كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عند الجريان في ميدان البيان.
فكان هذا الذي نقله، وذكره ههنا من تحريف التعليق، لما ذكره شيخه في "النهاية" 1 من أن الشافعي له مذهبان:
أحدهما: انحصار ليلة القدر في العشر الأخير 2.
والثاني: تعيينه ليلة الحادي والعشرين، أو ليلة الثالث والعشرين.
وبين مذهبيه فرق، يظهر أثره في مسألة الطلاق المذكورة، من حيث إنه لا يحكم بوقوع الطلاق بانقضاء ليلة الحادي والعشرين، ولا بانقضاء ليلة الثالث والعشرين، ويحكم بوقوعه بانقضاء العشر، من حيث إن مذهبه في انحصارها في العشر ثابت، وهو على التردد في تعيين إحدى الليلتين، والله أعلم.
ما ذكره من جعله أركان الاعتكاف أربعة: أحدها: الاعتكاف 3.
وجهه: أن الاعتكاف المحسوس جزء من الاعتكاف المشروع فلم يمتنع كونه ركناً فيه.
وقد وجَّهنا في أول باب الاستقبال ما جرت عادته به في الأركان المذكورة، في صدور الأبواب 4، والله أعلم.
قوله 1 فيما إذا نذر اعتكافاً مطلقاً: "وقيل: لا بدَّ من يوم، أو ما يدنو منه، وهو مذهب أبي حنيفة" 2.
المنقول عن أبي حنيفة أنه لا يجزئ أقل من يوم 3، والله أعلم.
قوله: "كانت عائشة ترجِّل رأس النبي - صلى الله عليه وسلم -" 4.
ورد به حديث صحيح 5، معناه: أنه 6 - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج من المسجد رأسه إليها، وهي خارجة منه في حجرتها، فترجِّل شعره، أي تمشطه بماء، أو دهن، أو غيرهما، والله أعلم.
قوله 7: "وفي مقدمات الجماع كالقبلة والمعانقة قولان: أحدهما: أنه يحرم، ويفسد كما في الحجِّ.
الثاني: لا، كما في الصوم" 8.
هذا من عقد هذا الكتاب، ومشكلاته؛ لما فيه من الجمع بين الاعتكاف والحجِّ في الإفساد بذلك، ومن المعلوم أن الحجَّ لا يفسد بذلك، وإنما تجب به الفدية فيه 1.
فأقول - وأسأل الله التوفيق -: معناه أن المباشرة تخلُّ بالاعتكاف، كما تخلُّ بالحجِّ، فالجمع بينهما وقع في مطلق الإخلال، دون خصوص إخلال الفساد، ثم إذا ثبت ههنا بالقياس أصل الإخلال، ثبت كونه بالإفساد لا بالقياس 2 بل باعتبار تعيُّنه 3 طريقاً في الاعتكاف إلى ثبوت الخلل بخلاف الحجِّ، فإنه أمكن فيه إثبات خلل 4 بالجبران 5 بالفدية.
والله أعلم.
ثم إنه وقع منه (في هذه المسألة أمران آخران غير مرضيين:
أحدهما: إجراؤه الخلاف في) 6 التحريم، والإفساد معاً، والتحريم مقطوع به لا خلاف في ثبوته في الطريقتين: الخراسانيَّة، والعراقيَّة، فيما وجدناه 7.
والثاني: أنه في "البسيط" 8 ضبط ما يفسد به الاعتكاف على أحد القولين، وما تجب به الفدية في الحجِّ بكل لمس ينتقض به الطهر.
واتبع في ذلك شيخه الإِمام 1؛ فإنه ضبط البابين جميعاً باللمس الذي ينقض الوضوء نفياً وإثباتاً، وخلافاً ووفاقاً.
وذلك بعيد مخالف لما ذكره غيرهما من التخصيص باللمس بشهوة 2 والله أعلم.
والصحيح عدم الإفساد عند عدم الإنزال 3، والله أعلم.
قوله: "وقال أبو حنيفة: الصوم شرط في صحته حتى لا يصح 4 اعتكاف ليلٍ منفرد ما لم يصم بالنهار، وهو قول قديم للشافعي - رحمهما الله -" 5.
هذا فيه نظر؛ فإن شيخه حكى عن أبي حنيفة أنه قال: لا اعتكاف إلا بالصوم، وقال: ثم ناقض، وقال: لو اعتكف يوماً مُحْتَوِشاً بليلتين صحَّ اعتكافه في اليوم والليلتين 6، وإن كانت 7 الليلة لا تحتمل الصوم.
قال: "وحكى الأئمة قولاً للشافعي في القديم في اشتراط الصوم في الاعتكاف، ثم قال الأئمة: إذا فرَّعنا على القديم لم نصحِّح 1 الاعتكاف في الليل لا تبعاً، ولا منفرداً" 2 والله أعلم.
"إذا نذر أن يعتكف يوماً صائماً" 3 فالأصحُّ أنه لا يجزئه إفراد الصوم عن الاعتكاف 4، وروي ذلك عن "الأم" 5؛ لأن الاعتكاف مع الصوم أفضل.
وقوله فيه: "وفي لزوم الجمع قولان" غيره يقول: فيه وجهان 6.
ووجه ما قاله: أنه 7 إذا كان أحدهما منصوصاً عليه في "الأم" كما حكيناه، كان الوجه الآخر قولاً مخرَّجاً على ما عرف، فيحصل قولان: أحدهما: منصوص، والآخر مخرَّج.
وقوله في تعليل لزوم الجمع: "لتقارب العبادتين؛ كما في الحجِّ والعمرة".
معناه: أن الصوم والاعتكاف كلاهما إمساك، وكفٌّ، فكان جمعهما مما يلزم 1 بالنذر، كما لو نذر أن يقرن بين الحجِّ والعمرة، وهذا قد ذكره شيخه 2.
وفي لزوم القِران بين الحجِّ والعمرة بالنذر حتى لا يجزيء الحجُّ والعمرة مفردين، مع أن الإفراد أفضل 3، إشكال:
ولعل وجهه: أن بين القِران والإفراد تغايراً، كتغاير النوعين إذ من أفعاله ما يتصف بكونه من الحجِّ ومن 4 العمرة جميعاً، ولو نذر نوعاً من العبادة لم يجزئه نوع آخر، وإن كان أفضل منه؛ كما لو نذر عمرة لم يجزئه حجٌّ، والله أعلم.
الخلاف 5 الذي 6 ذكره في تجديد النيَّة إذا نوى الاعتكاف زماناً معيَّناً نحو شهر، ثم خرج، ثم عاد 7، الأصح منه الثالث - وهو أنه إن خرج لقضاء حاجة الإنسان لم يلزمه تجديد النيَّة، وإن خرج لغرض آخر لزمه 8. والله أعلم.
وقوله: "مهما نوى الخروج من الاعتكاف، وهو في المسجد ففي بطلانه ما في بطلان الصوم" 1 يعني 2 لتساويهما في أنهما إمساك وكفٌّ، وليسا كالصلاة المفتقرة إلى لفظ تحلل، فيجري في بطلانه الوجهان:
والأظهر البطلان 3.
قوله 4: "يصح اعتكاف الرقيق، ولكن للسيِّد أن يخرجه مهما شاء.
ويصحُّ اعتكاف المكاتب" 5 لعله خصَّ المكاتب بالذكر بعد ذكره مطلق الرقيق؛ لانفراد المكاتب بأنه يصح اعتكافه، ويجوز حتى لا يتوقف على الأصح على إذن سيِّده، وليس له إخراجه 6، والله أعلم.
ما ذكره من أن نصَّه على أن الردة لا تبطل الاعتكاف، متأول 7 على أن الردة لا تحبط ما مضى 8.
ووجهه: أنه فرض الكلام فيما إذا لم يكن اعتكافه متتابعاً 1، فله البناء إذا عاد على ما مضى؛ لأن الردة لا تحبط ما مضى من العبادة 2.
و 3 أما قوله: "إن 4 الأصح أنه يفسد بالردة، ولا يفسد بالسكر" فإنه اتبع في ذلك شيخه 5، وهو طريق شاذ لم نجده لغيرهما، ولو صحَّ نقله لم يصح تصحيحه، بل الأصح الإفساد فيهما 6؛ لأن كل واحد منهما من حيث المعنى أشد منافاة للاعتكاف من الخروج اليسير من المسجد، والله أعلم.
قوله: "والجنابة في مدة العبور لا تفسد الاعتكاف" 7 هذا وقع انفصالاً عن إشكال أُورد 8 على ما سبق من ذكر الخلاف، في أن من 9 باشر وأنزل هل يفسد اعتكافه؟.
فقيل: أي وجهٍ للخلاف 10 في هذا مع أنه إذا أنزل فقد أجنب وصار اعتكافه مكثاً في المسجد محرَّماً، فلا يكون قربة، ويلزم من ذلك فساده 11.
فقيل: وجهه أن يبادر إلى الخروج عند طرآن الإنزال للاغتسال، فيكون ذلك عبوراً من الجنب جائزاً فلا يفسد به الاعتكاف 1، والله أعلم.
قوله: "اعتكاف المرأة في مسجد بيتها" 2 بلغني عن الشيخ أبي الفتوح العجلي الأصفهاني - رحمه الله - أنه قال 3 مَسْجَد مفتوح الجيم، وكأنه أراد الفرق بين المسجد الشرعي، وغير الشرعي، ولا فرق بينهما من حيث اللغة بل فيه، فيهما لغتان: بكسر الجيم، وبفتحها 4، والله أعلم.
الأصح من القولين 5: أن مسجد المدينة، والمسجد الأقصى يتعيَّنان إذا عيَّنهما بالنذر 6. والمعروف في المسجد الحرام القطع بأنه يتعيَّن 7، وحكايته الخلاف فيه غريب جداً 8، والله أعلم.
قوله: "وأما الزمان فالمذهب أنه يتعيَّن كما في الصوم" 9 قد ذكر في كتاب
النذر 1 خلافاً في تعيين الزمان بالنذر في الصوم كهذا 2 الخلاف.
فإذاً قوله "كما في الصوم" تشبيه للاعتكاف بالصوم في جريان الخلاف فيهما، لا قياس للتعيين ههنا على التعيُّن هناك فاعلم، والله أعلم.
إذا نذر اعتكاف يوم، وقلنا بالصحيح أنه لا يجزيء ساعات ملتقطة من أيَّام، فاعتكف من منتصف يوم إلى منتصف اليوم الثاني من غير أن يخرج ليلاً، فالأكثرون على أن ذلك يجزيء؛ لأنه سبب التواصل، يقال: اعتكف يوماً 3، وهذا إن شاء الله أصح 4، وإن كان قول أبي إسحاق: إنه لا يجزيء أوضح 5، والله أعلم.
الأصح فيما إذا قال: لله 6 عليَّ أن اعتكف العشر الأواخر 7 متتابعاً، ففات، أنه يلزمه التتابع في قضائه 8؛ لأن تصريحه به يدل على قصده إيَّاه بالالتزام، فلزمه، والله أعلم.
ذكر فيما إذا نذر اعتكاف [ثلاثة أيَّام] 1 مثلاً أن الأصح من الوجوه الثلاثة: أنه لا يلزمه اعتكاف الليالي التي بينها 2، وهذا هو الأظهر 3 عند صاحب "المهذَّب" 4، لكن الأصح عند الأكثرين: هو الوجه الثالث - وهو 5 أنه إن نذر التتابع فيها لزمه في 6 لياليها، وإلا فلا 7، ومنهم من قطع به، وهذا الترجيح أرجح؛ لأن لفظ الأيَّام وإن لم يتناول لياليها 8 فلفظ التتابع أو نيَّته يشعر بها، والله أعلم.
قوله: "جاز الخروج لكل شغل ديني، أو دنياوي" 9.
هذه النسبة إلى الدنيا بالألف والواو من شذوذ النسب الجائز 10، والله أعلم.
وقوله: "ولا يجوز لأجل النَّظارة، والتنزه" 1.
فالنَّظارة: بتخفيف الظاء، يستعملها العجم، يعنون بها النظر إلى ما يقصد النظر إليه، ولا أعرفها في اللغة 2.
ويجوز أن يقرأه "لأجل النَّظَّارة" بتشديد الظاء، فقد قال صاحب "صحاح اللغة" 3 النَّظَّارة: القوم ينظرون إلى شيء.
والله أعلم.
أما التنزه: فالمراد به: التفرح 4، والخروج إلى مكان 5 نَزِه 6.
ومن أهل اللغة من ينكره بهذا المعنى، ومنهم ابن السكِّيت 7 قال: "مما تضعه العامَّة في غير موضعه قولهم: خرجنا نتنزَّه، إذا خرجوا إلى البساتين،
قال: وإنما 1 التنزُّه التباعد عن الأرياف 2 والمياه، ومنه قيل: فلان يتنزَّه عن الأقذار أي يتباعد عنها" 3 والله أعلم.
الأصح من الخلاف المذكور 4 فيما إذا نذر اعتكافاً، أو صدقة، أو صوماً، أو حجَّاً، واستثنى وشرط أنه يخرج منه لغرض معتبر، أنه يصح ذلك 5؛ لأن اللزوم بالنذر بالتزامه 6، فكان على حسب التزامه، ومن جعل الصوم أولى بالصحة من الحجِّ؛ فلأن الحجَّ يلزم بالشروع، فلم يكن للاستثناء فيه تأثير، ومن عكس وجعل الحجَّ أولى - وهو الصحيح - فلأنه أوسع لاختصاص عقده باحتمال ما لا يحتمله عقد غيره، ولاختصاصه بورود النصِّ فيه، وهو حديث ضباعة بنت الزبير 7 المخرَّج في الصحيحين 8 عن عائشة - رضي الله عنها - أنها
أرادت الحجَّ، وهي شاكية، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (حجِّي واشترطي، إنَّ محلي حيث حبستني).
والخلاف المذكور في الحجِّ حكاه في الكتاب عن العراقيين 1 وجهين، وإنما هو قولان معروفان، في طريقة العراق، وغيرها 2. والله أعلم.
إذا عاد بعد الخروج الجائز، ففي الحاجة إلى تجديد النيَّة خلاف 3، ثم إن كان قد شرط التتابع، فالأظهر: أنه لا يجب تجديد النيَّة 4. وإن لم يشترط التتابع، فالأظهر: أنه يجب تجديدها 5. والله أعلم.
ذكر أنه يشترط في الخروج القاطع للاعتكاف أن يكون عن كل المسجد، وذكر أنه احترز به عما إذا صعد المنارة 6. وأراد ما إذا كانت المنارة في نفس المسجد؛ صرَّح به في "البسيط" 7 وكذلك هو في "النهاية" 8.
ثم ذكر في المنارة صوراً أخرى ثلاثاً، لا يقع الاحتراز بذلك عنها، لكون المنارة فيها ليست من المسجد، وفيها الصورة الثانية من الثلاث، وهي ما إذا
كانت المنارة متصلة بالمسجد، وبابها في المسجد.
فإن الإمام 1 حكى عن الأئمة أنهم قطعوا بأن الخروج إليها لا يقطع الاعتكاف 2.
وصرَّح بأن المنارة فيها ليست من المسجد 3، وأنّه ليس لها حكم المسجد في تحريم مكث الجنب، وصحة الاعتكاف فيها.
والصورة الأخيرة التي فيها الخلاف أولى بهذا لا محالة، وليس قوله في الكتاب: "أحدها: ينقطع بخروجه من المسجد" 4 إشارة إلى هذا، وإنما معناه: أنّه إذا كان بابها خارجاً من المسجد، فهو عند صعوده إليها يخرج في طريقه إليها من المسجد، ثمّ إنَّ الأصح هو الوجه الثالث، وهو أنّه إن كان مؤذناً راتباً لم ينقطع، وإلا فينقطع 5، ولم يشترط غير واحد في صورة الخلاف هذه كون المنارة في حريم المسجد، بل ذكروا الخلاف مطلقاً فيما إذا كانت مبنية للمسجد، وبابها خارج من المسجد 6، والله أعلم.
ذكر أن في خروجه لقضاء حاجة الإنسان المعتادة إلى منزله وهو بعيد، أو مع كثرة الخروج لعلة به وجهين، منهم من عمَّم حسماً للباب 7.
معناه: عمَّم القول بالجواز، والترخيص 1 حسماً للباب، أي لباب التميز بين صورة وصورة، فإنّه المعهود في أمثاله من الرخص، وهذا هو الأصح عند المؤلف 2.
وعند بعض المصنِّفين، الأصح: المنع في صورة تفاحش بعد المنزل 3. وأمّا إذا 4 كان له منزلان: أحدهما أقرب، فالأصح أنّه لا يجوز له الخروج إلى الأبعد 5، والله أعلم.
قوله 6 في الخارج لقضاء الحاجة: "لا بأس بأكل لقم في الطريق" 7.
هذا يقع تفريعاً على أحد الوجهين: أنّه لا يجوز الخروج للأكل 8، ويجيء أيضاً على القول بأنّه يجوز له ذلك 9؛ لأنّ الكلام مفروض فيمن لم يقصد بخروجه الأكل، بل قضاء الحاجة فحسب.
و 1 أمّا تخصيصه اللقم بالذكر، فكنت قد قلت: لعلّه بسبب 2 أن الزيادة على ذلك خِفَّةٌ 3 مكروهة، لا تليق بأصحاب النزاهة، والمروءة، ثمّ بان أن سببه: أن الأكل المقصود 4 يقدح في السبب المجوِّز للخروج، وهو القصد المجرد لقضاء الحاجة، والله أعلم.
ما ذكره من أن له عيادة المريض في المرور من غير ازورارٍ، ولا بأس بوقفة يسيرة 5.
تتضمَّن المنع من الازورار، وإن كان بقدر وقفة يسيرة؛ وسببه أنّه إذا ازورَّ لعيادته، ففيه تجديد قصد منه للعيادة، فتصير مقصودة 6، أو يقدح ذلك في القصد المجرَّد لقضاء الحاجة، وإنّما جازت العيادة على وجه الضمن والتبع 7، والله أعلم.
قوله: "وكذلك لا بأس بالسلام، والسؤال، فإنّه لا يزيد على قدر صلاة الجنازة" 8 أي لا بأس بالوقوف للسلام على المريض، والسؤال عنه؛ فإنّه يسير 9، والله أعلم.
قوله: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يسأل عن المريض في اعتكافه إلا مارَّاً لا يعرج عليه" 1.
هذا مروي عن عائشة رضي الله عنها، لكنه في صحيح مسلم 2 موقوف على عائشة من فعلها، وأمّا مرفوعاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد رواه أبو داود 3 السجستاني بإسناد فيه ضعف، والله أعلم.
قوله 4: "ولو جامع في وقت قضاء الحاجة من غير صرف زمن إليه" 5.
هذا على ظاهره صورته: أن يجامع في وقت قضائه حاجة الغائط، كما يقع من العِزْيَوط 6، وإن كان أراد أنّه جامع في وقت خروجه لقضاء الحاجة، فهذا
غير مستبعد؛ إذ يتصور بأن كان في المَحْمَل 1، أو نحوه، أو في الوقفة اليسيرة المحتملة.
وقوله 2 فيه: "ليس معتكفاً في هذه الحالة, وإن كان الزمان محسوباً من مدَّة الاعتكاف".
معناه: أنّه يسقط من مدَّة اعتكافه، حتى لا يجب قضاؤه، وهذا قد ذكره هو وشيخه 3 مطلقاً من غير فرق بين أن تكون المدَّة معيَّنة 4، أو مطلقة، وقد سبق في مسألة استثناء الأغراض الفرق 5، وأنّه يجب القضاء في المدَّة المطلقة 6، وههنا لمَّا ذكر إمام الحرمين عدم وجوب القضاء أورد مثالاً من المطلق وقال 7: "زمان خروجه مستثنى، وكأن الناذر قال: لله عليَّ أن 8 اعتكف عشرة أيَّام إلا أوقات خروجي لقضاء الحاجة".
وعند هذا أقول: الفرق بينهما من حيث المعنى: أن الاستثناء ههنا كان بقرينة الحال، وهي شاملة للمطلق وللمعيَّن، وههنا 1 كان الاستثناء بلفظه، ولفظه لم يقتض سقوط القضاء فأشبه 2 والله أعلم.
ما ذكره المؤلف وشيخه 3 من الوجهين، في انقطاع التتابع في الاعتكاف (بالحيض الذي يتيسر صون الاعتكاف عنه بقصر مدة الاعتكاف) 4. ذكرهما طائفة قولين 5، وكان سببه أنهما قولان مخرَّجان، وقد يعبَّر عن القولين المخرَّجين بالوجهين.
والأصح أنّه ينقطع 6 به 7 والله أعلم.
الأظهر من القولين 8 في المرض الذي يشق معه المقام في المسجد: أنّه لا ينقطع 9 به 10 التتابع 11 كالحيض الغالب في المدَّة الطويلة، والله أعلم.
إجراء الخلاف في المخرج محمولاً 1 بعيد غريب 2، ووجهه: أن حقيقة الاعتكاف فيه قد زالت لمفارقته المسجد لعارض غير 3 غالب.
والأصح فيمن أكره حتى خرج بنفسه أنّه لا ينقطع تتابع اعتكافه 4، وإن كان 5 كما ذكره 6 أولى بالانقطاع من المحمول والله أعلم.
الصحيح في الخارج لأداء شهادة متعيِّنة 7، لم يتعيَّن عليه تحملها أنّه يبطل اعتكافه 8.
والصحيح في المرأة الخارجة لعدة طلاقٍ، والخارج لإقامة حدٍّ 9 أنّه لا ينقطع اعتكافهما 10، والمنصوص في ذلك ما ذكرناه أنّه الصحيح، والله أعلم.
وقوله بعد فراغه من ذكر الأعذار: "ثمّ حيث قلنا: لا ينقطع فيجب قضاء الأوقات الفائتة بهذه الأعذار" 1. يعني بها ما عدا عذر الخروج لقضاء الحاجة على ما صرَّح به أولاً، وفي معناه: الخروج للأكل، والوضوء إن جوَّزناه، والله أعلم.