كتاب الجنائز
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
القُنْية 1 لا كنية التجارة؛ لأن الحلي للقِنْية والإمساك، فيكون تبديل القصد فيه نقلا له من نوع قِنْية إلى نوع قِنْية أخرى فتقع 2 النية فيه مقترنة بالمنوي، والله أعلم.
قوله: "لو انكسر الحلي بحيث يتعذر استعماله إلا بالإصلاح ففيه ثلاثة أوجه" 3.
صورته ما إذا كان بحيث لا يتوقف استعماله على سبك جديد، فإنه عند ذلك لا خلاف في وجوب الزكاة فيه 4.
ثم إنه ذكر أن أحد الأوجه الثلاثة: أنه ينعقد عليه الحول، والثاني: لا ينعقد، والثالث: إن قصد المالك إصلاحه فلا زكاة، وإن قصد أن لا يصلحه جرى في الحول، وإن لم يشعر به إلا بعد سنة ثم قصد إصلاحه ففي السنة [الماضية] 5 وجهان على هذا الوجه 6.
وهذا يتضمن أن فيما إذا قصد أن لا يصلحه خلافا 7، (وذلك) 8 لا
يعرف 1، وقد ذكر شيخه 2 أنه لا خلاف في 3 أنه تجب فيه الزكاة 4، ولم يطلق إيراد الأوجه الثلاثة كما فعله صاحب الكتاب، بل قيد 5 فقال: ينتظم فيه إذا قصد الإصلاح، أو لم يقصد شيئاً ثلاثة أوجه 6:
أحدها: أنه يجري في الحول مطلقاً.
والثاني: لا يجري ما لم يقصد رده تبراً 7.
والثالث: إن قصد الإصلاح لم يجر في الحول، وإن قصد جرى.
وعلى هذا فيما إذا لم يشعر حتى مضت سنة، فلما عرف قصد الإصلاح احتمالان تردد بينهما، ولم يجعلهما وجهين كما في الكتاب، (وذكر أنه لا نقل عنده فيه، فهذا هو المعتمد في النقل، وما في الكتاب) 8 تصرف منه غير معتمد، والله أعلم.
قوله: "فإن قيل: ما المحظور في عينه مما يتخذ من الذهب والفضة؟ قلنا: هو ثلاثة أقسام ... إلى آخره" 9.
فالمراد بالمحظور في عينه ما يكون التحريم فيه منوطا بوصف لازم لعينه 1، ويقابله المحظور باعتبار القصد، فالتحريم فيه تابع لقصد المتخذ المستعمل، لا يوصف في عينه، كما في اتخاذ الرجل حلي النساء 2 لنفسه لا لهن 3. وقوله "وهو على ثلاثة أقسام" لم يرد به أن الحلى المحظور في 4 عينه ثلاثة أقسام، بل 5 استأنف فقسم جنس الحلى إلى ثلاثة أنواع، منها: المحظور في عينه 6، ومنها: مكروه 7. و 8 قوله 9 "هو" إشارة إلى جنس الحلى مطلقا، والله أعلم.
ما ذكره من أن الذهب حرام على الرجال مطلقا "إلا 1 في اتخاذ الأنف لمن جدع أنفه" 2 ليس على ظاهره في الحصر 3، فإن السنن والأنملة ونحوهما كذلك 4، والله أعلم.
وقوله: "وقد أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
روي أن عرفجة بن أسعد 5 "أصيب أنفه يوم الكُلاَب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذ أنفاً من ذهب" أخرجه أبو داود 6، والترمذي والنسائي وغيرهم 7، وهو في مرتبة الحديث الحسن.
ويوم الكُلاَب: هو بضم الكاف وتخفيف اللام 1، فاعلمه وتوق هُجْنَةَ 2 التصحيف.
والكُلاَب 3: هو اسم ماء من مياه العرب كانت عنده وقعة لهم في الجاهلية فيها أصيب أنف عرجفة - رضي الله عنه - 4.
قوله: "سكاكين المهنة" 5 يعني الخدمة، يقال: بفتح الميم وكسرها، وإسكان الهاء 6.
(قوله: "كما لم تجز 7 تحلية الدواة والسرير" 8 أي سرير الكتب، وهو محملها، والله أعلم) 9.
ومن النوع الرابع، (وهو) (1) زكاة التجارة
ذكر أن مال التجارة "كل مال 2 قصد 3 الاتجار فيه عند اكتساب الملك 4 فيه بمعاوضة محضة" 5. فهذه ثلاثة قيود، وذكر مثل ذلك في "البسيط" 6، وذكر فيه 7 القيود الثلاثة باحترازات ثلاثة: أحدها 8: لقوله "عند اكتساب الملك" فمجرد نية التجارة لا يكفي 9. والثاني: لقوله: "بمعاوضة محضة" فلا تؤثر 10 نية التجارة عند الإتهاب 11 ونحوه 12.1
والثالث: لقوله 1 "محضة" ففي الخلع ونحوه وجهان 2. وهذا واضح لا إشكال 3 فيه، وأما ههنا فإنه لم يجعل الثالث إلا أحتراز 4 عن المحضة لمكان الخلاف فيه، وجعل الثالث "ما إذا اشترى عبداً على نية التجارة بثوب قنية فرد عليه 5 بالعيب، وقال: انقطع حوله؛ لأن الثوب 6 العائد إليه لم تجر فيه النية" 7. وفي هذا إشكال، ووجهه: أن يجعل احترازا عن أصل قيد الاتجار، فإنه انتفى قصد الاتجار برد ثوب 8 القنية بعد وجوده أولا كما بين، ولم يذكر في ذلك ما إذا لم يوجد قصد الاتجار أصلاً، فإن ذلك 9 لا يخفى، وذكر الصورة المذكورة لاحتياجها إلى البيان، والله أعلم.
ذكر أن في وقت اعتبار النصاب في الحول أربعة أقوال 1، وإنما المنصوص منها: أنه لا يعتبر إلا في آخر الحول، وهو الأصح 2. والثاني: مخرّج 3. وما ذكره من القول الرابع: أن نقصان النصاب بانخفاض السعر لا يؤثر، فإن صار النقصان محسوسا بالرد إلى الناضّ 4 أثر، فهو تصرف منه، وإنما الخلاف في المسألة في نقل غيره ثلاثة أقوال 5. فإذا 6 قلنا: باعتبار آخر الحول، وأنه لا يؤثر النقصان في 7 أثناء الحول فذلك إذا كان النقصان بانخفاض السعر، فلو كان محسوسا بالتنضيض 8 ففيه وجهان مشهوران.
أحدهما: أنه يؤثر، وإن لم يؤثر النقصان بالسعر 1، فجعله صاحب الكتاب قولاً رابعاً، ثم المراد به الرد إلى الناض الذي وقع به الشراء، ويعتبر 2 التقويم، ولا ناضّ آخر فإنه لو اشترى السلعة بالدراهم، ثم باعها بالدنانير فهي في حكم السلعة ههنا 3 يفتقر 4 إلى التقويم بالدراهم 5 كما سنذكره 6 في الكتاب، والله أعلم.
7 ذكر اختلاف الأقوال: في أن النصاب يعتبر في آخر الحول فحسب أو يعتبر في جميعه، أو يعتبر في طرفيه؟ ثم ذكر اختلاف الوجهين في أنه إذا قلنا: يعتبر في آخر الحول فلم يكن في آخره نصابا، وبلغ نصابا في وسط الحول الآخر، فهل تجب الزكاة حينئذ 8؟ ثم 9 قال: "فرع، إذا لم يعتبر وسط الحول،
فاشترى عرضا بمائتي درهم وباعه بعشرين ديناراً لا تسوّى 1 مائتين ... إلى آخره" 2. فانعقد من هذا الإيراد عنده إشكال إذ أوهم أنه أراد بقوله "إذا لم يعتبر وسط الحول" التفريع على ما ذكره في مسألة وقت اعتبار النصاب من 3 الحول 4، القول بأنه لا يعتبر النصاب في أثناء الحول، وليس الأمر به على ذلك، وإنما أراد التفريع على أحد الوجهين في المسألة المذكورة قبيله، فيما 5 إذا بلغ نصابا في وسط الحول الثاني، وعنى بقوله "إذا لم يعتبر وسط الحول" عدم 6 اعتبار بلوغ المال نصابا في وسط الحول الثاني في وجوب الزكاة، وهو الوجه الأول من الوجهين منهما 7، المنقول فيه: أنه يسقط حكم الحول الأول، ويبطل ويستأنف حول جديد من منقرضه 8، ولم يذكر التفريع على الوجه الثاني المقول فيه بوجوب الزكاة عند بلوغه نصابا، وابتداء الحول الثاني من حينئذ 9.
والذي ذكره هو في "البسيط" 1، وشيخه في "النهاية" 2 تفريعا على القطع بأنه 3 ينتظر 4 بالدنانير إلى أن تبلغ قيمتها مائتي درهم، ولو مضت سنون ولم تبلغها فلا زكاة فيها، والله أعلم.
(و) 5 قوله "لا تَسْوى مائتين" لغة 6 عامية - بفتح التاء، وضمها وإسكان السين -، والمشهور في علم اللغة إبطالها، ولأن 7 الصواب: لا يساوي الشيءُ الشيء 8، وأثبت الليث 9 راوي "كتاب العين" عن الخليل: "يَسْوَى" لغة قليلة
غير متصرفة، فقال: "يسوى" نادرة، ولا يقال منه سَوِيَ، ولا سَوَى، يعني 1 لها فعل ماضٍ، لا بكسر الواو ولا بضمها 2. وأنكر ذلك على الليث أبو منصور الأزهري، وذكره في كتابه 3 "أوهام كتاب 4 العين"، وقال: "لا يَسْوَى" 5 ليس من كلام العرب 6، (وكذلك) 7 "لا يُسْوَى"، وكذلك قال في كتابه الكبير "تهذيب اللغة" 8. وذكر أبو القاسم الزجاجي 9 صاحب "الجمل في النحو" أن "سوى" يجيء كثيرا في أشعار المُحْدَثين 10 في كلام العامة، ولم يسمع في أشعار المتقدمين ولا في لغاتهم 11، والله أعلم.
ذكر أنه إذا اشترى سلعة للتجارة 1 بنصاب من النقدين، فابتداء 2 الحول من حين 3 ملك النقد، وبنى 4 حول التجارة على حوله؛ لأنهما متشابهان 5 في الواجب 6، وهو ربع العشر، والموجب فيه - يعني النصاب - متعلق الوجوب 7 - يعني مالية النقد -، فإنها 8 مقدرة في سلعة التجارة، والحالة هذه، والنقد هو المخرج زكاة 9. قال: "وهكذا إن كان النصاب ناقصا مهما نظرنا إلى آخر الحول" 10. يعني به أنه إذا تمت قيمة السلعة نصابا، وتم الحول من أول ما ملك النقد وجبت الزكاة، صرح بهذا المعنى في "البسيط" 11، وكلامه ههنا، وفي "الوجيز" 12 مشعر به، وهو غير صحيح، والصواب ما قاله غيره وقطعوا 13 به
من أن حوله إنما ينعقد من وقت الشراء 1، وذلك لأنه من قبل ذلك لم يكن نصابا، ولا مال تجارة حتى يجري في الحول، والله أعلم.
قوله في 2 تبعيه زكاة أرض الحديقة المشتراة للتجارة لزكاة ثمارها: "لا تتبع إلا ما يدخل في المساقاة من الأراضي المتخللة بين الأشجار" 3، يعني به ما يدخل من المزارعة 4 على الأرض 5 في المساقاة على الشجر حتى تجوز المزارعة فيها تبعاً للمساقاة على الشجر، وهي الأرض التي لا يمكن إفرادها بالسقي، والعمل على الأشجار، بل يلزم من سقيها سقي الشجر ونحو ذلك، والله أعلم.
النوع الخامس: زكاة المَعْدن (1) والرَّكَاز
2 قوله: "الثالث: أن ما يصادفه قليلاً مع كثرة العمل، ففيه 3 ربع العشر، وما يصادفه مجموعا بالإضافة إلى العمل ففيه 4 الخمس" 5. أي إذا كان ما وجده بمنزلة المجموع من حيث كونه غير محتاج إلى الحفر والطحن والمعالجة بالنار، وهو مع ذلك جملة غير قليلة صادفها 6 دفعة واحدة ففيه الخمس 7؛ لخفة المؤونة فيه.1
وقوله: "ومعنى كثرة العمل: أن يكون النيل بالإضافة إليه قليلاً في العادة" 1، يحتاج إلى أن يقول: قليلاً أو مقتصدا كما قاله في "البسيط" 2. وقوله: "فإن عُدّ زائداً على المعتاد، فالمقدار اللائق بالمعتاد فيه 3 ربع العشر، والزائد عليه يختص بالخمس" 4. معناه: فإن عُدّ 5 النيل زائدا على المعتاد، و 6 مثاله: أن يعمل يوما فيجد في آخره مقدار دينار، وهو لائق بعمله في العادة، ثم يصادف عقيبه دينارا آخر بعمل قليل، فواجب الدينار الأول ربع العشر، وواجب الدينار الآخر الخمس 7. فلو وجد الدينارين جميعاً في آخر النهار فلا يعطل ما مضى من وقته، ويجعل الدينارين موجودا 8 مجموعا حتى يجب فيهما الخمس، بل يقتطع 9 من مجموعهما القدر الذي هو مقتصد لائق في العادة عمله الأول، فنوجب فيه ربع العشر، وفي الزائد عليه الخمس 10، وهذا من تصرف الإمام شيخه 11، والله أعلم.
قوله 1 "ما 2 ناله الذمي من المعدن لا زكاة عليه إلا إذا قلنا: - على وجه بعيد - أن مَصْرِف واجبه مصرف الفيء على قول إيجاب الخمس، فإنه يؤخذ منه الخمس" 3.
هذا يوهم كون ذلك زكاة على هذا الوجه وليس كذلك، فإن الذمي ليس أهلا للزكاة، وإنما هو من قبيل خمس الفيء 4، فهذا الاستثناء 5 من قبيل 6 الاستثناء المنقطع، يقدر 7 بـ "لكن" أو غيره 8، ويوجد ذلك كثيرا في كلام صاحب الكتاب، والله أعلم.
قوله: "قال - صلى الله عليه وسلم -: وفي الركاز الخمس" 9.
هذا بعض 10 حديث مخرج في الصحيحين 11 عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "جُرْحُ العَجْمَاء 1 جُبَارٌ 2، (والبئر جُبَارٌ) 3 والمَعْدِن جُبَارٌ، وفي الركاز 4 الخمس".
(قوله) 5: "إذا كان الركاز من ضرب الإسلام" 6.
فشرح ما ذكره فيه أنه لُقَطَةٌ، لواجده التعريف ثم التملك 7، وهذا قول معظم الأصحاب 8، وذهب الشيخ أبو علي السنجي إلى أنه مال ضائع لا يتملك بالتعريف بل [يحفظ كحفظ الأموال] 9 الضائعة التي ليست لقطة 10؛ لأن اللقطة ما هي 11 بصدد الضياع، أي ما ينسل من مالكه في مضيعه، وطرد
هذا فيما إذا ألقت الريح ثوبا في دار إنسان فلا يكون ذلك لقطة عنده 1، وعند غيره هو لقطة 2.
قال صاحب الكتاب: "ولو انكشف الركاز بسيل جارف أي قوى يذهب بكل ما يمرّ به ألحق باللقطة على قياس هذا المعنى" 3.
فظاهر إيراده هذا أنه يكون لقطة على قياس المعنى الذي ذكره أبو علي 4؛ لأن هذا الركاز صار بذلك بصدد الضياع.
والذي ذكره الإمام 5 شيخه 6 أنه على قياس قول أبي علي لا يكون لقطة قياسا على ما قاله في الثوب الذي طيرته الريح 7، وردّ الشيخ أبو الفتوح العجلي 8 - رحمه الله - قوله "يكون لقطة على قياس هذا المعنى" إلى قول
الأصحاب دون قول أبي علي توفيقا بين قول شيخه، وبين قوله، وذلك بعيد، فإنه قال: "على قياس هذا المعنى"، ولم يذكر معنى إلا قول أبي علي، والله أعلم.
قوله: "فيما إذا وجد الركاز في ملك نفسه، وكان في أصله مُحْياً، وانتقل إليه من غيره، فعليه طلب المُحيى 1، وإلا فهو لقطة، أو مال ضائع" 2 (يعني إن لم يوجد فهو لقطة على قول الأصحاب 3، ومال ضائع) 4 على قول أبي علي 5، فحرف " أو" فيه لترديد الخلاف لا للشك، والله أعلم.
النوع السادس: زكاة الفطر
في هذا الكتاب وغيره تسميتها بالفطرة بتاء التأنيث، وهو شائع في ألسنة العامّة، والخاصّة، ويقولون أيضا زكاة الفطر، ولم نجدها بالتأنيث في كلام المتقدمين، وهي مولّدة 1 2 - (وهي) 3 بكسر الفاء لا غير من الفطرة التي هي بمعنى الخِلْقة 4، ووجدت أبا محمَّد الأبهري 5 قد ذكرها 6 في كتاب "حدائق الأدب".
وذكر أن معناها زكاة الخلقة كأنها زكاة النفس والبدن 7، وأنا أزيد وجه 8 ذلك بياناً فأقول صح به 9 من حديث عائشة - رضي الله عنها - (وروي
عن غيرها) 1 أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (عشر من الفطرة 2، قص الشارب، وإعفاء اللحية والسواك) ... الحديث 3. (وفسر 4 أكثر العلماء فيما حكاه الخطابي 5 عنهم، الفطرة بالسنة في هذا الحديث، ووجه 6 ذلك) 7 أن أصله "سنة الفطرة عشر، أي سنة بدن الإنسان على ما فطر عليه، أي خلق عليه عشر، فإنها كلها متعلقة ببدن الإنسان، ثم حذف
المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فكذلك ههنا، قيل: زكاة الفطرة أي البدن لا المال، ثم قيل: الفطرة حذف المضاف وأقيم المضاف 1 إليه مقامه، والله أعلم.
قوله: (لقوله - صلى الله عليه وسلم -: أدّوا صدقة الفطر عمن تمونون) 2.
(هذا الحديث يروى عن ابن عمر، وعلي - رضي الله عنهم - قال: (أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحرّ والعبد ممن تمونون 3) 4، وإسناده غير 5 قوي.
وروي عن علي 1 - رضي الله عنه - بإسناد فيه إرسال غير أنه يقوى بشاهده بحيث يحتج به، والله أعلم.
قوله: "فتبعت الفطرة النفقة، وجهات تحمل النفقة ثلاث: الجهة الأولى: القرابة، وكل قريب تجب نفقته تجب فطرته إلا في مسألتين" 2.
ذكرهما، الأولى: الابن البالغ، الواجد نفقة يومه مع عجزه عن فطرته، لا فطرة 3 عليه، ولا على الوالد 4، وهذا لا يصلح لأن يستثنى من قوله "كل قريب تجب نفقته تجب فطرته" فإنه لم تجب نفقته على القريب، والكلام فيه، والعذر: إن هذا الاستثناء راجع إلى أول الكلام، فإنه أشعر بأنهما متلازمان 5 فحيث 6 تجب النفقة تجب الفطرة عند الأهلية إلا في المسألتين المذكورتين، فإنه لم تجب (الفطرة) 7 فيهما (مع) وجوب النفقة، ووجود من هو بصدد إيجاب الفطرة عليه، أما افتراق الفطرة والنفقة فيما يأتي إن شاء
الله تعالى، (من) (8) أن العبد يجب عليه نفقة زوجته في كسبه، ولا تجب 1 فطرتها عليه 2، والكافر يجب عليه نفقة عبده الذي أسلم، ولا يجب عليه فطرته على أحد القولين 3، وكذا زوجته إذا أسلمت ثم لحقها 4 قبل انقضاء العدة وكلما تجب نفقتها عليه ففي فطرتها القولان 5، وذلك لانتفاء أهلية المتحمل 6، وهكذا رقيق بيت المال، والرقيق الموقوف على المساجد تجب نفقته، ولا تجب فطرته على 7 الأظهر من الوجهين 8 لعدم أهلية الجهتين المذكورتين؛ لإيجاب الصدقة عليهما، نعم، يرد عيه الحصر المذكور، الرقيق الموقوف على شخص معين تجب نفقته، وفي وجوب فطرته خلاف 9.
والرقيق الموصى برقبته لشخص، وبمنفعته لآخر تجب فطرته على صاحب الرقبة 1، وفي نفقته أوجه 2.
أحدها: أنها 3 عليه أيضاً.
والثاني: أنها على صاحب المنفعة.
والثالث: (أنها في بيت المال.
فعلى الوجه الثاني والثالث) 4 قد افترقتا، والله أعلم.
قوله في فطرة زوجة الأب: "والثاني: لا تجب 5؛ لأن وجوب الإعفاف خارج عن القياس، فيفتصر عليه، وعلى وجوب النفقة التي قدر الضرورة" 6، وقع في بعض النسخ "خارج عن القياس للخبر"، وكذلك هو في "البسيط" 7 مصرحا به، وهو غير صحيح؛ إذ لا خبر في وجوب الإعفاف، ولعل هذا سهو سبق إليه الذهن في صورة 8 السرعة من كلام فيه لإمام
الحرمين 1، فمعناه 2: (من) 3 التحمل في 4 زكاة الفطر ثبتت على خلاف القياس للخبر 5، وهو قوله (أدّوا صدقة الفطر عمن تمونون)، وزوجة الأب هو الملتزم 6 مؤنتها لا الابن، وإنما أوجبنا على الابن نفقتها وفاءً بالإعفاف، فتقتصر 7 عليها، ولا نوجب عليه فطرتها مع نفقته 8 لقصور 9 لفظ الخبر المذكور عنها عملا بالأصل النافي للتحمل،.
والله أعلم.
ثم قال: "وهذا ضعيف؛ لأن الشافعي - رحمه الله - نص على أن الأب يؤدي فطرة عبد ابنه إذا كان مستغرقا بخدمته، فزوجة الأب أولى" 10
فاضطربت النسخ 1 في هذا ففي بعضها نصّ على أن 2 الابن يؤدي فطرة عبد أبيه فجعل المسألة في الابن 3 يؤدي فطرة عبد الأب المستغرق بخدمته، وهو غلط على النص، وتحريف له، وإنما النص في الأب يؤدي فطرة عبد الابن المستغرق بخدمته حيث يكون الابن عاجزا لصغره، أو غير ذلك، وذلك مبين في "نهاية المطلب" 4، ولفظه نص الشافعي على أن الطفل إذا كان لا يملك إلا عبدا، وكان مستغرقا لحاجة 5 خدمته، فعلى الأب المؤسر إخراج الفطرة عنه وعن عبده، ووجدناها في كتاب "الأم" 6 بلفظ آخر 7 بنحو ذلك.
قوله: "ملك اليمين أقوى في الأمة من ملك الحرة" 8، (يعني أن ملك السيد للأمة 9 المزوجة، وسلطنته عليها أقوى من ملك الحرة المزوجة 10) 11،
وسلطنتها على نفسها بدلالة وجوب التمكين 1 على الحرة ليلاً ونهارا، ووجوبه في حق الأمة ليلاً 2 فحسب 3 كما ذكره، والله أعلم.
قوله: "والاستصحاب كالاستعجال" 4، هذا لا يستقيم دعواه على الإطلاق، وإنما يستقيم 5 ههنا وحيث يجتمعان في أن كل واحد منهما إلحاق للتقريب 6 من الموجود بالموجود 7، ففي صورة الميت حياة قريبة من الموجود (لكنها منصرمة، وفي مسألة الجنين حياة قريبة من الموجود) 8 أيضاً كلها 9 متجددة 10، والله أعلم.
قوله في أن الكفارة لا تثبت في ذمة المعسر: "شهد له حديث الأعرابي" 1، يريد به حديث الأعرابي المجامع في صوم شهر رمضان، ويأتي ذكره إن شاء الله تعالى 2. ذكر أن من عنده عبد ومسكن يحتاج إليهما لا يجعل بهما 3 موسرا بصدقة الفطرة 4 حتى يجب عليه بيع جزء منهما في أدائها 5، وإن 6 وجب ذلك في أداء ديون الآدميين، لكن 7 قال: "لكن الحاجة إليه تمنع ابتداء الوجوب؛ لأن الابتداء أضعف، ولذلك 8 يندفع 9 أبتداء الفطرة بالدين كما تدفع 10 بالحاجة إلى نفقة الأقارب في ذلك اليوم، وإن كان لا يدفع سائر الزكوات في 11 ابتدائها [بالدين] 12 على قول" 13.
هذا مشكل ولفظه يتقاعد عن بيان المراد به، ومعناه أن حاجة من عنده العبد، والمسكن المذكورين 1 إليهما، إنما يمنع ابتداء الوجوب، أما من وجبت عليه زكاة الفطرة ليساره بغير العبد، والمسكن ثم لم يبق له سواهما، فإنه يجب عليه بيعهما، أو بيع جزء منهما في أدائها 2 كما في سائر الديون، وذلك أن ابتداء الوجوب أضعف من دوامه، ولذلك يندفع ابتداء وجوب زكاة الفطر 3 بالدين قولاً واحدا 4، بخلاف سائر الزكوات (فإن فيه خلافا 5 كما اندفع وجوب هذه الزكاة بالحاجة إلى نفقة الأقارب إذا لم يفضل عنها في يوم العيد فاضل، وإن لم يندفع منها 6 وجوب شيء من 7 باقي الزكوات) 8، والله أعلم.
قوله في أنه لا يباع جزء من العبد المستغنى عنه في فطرة العبد على أحد الوجوه الثلاثة: "لأنه يؤدي إلى اتحاد المُخْرَج والمُخْرَج عنه" 9، أي وهو
كاتحادهما وإن لم يكن فيه من حيث 1 الحقيقة اتحادهما، وذلك أنه يكون حينئذ وُصْلَة إلى المخرَج، فلا يوجب ذلك مع كوننا في هذه الزكاة، و 2 الفاضل عن قوت من يقوته، فينبغي أن يكون فاضلا عن المخرَج عنه، وإن كانت الشاة المخرجة عن الأربعين تزكي نفسها وغيرها.
وقوله: "والثالث: وإن لم يكن محكيا على هذا الوجه أنه إن استغرق الصاع قيمته فلا يخرج" 3، يريد أنهم إنما حكوا فيه التفصيل على وجه آخر، وهو أن العبد إن كان مستغرقا بحاجة 4 خدمته فلا فطرة فيه، وإلا ففيه الفطرة يباع جزء منه فيها 5. وهذا بعد أن فرضوا المسألة في مطلق العبد، ولم يقيدوها بالعبد المستغنى عن خدمته، كما فعله صاحب الكتاب، والله أعلم.
قوله: "الصاع أربعة أمداد، والمدّ رطل والثلث" 6.
هذا التقدير مذهب الأئمة الثلاثة، مالك 7، والشافعي 8،
وأحمد 1، وغيرهم 2. وقدره أبو حنيفة بثمانية أرطال بالرطل العراقي 3، وهو عند بعضهم مائة وثمانية وعشرون درهما 4. ثم إن المشهور الاكتفاء بالوزن، وجواز إخراج هذا القدر بالوزن من غير كيل 5، وذلك مشكل جداً 6 , لأن الذي ورد به الشرع صاع، وهو مكيال، والكيل مخرج في الصدر الأول، ولا يخفى أنه لا ينحصر مقدار ملئه من حيث الوزن في قدر معين، بل يختلف قدره وزنا باختلاف أجناس ما يكال بل باختلاف أنواع جنس واحد لاختلافها في رزانتها، وخفتها 7.
وقد عثرت بعد البحث الأكيد على مسالك لأصحابنا وغيرهم، في التقصي عن أحدها لإمام الحرمين 1، قد ذكره 2 (عند ذكره) 3 الصاع في تقدير الوسق أن ما علقه الشارع بالصاع والمدّ 4 في صدقة الفطر، والكفارات، والفدية، وغيرها ليس المراد به مقدار ما يحويانه كيلا، بل هو عبارة عن المقدار 5 الموزون المعين.
فالمراد 6 بالصاع، والمدّ موزون 7 لا مكيل؛ لأن الكيل 8 بهما 9 يختلف وزنه، فإذا اتفقت الأئمة على مقدار موزون دلّ أنهم عنوا بالصاع، والمدّ ذلك المقدار وزناً، وما قاله بعيد لا يتمشى، فإن الصاع في اللغة عبارة عن مكيال معروف، وهو في لسان الشرع، ونقلته من العلماء مستعمل على المعنى اللغوي من غير تغيير 10، وذلك معلوم من موارد استعماله ومصادره، والله أعلم.
الثاني: ما صار إليه الطحاوي أبو جعفر 1 من أئمة 2 أصحاب أبي حنيفة الصائرين إلى أن الصاع ثمانية أرطال.
إن هذا فيما يساوي 3 كيله ووزنه، وهو الزبيب والعدس، والماش 4، وهذا يقتضي نفي التقدير بالوزن على الموزون فيما سوى هذه الأشياء خلافا لما قال 5 الآخرون من الفريقين.
الثالث: ذهب الإمام أبو الفرج الدارمي البغدادي، وهو من أكابر العراقيين في طبقة الشيخ أبي حامد الإسفراييني، والقاضي أبي الطيب الطبري 6 إلى أنه لا اعتماد في ذلك إلا على الكيل دون الوزن، وصنف في ذلك مسألة أطالها
فذكر فيها أن الواجب الإخراج بصاع معاير 1 بصاع الذي كان يخرج به على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك يوجد، ومن لا يقدر عليه، فالواجب عليه إخراج قدر يتيقن أنه غير قاصر عن ذلك 2.
وحكى عن فقهاء عصره على اختلاف مذاهبهم أنهم 3 قالوا: يخرج وزنا بالقدر الذي ذهب 4 كل منهم إليه، وأنهم كانوا يعملون بذلك في سائر أنواع المخرجات، وأطال النفس في تقديرها 5 ما تقدمت الإشارة إليه في بطلان ذلك، وذكر أنه كان يذكر 6 في ذلك من تيسرت له مذاكرته من الشافعية، وغيرهم من أهل العلم فلا يوردون ما يصحح ما يقولونه في 7 ذلك.
وذكر أنه يعتقد أنه ليس لما قالوه دليل، وأن محصول ما بلغه عن من نصر قولهم أمران:
أحدهما: دعوى وقوع الإجماع على ما قالوه.
والثاني: دعوى أن العيار 8 وقع بأوزن الحبوب وأثقلها وزنا ثم بين بطلان
الدعويين، وذكر أن الشافعي لم يذكر في كتابه رواية الربيع 1 وزنا، بل ذكر المكيال فقط، وأنه نص فيه في 2 صدقة الثمار أن المعتبر الكيل لا الوزن 3. قلت: قد ذكر الشافعي الوزن في القديم 4، لكنه قال: الصاع خمسة أرطال وثلث بزيادة شيء أو نقصانه، وهكذا ذكره 5 الدارمي عن أحمد بن حنبل - رحمه الله - أنه قال في زكاة الفطر: الصاع، خمسة أرطال وثلث بالبر على ما عيرنا إلا ما زاد، أو نقص من خفته ورزانته 6، وهذا يقتضي أن تقديره بالخمسة والثلث تقريب لا تحديد، إذا عرف ذلك فالذي نقطع به ما قطع به 7
الدارمي من 1 أن الاعتماد على الكيل دون الوزن، وأن من لم يحضره صاع أو مدّ يوثق بمساواته صاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعليه إخراج قدر يتيقن وفاؤه بذلك، وأن الوزن من أصله تقريب، وكونه خمسة وثلثا 2 تقريب آخر، والفائدة فيه كونه يقع مردا 3 في حق من لم يصح له صاع، فإنه يسهل عليه إدراك اليقين فيما يزيده 4 على خمسة وثلث لعلمه، حينئذ بأن الصاع الأصلي قريب من ذلك، ولولا ذلك لانتشر الأمر عليه.
وقد وجدت في ذلك مردا آخر، وهو ما ذكره الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد 5 من أئمة المالكية، فإنه ذكر اختلاف الموزونات، وحكى أنه لم يجد معيارا لذلك أقوى وأصح، ولا أقمن 6 ما يعرف به، ولا يختلف في زمان ولا بلد من أن
الصاع أربع حفنات بكفّي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين 1، ولا صغيرهما 2.
وذكر أبو حفص عمر بن ميمون 3 المغربي الفقيه أنه صح عنده أن قياس مدّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حفنة باليدين جميعاً كفّي وسط من الرجال 4، وذكر مثل قول ابن 5 أبي زيد سواء.
قلت: هذا أيضاً لا يخرج عن التقريب، فإذا زاد ما يخرجه على 6 أربع حفنات نحو حفنة حصل اليقين، والله أعلم.
ثم اعلم أن الدارمي ذكر أن كيفية الكيل بالصاع أن يملأ أعلاه إلى رأسه لا ممسوحا، وذكر 7 أن ذلك عرفهم بالحجاز وعادتهم، وذكر من كلام الشافعي نحوا من ذلك 8.
فهذا كلام نفيس مهمّ 9 في الصاع جمعنا من شتاته ما لم يجتمع في غير كتابنا، ولله الحمد.
قوله في القولين في الأقط 1: "مأخذهما 2 التردد في صحة حديث ورد فيه" 3. هذا مستنكر عند أهل الحديث، فإن حديث أبي سعيد الخدري (كنا نعطي زكاة الفطر زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - صاعا من طعام إلى أن قال: (أو صاعا من أقط) متفق على صحته، رواه البخاري 4، ورواه 5 مسلم نحوه 6، ولهذا قطع بعض الأصحاب بجوازه قولاً واحداً 7.