الفصل الرابع: دراسة كتاب "شرح مشكل الوسيط"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
والجراد، والدمان: الكبد والطحال) 1 هذا هكذا حديث ضعيف عند أهل الحديث، غير أنه متماسك، رويناه في كتاب "السنن الكبير" 2 للحافظ أبي بكر البيهقي 3 بإسناده عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم 4 عن أبيه 5 عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... قال البيهقي: "كذلك رواه عبد الرحمن وأخواه عن أبيهم 6، ورواه غيرهم موقوفًا على ابن عمر وهو الصحيح" 7. قلت: أخواه هما عبد الله وأسامة، وإن كانوا 8 قد ضعفوا
ثلاثتهم 1، فعبد الله منهم قد 2 وثقه أحمد بن حنبل 3 وعلي بن المديني 4، وفي اجتماعهم على رفعه ما يقويه قوة صالحة، وقد أخرجه أبو عبد الله ابن ماجه القزويني في "سننه" 5، لكن لم يخرِّجه أحد من أصحاب الكتب الخمسة التي هي أصول الحديث وهي: الصحيحان، وسنن أبي داود السجستاني،
وجامع أبي عيسى الترمذي، وسنن أبي عبد الرحمن النسائي 1. ثم إن ثبوته عن ابن عمر كافٍ في صحة الاحتجاج به؛ لأن قوله "أحلت لنا ميتتان 2 " بمنزلة قول الصحابي: أُمرنا بكذا ونُهينا عن كذا، في أنه عندنا وعند أصحاب الحديث وأكثر أهل العلم في حكم المرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن مطلق ذلك منصرف إلى من إليه الأمر والنهي والإحلال وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 3، فثبت الحديث على الجملة، والله أعلم.
قوله فيما مات من دود الطعام: "يحلُّ أكله على أحد الوجهين" 4 يعني مع الطعام 5، وعلَّله الدرس بوجهين: بأنه 6 يصعب تكليف التفتيش وإخراجه منه، وبأنه كأنه جزء من الطعام.
وذكر شيخه 7 في أكله منفردًا عن الطعام وجهين.
وهذا يكون مرتبًا على قول من قال: يحل مع الطعام، والله أعلم.
قوله: "الرابع: ما ليس له نفس سائلة" 1 بناه على قول القفال 2 في أنه لا ينجس بالموت على القول بأنه لا ينجَّس الماء، وقول القفال هو الصحيح عنده 3، والأكثرون على خلافه، وقولهم هو الصحيح 4، والله أعلم.
قوله: "أما أجزاؤها 5 فكل عضو أُبين من حيًّ فهو ميت إلا العظم والشعر ففيه خلاف سيأتي"، 6 هذا إن حملته على ظاهر لفظه وهو عود الاستثناء إلى الموت فالحصر سالم على أن يكون المراد بالشعر: الشعر وما يلتحق به من
صوف، ووبر، وريش 1، والخلاف في موتها هو الخلاف المعروف في أنها 2 هل 3 تحلُّها الحياة أو لا؟ 4، وإن حملته على ما يقتضيه سياقة 5 الكلام كان المراد كل عضو أبين من حيًّ فهو نجس، ثم لا يسلم الحصر؛ فإن ما يبان من أعضاء الآدمي والسمك طاهر على الصحيح 6. وقولهم 7: "ما أبين من حيًّ فهو ميت"، يذكرونه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والذي رويناه في ذلك في كتب الحديث حديث أبي واقد الليثي 8 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما قطع من البهيمة وهي حيَّة فهو ميت 9) أخرجه أبو داود في "سننه" 10، وأخرجه
أبو عيسى الترمذي 1 بإسناده عن أبي واقد الليثي قال: "قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وهم يجبُّون 2 أسنمة الإبل، ويقطعون أليات 3 الغنم، فقال: (ما يقطع من البهيمة وهي حيَّة فهي 4 ميتة) قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم".
لفظ البهيمة غير مخصوص بالحمار 5، والله أعلم.
قوله: "كل مترشح ليس له مقر يستحيل فيه 6 كالدمع، واللعاب، والعرق، فهو طاهر من كل حيوان طاهر.
وما استحال في الباطن فأصله على النجاسة كالدم، والبول، والعذرة" 7 فقوله "ليس له مقر يستحيل فيه" يصح تفسيره على وجهين: أحدهما: نفي الاستحالة رأسًا، أي ليس له مقر
يستحيل فيه فلا يستحيل، لعدم المقر الذي تتوقف عليه الاستحالة، وهذا الظاهر من سياقة كلامه 1، وأضاف إليه في الدرس: وإنما تترشح غير مستحيلة.
وهذا تصريح بهذا الوجه، ثم إنه يحمل على نفي الاستحالة إلى فساد.
والثاني: نفي استحالته بقيد وهو: الاستحالة في مقرَّ يجتمع فيه، وعلى هذا معنى 2 قوله في القسم الثاني: "وما استحال في الباطن" أي في مقرِّ يجتمع فيه 3، والله أعلم.
قوله: "إلا ما هو مادة الحيوان كاللبن والمني 4 والبيض" 5 مادة الشيء: أصله وعمدته وما يستمد منه 6؛ فاللبن مادته في بقائه، والمني أو البيض مادته في وجوده 7، والله أعلم.
قوله: "لما روي أن أبا طيبة الحاجم شرب دمه - صلى الله عليه وسلم - فقال: إذًا لا يتجع بطنك أبدًا" 8 هو أبو 9 طيبة بطاء مهملة 10 مفتوحة ثم ياء مثناة من
تحت ساكنة، واسمه نافع، وقيل: غير ذلك 1. وقوله (يتجع) هو بفتح الجيم، وفيه وجهان: أحدهما: (يتجع) بالياء المثناة من تحت في أوله، وبالرفع في (بطنك)، على أن يكون الفعل لبطنه.
والثاني: تتجع بالتاء المثناة من فوق في أوله، وبنصب قوله بطنك، على أن يكون الفعل لأبي طيبة.
ثم النصب فيه (هل هو) 2 على التمييز أو على نزع الخافض؟ فيه من الخلاف ما في قوله تبارك وتعالى: ﴿إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ 3 حققت ذلك من معنى ما ذكره الأزهري في تهذيب اللغة 4 من أصل عليه خطه.
وهذا الحديث غريب عند أهل الحديث لم أجد له ما يثبت به 5،
ولا لما 1 روي أن ابن الزبير شرب دمه 2، والله أعلم.
قوله: "لما روي أن أم أيمن 3 شربت بوله ولم 4 ينكر عليها وقال: إذًا لا تلج النار بطنك" 5 فقوله (لا تلج النار بطنك) يجوز في قوله (النار) النصب، مع الرفع في قوله (بطنك) ويجوز بالعكس.
وهذا حديث قد ورد متلونًا ألوانًا، ولم يخرَّج في الكتب الأصول، فروي بإسناد جيد عن أميمة بنت رقيقة - إحدى الصحابيات، واسمها واسم أبيها
مضموم - 1: الأول: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبول في قدح من عيدان 2 ويوضع تحت سريره 3، فبال في ليلةً فوضع تحت سريره، فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء فقال: لامرأة يقال لها: بركة 4 - كانت تخدمه، لأم حبيبة جاءت معها
من أرض الحبشة 1 -: البول الذي كان في القدح ما فعل؟ قالت: شربته يا رسول الله).
وبعض رواته يزيد 2 على بعض، وزاد بعضهم: (فقالت: قمت وأنا عطشانة فشربته وأنا لا أعلم).
3 وفي رواية أبي عبد الله ابن مندة الحافظ 4 فقال: (لقد احتظرت 5 من النار بحظار).
(قلت: هذا القدر منه قد اتفقت عليه
هذه الروايات، وأما ما اضطربت فيه منه فالاضطراب مانع من تصحيحه.
ذكر 1 الدارقطني 2 أن (حديث المرأة التي شربت بوله - صلى الله عليه وسلم - 3 صحيح 4) 5.
وروى أبو نعيم الحافظ 1 في كتابه: في 2 "حلية الأولياء" 3 من حديث الحسن بن سفيان صاحب المسند 4 بإسناده عن أم أيمن قالت: (بات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البيت، فقام من الليل فبال في فخارة فقمت وأنا عطشى لم أشعر بما في الفخارة فشربت ما فيها، فلما أصبحنا قال لي 5: يا أم أيمن أهريقي ما في 6 الفخارة 7، قلت: والذي بعثك بالحق شربت ما فيها.
فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه، ثم قال: (أما) 8 أنه لا يتجعنَّ 9 بطنك بعده أبدًا).
قلت:
فالاستدلال بذلك 1 يحتاج إلى أن يقال فيه: لم يأمرها - صلى الله عليه وسلم - بغسل فم ولا نهاها عن عودةٍ 2.
وكون المرأة أم أيمن مولاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد يظن من حيث إن اسمها بركة، وفي الحديث تسمية المرأة الشاربة بركة، ولا يثبت ذلك بذلك؛ فإن في الصحابيات أخرى اسمها بركة بنت يسار مولاة لأبي سفيان بن حرب، هاجرت إلى أرض الحبشة 3، وما في الحديث من نسبتها إلى أم حبيبة بنت أبي سفيان يدل على أنها بنت يسار 4، والله أعلم.
قوله: "البول 5 والعذرة نجس 6، ويستثنى عنه موضعان: الأول: بول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" 7 وفي بعض النسخ: الأول: من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وعلى هذا يكون الاستثناء شاملاً 8 للعذرة، وفي طرده في العذرة
بُعْد 1، وكلام من لا أحصيه من المصنفين مخصوص بالبول 2، غير أن الإمام أبا المعالي قال في فضلات بدنه - صلى الله عليه وسلم - كبوله، ودمه، وغيرهما: وجهان 3، والله أعلم.
حديث شرب أبوال الإبل 4 هو 5 حديث أنس المخرج في الصحيح 6 في قوم من عُريْنة 7 استوخموا 8 المدينة، فسقمت أجسامهم فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجوا إلى الإبل ويشربوا من ألبانها وأبوالها 9، والله أعلم.
حديث (سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التداوي بالخمر فقال: إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) 1 رويناه في كتاب "السنن الكبير" 2 عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: (نبذت نبيذًا في كوز، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يغلي فقال: ما هذا؟ قلت: اشتكت ابنة لي فَنُعِت لها هذا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم).
ولم يخرَّج في الكتب الخمسة المعتمدة، ولا في "سنن ابن ماجة"، ويغني عنه ما هو 3 أصح، وأولى، وأدلُّ، وهو حديث وائل بن حجر الكندي 4: أن طارق بن سويد الجعفي 5 سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن
الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء) أخرجه مسلم في "صحيحه" 1، ومعنى الحديث الذي ذكره: أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم التداوي به أو ما يشبه 2 هذا من المعنى، وفي ذلك إعلام بأن الخمر المسئول عنها يحرم التداوي بها، ولا يشمل 3 ذلك التداوي بسائر النجاسات؛ فإنها غير محرمة في حالة التداوي بدلالة ما سبق من قصة العرنيين 4، والله أعلم.
"غصَّ بلقمة" 5 هو بفتح الغين لا بضمها 6، والله أعلم.
قوله: "الإنفحة لبن يستحيل في جوف الخروف" 1 هي الإنفحة يكسر الهمزة، وبعدها نون ساكنة، ثم فاء مفتوحة، ثم حاء مهملة مخففة، هذه 2 اللغة الجيدة فيها، ويجوز بتشديد الحاء 3، وتكون في جوف الجدي 4 أيضًا، والصحيح أنها طاهرة 5 لأن استحالتها لا إلى فساد، وهذا قبل تناوله غير اللبن فإذا أكل غير اللبن فقد ذُّكر أنها نجسة بلا خلاف 6. قلت: هذا لازم من اسمها، فإنها الإنفحة وبعد الأكل ليست إنفحة، وذكر صاحب "الصحاح" 7 أنها إنفحة ما لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش، والله أعلم.
قوله: "مني المرأة فيه خلاف مبني على أن رطوبة باطن فرجها طاهر أو نجس 1؟ " 2 ليس هذا خلافًا في نجاسة نفس منيِّها من أصله، وإنما هو خلاف في نجاسة منيِّها بالمجاورة عند انفصاله منها 3، والله أعلم.
قوله في البيضة: "إذا 4 استحالت مذرة فتخرَّج على الوجهين في المني إذا استحال علقة" 5 المذرة 6: هي الفاسدة، وليس مراده مطلق المذر بل ما إذا استحالت دمًا، ووقع في كثير من النسخ: في المني إذا استحال مضغة 7 وصوابه علقة 8، والله أعلم.
قوله: "إذا ماتت دجاجة وفي بطنها 9 بيض هل ينجس؟ فعلى وجهين: أحديث: نعم كاللبن" 10 صورة المسألة: ما إذا تصلب قشرها، فتنجس بالموت
على 1 أحد الوجهين كاللبن في ضرع الشاة الميتة، فإن نجاسته كانت بالموت تنزيلاً له منزلة أجزائها، لا بنجاسة الوعاء؛ فإنها تقع عفوًا كما في نجاسة الدَّنَّ فيما يتخلل من الخمر 2، فاعرف ذلك فإنه مشكل، والله أعلم.
وجه الوجه الذي ذكره في نجاسة العضو المبان من الآدمي والسمكة 3 أنه صار فضلة لبقائه حيَّاً بدونه، فتنجس نجاسة الفضلات، والله أعلم.
قوله في دود القز "وفي روثه وبزره 4 من الخلاف ما في بيض الحيوان الذي لا يؤكل" 5 يعني وما في روث مالا نفس له سائلة 6، والله أعلم.
من أحسن ما يوجه به القول بطهارة فأرة المسك 1 - على تقدير أنها جزء بان من حيًّ -: ما عَلِقَ بحفظي من مدة متقادمة عن القفال الكبير أبي بكر الشاشي - رحمه الله - وهو أنها تندبغ بما فيها من المسك فتطهر طهارة المدبوغات، وهذا فيه عمل بدليلي نجاستها وطهارتها 2، وقد أنكر بعضهم كونها بائنة من حيًّ 3، وسنذكر ذلك في الموضع الذي تكرر ذكرها فيه من كتاب البيع إن شاء الله تبارك وتعالى 4. قوله بعد حكاية الخلاف فيما لا يدركه الطرف "ولعل الصحيح أن ما انتهت قلته إلى حدًّ لا يدركه الطرف مع مخالفة لونه للون ما اتصل به فهو معفو عنه، وأن كان بحيث يدركه الطرف على تقدير اختلاف اللون فلا يعفى عنه" 5 هذا كلام موهم مُعْتَرَضٌ عليه فيه؛ لأنه يوهم أن ما سبق من الخلاف ليس فيما لا يدركه الطرف لقلته مع مخالفة اللون، بل في مطلق ما لا
يدركه الطرف: إما لقلته، وإما لاتفاق اللون، وليس كذلك، فإنه لا يخفى أن الخلاف من أصله إنما هو فيما لا يدركه الطرف لقلته، لا لاتفاق اللون، وقد صرح في الدرس بتصوير أصل المسألة فيما لا يدركه الطرف لقلته 1.
فأقول: ليس ما ذكره طريقة أخرى، وحاصله أنه اختار مما سبق ذكره من الخلاف القول بالعفو في الماء والثوب 2، ولم يحقق صورة المسألة من الابتداء فذكر ذلك عند ذكره ما هو المختار عنده، وأعاد ذكر القسم الآخر الذي لا يعفى عنه وهو ما يدركه الطرف؛ من أجل أنه الآن حقَّق صورة المسألة، فاعلم ذلك 3، والله أعلم.
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" 4 رواه ابن عمر - رضي الله عنهما -، وفي رواية قوية أخرجها أبو داود 5 وغيره 6 "فإنه لا ينجس" وهذا
الحديث حسن ثابت رواه الشافعي، وأحمد بن حنبل 1، وعملا به 2، وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم 3، وأورده الحاكم أبو عبد الله الحافظ 4 في "صحيحه المستدرك" 5 وذكر أنه صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم 6 ولم يخرجاه، ومطاعن المخالفين فيه 7 مندفعة عند من أحاط بعلمي الحديث والفقه.
ونصر صاحب الكتاب في "الإحياء" 1 مذهب مالك: أن الماء لا ينجس إلا بالتغيُّر 2، واحتج بأشياء عنها أجوبة صحيحة.
وقد قيل: إن ذلك قول قديم للشافعي 3 ولا يثبت ذلك، والله أعلم.
قوله: "ولو زال بوقوع الزعفران والمسك فلا؛ لأنه استتار، لا زوال" 4 لا تناقض بين قوله أولاً "زال" وبين قوله آخرًا "لا زوال"؛ لأن المراد الأول: كونه صار بحيث لا يشمُّ رائحته، ولا يدرك 5 مع بقاء التغيُّر في نفسه حقيقة.
قوله: "ولو زال بوقوع التراب فقولان منشؤهما التردد في أنه ساتر أو مزيل" 6 كنت قد 7 حققت صورة هذه المسألة فيما أمليته من "شرح مشكل المهذب" وقلت: هذا تحقيق لو عرض على الأئمة لقبلوه - إن شاء الله تعالى - فذكرت أنه لا بد في تصويرها من شرطين: أن يكون تغير الماء بالرائحة، وأن
يكون الماء متكدَّرًا لم يَصْفُ بعد؛ وذلك لأنه إذا صفا الماء ولم يصادف تغيُّرًا فلا وجه للخلاف، بل يجب القطع بزوال التغيُّر سواء كان بالطعم أو اللون أو الرائحة؛ لأن التراب قد انفصل عن الماء فلن يكون ساترًا لتغيره، فعلم اختصاص الخلاف بحالة التكدُّر.
ثمَّ إن تكدُّرَه يستر التغيُّر الكائن في الطعم أو اللون لا محالة، فتعين أن يكون محل الخلاف ما إذا كان التغيُّر بالرائحة والماء متكدر بالتراب 1، فإذا لم تدرك الرائحة فهل يقضى بزوالها ثم بطهارته؟ لأن الظاهر زوالها، أو لا يقضى بزوالها؛ لجواز بقائها واستتارها برائحة التراب؟ لأن له رائحة، والأصل بقاؤها، فهذا الذي فيه القولان المذكوران.
وإنما لم يجر 2 القولان فيما إذا صفا الماء؛ لأن رائحة التراب لا تبلغ إلى أن 3 تستر 4 بعد انفصاله عن الماء فاعلم ذلك، والله أعلم.
قوله في مقدار القلتين: "و 5 الأقصد 6 ما ارتضاه 7 القفال وصاحب الكافي:
أنه ثلاثمائة منًا 1؛ لأنه مأخوذ من استقلال البعير، وبعير العرب يكون ضعيفًا لا يحمل أكثر من مائة وستين منًا، فتحطُّ عنه عشرة أمناء للراوية والحبال" 2 هذا كلام غير مرضي ولا يصح قوله "إن ذلك مأخوذ من استقلال البعير"، بل من المعلوم أن القلة سميت قلة لأنها تقل بالأيدي ونحو ذلك 3، أي تحمل من غير تخصيص للبعير، وهي عند العرب عبارة عن الجرَّة الكبيرة أو شبهها نحو الجُب 4 وقد فسرها الثقة 5 من رواة هذا الحديث 6 بقلال كبار كانت بالمدينة تسمى قلال هجر، وهجر ههنا قرية بقرب المدينة لا هجر المعروفة عند البحرين 7، وتفسير الحديث من راويه يقبل وإن لم يسنده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت معلومة المقدار عندهم كالمكايل، ولولا ذلك لم يقدر بها الشارع - صلى الله عليه وسلم -. ثم
إنه احتيج 1 إلى التقدير بغيرها لفنائها، أو غير ذلك، فقدَّرت بقرب الحجاز، وهي كبار معروفة عندهم، فذكر ابن جريج 2 - وهو أحد أكابر المتقدمين من علماء الحجاز - أن القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئا 3، فاحتاط الشافعي - رضي الله عنه - وعنهم - وقدر القلتين بخمس قرب منها، وجعل الشيء فيه نصفًا؛ ليستوعب جميع ما يحتمله لفظ الشيء في مثله 4، ثم احتاج من تباعد من الحجاز إلى تقدير تلك القرب بالأرطال، فاتفق أصحاب الشافعي، وأصحاب أحمد على تقدير كل قربة منها بمائة رطل بالرطل العراقي 5، وفي
"الشامل" 1 لابن الصباغ 2 نسبة تقدير القربة بمائة رطل إلى الشافعي نفسه، ولم أجد ذلك في كلام الشافعي 3 ومنصوصاته، وغيره صرح بأن ذلك كان من أصحابه 4. فالقلتان إذًا على مذهب الشافعي وأصحابه خمسمائة رطل بالعراقي سوى من شذَّ منهم فقال: إنهما 5 ألف رطل 6، أو (قال) 7: ستمائة رطل 8، وذكر القاضي حسين في 9 طريقته عن المهندسين أن مقدار القلتين من
الماء على الأرض المتساوية: ذراع وربع في ذراع وربع في عمق ذراع وربع 1، فاعلم ذلك؛ فإن فيه من تحقيق أمر القلتين رغائب عزيزة مهمة، والله أعلم.
قوله: "ويعبر العرب" كذا وقع بلفظ الواحد في البعير 2 ولفظ الجمع في العرب وفيه عجمة 3. وقوله: "للراوية والحِبَال" يتضمن كون الراوية قلة، وذلك غير صحيح ولا يعرف ذلك في اللغة أصلاً.
ثم إن الراوية في لسان العرب عبارة عن الدابة التي تحمل الماء، واستعمالها فيما تحمل فيه الماء منسوب إلى العامة، وهو محتمل على وجه الاستعارة 4، والله أعلم.
والمنا 5 بالتخفيف على وزن العصا أفصح من المنِّ 6، والله أعلم.
وصاحب "الكافي" المذكور هو أبو عبد الله الزبيري 7 من قدماء الأصحاب العراقيين في الطبقة الثالثة.
والقفال ههنا وحيث يذكر في "الوسيط" ونحوه هو
أبو بكر عبد الله بن أحمد القفَّال المروزي إمام المراوزة في الطبقة الخامسة أو السادسة، وهو القفال الصغير, والقفال الكبير هو: أبو بكر محمَّد بن علي الشاشي، وقلَّ ما يأتي ذكره في هذه الكتب، وإذا ذكر قيِّد بالشاشي 1، والله أعلم.
وصاحب "التقريب" المذكور هو ابن القفال الشاشي، واسمه القاسم أبو الحسن 2، جليل القدر صاحب طريقة في المذهب، وكتابه "التقريب" كبير شروح "مختصر المزني" 3، وربما أُعتقد أنه كتاب "التقريب" للإمام سليم بن أيوب الرازي 4 وليس به، والله أعلم.
قول 5 ابن جريج: "رأيت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئًا" 6 تحتمل "أو" فيه التردد والشك كما ذكره في الكتاب، وتحتمل التقسيم كما في "أو" من
آية المحاربة 1، أي أنها كانت منقسمة فمنها ما تسع قربتين، ومنها ما تسع قربتين وشيئًا، والله أعلم.
تقدير النقصان على قول القائل بالتقريب بأرطال معلومة تَشَوُّف إلى التحديد كما ذكره 2، ولكنه تحديد آخر غير التحديد الذي نفاه القائل بالتقريب، فإن الذي نفاه هو التحديد بخمسمائة رطل، والعبارة المفصحة عما اختاره في ضبط النقصان أن نقول: إذا كان الناقص بحيث يغيِّره من الزعفران أو غيره ما لا يغيِّر مثله 3 القدر الكامل فهو 4 دون القلتين، وإذا كان الناقص بحيث لا يغيِّره إلا ما يغيِّر مثله القدر الكامل فليس دون القلتين المعتبرتين، والله أعلم.
قوله في النجاسة الجامدة الواقعة في قلتين: "القول الجديد: أنه لا يجوز الاغتراف إلا مما بعد عنها بقلتين" 5 كان ينبغي أن لا يقتصر في تصوير المسألة على قلتين، بل يقول أكثر من قلتين؛ حتى يتصور الاغتراف مما بعد عنها بقلتين، فكأنه أراد في قلتين فصاعدًا، غير أن في العبارة كزازة 6. ثم إن القلتين المجتنبتين نجستان على هذا القول فيما ذكره صاحب "التهذيب" 7، وصاحب
الكتاب في درسه له، وصرح به شيخه وقال: "لو كان الماء قلتين بلا مزيد كان 1 نجسًا على هذا القول" 2. وكلام صاحب "الحاوي" 3، وصاحب "المهذب" 4، وغيرهما 5 وكأنهم الأكثرون يقتضي أن ذلك طاهر مُنِعَ من استعماله لقربه من النجاسة، وعن بعض المعلقين عن الشيخ أبي محمَّد الجويني أن الخلاف إنما هو في جواز الاستعمال ولا خلاف في الطهارة 6. والوجهان كلاهما ضعيفان، والقول بالتنجيس أضعفهما لمصادمته قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا) 7، والله أعلم.
والقول القديم: أنه لا يجب التباعد عن النجاسة 8، وذكر الشيخ أبو علي السنجي 9 في "شرحه للتلخيص" أنه قوله في "اختلاف الأحاديث".
فعلى هذا
هو أيضًا أحد القولين في الجديد؛ فإن كتاب "اختلاف الحديث 1 " من كتبه الجديدة.
ثم إن فيما عُلِّق عن صاحب الكتاب في تدريسه له أنه على هذا القول لا يجب التباعد إلا عن حريم 2 النجاسة وما تغير شكله بسبب النجاسة، وذلك هو المذكور في متن الكتاب في فصل الماء الجاري حيث يقول: "وهذا الحريم مجتنب 3 في الماء الراكد أيضًا" 4 وهذا غير معدود من المذهب 5، وإنما هو شيء جرَّ إليه جري الخاطر السريع حالة 6 التأليف والتفريع، أو نحو هذا، والذي ذكره أئمة المذهب ومنهم الشيخ أبو محمَّد الجويني في كتابه "المحيط" 7، وولده في كتابه "النهاية" 8، والشيخ أبو علي السنجي 9، وصاحب "التتمة" 10، وصاحب
"التهذيب" 1، وصاحب "الحاوي" 2، وصاحب "الشامل" 3، ومن لا تحصيه من الخراسانيين والعراقيين، على اختلاف عباراتهم: أنه 4 على القول بعدم وجوب التباعد، لا يجتنب شيء منه، بل له الاغتراف من أي موضع شاء منه 5، وهكذا ذكره 6 هو في "البسيط" 7 فقطع فيه بأن الراكد 8 لا حريم له يجتنب، وأن الجاري يجتنب حريمه على المذهب، وفرق بينهما بأن الراكد لا حركة له حتى ينفصل البعض 9 عن البعض في الحكم، والله أعلم.
قوله في كيفية التباعد: "ينبغي أن يتباعد قدرًا لو حسب مثله في العمق وسائر الجوانب كان قلتين" 10 (فقوله: "وسائر الجوانب") 11 كلام موهم، وإنما هو جانب العرض فحسب، إذ المعتبر في ذلك الطول والعرض والعمق فحسب من
صوب المغترف، وذلك مصرح به في "البسيط" 1، و"النهاية" 2، وغيرهما 3، وليس لك أن تجعل ذلك مصيرًا منه إلى وجه ليس في هذه الطريقة - ذكره صاحب "التتمة" 4 - وهو أنه لا يعتبر القلتان من صوب المغترف فحسب، بل من جميع جوانب النجاسة، فإن هذا الكلام إنما هو في جوانب الماء وأبعاده لا في جوانب النجاسة، وبيان كيفية التباعد واعتبار الأبعاد الثلاثة فيه كما 5 سبق بكشف إشكاله الإمام القفال قرأت 6 ذلك بخط تلميذه أبي محمَّد الجويني عنه 7، وذكر أنه سأل عن تحقيق ذلك جماعة منهم الشيخ أبو بكر الأودني 8، والشيخ أبو عبد الله الخضري وجارا فيه أبا يعقوب الأبيوردي 9، فما استقرت آراؤهم فيه على شيء 10.
قوله في البئر التي يقع فيها فأرة ويتمعط 1 شعرها: "فالطريق أن يستقى الماء 2 بدلاء على الولاء إلى أن ينزف 3 مثل جمَّة البئر مرة، أو مرتين، أو مرات استظهارًا" 4 جمَّة البئر: بفتح الجيم وتشديد الميم: ما اجتمع فيها 5 من الماء 6، والولاء بكسر الواو والمد: التوالي والتواصل 7، وفسره صاحب "النهاية" 8: بأن تتابع الدلاء بحيث لا تسكن جمَّة البئر عن تحركها 9 بالدلو الأولى حتى تلحقها الثانية ثم هكذا فهكذا حتى ينزح مثل جمَّة البئر، قال: "والاستظهار عندي أن ينزح مثل "ماء" 10 البئر مرارًا".
فإذا قوله في "الوسيط": "مرة" بيان للمشروط، وقوله: "أو مرات استظهارًا" بيان للمستحب، وقوله "استظهارًا" يتعلق بالمرتين والمرات، وصرَّح في "البسيط" 11 بما فسرناه، وقد اقتصر في بعض النسخ على ذكر "مرة"، وفي بعضها "مرة أو مرتين" دون مرات، وفي بعضها جميعهن 12. وهذا الماء
عند كثرته وعدم تغيره طاهر يمتنع استعماله 1، فلو استقى منه في دلو، ونظر فلم يجد فيه شيئًا من المتنجس جاز له استعماله.
ثم إن الظاهر أنَّا إذا قلنا بطهارة الشعر فلا منع، ولكن ذكر عنه فيما عُلِّق عنه في تدريسه "للوسيط" طرده ذلك وإن قلنا بطهارة الشعر، وعلَّل: بأنَّ الشعر يتمعط ملتصقًا به شيء من جلد الفأرة ولحمها، وذلك نجس لا محالة 2. وقال في الدرس: "وأما جدران البئر 3 وأطرافها فإنها تتنجس 4 بما في الدلاء حالة النزح فلتغسل".
ثمَّ إن قلنا: الغسالة 5 طاهرة 6 فلا بأس، وإن قلنا: نجسة فلتنزح تلك الغسالة، وإن شاءَ شاءٍ بحث جدران البئر وأخرج ذلك التراب، والله أعلم.
الجريات جمع جرية بكسر الجيم 7، وهي ههنا اسم لقطعة جارية من الماء 8.
قوله 1: "وما على يمينها وشمالها وسمتها إلى العمق فيه طريقان: منهم من قطع بالطهارة، ومنهم من خرَّج على قولي التباعد" 2 هذا 3 ليس على إطلاقه، وشرحه: أن حريم النجاسة - وهو ما يلامس النجاسة، وينعطف عليها، ويلتف بها، ويتغير شكل جريانه 4 بها - نجس قطعًا على المذهب 5، وما زاد على ذلك مما على يمينها وشمالها إلى حافتي النهر 6 وما في سَمْتِها إلى 7 العمق فذلك الذي فيه الطريقان: منهم 8 من قطع بطهارته؛ لأنه متفاصل عنها كتفاصل ما فوقها وما أمامها، ومنهم من جعل جميع ذلك ماء واحدًا كالراكد، فإن كان دون القلتين فهو نجس، وإن كان أكثر من قلتين خُرِّج على قولي التباعد 9، والله أعلم.
الجدول 1: النهر الصغير 2، والله أعلم.
قطع في النجاسة المائعة الواقعة في الماء الجاري من غير تغيير 3 بأنها لا تنجسه كان كان قليلاً؛ لأن الأولين كانوا يتوضؤون من الأنهار الصغيرة أسفل من المستنجين منها 4، واحتج به في الدرس على صحة أختياره لمذهب مالك في أن الماء مطلقًا 5 لا ينجس إلا بالتغير 6، وادعى أنه نقض على مذهبنا، وأنه بالمصير إلى مذهب مالك يتخلص من مناقضات وتخبيطات تلزمنا في مذهبنا.
ولما ارتقى - رحمه الله وإيانا - في ذلك مرتقى لم يكن له ارتقاؤه، لم تستقر قدمه عليه، ولم يستقم نقله ولا دليله، فالذي عليه جمهور أئمة المذهب ونقلته 7 التسوية بين الجاري والراكد في الفرق بين القليل والكثير عملاً بعموم الخبر 8. ونقل صاحب "التلخيص" 9
وغيره 1 قولاً قديمًا أن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير، ولكن من غير فرق بين النجاسة المائعة والجامدة، واختاره بعض الأصحاب 2 احتجاجًا بأن الماء الجاري وارد على النجاسة فلم ينجس المزال به النجاسة، وما احتج به من أمر الأولين لا يسلَّم له 3؛ فإنه 4 تخمين لا يعضده نقل يعتمد، والله أعلم.
الفرق الذي ذكره هو 5 وشيخه 6 بين الأنهار المعتدلة والأنهار العظيمة، بعيد لم يذكره الأكثرون 7، والله أعلم.
قوله: "وهذا الحريم مجتنب في الماء الراكد" 8 غير صحيح على المذهب، وقد بينت ذلك في فصل الراكد 9، وإنما الحريم المذكور المجتنب مخصوص