المتخلف ناسياً كالمتخلف عامداً 7، والله أعلم.
قوله في الخطبة: "و 1 في اختصاص القراءة بالأولى وجهان" 2 الوجه الثاني عنده أنها تجوز في أية خطبة كانت 3. وعند غيره 4 وجه ثالث أنها تجب فيهما 5، والله أعلم.
قوله: "وصاحب التلخيص لم يعدَّ إلا الثلاثة" 6 وفي بعض النسخ "وصاحب التقريب" والأول هو الصحيح، والله أعلم.
قوله في شروط الخطبة: "والمستند الاتباع، فإن هذه الأمور لم تختلف باختلاف الأحوال" 7 معناه: أنها لم تترك فيما 8 سلف، بل ووظب 9 عليها مع
اختلاف الأحوال، ولو لم تكن واجبة لم تكن كذلك، والله أعلم.
و 1 إنما عددنا القيام من 2 الخطبتين شرطاً، وعددنا القيام في الصلاة ركناً 3؛ لأن ركن الشيء 4 جزء منه، فإنه عبارة عما تقوم حقيقته به وبغيره 5، والقيام في الصلاة 6 كذلك؛ فإن اسم الصلاة يشمله فإنها: اسم لأفعال وأقوال 7، القيام منها.
وليس القيام في الخطبة كذلك؛ فإنه خارج عن مسمى الخطبة وموضوعها، إذ الخطبة خطاب 8. وقد سبق منا في باب الأذان كلام في الفرق بين الركن والشرط 9. وقد أورد صاحب الكتاب في "البسيط" 10 على نفسه في ذلك سؤالاً، وأجاب عنه بما معناه: أن التسوية بينهما يجعله شرطاً فيهما أو ركناً فيهما جائز، وإذا فرقنا 11 بينهما فوجهه: أن مقصود الخطبة: الذكر والوعظ، والقيام هيئة في أداء الذكر فلم يكن من نفس الخطبة.
والصلاة عبارة عن أفعال، والقيام من نفسها.
وقد سبقه شيخه بنحو ذلك 12، والله أعلم.
قوله: "يُسمع أربعين موصوفين بصفات الكمال؛ لأنه لا فائدة في حضور من غير سماع.
وفي وجوب الإنصات وترك الكلام على من عدا الأربعين قولان" 1 مقتضاه القطع بوجوب الإنصات على الأربعين، وتخصيص الخلاف بمن عدا الأربعين، وهذا بعيد مخالف لنقل غيره؛ فإن الأصحاب أطلقوا نقل القولين في السامعين مطلقاً 2، والله أعلم.
سليك الغطفاني 3: بسين مهملة مضمومة، بعدها لام مفتوحة، ثم ياء ساكنة، ثم كاف 4. وغطفان بعين معجمة، وطاء مهملة، وفاء مفتوحات قبيلة معروفة 5. وحديثه ثابت أخرجه مسلم بمعناه 6.
قوله: "وسأل ابن أبي الحُقيق عن كيفية القتل 1 بعد قفوله من الجهاد" 2 هكذا وقع ههنا، وفي "البسيط" 3، وهو من السهو الفاحش، وقد غيِّر في بعض النسخ إلى صوابه 4، وصوابه ما قاله الإمام الشافعي: "وسأل الذين قتلوا ابن أبي الحقيق" 5. وابن أبي الحُقيق بضم الحاء المهملة، وقافين بينهما ياء ساكنة، و 6 هو أبو رافع اليهودي 7 كان يؤذي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأرسل إليه جماعة من الصحابة ليقتلوه بخيبر، فقتلوه، فرجعوا والنبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر يوم الجمعة، فقال: أقتلتموه؟ قالوا: نعم 8. والحديث طويل معروف بين أهل العلم بالمغازي 9، والله أعلم.
قوله في الإنصات: "إن قلنا: لا يجب فيشمِّت 1 العاطس، وفي رد السلام وجهان؛ لأنه تَرَكَ المستحب اختياراً" 2 معناه: يستحب تشميت العاطس، وفي استحباب رد السلام وجهان: أحدهما: لا يستحب؛ لأن المسلِّم ترك بسلامه المستحب من الإنصات اختياراً، بخلاف العاطس في عطسته، فإنها بغير اختياره، فلا يستحب رد سلامه، وحكى صاحب "التهذيب" 3 الوجهين في وجوب الرد وقال: "أصحهما وجوبه".
لكن إمام الحرمين شيخه إنما جعلهما 4 في الاستحباب كما ذكرنا 5، وعليه دلَّ سياق كلامه في "الوسيط"، فإن قوله "وفي الرد وجهان" ترديد منه فيما قطع به في الذي قبله من تشميت العاطس، والذي قطع به في تشميت العاطس إنما هو الاستحباب لا الوجود فاعلم ذلك 6.