كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(وحصن حصين) 1.
وقوله: ولا يفسق (ولا يرفث) 2، والرفث الكلام القبيح 3، والصخب الصياح 4، والله أعلم.
(خُلُوف فم الصائم) 5 رائحته الكريهة الحادثة عند خلوّ المعدة من الطعام 6، وهو بضم الخاء، وفتحها كثير من المحدثين، وذلك غلط 7.
وقوله "أطيب عند الله من ريح المسك" أي يثيب عليه أكثر مما 8 يثيب على التطيب بالمسك تقرباً إليه فيما يستحب التطييب 9 فيه من
العبادات 1.
وحديث الخلوف هذا هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - 2، والله أعلم.
وحديث كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يصبح جنبا من جماع غير اختلام في رمضان، ثم يصوم) 3 ثابت في الصحيحين 4 عن عائشة
وأم سلمة 1 - رضي الله عنهما -، والله أعلم.
قوله في الوصال: "لا تزول الكراهية إلا بأن يأكل شيئاً بالليل، وإن قلّ" 2 ليس كذلك، بل يزول بما تزول به صورة الصوم من ماء وغيره هذا هو المعروف 3، والله أعلم.
وحديث النهي عن الوصال مروي في الصحيحين 4 وغيرهما 5 عن جماعة من الصحابة، ليس فيها ذكر وصال عمر، بل "إن ناسا واصلوا" ونحو ذلك، والله أعلم.
وقوله (يطعمني ويسقيني) المختار أن معناه: أني أعطى قوة من يطعم، ويشرب يدلّ عليه ما في الحديث من وصفه - صلى الله عليه وسلم - بكونه مواصلا، ولو وجد الإطعام والسقي 1 حقيقةً لما كان مواصلا 2، والله أعلم.
ومن القسم الثاني: في (1) مبيحات الإفطار وموجباته
قوله: "
أما المبيحات
2 فالمرض والسفر الطويل" 3.
هذا حصر، ولا ينحصر ذلك فيهما، فإن من أكره على الإفطار أو غلبه الجوع، أو العطش حتى خاف الهلاك يجوز له الإفطار، وإن لم يكن مسافرا ولا مريضا 4، والله أعلم.
قوله 5: "وإن أصبح المسافر على نية الصيام، فله الإفطار بخلاف ما إذا شرع في الإتمام" 6.
هذا فيه إشكال لعسر الفرق بينهما، وقد رام الشيخ أبو إسحاق الشيرازي 7، وإمام الحرمين 8 - رحمهما الله - التخلص من إشكال الفرق بالتسوية بينهما في عدم 9 جواز الترخص احتمالا أبدياه 10 من عندهما من1
غير أن ينقلاه، وهذا مما لا نرضاه، و 1 إذا لم يكن بدّ من التسوية، ففي تجويز الترخص في الموضعين لا في عدمه، إذ ورد الحديث الصحيح بجواز الترخص بالإفطار ههنا، فيتعين أن يُقَاس 2 عليه 3 ذلك على تقدير التسوية، فقد روى مسلم في صحيحه 4 عن جابر - رضي الله عنه - 5 أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ كُرَاع الغَمِيم 6، قال: وصمنا معه، فقيل: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينتظرون ما تفعل، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون، فأفطر الناس وصام بعض 7، فبلغه أن ناساً
صاموا، فقال: (أولئك العصاة مرتين).
وإذا امتنع المصير إلى الترخيص هناك تعين إبداء معنى فارق بينهما، فأقول: إن الذي يظهر أن الفرق بينهما أنه وإن أصبح صائما، فالنهار ممتدّ، وهو بصدد أن يجهده الصوم، ويلحقه المشقة، والسفر الذي هو مظنتها قائم، فجاز له الإفطار كما لو أصبح صائما ثم مرض، فإنه 1 وإن اجتمع في صومه الحالتان: يجوز له الإفطار لما ذكرناه من المعنى الذي لا وجود لمثله في مسألة الإتمام، ولا يرد على هذا ما إذا كان مقيما في بعض نهاره، ومسافرا في بعضه، فإن مدة السفر المشتملة على المشقة المبيحة إلى اختياره تطويلها وتقصيرها، والله أعلم.
وقد تكلف صاحب الكتاب - رحمه الله - في تدريسه له فرقا آخر، وقال فيما علق عنه: الفرق بينهما عسير، وغاية الممكن أن يقال في الصوم: وجب عليه، إما صوم هذا اليوم، وإما صوم يوم آخر كما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 2، فبان 3 عين هذا اليوم لا يلزمه بخلاف ما إذا شرع في الإتمام، فقد عيَّنه بصفة فليس له تبديل صفة بصفة، وإنما الصفات تحصل في ابتداء العقود.
قال: ويرد على هذا، ما إذا شرع في الصلاة قاصراً، فإن له الإتمام، ولكن هناك ليس تبديل صفة، وإنما يلتزم 4 شيئاً زائدا 5، لم يكن التزمه، والله أعلم.
ما ذكره من أن القصر أفضل من الإتمام بخلاف الفطر، فإن الصوم أفضل منه، وإن من الفرق بينهما، أن في القصر خروجا من الخلاف، بخلاف الفطر، فإن خلاف 1 داود 2 في إيجابه لا يعتد به 3، يعني فالخروج من خلافه غير مطلوب، هذا 4 رأي جماعة من الأصوليين، ذهبوا إلى أنه لا يعتد بقول داود الظاهري في الإجماع والخلاف 5، وأنه ليس من المجتهدين؛ لعدم استكماله أدوات الاجتهاد، فإنه فاته القياس مع اضطرار المجتهد إليه فيما لا يحصي من الحوادث.
وأما الموردون مذاهبه، فيما يذكرونه في تصانيفهم من اختلاف العلماء
كصاحب "الشامل" وغيره، فهم معتدون بخلافه لا محالة 1، والله أعلم.
قوله: "وما ورد من 2 الأخبار في النهي عن الصيام في السفر، أريد به من 3 يتضرر بالصوم" 4، هذا مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ليس من البر الصيام في السفر)، وفي رواية ثابتة في الصحيحين 5 من حديث جابر - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى في السفر رجلاً يظلل عليه لكونه صائما فقال: ذلك - صلى الله عليه وسلم -.
قوله: "بدليل 1 ما روي عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا القاصر، ومنا المتم فلم يعِبْ بعضنا على بعض" 2، هذا متفق عليه أخرجاه في الصحيحين 3، ولكن ليس فيه (ومنا القاصر، ومنا المتم) وهو زيادة قد رويت بإسناد ضعيف 4، والله أعلم.
موجبات الإفطار
ذكر أنها أربعة 1، ولم يذكر التعزير، فلعل ذلك لأجل أنه عام لا اختصاص له بمعصية الإفطار، والله أعلم.
قوله: "فالقضاء واجب على كل مفطر، وتارك" 2، فالفطر هو الذي أفسد الصوم بالأكل أو نحوه بعد دخوله فيه، والتارك هو الذي لم يدخل في الصوم أصلاً كالمرتد، والحائض ونحوهما 3، والله أعلم.
الأصح من الوجهين المذكورين في المجنون إذا أفاق في أثناء النهار 4، أنه لا يجب عليه القضاء 5، وهذان الوجهان مندرجان في الوجوه الأربعة المذكورة من بعد في الإمساك، والقضاء في الصبي وغيره من الأعذار، إذا زالت في أثناء النهار 6،
والمتحصل من الأربعة في صورة واحدة من تلك الصور، إنما هو وجهان فقط، والله أعلم.
ما ذكره من أنه لا يجب الإمساك "على من أبيح له الفطر 1 إباحة حقيقة كالمسافر" 2 معناه: أنه لم يبح 3 الإفطار بناءً على ظاهر يتطرق إليه الخطأ كما في يوم الشك على ما سيأتي 4، بل أبيح له الإفطار بناءً على أمر متحقق، وهو السفر، والمرض، فلا يتجه إيجاب الإمساك الذي هو من قبيل عقوبة، وإلى هذا يرجع معنى قوله في الفرق لما ذكر وجوب الإمساك على الصبي وأمثاله "لا كالمسافر فإنه يترخص، مع كمال حاله" يعني أنه مع كمال حاله مخاطب بالترخص، فلا وجه لمؤاخذته بخلاف الصبي، فإنه غير مخاطب بالترخص، وإنما هو خارج عن التكليف.
وينبغي أن يقرأ قوله "إباحة حقيقة" بإضافة إباحة إلى حقيقة، وهذا أصح من أي يقال: "حقيقية" بياء النسبة كما وقع في موضع آخر؛ لأن الإباحة في نفسها حقيقية في الموضعين على ما لا يخفى عن أصولي، والله أعلم.
الأصح عند المصنف 5، والإمام شيخه 6 من الوجوه الأربعة أنه لا يجب
الإمساك في جميع الصور المذكورة 1، وعند صاحب التهذيب 2 الأصح في الكافر وجوب الإمساك، (لأنه متعدّ بالإفطار) 3، وهذا متجه، والله أعلم.
قوله: "أما الكفارة، فواجبة على كل من أفسد صوم يوم من رمضان بجماع تامٍ أثم به لأجل الصوم" 4، ثم إنه قال: "أما إضافة الإفطار إلى الجماع احترزنا به عن المرأة إذا جومعت فلا كفارة عليها، لأنها أفطرت قبل الجماع بوصول أول جزء من الحشفة إلى باطنها" 5.
وقد قال: أولاً: "بجماع تام" احترازا بالتمام عن جماع المرأة، وذلك أوضح في الاحتراز، ثم لم يعد لفظ "التمام" هنا عند ذكره ما احترز عنه، واقتصر على الاحتراز 6 بمجرد إضافة الإفطار إلى الجماع، (وهذا يتضمن أن إفطارها لم يحصل بجماع، وذاك 7 يتضمن أن إفطارها حصل 8 بجماع) 9 لكن غير تامٍ 10،
والأمران معا ثابتان صحيحان فإنه إذا لم يبق إلا بعض الحشفة ساغ أن يقال فيه: لإنه جماع ناقص غير تمام، وأن يقال: لم يوجد الجماع؛ لأنه عبارة عن المجموع، فإذا لم يوجد جزء منه لم يكن حقيقته موجودة.
ثم إنه ذكر بعد هذا احترازه بالجماع عن الأكل ونحوه 1، وذلك غير هذا، فإن ذلك احتراز بنفس الجماع، وهذا احتراز بإضافة 2 الإفطار إلى الجماع، وهي تنتفي مع وجود نفس الجماع، والله أعلم.
الأصح عند القاضي أبي الطيب الطبري 3، إن المرأة تجب عليها كفارة أخرى 4، وهو ما روي عن مالك 5، وأبي حنيفة 6، وأحمد 7.
والأصح عند صاحب الكتاب وطائفة أنه لا تجب 8 إلا كفارة واحدة عليه 9
والأول إن كان أقوى 1 في القياس، فهذا منقول عن نص الشافعي - رحمه الله - في الجديد، والقديم 2. ودليله حديث الأعرابي 3، فإنه لم يذكر فيه سوى كفارة واحدة، و 4 لأن الكفارة تشتمل 5 على مال، فاختصّ بها الزوج كالمهر.
وأما تعليل صاحب الكتاب، ذلك بأن إفطار المرأة حصل بغير الجماع، فقد رجع عنه بما 1 ذكره في درسه، وقال: الصحيح أنها أفطرت بالجماع، فإنها تعدّ مفطرة بالجماع.
قلت: وهذا 2 تعليل، أحدثه في هذه المسألة الأستاذ أبو طاهر 3 الزيادي النيسابوري، ومات سنة ... 4، وصار مثالا لمسألة أصولية غريبة، ذكرها أبو الفتح ابن برهان 5 الفقهي الأصولي، وهي أنه لا يجوز إحداث الاستدلال بدليل ظاهر في مسألة خاض فيها من سبق، ولم يذكره أحد منهم مع كونه 6 مما
لا يخفى مثله عليهم 1 2 كهذا التعليل، فإن كل أحد يعرف أن تغييب أول جزء من الحشفة يحصل قبل الجماع، فلو صلح 3 ذلك دليلاً لما أهملوه، وزيف ذلك شيخه أبو الحسن 4 الطبري المعروف بكيا 5، تلميذ إمام الحرمين من وجه آخر، وقال: إنما تركوا هذا الدليل؛ لأنهم رأوا أن الأمر يختلف في ذلك، ولا ينضبط فقد تكون الحشفة كبيرةً، وقد تكون صغيرةً بحيث يكون الإفطار فيها بالجماع، ولا يحصل الإفطار قبله؛ لكونه لا يقع الحصول في الباطن، إلا بتغييب جميع الحشفة لصغرها 6.
وزيف ذلك كثير من الأصحاب بأنه يتصور فساد صومها بالجماع، بأن يولج فيها، وهي نائمة، أو ناسية، أو نحو ذلك، ثم يزول النوم، أو غيره مع استدامة الوطء، فإن الحكم لا يختلف على القولين 1، والله أعلم.
ثم إن الأصح من القولين، أو 2 الوجهين عند صاحب الكتاب، وجماعة على قولنا: أنه لا يجب إلا كفارة واحدة إنها تختص بالزوج، وليست عنهما 3، والله أعلم.
قوله: "إذا طرأ بعد الجماع 4 مرض، أو جنون، أو حيض ففي الكفارة ثلاثة أقوال: إلى آخره" 5.
الأظهر منها: الثالث، وهو أنها لا تسقط بطرآن المرض، وتسقط بطرآن الجنون، والحيض 6، ثم لا يخفى أن هذا الخلاف في الحيض مفرع على قولنا: تجب الكفارة على المرأة 7.
ذكر في وجوب القضاء على المجامع مع الكفارة ثلاثة أوجه 1، ثانيها: أنه لا يجب 2؛ لقصة الأعرابي، وليس 3 فيها أمر بالقضاء، وهذا الوجه ينبغي أن يطرح، فقد روي من وجوه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أمره أن يقضي 4 يوما مكانه) رويناه في السنن الكبير 5 بإسناد جيد 6، ورويناه في سنن أبي داود 7 بنحوه، والله أعلم.
وقد قطع صاحبا "المهذب" 8 و"التهذيب" 9 بالقضاء فلم يذكرا فيه 10 خلافا 11، والله أعلم.
والمذكور في الكتاب من قصة الأعرابي 1، وقع فيه زيادة غير صحيحة، وحديثه ثابت في الصحيحين 2، وغيرهما 3 عن أبي هريرة وغيره، فقوله (أهلكت) 4 لفظة وقعت في رواية ضعيفة 5، لا يثبتها أصحاب الحديث، ذكر ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي 6.
و 1 قوله: "فوضع يده على سالفته وقال: لا أملك رقبة إلا هذه" لا تعرف 2.
و 3 قوله: "وهل أتيت إلا من الصوم" لا يعرف أيضاً 4، والمذكور بدله 5 في الروايات المعروفة، أنه "لا يستطيع 6 ذلك".
"والسالفة" هي صفحة العنق 7 كما سبق شرحه في سنن الوضوء.
وأما قوله: "ما بين لابتيها" فالمدينة - حرسها الله تعالى - بين لابتين، واللابتة 8 عبارة عن الأرض الملبسة بالحجارة السود 9.
"والعَرَقُ" بفتح العين، والراء المهملتين 1، وقد يقال: بإسكان الراء، وهو عبارة عن الزنبيل المعمول من الخوص 2.
وقد روي في بعض روايات الحديث، أن العَرَق، هو المكتل الضخم، والمكتل، والزنبيل، والقُفَّة بمعنى واحد 3، والله أعلم.
وإذا وقفت على ما بيناه في الحديث 4 ظهر لك أن الإشكال المذكور الناشئ من تجويز ترك الصوم؛ لشدة الغُلْمَة 5 مندفع لما ذكرناه من عدم ثبوت ذلك في الرواية، وهكذا 6 الإشكال السابق من كونه لم يأمره بالقضاء، لما رويناه من أنه أمره بالقضاء.
وأما الإشكال الآخر في تفريق الكفارة على أهله، وعياله، والإشكال الآخر في أنه لم يبين له بقاء الكفارة 7 في ذمته، فهما مندفعان، بأن هذه قضية عين، وقضايا الأعيان قد تمهد في فن الأصول، أنه لا يعم
حكمها 1؛ لتطرق الاحتمالات إليها، فمن المحتمل ها هنا أنه صرف ذلك إلى عياله صدقة عليهم، لفقرهم، لا كفارة، وإنه إنما لم يبين 2 له استقرار الكفارة في ذمته تأخيرا لذلك إلى وقت الحاجة إلى بيان 3 ذلك، وهو وقت الأداء عند القدرة، أو لأنه اقترن بحاله ما أشعر بأن ذلك غير خافٍ عليه 4، فالصحيح إذاً في ذلك بقاؤها في ذمته 5.
والجريان على مقتضى القياس في الأمور المذكورة لما ذكرناه، لا لما ذكره صاحب الكتاب من جعل ذلك خاصة للأعرابي 6، فإنه لا ضرورة تدعو إليه، والله أعلم.
ما ذكره من كلمة "التشويش" ينبغي أن تبدل بالتهويش 7، فإن "التشويش" عامي يأباه العلماء باللغة 8، والله أعلم.
قوله في الفدية "مصرفها مصرف الصدقات" 1 ليس المراد بالصدقات فيه الزكوات، حتى يجوز صرفها إلى أصنافها، وإنما المراد بذلك صدقات التطوع، ومصرفها الغالب 2 المساكين، والفقراء كسائر الكفارات 3.
وتخصيصها بالمسكين مذكور في "الوسيط" 4 في بابها، وذلك لتعيين 5 المسكين في النصوص الواردة في الغالب 6 من أنواع ذلك، وحيث اقتصر على ذكر المسكين 7 أو الفقير فهو شامل للنوعين الفقراء 8، والمساكين كما في الوصية 9، والله أعلم.
قوله: "من تعدى بترك الصوم، ومات قبل القضاء، أخرج من تركته مدّ لكل يوم، وفي القديم أنه يصوم عنه وليه" 10.
قلت: ليس نصه في القديم هكذا جزما بذلك 1 بل معلقاً، فإنه قال فيه: "وقد روي في الصوم عن الميت شيء، فإن كان 2 3 ثابتا صيم عنه كما يحج عنه 4، وأما في الجديد فإنه جزم بأن لا يصام عنه 5، وأخذ يضعف ما كان قد بلغه 6 مما روى في جواز الصوم عن الميت، وكلامه في ذلك كلام من لم تبلغه الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك منها: حديث عائشة رضي الله عنها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من مات وعليه صوم، صام عنه وليه) أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين 7. وأخرجا 8 في صحيحيهما 9 حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -، ومسلم 10
في صحيحه 1 من حديث بريدة بن الحصيب 2 عنه - صلى الله عليه وسلم -، أنه أمر امرأة ماتت أمها، وعليها صوم بأن تصوم عن أمها).
وعند هذا ينبغي لمن اطلع على هذا من أصحابه أن يقطع بأن 3 مذهبه أن 4 يصام عنه قولاً واحداً 5؛ لكونه اعتمد في عدم قوله بذلك على عدم ثبوت الحديث الوارد به، وقد بيّنت 6 ثبوت الأحاديث الواردة بذلك، ولأنه رحمه الله أوصى أصحابه بأنه متى ثبت على خلاف قوله، فليدعوا قوله ويعملوا بالحديث 7، وقد سلك الأصحاب هذا المسلك في مسألة التثويب 8 في الأذان وغيرها 9.
وقد قال القائم بنصرة مذهبه 1 من حيث الحديث الصحيح "لو وقف الشافعي على جميع طرق هذه الأحاديث وبظاهرها لم يخالفها إن شاء الله تعالى" 2. وأما 3 ما احتجوا به من 4 نصرة القول الجديد بما 5 روي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (فيمن مات وعليه صيام رمضان، أنه يطعم عنه مكان 6 كل يوم مسكين)، وفي رواية (مد من حنطة) 7 فهو غير ثابت عند
أهل 1 الحديث مرفوعاً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو من قول ابن عمر رضي الله عنهما، ولا يقدح في حديث ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما ما ورد عنهما من 2 أنهما أفتيا في ذلك بالإطعام 3، فقد قال: (الفقيه الحافظ أبو بكر) 4 البيهقي: "من يجوز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه" 5، ثم إنه تقرر في أصول الفقه أن فتيا الراوي للحديث بخلافه لا يقدح فيه 6. إذا وضّح هذا، فالولي المذكور في الحديث أنه يصوم عنه الأقرب أن المراد به القريب 7، فإن الوليَّ 8 (مأخوذ من الولي) 9 على مثال الرمي،
وهو القرب 1، ويحتمل أن يكون عبارة عن الوارث 2، فإن الورثة أولياء الميت في تركته، وهم الذين يطعمون عنه على تقدير الإطعام، ولم نجد لأحد من الأصحاب في ذلك قولا جازما، وتردد إمام الحرمين 3 في أنه الولي الذي يلي أمر المولى عليه، وهو القريب، أو هو الوارث، أو 4 هو العصبة 5، وقال: لا نقل عندي فيه، وليس معنا في معناه ثبت نعتمده 6، والله أعلم.
ثم إن القول بجواز صوم الولي عنه ليس مخصوصا بالمتعدي بالإفطار كما يفهم من ظاهر إيراده في الكتاب، بل هو منقول أيضاً في المعذور الذي لم يتمكن من القضاء حتى مات، والراد به أنه يجوز صوم الولي عنه، وإن لم يلزمه 7، والله أعلم.
قوله في الحامل والمرضع: "إذا أفطرتا خوفا على ولديهما، قضتا، وافتدتا 8 عن كل يوم مدا كذلك ورد به 9 الخبر" 10.
يعني بالخبر ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ 1، أنها 2 منسوخة إلا 3 (في الحامل) 4 5، والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا، وأطعمتا مكان كل يوم مسكينا) رواه أبو داود وغيره 6. وهذا هو الصحيح من الأقوال عند صاحب الكتاب 7، ولذلك أفتى به أولاً، ثم حكى أن فيه قولاً ثانياً، وثالثاً، وعند القاضي الروياني 8: الأصح أن الفدية 9 لا تجب 10، والاختيار الأول أولى، والله أعلم.
قوله في تعليل أحد الوجهين: أن الفدية لا تجب على العاصي بالإفطار؛ "لأن الفدية لا تكفر عدوانه" 1.
إن قلت: هذا لا يليق بأصلنا، فإنا قسنا قتل العمد على الخطأ في إيجاب الكفارة، ولم نبال بقول الخصم في الفرق أن جريمة قتل العمد عظيمة لا تكفرها الكفارة.
قلت: ولا سواء، فإن 2 الفدية مد من طعام فهي تتضاءل جداً عن جريمة تعمد الإفطار في صوم رمضان المعظم، ولا كذلك كفارة القتل المشتملة على إعتاق الرقبة الموجب إعتاق كل عضو من المعتق بكل عضو منها 3 من النار، كما نطق به الحديث الصحيح 4، وإطلاقه شامل لجريمة القاتل المتعمد، فالعتق إذا يكفر كلها، أو جلها، وهذا الوجه هو الصحيح 5 عند
إمام الحرمين 1.
والأصح عند صاحب "التهذيب" 2 (وجوب الفدية و) 3 هو الأظهر 4، والله أعلم.
الأصح فيمن أفطر؛ لتخليص الغريق 5 أنه تلزمه 6 الفدية 7، والله أعلم.
قوله فيمن لزمه قضاء صوم 8 من رمضان، وتمكن منه 9، فأخره حتى أدركه رمضان آخر "عصى، وأخرج لكل 10 يوم مدا 11 للخبر" 12.
فالخبر إنما هو في إخراج المد عن كل يوم، وليس فيه ذكر العصيان.
ثم إنه عن ابن عباس 1 وأبي هريرة موقوفاً عليهما 2، ومنهم من رواه عن أبي هريرة مرفوعاً إلى 3 رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يصح رفعه، فالاحتجاج به إذا 4 إنما 5 يكون بواسطة الانتشار من غير نكير، أو يكون 6 لكون ذلك مما لا يدرك إلا بالتوقيف.
ثم إنه يبقى ما ذكره هو وآخرون 7 من التعصية مفتقرة 8 إلى دليل، ولا يلزم من مطلق وجوب الفدية تعصيته.
قلت: يلزم ذلك من وجوب الفدية ها هنا؛ لأنها لتأخير القضاء لا بدلا عن نفس الصوم، فلو لم يكن تقديم 1 القضاء واجبا لما وجب 2 عنه بدل، وهو الفدية، والله أعلم.
الأصح عند شيخه 3 أن الفدية تتكرر بتكرر السنة في التأخير 4، والله أعلم.
قوله: "الشيخ الهم 5 إذا أخر المد عن السنة الأولى ففي لزوم مد آخر للتأخير وجهان" 6، هذا لم نجده 7 لغيره، ولم يذكره هو في "البسيط" فهو شذوذ منه، وكأنه من تصرفه، ولا وجه لإلحاق الفدية بنفس الصوم في ذلك مع قيام الفارق ووضوحه 8، والله أعلم.
الأصح أنه يكره الإفطار بغير عذر في صوم التطوع 9، والله أعلم.
قوله: "أما صوم القضاء فما 1 يجب على الفور يلزم 2 إتمامه عند الشروع، وما هو على التراخي، فيجوز الإفطار فيه" 3. أراد بما يجب قضاؤه على الفور ما وجب بسبب هو عاص به، أو مقصر 4، كذا قال في "البسيط" 5، وبما 6 هو على التراخي ما إذا أفطر بعذر، وهذه طريقته في طائفة، وهي الصحيحة 7. وليس المختار ما اختاره صاحب "التهذيب" 8 ومن وافقه من أن الجميع على 9 التراخي 10. وأما ما ذكره من جواز الإفطار بعد الشروع في القضاء الواجب على التراخي، هو قول القفال في طائفة 11.
والمذهب المنع من ذلك على ما سبق بيانه في باب التيمم 1.
قوله: "أيام البيض" 2 الصواب فيه إضافة أيام إلى البيض أي الليالي البيض 3، وهي ثلاث 4 عشرة، وليلة أربع عشرة، وليلة خمس عشرة 5، ومن يقول الأيام البيض، بالألف واللام (في الأيام) 6 فهو مخطئ، والله أعلم.
قوله: "وصوم الدهر مسنون بشرط الإفطار، يومي العيد، وأيام التشريق" 7.
هذا الكلام يتضمن تصور صوم الدهر مع الإفطار في بعضه، وذلك خلاف الحقيقة، ووجهه 8 أن يجعل الدهر فيه عبارة عن جميع الأيام التي يجوز صزمها على طريق التجوز، و 9 لا على جميع الأيام على الإطلاق 10، والله أعلم) 11.
ومن كتاب الاعتكاف
ما ذكره من حديث (من أحيى ليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) 1 قد 2 سبق الكلام فيه في باب صلاة العيدين 3. والله أعلم.
قوله في ليلة القدر: (وميل الشافعي إلى ليلة الحادي والعشرين لحديث ورد فيه) 4 يعني به حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي عن مالك 5، وأخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين 6، وفيه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (أُرِيتُ هذه
الليلة ثم أُنسيتها، ورأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين، فالتمِسوها في العشر الأواخر، والتمسوها فى كل وتر).
قال أبو سعيد: (فمطرت 1 السماء في تلك الليلة) يعني ليلة إحدى وعشرين - وكان المسجد على عريش فَوَكَفَ 2 المسجد - قال: (فأَبْصَرَتْ عينايَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين، 3 صبيحة إحدى وعشرين).
ونصُ 4 الشافعي - رحمه الله - في "المختصر" 5 أصح مما نقله، قال فيه: "ويشبه أن يكون في ليلة إحدى 6 وعشرين، أو ثلاث وعشرين"؛ وذلك أنه ورد في ليلة ثلاث وعشرين حديث 7 صحيح، أخرجه مسلم 8 من 9 حديث عبد الله بن أُنيس 10 بنحو حديث أبي سعيد.
والله أعلم.
وقوله: "وقيل: إنها في جميع السنة" 1 يوهم أن ذلك وجه لبعض الأصحاب، وليس كذلك، وإنما هو رواية عن أبي حنيفة 2.
وقوله: "وقد قال الشافعي: لو قال في نصف رمضان: امرأتي طالق في ليلة القدر، لم تطلق ما لم تنقض سنة؛ لأن كونها في جميع الشهر محتمل، والطلاق لا يقع بالشك، وليس على انحصارها 3 في العشر الأخير 4 دليل ظاهر" 5.
هذا شذوذ منكر لا يوجد في كتب المذهب، والمنقول المقطوع به في كتب المذهب أنه لو قال: أنت طالق في ليلة القدر قبل العشر الأواخر، طلقت بانقضائها، وإن قال ذلك بعد مضي بعض لياليها لم تطلق إلى أن تمضي سنة من حينئذٍ 6. والذي نقله شيخه في "النهاية" 7 عن نصِّ الشافعي أنها تطلق بانقضاء العشر، لا كما نقله هو.
ونقل ذلك صاحب "المهذَّب" 8 عن أصحابنا مطلقاً من
غير استثناء أحد منهم، وكما أن ما 1 ذكره غير صحيح من جهة النقل، فهو غير صحيح من جهة التوجيه؛ إذ لا يستقيم قوله في توجيه 2 ذلك: "الطلاق لا يقع بالشكِّ، وليس على انحصارها في العشر الأخير دليل ظاهر"؛ إذ على انحصارها فيها أخبار صحيحة معروفة ظاهرة، فليس ذلك إيقاعاً للطلاق بالشكَّ، بل بالظنِّ الغالب، وقد قال في ذلك شيخه الإِمام - رحمهما الله وإيَّانا -: "الانحصار في العشر الأواخر مذهب ثابت، والطلاق يناط وقوعه بالمذاهب المظنونة" 3 والله أعلم.
ولقد قضيت زماناً عجباً 4 من وقوع مثل 5 هذا في هذا الكتاب، مع 6 جلالة مؤلفه - رحمه الله وإيَّانا - فظننت من بعد أنه كان ينقل عند التصنيف مما كان قد علَّقه هو، أو بعض رفقائه في الابتداء زمان التحصيل، من تدريس الإِمام شيخه لـ "نهاية المطلب"، وكانت العادة جارية بمثل ذلك، وكثيراً 7 ما يقع في التعاليق إسقاط 8، أو تغيير، وتحريف 9؛ لكون المعلِّق إنما يكتب ما يعلِّقه من حفظه، والحفظ خوَّان، وقد يزول سمعه عن بعض المذكور، لا سيما