الفصل الرابع: دراسة كتاب "شرح مشكل الوسيط"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ذكره شيخه 1 في ذلك؛ فإنّه ناط على هذا الوجه انتهاء التكبير بانتهاء اليد نهايتها في الرفع، وهذا الوجه بهذا التفسير هو الذي قطع به صاحب "المهذب" 2. ثم إنَّ 3 أصل هذا الوجه إنّما ورد في بعض روايات حديث وائل بن حجر، فقد رويناه 4 في كتاب أبي داود السجستاني 5 عنه (أنّه أبصر النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قام إلى الصلاة رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم كبَّر).
نعم في رواية أخرى لأبي داود 6، وغيره 7 (أنّه رآه - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه مع التكبيرة) 8. وليعلم المتفقه الذي لا اشتغال له بالحديث أن وائل بن حجر هذا هو بحاء مهملة مضمومة، ثم جيم ساكنة.
قوله: "وقيل: يكبر ويداه قارتان حذو منكبيه، ولا يكبر في الرفع والإرسال، وهذه رواية ابن عمر رضي الله عنهما" 9 هذه رواية قليلة عن ابن
عمر - رضي الله عنهما -، وهي ما رواه أبو داود 1 عن (ابن) 2 عمر قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم كبَّر وهما كذلك).
ورواه مسلم في "صحيحه" 3 من غير أن يقول: وهما كذلك، وهو يقتضي (ذلك) 4 أيضاً، من حيث إنّه يقتضي وجود تمام التكبير في حالة كون اليدين حذو المنكبين، والله أعلم.
وبعد هذا كله لطيفة علقته بنيسابور مما علِّق عن صاحب الكتاب في الدرس 5 قال: "ثم حالة إرسال اليدين لا ينبغي أن يرسل يديه ثم يستأنف رفعهما إلى الصدر 6، فإني سمعت واحداً من المحدثين يقول: الخبر إنّما ورد بأنّه يرسل يديه إلى صدره" 7، والله أعلم.
قوله في قيام المريض: "فإن لم يقدر إلا على حدِّ الراكعين قعد" 1 وجهه: أن حدَّ الركوع مفارق حدَّ القيام، فلا يعد به قادراً على القيام.
وهذا ذكره شيخه 2 معتمداً على دلالة 3 كلام الأئمة عليه من غير نقل صريح وقال: "الذي دلَّ عليه 4 كلامهم أنّه يقعد ولا يجزئه غيره".
وهو خلاف ظاهر المذهب 5، والذي ذكره العراقيون، أو من ذكره منهم 6، وصاحب "التتمة" 7، وصاحب "التهذيب" 8: أنّه لا يجزيه القعود، بل يقوم في حدِّ الراكع؛ فإنّه أقرب إلى القيام من القعود، فإذا ركع زاد في انحنائه إن أمكنه؛ تمييزاً بين القيام والركوع 9، والله أعلم.
وعلل هو في الدرس: بأنّه إذا قام فناصب نصفه الأدنى، وإذا قعد فناصب نصفه الأعلى، والنصف الأعلى بالنصب أولى 10.
قوله: (قال - صلى الله عليه وسلم -: لا تقعوا إقعاء الكلاب) 11 هذا رواه ابن ماجة 12 من حديث أبي موسى الأشعري، وعلي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولفظه: (لا تُقع إقعاء
الكلب 1 "، وروى 2 عن أنس بن مالك نحوه.
وروينا نحوه من حديث أبي هريرة 3. وأسانيد الجميع أسانيد واهية 4. نعم ورد النهي عن الإقعاء مطلقاً 5 من حديث سمرة بن جندب قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإقعاء في الصلاة) 6، وهو محمول على الإقعاء المذكور في الكتاب، الذي 7 هو أن يضع إليتيه على الأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض 8. وهذا الإقعاء غير ما صحَّ عن ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم: من الإقعاء بين السجدتين 9.
وقال ابن عباس: (هو سنة نبيك - صلى الله عليه وسلم -).
أخرجه عنه مسلم في "صحيحه" 1. فذلك الإقعاء: هو أن يضع إليتيه على عقبيه قاعداً عليهما، وعلى أطراف أصابعه 2 وقد استحبَّه الشافعي في الجلوس بين السجدتين في "الإملاء".
3، وفي كتاب البويطي 4. وقد خبط من المصنفين في هذا من لم يقف على أن الإقعاء نوعان كما ذكرناه 5، وفيه في "المهذب" 6 تخليط، ولله الحمد الأوفى على الهداية، وهو أعلم.
احتج على أنّه 7 يجب على المريض ما استطاع من قعود، ثم اضطجاع، ثم إيماء، ثم إجراء الأفعال على قلبه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) 8 و 9 هذا حديث متفق على صحته من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - 10. ولكن قدح في احتجاجه الشيخ أبو القاسم الرافعي شارح "الوجيز" 11،
متمسكاً بأن القعود لا يشتمل عليه القيام، فلا يكون باستطاعته إياه مستطيعاً لشيء من القيام المأمور به، فلا يتناوله الحديث، وهكذا القول في الباقي.
قلت: قد احتج أيضاً بهذا الحديث على ذلك إمام الحرمين 1، فأقول: لا نقول: إنه بإتيانه بالقعود يكون آتياً بما استطاعه من القيام المأمور به، ولكنَّا نقول: بإتيانه به يكون آتياً بما استطاعه من الصلاة المأمور بها، فالصلاة بالقعود، أو الاضطجاع، أو 2 غيرهما من الأمور المذكورة صلاة؛ لأنه يطلق عليها اسم الصلاة، ويقال: صلى كذا وكذا، فصلاته صحيحة أو فاسدة، فهذه 3 أنواع لجنس الصلاة 4 بعضها أدنى من بعض، فإذا عجز عن الأعلى منها واستطاع الأدنى كان بإتيانه به آتياً بما استطاع من الصلاة 5، والله أعلم.
قوله: "وقال أبو حنيفة: إذا عجز عن القعود سقطت الصلاة" 6 هذا مما أُنكر عليه إذ لا يصح هذا عن أبي حنيفة، والمنقول عنه خلافه في كتب أصحابه 7، وأصحابنا 8، وإنما الثابت عنه أنه إذا عجز عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصلاة، والله أعلم.
قوله: "من به رمد وقال الأطباء: لو اضطجعت أياماً أفادت المعالجة" 1 كان ينبغي أن يقول 2: من نزل الماء في عينيه؛ فإن العلاج المذكور علاجه، ولا تسميه أهل الصناعة رمداً 3 وقوله: "ووقع ذلك لابن عباس فاستفتى عائشة، وأبا هريرة فلم يرخصا له" 4 هذا لا يصح هكذا، والثابت في ذلك ما رويناه 5 (أنه نزل في عينيه الماء فقيل له: تستلقي سبعة أيام لا تصلي إلا مستلقياً، فكره هو ذلك) 6. وأما استفتاؤه عائشة وأبا هريرة فلا يصح 7، وكذا المذكور في "المهذب" 8 من أن عبد الملك
ابن مروان 1 حمل إليه 2 الأطباء على البُرُد، فذكروا له ذلك فاستفتى عائشة وأم سلمة، فنهتاه 3. وإنما تولى عبد الملك الخلافة بعد موتهما، وموت أبي هريرة بسنين عدة 4، والله أعلم.
قوله - صلى الله عليه وسلم - 5: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) 6 صحيح متفق على صحته 7 من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، ورواه الإمام أبو بكر ابن خزيمة في "صحيحه" 8 بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تجزي صلاة
لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب).
وهكذا رواه أبو حاتم ابن حبَّان 1 في "صحيحه" 2. وإن تفرد بهذه اللفظة 3 شعبة، ثم عنه وهب بن جرير 4، فزيادة الثقة مقبولة لما عرف 5، والله أعلم.
قوله: "تجب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم؛ إذ روى البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدَّ الفاتحة سبع آيات، وعدَّ بسم الله الرحمن الرحيم آية منها" 6 ما ذكره من رواية البخاري له وهم، فلم يرو البخاري ذلك ولا مسلم 7، وإذا قيل: روى البخاري، أو مسلم كذا وكذا فإنما يطلق ذلك على ما روياه في "صحيحيهما".
وهو مع ذلك حديث ثابت من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة 8 عن
أم سلمة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... أخرجه بمعناه الإمام ابن خزيمة في صحيحه 1، واحتج به في المسألة، وإن كان قد رواه عن عمر بن هارون 2 عنه، وليس بالقوي، فقد تابع عمر عليه غيره.
وقال فيه البويطي في كتابه 3: "أخبرني غير واحد عن حفص بن غياث 4 عن ابن جريج".
وثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ 5: "إنها فاتحة الكتاب، وإن بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة" 6. وروينا ذلك عن علي 7،
وأبي هريرة 1 رضي الله عنهم.
قال الحافظ أحمد البيهقي: "قد علمنا بالروايات الصحيحة عن ابن عباس أنه كان يعدُّ بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة" 2.
ومن الحجة في إثباتها في أول كل سورة قول ابن عباس - رضي الله عنهما -: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعرف انقضاء السورة حتى تنزل عليه 3 بسم الله الرحمن الرحيم).
وفي رواية: (كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم) 4 أخرجه أبو داود 5، وصححه الحاكم في "صحيحه" 6 وقال: "إنه صحيح على شرط الشيخين".
واحتج به الشافعي في "سنن حرملة".
7.
ولكثير من مخالفينا 8 في مسألتي: إثبات البسملة، والجهر بها استجراء على نسبتنا إلى 9. ضعف الحجة فيهما، وها نحن نأتي في ذلك بالحجة الواضحة غير
الواهية إن شاء الله تبارك وتعالى، فمن أقوى ما نحتج به في إثبات كون البسملة من الفاتحة، ومن كل سورة - سوى براءة - إجماع الصحابة، وسائر المسلمين على كتبها بين دفتي المصحف، ومع القرآن بخط القرآن، من غير تمييز 1؛ فلو لم تكن في 2 ذلك كله من القرآن لما استجازوا كتبها معه كذلك غير مقرون ببيان شاف شائع أنها ليست من القرآن؛ لأن ذلك يحمل قطعاً على اعتقاد 3 ما ليس بقرآن قرآناً.
وهذا دليل قاطع أو كالقاطع، حرَّر 4 نحوه صاحب الكتاب، وقرره في كتابه 5 "في حقيقة القولين" 6، ثم في "المستصفى" 7. ولا يقال: إن القرآن لا يثبت شيء منه إلا بالتواتر، وبدليل قاطعٍ قاطعٌ 8 للشك، والاحتمال لما عرف، ولا وجود له ههنا؛ لأنا نقول: البسملة أصلها ثابت بالتواتر في سورة النمل 9، وإنما الكلام في عدد مواضعها، وأنها منه مرة أو مرات، وذلك يجوز إثباته بالاجتهاد كعدد الآي، ومقاديرها 10، والله أعلم.
وأما الجهر بها: فدليله حديث نعيم بن عبد الله المُجْمِر 1 قال: (صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين، وقال الناس.
ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس قال: الله أكبر، ويقول إذا سلَّم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله 2 - صلى الله عليه وسلم -).
أخرجه النسائي 3، وأورده الإمام أبو بكر ابن خزيمة في "صحيحه" 4، وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم أبو عبد الله في "صحيحه" 5 وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
واحتج به أبو بكر الخطيب الحافظ 6 في كتابه "في إثبات الجهر بالتسمية" 7 ورواه
من وجوه متعددة مرضية، ثم قال: "وقد روى جماعة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ويأمر به"، ثم ساق أحاديثهم بأسانيدها.
وروى الخطيب أيضاً عن جماعة من الصحابة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه جهر بالتسمية منهم: عمر، وعلي، وعمار 1، وابن عباس، وابن عمر، في بضعة عشر نفساً.
قال: "وممن سمي لنا أنه حفظ عنه الجهر بالتسمية من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 2 الأئمة الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي"، وعدَّ منهم سبعة عشر نفساً، ثم ساق ذلك عنهم بأسانيدهم، قال: "فأما من روى عنه ذلك من التابعين، ومن بعدهم فهم أكثر من أن يذكروا" 3، ثم ذكر أن 4 ذلك في الجهر بالتسمية في أول الفاتحة، وأما في الجهر بها في أول كل سورة، فيدل (عليه) 5 من ذلك ما كان من الأحاديث مطلقاً فيه: أنه 6 كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وذكر أيضاً أحاديث كثيرة عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجهر بالتسمية في السورتين جميعاً 7. قلت: واعتمد الشافعي في ذلك على
إجماع أهل المدينة 1 - ولا خلاف في كونه حجة في النقل 2 - وذلك ما رويناه عن أنس بن مالك قال: (صلى معاوية بالمدينة صلاة كذا، فجهر فيها بالقراءة 3 فقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها، حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبِّر حتى 4 يهوي، حتى قضى تلك الصلاة، فلمَّا سلَّم ناداه من شهد ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن، وكبَّر حين 5 يهوي ساجداً.
وروينا نحوه عن عبيد ابن رفاعة الزرقي 6، عن معاوية، وفيه 7 أنهم قالوا له: (أسرقت صلاتك أين بسم الله الرحمن الرحيم؟) ورواه يعقوب ابن سفيان 8
الفارسي 1 أحد أئمة الحديث المتقدمين في كتابه في "الصلاة" 2 عن أبي بكر الحميدي، واعتمد عليه يعقوب أيضاً في إثبات الجهر بالتسمية.
وأخرجه الحاكم أبو عبد الله في "صحيحه" 3 وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم".
وأما ما يحتج به المخالفون من الحديث المروي عن أنس بن مالك قال: (صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، وعمر 4، وعثمان فلم أسمع أحداً منهم 5 يقرأ 6 بسم الله الرحمن الرحيم).
وفي رواية: (وكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لا 7 يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في 8 آخرها).
ورواه جماعة فلم يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم.
فهذا مما أخرجه مسلم 1، ولم يخرجه البخاري، وتركه الشافعي بعد اطلاعه عليه 2، وروايته إياه عن مالك 3، مع ما كان الشافعي 4 عليه من المبالغة في اتباع الحديث الصحيح، حتى أمر أصحابه إذا ظفروا بحديث صحيح على خلاف مذهبه بأن يتركوا مذهبه ويتبعوا الحديث 5؛ وذلك أنه من قبيل الحديث المعلل الذي يترك وإن كانت الرواة له ثقات، لكونه اطلع فيه على علة خفية، غامضة، قادحة في صحته، كاشفة عن وهم فيه، دخل على بعض رواته، بحيث يغلب ذلك فيه على الظن، فيحكم به، أو يتردد فيه، فيتوقف ويمتنع الحكم بصحته، وربما خفيت علته 6 على أكثر حفاظ الحديث، واطلع عليها الفرد منهم 7، وبيان ذلك في هذا الحديث: أن الأكثرين رووه "فكانوا 8 يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "، من غير تعرض لذكر البسملة،
وذلك هو المتفق على صحته، المخرَّج في "الصحيحين" 1، فاتهم الأقلون الذين رووه باللفظ النافي للبسملة: أنهم رووه بالمعنى متوهمين أن قوله: فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ (لِلَّهِ) 2﴾ معناه: أنهم لم يكونوا يبسملون، وأخطأوا في ذلك؛ لأن معناه: أن السورة التي كانوا يستفتحون القراءة بها من السور 3 هي الفاتحة، وليس فيه تعرض للبسملة 4. والتهمة تسقط الاحتجاج بما تمكنت منه عند أهل الحديث 5. على أنه انضم إلى ذلك أمور شاهدة بالوهم في اللفظ النافي المذكور منها: أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالبسملة فقال: (إنك لتسألني عن شيء لا أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك)، رواه الإمام أبو الحسين الدارقطني بإسناده 6 وقال: "هذا إسناد صحيح".
ورواه الحافظ أبو بكر الخطيب وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ثبت الرجال، لا علة فيه، ولا مطعن عليه" 7. ومنها ما رويناه عن محمَّد بن أبي السري العسقلاني 8 قال: "صليت خلف المعتمر بن
سليمان 1 ما لا أحصي صلاة الصبح والمغرب، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب 2، وبعدها، وسمعت المعتمر يقول: ما آلوا أن أقتدي بصلاة أبي 3، وقال أبي: ما آلوا أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس: ما آلوا أن أقتدي بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
رواه الحافظ أبو بكر البيهقي 4 وقال: "رواته كلهم ثقات".
وليس هذا مناقضاً للذي قبله؛ لإمكان أن يكون أنس سمعه من بعض الصحابة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرواه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ذكر أنه مقتدٍ به فيه.
ثم إنه ليس في نفي الجهر إثبات الإسرار؛ فإن الجهر قد يطلق ويراد به: الجهر الشديد 5 قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ 6. وفي بعض ما ذكرناه جواب عمَّا احتجوا
به من حديث عبد الله بن مُغَفَّل المزني 1 الوارد 2 بنحو ما رووه عن أنس 3. على أنه يرويه أبو نعامة قيس ابن عباية الحنفي 4 عن ابن عبد الله 5
ابن مُغَفَّل 1 عن أبيه، وتفرد به أبو نعامة، ولم يحتج به صاحبا الصحيح.
وابن عبد الله بن مُغَفَّل مجهول 2. ثم إنا إذا تنزلنا عن هذا المقام إلى مقام الترجيح فلما احِتَجَجْنا به الرُجْحَان من حيث إنه: لم يختلف في لفظه، وما تعلقوا به يختلف في لفظه.
ولأن نفي الجهر إنما 3 رواه صحابيان، وإثبات الجهر رواه أربعة عشر صحابياً أو أكثر.
ولأن من روى الجهر مثبت، ومن روى عدمه نافٍ، وقد عرف أن المثبت مقدم على النافي 4. هذا ولله الحمد بيان شاف على اختصار 5 كافٍ.
ومسألة البسملة معدودة من مشكلات المذهب، وهي أصولية، فقهية، حديثية، وقد أوفيناها حقها من فنونها، بعون الله وتوفيقه، وهو أعلم.
ذكر أنه لو ترك الموالاة في الفاتحة ناسياً فقد "نقل العراقيون 6 أنه لا يضر" 7 يعني عن الشافعي - رضي الله عنه - ثم قال: "وللشافعي قول في القديم 8 أنه لو ترك الفاتحة
ناسياً لم يضر، ... ولكن ليس هذا تفريعاً عليه؛ إذ فرق بينه وبين ترك ترتيبها ناسياً" 1. فقوله "إذ فُرِّق" هو بضم الفاء، لا بفتحها؛ لأن هذا الفرق ليس عن الشافعي، وإنما ذكره الشيخ أبو محمَّد الجويني زيادة على النص تفريعاً على الجديد لا على القديم 2؛ فإن ترك ترتيبها لا يضر على القديم إذ لا يزيد على تركها من أصلها.
قوله: "ويتأيد ذلك بأنّه لو طوَّل ركناً قصيراً ناسياً لم يضر، وإن انقطعت به موالاة 3 الأركان" 4 يعني يتأيد ما سبق من أن ترك الموالاة في الفاتحة ناسياً (لا 5 يضر: بأن ترك الموالاة بين أركان الصلاة ناسياً) 6 لا يبطلها، مع أنه يبطلها ترك الترتيب ناسياً، كما لو قدَّم السجود على الركوع ناسياً، فكما فرَّقنا بين الموالاة والترتيب في الأركان، كذلك نفرق بينهما في القراءة فاعلم ذلك 7، والله أعلم.
قوله في جهر المأموم بالتأمين: (لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أمَّن أمَّن من خلفهُ حتى كان للمسجد ضجة) 8 هكذا أورده شيخه 9 - رحمه الله وإيانا -
وهو غير صحيح 1 مرفوعاً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 2 وإنما رواه الإمام الشافعي 3 بإسناده عن عطاء - هو ابن أبي رباح - قال: (كنت أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين، ومن خلفهم: آمين، حتى إن 4 للمسجد لَلَجة).
قوله 5 "إن للمسجد" أي لأهله.
وفي "صحاح اللغة" 6: "سمعت لَجة الناس بالفتح أي أصواتهم، وضجتهم، والتجت الأصوات: أي اختلطت"، والله أعلم.
قوله: "وأما الضجَّة: فهي هيمنة حصلت من همس القوم عند كثرتهم 7 " 8 فالهمس في اللغة: هو الصوت الخفي 9، وقال أبو عبيد 10: "الهيمنة: الكلام
الخفي" 1. وذكر غيره نحو ذلك 2. والظاهر من كلام المصنف أنه أراد بها صوتاً فيه اختلاط، وارتفاع، وفي ذلك زيادة على معناها الذي وجدناه عن أهل اللغة، والله أعلم.
حديث إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين 3. حديث متفق على صحته 4. ولكن قول صاحب الكتاب فيه ههنا، وفي "البسيط" 5 أيضاً "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" غير صحيح منه قوله "وما تأخر" 6، والله أعلم.
قوله: (لقول أبي سعيد الخدري: حزرنا 1 قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأوليين من الظهر فكانت قدر سبعين آية) 2 فقوله ههنا، وفي "البسيط" 3 أيضاً "سبعين آية" وهم تسلسل وتوارد عليه شيخه 4، ثم هو، ثم تلميذه محمد بن يحيى 5، وإنما صوابه: فكانت قدر ثلاثين آية، والحديث صحيح أخرجه مسلم 6 من وجوه منها - وهو أوضحها - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين 7 قدر خمس عشرة 8 آية، أو قال نصف ذلك.
وفي العصر في الركعتين الأوليين في 9 كل ركعة قدر خمس عشرة 10، وفي الأخريين 11 قدر نصف ذلك".
ثم إن حديث أبي سعيد لا دلالة فيه على استحباب قراءة السورة في الثالثة والرابعة من غير الظهر كما قاله
في الجديد، وقد روى الربيع عنه 1 أنه احتج في ذلك بما رواه عن مالك بسنده عن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى خلف أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - صلاة المغرب، فلما قام في الركعة الثالثة دنا منه فسمعه 2 قرأ بعد الفاتحة هذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ 3. وروى أيضاً عن مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - (أنه كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعاً، في كل ركعة بأم القرآن وسورة) 4. وحجة القول الآخر 5 وهو قديم، ورواه البويطي 6 أيضاً: حديث أبي قتادة في "الصحيحين" 7: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة.
قال ويسمعنا الآية أحياناً.
ويقرأ في الركعتين الأخريين 8 بفاتحة الكتاب).
حديث (إذا كنتم خلفي فلا تقرؤوا إلا بفاتحة الكتاب) 1 أخرجه 2 بمعناه أبو داود 3، والترمذي 4، والنسائي 5 من رواية عبادة بن الصامت، وذكر البيهقي 6 أنه حديث صحيح، والله أعلم.
قوله في الركوع: "أن ننال راحتاه ركبتيه بالانحناء لا بالانخناس" 7 فالانخناس هو التأخر 8 بمعنى أنه لو نصب ركبتيه، وانحط بقامته إلى خلف كأنه 9 يهوي
إلى القعود فإنَّ يديه تنال بذلك ركبتيه، ولا يكون ذلك ركوعاً؛ لكونه لم يكن بالانحناء 1، والله أعلم.
ما ذكره من الفرق بين القيام والقعود للتشهد حيث وجب فيهما الذكر، وبين الركوع حيث لا يجب فيه ذكر: فإن صورة الركوع تخالف المعتاد، فاكتفى بها في انتهاضه عبادة من غير ذكر 2. يرد عليه قيام الاعتدال عن الركوع، والقعود بين السجدتين.
ويجاب عنه: بأن وقوع هذين فاصلين بين صورتين غير معتادتين محدودين بهما أخرجهما من قبيل القيام والقعود المعتادين 3، والله أعلم.
قوله: "يستوي ظهره، وعنقه كالصفيحة" 4 الصفيحة: هي السيف العريض 5، والله أعلم.
قوله: "ويترك الأصابع على جبلَّتها" 6 كذا في نسخ بالباء، وفي نسخ أخر على جملتها بالميم، وكلاهما حسن؛ فالأول معناه: يدعها على طبيعتها التي جبلت عليها من التفريج اليسير، ولا 7 يتكلف ضمها، ولا تفريجها كثيراً.
والثاني معناه: على اجتماعها المعتاد، لا يزيله بزيادة في ضمها، أو تفريجها، والله أعلم.
قوله: "والذكر المشهور: سبحان ربي العظيم وبحمده" 1 أما سبحان ربي؛ العظيم فثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرجه مسلم في "صحيحه" 2 من حديث حذيفة ابن اليمان.
وأما قوله "وبحمده" فقد رواه أبو داود السجستاني 3 في كتابه 4 بإسناده عن عقبة بن عامر قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده، ثلاثاً، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده، ثلاثاً).
ثم قال أبو داود: "وهذه الزيادة نخاف 5 أن لا 6 تكون محفوظة".
وروى ابن 7 المنذر قال: "قيل لأحمد بن حنبل يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده؟ فقال: أما أنا فلا أقول 8 وبحمده" 9. وليس ذلك في نصِّ الشافعي، ولم أجده في "جمع الجوامع من منصوصات الشافعي"، لكن ذكره
صاحب "الشامل" 1، وحكى عن أحمد ما ذكرناه، وجعله مسألة خلاف، واحتج بحديث ضعيف، وبأنه زيادة حمد.
وهذا غير مرضي.
ثم إن معنى قوله "وبحمده" عند بعضهم: وبحمده ابتدئ، وقيل معناه: بحمدٍ 2 سبحتك وهذا أشهر.
قلت: وعلى هذا فقوله "بحمده 3 " حال، والتقدير فيه: وحامداً سبحته 4، والباء بمعنى مع 5، والله أعلم.
قوله: "وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: اللهم لك ركعت ... إلى آخره" 6 هذا حديث ثابت، لكن من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أخرجه مسلم في "صحيحه" عنه 7، ولكن 8 دون قوله "أنت ربي" ودون قوله "وما استقلت به قدمي لله ربِّ العالمين" وهما في رواية الشافعي 9. وأما من حديث أبي هريرة: فقد رواه الشافعي 10 عن
إبراهيم بن محمَّد 1 وهو 2 ابن أبي يحيى، وهو وإن كان ثقة عنده 3، فهو مجروح عند سائر 4 أهل الحديث 5. وأما قوله "لله" آخراً، مع قوله "لك 6 " أولًا فتأكيد، والله أعلم.
مذهبنا في أن المأموم يجمع بين قوله: سمع الله لمن حمده، وبين قوله: ربنا لك الحمد 7. يخفى دليله، ودليله 8 حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
إذا قال 1: سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا لك الحمد).
رواه البخاري في "صحيحه" 2، مع ما ثبت في "الصحيحين" 3 من حديث مالك بن الحويرث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
وقد روي جمع المأموم بينهما عن محمَّد بن سيرين، وعطاء، وأبي بردة ابن أبي موسى الأشعري 4، وقد روي فيه حديثان، لكنهما ضعيفان 5. وقد صار عمل الناس على ترك الجمع بينهما، والله أعلم.
قوله: "روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ربنا لك الحمد ملء السموات 6 .... إلى آخر ما ذكره" 7 هذا بتمامه رواه أبو سعيد الخدوي أخرجه مسلم في "صحيحه" 8، إلا
أن الذي ضبطناه من رواية مسلم وحققناه: (أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد) بلفظ "أحق" على وزن أفعل الذي للتفضيل، وبالواو في "وكلنا 1 "، وهكذا رويناه في "سنن أبي داود" 2، وكتاب "السنن الكبير" 3، وغيرهما 4. فيكون معناه: أحق ما قال 5 العبد قوله: لا مانع لما أعطيت ... إلى آخره، (و) 6 قوله "وكلنا لك عبد" اعتراض اعترض بين المبتدأ والخبر.
أو 7 يكون قوله "أحق ما قال العبد" خبراً لما قبله أي قوله "ربنا لك الحمد ... إلى آخره أحق ما قال العبد" والأول أولى 8. والذي وقع في الكتاب من قوله: "حق ما قال العبد، كلنا لك عبد" بحذف الألف من قوله "حق"، وحذف الواو في قوله "كلنا لك" هو الواقع فيما لا أحصيه من كتب الفقه 9، وكذلك وجدته بخط الإمام المصنف أبي الفتح سليم بن أيوب الرازي عن شيخه - شيخ
العراقيين - أبي حامد الأسفراييني في تعليقه عنه، ورواه في حديث أبي سعيد هكذا 1، والله أعلم.
ثم إن كلمة "العبد" للجنس 2. وقوله: "ملء السموات" هو بكسر الميم منصوباً على الحال أي مالئاً للسموات 3، والرفع فيه جائز، ولابن خالويه 4 مسألة فيها جواز الرفع 5. والمراد بهذا الكلام أنه لا يخلو جزء منها عن حمد، وذلك كناية عن عظم 6 قدره.
قوله 7 (لا ينفع ذا الجد منك الجد) المشهور فيه فتح الجيم، وهو الرواية الصحيحة ويراد بالجد: الحظ، ويراد به: الغنى والمال، ويراد به: العظمة أيضاً 8. وتحقيق معناه عندي: ولا يجلب إلى ذي
الجد نفعاً منك الجد الذي له، إنما ينفعه طاعتك، فاعلم ذلك؛ فإنه إفصاح عن معناه، لا 1 يستدرك من كلامهم فيه، والله أعلم.
قوله: "روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا" 2 هذا حديث قد 3 حكم بصحته غير واحد من حفاظ الحديث منهم: أبو عبد الله محمَّد بن علي البلخي من أئمة الحديث 4، وأبو عبد الله الحاكم 5، وأبو بكر البيهقي 6. وأما المروي في "صحيح مسلم" 7 من
حديث عبد الرحمن بن مهدي 1 بإسناده عن أنس (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنت شهراً يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه).
فإنما المراد به أنه ترك دعاءه على أولئك الكفار خاصة، ولعنته لهم 2؛ فقد روينا عن عبد الرحمن بن مهدي - ومحله من الإمامة 3 في الحديث معروف - أنه قال فيه: "إنما ترك اللعن" 4. وروينا في حديث أنس الأول عنه (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت شهراً يدعو عليهم، ثم تركه، فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا) 5. وذكر أبو عبد الله الحاكم أنه صحيح الإسناد رجاله ثقات 6. وروى مسلم في "صحيحه" 7 عن البراء بن عازب (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقنت في الصبح والمغرب).
وفي رواية أخرى رواها أبو داود 8: (أنه كان يقنت في صلاة الصبح).
ولم يذكر المغرب، ولا يضرنا في التمسك بالأول ترك الناس القنوت في المغرب؛ لأن ذلك لم
يوجد مثله في الصبح، ووقع ذلك منهم في المغرب؛ لأن تركه غير محظور، فكان ذلك مصيراً منهم إلى ما لا حرج فيه في إحدى الصلاتين توسعاً، أو لغير ذلك.
وأما الصبح فقد روينا عن العوام بن حمزة 1 قال: (سألت أبا عثمان 2 عن القنوت في الصبح قال: بعد الركوع.
قلت: عمن؟ قال: عن أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم) 3. وذكر البيهقي أن إسناده حسن 4. وعن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال: "قنت بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصبح: أبو بكر، وعمر، وعلي 5 كلهم بعد الركوع، وعثمان بعض 6 إمارته، ثم قدَّم القنوت قبل الركوع وقال: ليدرك من سبق" 7. هذا بيان شاف لصحة مذهبنا في القنوت، وكثيراً ما يصول مخالفونا علينا بما في الصحيح من قوله: (قنت شهراً ثم تركه)،
حتى اغتر بذلك بعض أصحابنا فترك القنوت في الصبح؛ حدثني 1 شيخنا أبو المظفر السمعاني - رحمه الله - بمدينة مرو - جبرها الله وسائر بلاد الإسلام وأهله - عن والده الحافظ أبي سعد السمعاني 2 عن أبي الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي 3 - وكان فقيهاً، محدثاً، من أكابر أصحاب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، غير أنه كان لا يقنت في صلاة الصبح، ويقول: "صحَّ عندي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك القنوت في صلاة الصبح" - قال السمعاني أبو سعد: "وحكى لي - رحمه الله - قال: رأيت ليلة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي في النوم فسلمت عليه، وأردت أن أقبِّل يده فأعرض عني وامتنع، فقلت: يا سيِّدنا أنا من جملة غلمانك، وأذكر "المهذب" من تصنيفك في الدرس، فقال لي 4: لمَ تركت
القنوت في صلاة الصبح؟ فقلت له: إن الشافعي - رضي الله عنه - قال: إذا صحَّ الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 1 فاتركوا قولي، وخذوا بحديث 2 النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن ذلك قولي.
فهذا أيضاً قول الشافعي، وشرعت معه في شرح الحديث، وهو يصغى إليَّ (إلى) 3 أن تبسَّم في وجهي"، أو كما قال 4، والله أعلم.
قوله: "ثم كلماته مشهورة، وهي متعينة ككلمات التشهد" 5 هكذا ذكر 6 ذلك شيخه 7 معيناً قوله: اللهم اهدنى فيمن هديت ... إلى آخره.
وهذا شذوذ مردود مخالف لجمهور الأصحاب 8، بل مخالف لجماهير العلماء، فقد حكى القاضي أبو الفضل السبتي المالكي 9 اتفاقهم على أنه لا يتعين في القنوت دعاء
قال: "إلا ما روي عن بعض أهل الحديث من تخصيصه بقنوت مصحف أبي بن كعب - رضي الله عنه - وهو: اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك .... إلى آخره" 1. بل مخالف لفعل رسول الله فإنه كان يقول في قنوته: (اللهم أنج فلاناً وفلاناً، اللهم ألعن فلاناً وفلاناً" 2. من غير تقيُّد 3 بمعين، فليعد هذا إذاً غلطاً، غير معدود وجهاً في المذهب 4، والله أعلم.
وجه طريقة من قال: إن لم تنزل نازلة لم يجز القنوت، وإن نزلت فقولان: القياس على سائر الأركان؛ فإنها 5 لا يقنت فيها وإن نزلت نازلة 6. وهذه الطريقة 7 وإن قربها المؤلف، فهي بعيدة مخالفة لظاهر المذهب 8، ومخالفة لما