شرح مشكل الوسيطالمقدمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الصلاح
الكتاب
شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
المؤلف
عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
المحقق
د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
الناشر
دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1432 هـ - 2011 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ 1. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ 2. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ 3 4. أما بعد: فإن الفقه من أفضل العلوم وأشرفها؛ فبه يعلم الحلال والحرام، وبه تعرف الأحكام.
فمن للمستجدات من المسائل والنوازل غير الفقهاء؟ ومن لتبيين الأوامر والنواهي والحدود وضبطها غيرهم؟ ولهذا جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - علامة إرادة الله الخير للعبد الفقه في الدين فقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن يُرِد الله به خيراً

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 11

يفقّهه في الدين) 5، ولا شكَّ أن فقه الأحكام يدخل دخولاً أوليّاً فيه، بل حثَّ ـ عليه السلام ـ على تبليغ العلم ونشره حتى يصل إلى الفقهاء 6 فيبيِّنوا به الحلال والحرام.
ومن هذا جاء سبب اختيار تحقيق هذا الكتاب ليكون موضوعاً لنيل درجة العالمية - الماجستير - من قسم الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الإِسلاميَّة بالمدينة النبوية، ويتمثَّل سبب الاختيار في الآتي:

  • إبراز تراث هذه الأمة - محققاً منقحاً - حتى يرتبط آخرها بسلفها، وذلك بنشر مصنفات كبار الأئمة ومن بينها كتاب "شرح مشكل الوسيط".
  • قيمة الكتاب العلميَّة، وسمو مكانته بين كتب الفقه عموماً وكتب الفقه الشافعي خصوصاً هو ومتنه كتاب "الوسيط".
    فالوسيط أحد الكتب الخمسة التي يدور عليها الفقه الشافعي، وهذا الكتاب شرح وبيان لما غَمُض وأشكل منه، مع اعتماد من جاء بعد مؤلِفه عليه.
  • مكانة مؤلفه - ابن الصلاح - ورفعة شأنه، وذيوع صيته، وشهرته؛ إذ تبوأ مكانة مرموقة سامية بين علماء عصره، فقد نال علوم عصره المتنوعة، وبرع في فنون: التفسير، والحديث، والفقه، وأصوله، وعلوم العربيَّة، وغيرها.
    وقد شهد له العلماء بغزارة العلم، وعمق النظر، وطول الباع، وسعة

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 12

الاطلاع، ودقة التحقيق، وكمال المعرفة، كل ذلك مع العبادة، والطاعة، والنسك، والورع.
وقد تم تقسيم العمل في هذا الكتاب إلى قسمين: قسم الدراسة، وقسم التحقيق.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 13

أولاً القسم الدراسي ويشتمل على أربعة فصول

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 15

الفصل الأول: ترجمة الإِمام الغزالي

وفيه ستة مباحث:

المبحث الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، ولقبه، ومولده

هو الإِمام المشهور بحجَّة الإِسلام، زين الدين أبو حامد محمَّد بن محمَّد بن محمَّد بن أحمد الطوسي الغزالي الشافعي 7. فالطوسي: نسبة إلى طوس التي ولد بها، وهي ثاني مدينة في خراسان بعد نيسابور 8. أما الغزالي: فقد اختلف في ضبطه، وهذا الاختلاف أدى إلى الاختلاف في سبب تسميته به؛ فذهب الأكثرون إلى تشديد الزاي نسبة إلى الغزَّال، أي كثير الغزل، ولقِّب به؛ لأن والده وجده كانا يغزلان الصوف 9. وهناك من ذهب إلى أنه بتخفيف الزاي، وهؤلاء اختلفوا في سبب تسميته به على هذا الضبط،

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 17

فقيل: نسبة إلى غَزَالة، وهي قرية من قرى طوس (1). وقال الآخرون: منسوب إلى غزالة ابنة كعب الأحبار (2). والأول - التشديد - هو الأشهر عند أصحاب التراجم (3). وللإمام الغزالي لقبان: أشهرهما: حجّة الإِسلام، والآخر: زين الدين (4). أما مولده فقد كان في طوس سنة (450) هـ، وهذا باتفاق بين مصادر ترجمته (5)، إلا أن ابن خلِّكان قال: وقيل سنة إحدى وخمسين (6).

المبحث الثاني: نشأته ورحلاته

نشأ الغزالي في كنف والده، وكان رجلاً فقيراً صالحاً لا يأكل إلا من كسب يديه في عمل غزل الصوف، وكان مع ذلك يطوف على الفقهاء ويجالسهم، ويغشى مجالس الوعظ، وكان يدعو الله أن يرزقه ابناً فقيهاً وآخر واعظاً، فاستجاب الله دعوته 16 فكان ابنه محمَّد من أشهر الفقهاء، وابنه أحمد من أشهر الوعَّاظ.101112131415

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 18

ولمَّا حضرته الوفاة عهد بولَديه إلى صديق له متصوِّف يظن به خيراً، فعلَّمهما هذا المتصوِّف الخطَّ على وصيَّة والدهما 17. فلمَّا فني ما تركه لهما أبوهما، وتعذَّرت عليهما النفقة، وجَّههما هذا المتصوِّف إلى المدرسة ليطلبا فيها العلم فتحصل لهما النفقة فيها، فكان الغزالي يقول: "طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله" 18. فقرأ الغزالي شيئاً من الفقه في صباه بطوس على الشيخ أحمد ابن محمَّد الراذكاني 19. ثم رحل في طائفة من طلبة العلم إلى نيسابور، فلازم إمام الحرمين الجويني، فجدَّ واجتهد، حتى برع في المذهب، والخلاف، والجدل، والأصول، والمنطق، والفلسفة، وأحكم كل ذلك في مدَّة قريبة، وفاق أقرانه، وصار أَنْظَر أهل زمانه، وذلك في حياة شيخه إمام الحرمين، وبدأ في التصنيف والردِّ على المبطلين 20. وبقي هكذا إلى أن توفي شيخه إمام الحرمين، فخرج حينذاك من نيسابور إلى المعسكر، وفيه كان مجلس الوزير نظام الملك، وكان مجلسه مجمع أهل العلم، فهناك ناظر، وظهر، وذاع صيته، فنال إعجاب الوزير وقبوله، فرشَّحه ليدرِّس بالمدرسة النظَّاميَّة ببغداد 21، فارتحل إليها (سنة 484 هـ) فدرَّس بها 22، وأعجب الناس به، حتى كان مسموع الكلمة، مشهور الاسم، يضرب به المثل.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 19

ثم انخلع عن ذلك كله، فأقبل على العبادة، وخرج من بغداد قاصداً بيت الله الحرام لأداء الحجِّ، وكان ذلك في ذي القعدة من سنة (488) هـ 23، ودخل بعد الحجِّ دمشق فلبث بها قليلاً، ثم انتقل منها إلى بيت المقدس، وأقام به مدة، ثم عاد إلى دمشق وأقام بها نحواً من عشر سنين في الاعتكاف والعبادة والاجتهاد في الطاعة، وصنَّف كتابه إحياء علوم الدين وغيره في هذه الفترة 24. ثم قصد مصر وأقام بالاسكندريَّة مدة 25، ثم قفل راجعاً إلى خراسان، فمرَّ ببغداد ولم يقم بها طويلاً، وقد عقد بها مجلساً للوعظ، وحدَّث بكتابه الإحياء 26. ثم خرج منها متوجِّهاً إلى وطنه طوس، فلازم بيته مشتغلاً بالتفكر والعبادة.
فلمَّا آلت الوزارة في بغداد إلى فخر الملك الحَّ عليه والتمس منه التدريس وشدَّد عليه في ذلك، فأجابه الغزالي إلى ما أراد، فقدم نيسابور فدرَّس بنظاميَّتها وجلس للإفادة 27. ثم ترك التدريس بها، وعاد إلى بيته، واتخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم، ورباطاً للصوفيَّة، فكان يتردد بينهما للعبادة والتدريس 28. ثم كان خاتمة أمره إقباله على الحديث، ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين وغيرهما، واستمر على هذه الحال حتى وفاته 29.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 20

المبحث الثالث: أشهر شيوخه وتلاميذه

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: أشهر شيوخه

درس الغزالي على عدد من المشايخ، وأفاد منهم علومه، ومن أبرزهم:

  • أحمد بن محمَّد الطوسي أبو حامد الراذكاني 30.
  • أبو سهل محمَّد بن أحمد بن عبيد الله المروزي الحفصي، توفي سنة (465) هـ وقيل غير ذلك.
    31
  • أبو علي الفضل بن محمَّد الفارمذي الخراساني الواعظ، توفي بطوس سنة (477) هـ 32.
  • أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني إمام الحرمين، توفي سنة (478) هـ 33.
  • أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي ثم الدمشقي، توفي سنة (490) هـ 34.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 21

  • أبو الفتيان عمر بن عبد الكريم بن سعدويه الدهستاني الرواسي، توفي سنة 503) هـ (1).
  • أبو الفتح نصر بن علي بن أحمد بن منصور بن شاذويه الطوسي الحاكمي، وغير هؤلاء (2).

المطلب الثاني: أشهر تلاميذه

تتلمذ على الغزالي عدد كبير من طلبة العلم حيثما أقام، ومن ذلك: قول أبي بكر بن العربي: "كنت رأيته - أي الغزالي - ببغداد يحضر مجلسه نحو أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم، يأخذون عنه العلم" 37. فمن هؤلاء التلاميذ الذين صار لهم شأن في العلم والفضل، وانتفع بهم الناس كثيراً:

  • خلف بن أحمد النيسابوري 38.
  • إبراهيم بن المطهَّر أبو طاهر الشباك الجرجاني، توفي سنة (513) هـ 39.
  • أبو الفتح أحمد بن علي بن برهان بن الحمَّامي البغدادي الشافعي، توفي سنة (518) هـ 40.3536

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 22

  • أبو الحسن علي بن المُسلَّم بن محمَّد بن علي بن الفتح السُلمي الدمشقي توفي سنة (533) هـ 41.
  • أبو الفتوح محمَّد بن الفضل بن محمَّد بن المعتمر الأسفراييني، توفي سنة (538) هـ 42.
  • أبو منصور سعيد بن محمَّد بن عمر بن الرزَّاز الشافعي البغدادي، توفي سنة (539) هـ 43.
  • أبو عبد الله مروان بن علي بن سلامة بن مروان الطنزي، توفي بعد سنة (540) هـ 44.
  • أبو الحسن سعد الخير بن محمَّد بن سهل بن سعد الأنصاري الأندلسي البلنسي، توفي سنة (541) هـ 45.
  • أبو محمَّد عبد الرحمن بن علي بن أبي العباس النعيمي المعروف بالبارباذي، توفي سنة (542) هـ 46.
  • أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن نبهان بن محرز الغنوي الرقِّي الصوفي، توفي ببغداد سنة (543) هـ 47.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 23

  • أبو بكر بن العربي المالكي المشهور محمَّد بن عبد الله بن محمَّد الأندلسي الإشبيلي, توفي سنة (543) هـ 48.
  • أبو الفتح نصر الله بن منصور بن سهل الجنزي الدويني، توفي سنة (546) هـ 49.
  • أبو سعيد محمَّد بن يحيى بن منصور النيسابوري، توفي سنة (548) هـ وقيل (549) هـ 50.
  • أبو الفتح محمَّد بن الفضل بن علي المارشكي، توفي سنة (549) هـ 51.
  • أبو العباس أحمد بن بختيار بن علي بن محمَّد المندائي القاضي، توفي سنة (552) هـ 52.
  • أبو القاسم عمر بن محمَّد بن أحمد بن عكرمة الجزري الشافعي ابن البزري، توفي سنة (560) هـ 53.
  • أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله محمَّد بن علي بن عبد الله بن أحمد بن حمدان الجاواني، توفي سنة (560) هـ 54.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 24

  • أبو منصور محمَّد بن أسعد بن محمَّد بن الحسين الطوسي العطَّاري، الملقَّب بـ حَفَدة، توفي سنة (573) هـ، وقيل غير ذلك (1).
  • أبو طاهر أحمد بن محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن إبراهيم السِلَفي الأصبهاني، توفي سنة (576) هـ (2).

المبحث الرابع: مكانته العلميَّة وثناء العلماء عليه، وما أُخِذ عليه

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: مكانته العلميَّة وثناء العلماء عليه

لقد تبوأ الغزالي مكانة علميَّة سامية في عصره حتى عُدّ مجدّد القرن الخامس الهجري؛ حيث يقول السيوطي في أرجوزة له في عدَّ المجددين: والخامس الحبر هو الغزالي ... وعدُّه ما فيه من جدال 57 وقد أثنى عليه العلماء، وشهدوا له بالإمامة، ومن ذلك:

  • قال عنه ابن النجَّار: "أبو حامد إمام الفقهاء على الإطلاق، وربَّاني الأمة بالاتفاق، ومجتهد زمانه، وعين أوانه، برع في المذهب، والأصول، والخلاف، والجدل، والمنطق، وقرأ الحكمة، والفلسفة، وفهم كلامهم، وتصدى للرد5556

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 25

عليهم، وكان شديد الذكاء قويَّ الإدراك، ذا فطنة ثاقبة، وغَوْصٍ على المعاني، حتى قيل: إنه ألَّف المنخول فرآه أبو المعالي فقال: دفنتني وأنا حيٌّ، فهلاَّ صبرت الآن؛ كتابك غطَّى على كتابي" (1).

  • ووصفه شيخه إمام الحرمين بأنه بحر مغدق (2).
  • وقال تلميذه محمَّد بن يحيى: "الغزالي هو الشافعي الثاني" (3).
  • وقال عنه الحافظ المؤرخ ابن كثير: "كان من أذكياء العالم في كل ما يتكلم فيه، فساد في شبيبته حتى أنه درَّس بالنظاميَّة ببغداد وله أربع وثلاثون سنة، فحضر عنده رؤوس العلماء" (4)، كابن عقيل وأبي الخطاب إمامي الحنابلة (5).

المطلب الثاني: ذكر بعض ما أُخِذ عليه

عقد تقي الدين بن الصلاح فصلاً في طبقاته 63 قال فيه: فصل لبيان أشياء مهمَّة أنكرت على الإِمام الغزالي في مصنَّفاته، ولم يرتضها أهل مذهبه وغيرهم من الشذوذات في متصرفاته، منها قوله في مقدمة المنطق في أول المستصفى 64: "هذه مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلاً".5859606162

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 26

وقال أبو بكر بن العربي: "شيخنا أبو حامد بَلَعَ الفلاسفة وأراد أن يتقيَّأهم فما استطاع" 65. وقد اعتدل فيه أحمد بن تيمية إذ قال: "والإحياء فيه فوائد كثيرة لكن فيه مواد مذمومة؛ فإن فيه مواداً فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين، وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه وقالوا مرَّضه الشفاء - يعني شفاء ابن سيناء في الفلسفة - وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم ... " 66. ومما كان يُعترض به عليه وقوع خلل من جهة النحو في أثناء كلامه، قال الذهبي: "وروجع فيه فأنصف واعترف أنه ما مارسه، واكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه" 67. وقال فيه الإِمام الذهبي: "الغزالي إمام كبير، وما من شرط العالم أن لا يخطئ" ثم قال: "رحم الله أبا حامد.
فأين مثله في علومه وفضائله، ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليده في الأصول" 68.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 27

المبحث الخامس: مؤلفاته

لقد ترك الغزالي تراثاً ثراً من الكتب والمؤلفات، بل يعتبر من أكثر العلماء تأليفاً وتصنيفاً، بالمقارنة مع سنوات عصره التي لم تزد عن (55) سنة، حتى نُقل أنه: "أُحصيت كتب الغزالي التي صنَّفها، ووزِّعت على عصره، فخُصَّ كل يوم أربعة كراريس" 69. وقد حُصرت كتبه وما نسب إليه فبلغت (457) كتاباً ورسالة.
وسوف يكتفى هنا بذكر كتبه في الفقه لبيان طول باعه وعظيم منزلته فيها، ولارتباطها بموضوع الدراسة: (1) البسيط 70: وهو تلخيص لكتاب شيخه إمام الحرمين "نهاية المطلب في دراية المذهب" 71 الذي قال عنه السبكي: "لم يصنَّف في المذهب مثله فيما أجزم به" 72. وتوجد منه نسخة بقسم المخطوطات بالجامعة الإِسلاميَّة بالمدينة برقم (7111). (2) الوسيط: وسيأتي الكلام عليه تفصيلاً.
(3) الوجيز: وهو مطبوع مشهور، له نحو سبعين شرحاً 73.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 28

(4) خلاصة المختصر ونقاوة المعتصر (1): وهو خلاصة لمختصر المزني، وتوجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة السليمانيَّة بتركيا برقم (442). وقد أنشد أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن يوسف الطرابلسي في مدح كتب الغزالي في الفقه فقال: هذَّب المذهب حبر ... أحسن الله خلاصه بـ (بسيط) و (وسيط) ... و (وجيز) و (خلاصة) (2).

المبحث السادس: وفاته

اتفقت مصادر ترجمة الغزالي على أنه توفي في يوم الاثنين الرابع عشر من شهر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة، بعد حياة حافلة بالعلم والعمل، ودفن بطابران قصبة بلاد طوس وإحدى بلدتيها 76.7475

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 29

الفصل الثاني: التعريف بابن الصلاح

(1) وفيه عشرة مباحث:

المبحث الأول: عصره وبيئته من الناحية السياسية والاجتماعية والعلمية

حفلت الفترة التي عاش فيها ابن الصلاح (577 - 643) هـ بأحداث عظيمة حلَّت بالأمَّة الإِسلاميَّة، تشيب لها مفارق الولدان: فقد ظهر التتار من جهة الشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، فقد قتلوا الآلاف من المسلمين، وخرَّبوا المساجد والمدارس، وسبوا النساء والصبيان، وأوسعوا البلاد بالنهب والفساد، فما دخلوا بلداً إلا قتلوا من ظفروا به من المقاتلة والرجال وكثيراً من النساء والصبيان والأطفال، وأتلفوا ما فيه بالنهب إن احتاجوا إليه، وبالحرق إن لم يحتاجوا إليه، وكانوا يأخذون الأسرى من المسلمين فيقاتلون بهم، ويحاصرون بهم، وإن لم ينصحوا في القتال قتلوهم.77

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 30

وقد ملكوا في سنة واحدة (617 هـ) عامَّة الممالك إلا العراق والجزيرة والشام ومصر 78. وظهر من جهة الغرب الفرنج الصليبيون، وقصدوا الشام والديار المصريَّة، وتكررت غاراتهم وهجماتهم على ديار المسلمين، فملكوا بعض المدن والحصون، وقتلوا وأسروا ونهبوا وعاثوا فيما وصلوا إليه فساداً عظيماً 79. أمّا من سلم من هاتين الطائفتين - التتار والفرنج - من المسلمين، فالسيف بينهم مسلول، والفتنة قائمة على ساق 80، ساعد على ذلك انقسام الدولة الإِسلاميَّة إلى دويلات ومماليك صغيرة وذلك بعد ضعف الدولة العبَّاسيَّة، فكانت الحرب قائمة بين هذه المماليك من حين لآخر إشباعاً لأطماع السلاطين، وبسبب تولية الصبيان واستبداد الأمراء والوزراء بالأمر ووقوع التنافس فيما بينهم، مع انشغالهم بالشهوات وجمع الأموال فى أكثر الأوقات.
أما الحالة الاجتماعية فتابعة للحالة السياسية: فإن المجتمع الإِسلامي لم يعرف الهدوء والاستقرار في هذه الفترة، فالحرب قائمة على ساق، سواء كانت مع غير المسلمين - الفرنج والتتار -، بين المسلمين أنفسهم، وما يتبع ذلك من إزهاق للأرواح، والأموال، وحصار للمدن، والتضييق على أهلها، وما يتبع ذلك من غلاء في الأسعار وإفقار للناس.
وذلك كما حصل أثناء حصار الخوارزميَّة لدمشق في سنة (643) هـ فقد نصبوا حولها المنجنيقات، وقطعت الأنهار، وغلت الأسعار، وأخيفت الطرق، وجرت بها أمور بشعة لم تر مثلها من قبل، حتى أُكلت القطط

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 31

والكلاب والميتات والجيف، ومات الناس في الطرقات، وعجزوا عن التغسيل والتكفين والإقبار، فكانوا يلقون موتاهم في الآبار حتى أنتنت المدينة، وبيعت الأملاك بالدقيق، وبالرغم من ذلك كانت الخمور دائرة والفسق ظاهراً والمكوس بحالها 81. أما الحالة العلميَّة فقد كانت نشطة في تلك الفترة - على الرغم مما تقدَّم - فقد كان العلماء متوافرين، وكانت لهم الهيبة لدى العامة والخاصة، وكثر العلماء في شتى الفنون، وكثرت التصانيف في مختلف العلوم، ومما ساعد على نشاط الحركة العلميَّة وازدهارها: تشجيع الخلفاء والملوك للعلم والعلماء، مثل: المعظَّم عيسى ملك دمشق والشام فقد جاء في ترجمته: أنه كان ... عالماً، فاضلاً، اشتغل في الفقه على مذهب أبي حنيفة، وحفظ القرآن، وبرع في المذهب، وعَني بالجامع الكبير لمحمد بن الحسن، وصنَّف فيه شرحاً كبيراً بمعاونة غيره، وحفظ المفصَّل للزمخشرى في اللغة، وكان يحبُّ العلماء، ويكرمهم، ويجتهد في متابعة الخير، ويقول: أنا على عقيدة الطحاوي، وقال عنه ابن كثير: وقد جمع له بين الشجاعة، والبراعة، والعلم، ومحبة أهله.
أهـ 82 وقال عنه ابن الأثير: "ونفق العلم في سوقه، وقصده العلماء من الآفاق، فأكرمهم، وأجرى عليهم الجريات الوافرة، وقرَّبهم، وكان يجالسهم ويستفيد منهم، ويفيدهم .... وسمع مسند الإِمام أحمد وأمر بترتيبه على الأبواب الفِقهيَّة".
83

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 32

ومن العلماء الذين عاشوا في هذه الفترة وأثروها بعلمهم وعملهم:

  • أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزى (509 - 597) هـ.
  • الحافظ عبد الغني المقدسي (541 - 600) هـ.
  • أبو الفتوح أسعد بن أبي الفضائل العجلي (515 - 600) هـ.
  • فخر الدين الرازي الشافعي المفسر (544 - 606) هـ.
  • الحافظ أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرهَّاوي الحنبلي (536 - 612) هـ.
  • جمال الدين أبو محمد بن عبد الله المالكي ابن شاس (- 616) هـ.
  • الموفَّق بن قدامة الحنبلي (541 - 620) هـ.
  • ابن الأثير أبو الحسن (555 - 630) هـ.
  • سيف الدين الآمدي (حدود 550 - 631) هـ.
  • ابن الحاجب (570 - 646) هـ. وغيرهم كثير.
    وبذلك يُعرف مدى تأثر ابن الصلاح بهذه الفترة الخصبة علميَّاً، المزدهرة بالعلوم والمعرفة، بما يدعوه إلى الحرص على التحصيل، والإتقان والإجادة.

المبحث الثاني: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه وولادته

هو الإِمام، الحافظ، الفقيه، الأصولي، المفسِّر، الحجَّة، شيخ الإِسلام، تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن موسى بن أبي نصر النَّصْري 84

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 33

الكردي الشهرزوري الأصل، الشرخاني المولد، الموصلي النشأة، الدمشقي الدار والوفاة، الشافعي المذهب، المعروف بابن الصلاح، اشتهر بنسبته إلى لقب والده: صلاح الدين عبد الرحمن.
ولد سنة (577) هـ، في بلدة شَرَخَان - بفتح الشين والراء والخاء - قرية من أعمال أربيل قريبة من شهرزور في شمالي العراق.
وذكر بعض من ترجم له (1) أنَّه ولد بشهرزور.
وذلك - فيما يبدو - إما لعدم شهرة شرخان، أو لقربها من شهرزور.

المبحث الثالث: نشأته وأسرته

نشأ تقي الدين بن الصلاح في بيت علم وصلاح؛ إذ كان والده من أجلَّة مشايخ الأكراد علماً، وفقهاً، وإفتاءً، حيث دخل بغداد وتفقَّه على أبي سعد بن أبي عصرون وغيره، وبرع، ثم سكن حلب، ودرَّس بالمدرسة الأسديَّة 86 إلى أن مات في ذي القعدة سنة (618) هـ 87. فَنَشَأ ولده - تقي الدين - على محبة العلم وأهله، ولا تذكر المصادر غير ذلك عن أسرته ونشأته.85

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 34

المبحث الرابع: رحلاته واشهر شيوخه

أول ما تلقى ابن الصلاح علومه كان على والده في شهرزور، وبه تفقَّه، وقد نقل عنه في بعض كتبه 88، فكان أول شيخ له.
ثم أرسله والده إلى الموصل، وهو ما يزال صغيراً لم يبلغ الحلم 89 فاشتغل بها مدة، وفيها سمع من:

  • الشيخ أبي جعفر عبيد الله بن أحمد بن علي بن علي البغدادي الورَّاق الحنبلي المقرئ، المعروف بابن السمين، توفي سنة (588) هـ 90.
  • الشيخ المقرئ أبي المعالي نصر الله بن سلامة بن سالم الهيتي، المعروف بابن حَبَن، توفي سنة (598) هـ 91.
  • شيخ الشافعيَّة بالموصل عماد الدين أبي حامد محمَّد بن يونس بن محمَّد بن منعة الإربلي الموصلي، توفي سنة (608) هـ 92. ثم لم ترو الموصل ظمأه من العلم، فرحل عنها إلى بغداد وله بضع وعشرون سنة، فسمع فيها من:

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 35

  • الشيخ، العالم، الفقيه، المحدِّث ضياء الدين أبي أحمد عبد الوهاب ابن سكينة البغدادي، توفي سنه (607) هـ 93. ثم ارتحل منها إلى دنيسر - وهي بلدة عظيمة مشهورة من نواحي الجزيرة قرب ماردين - 94 فسمع فيها من:
  • الشيخ الصالح أبي محمَّد - أو أبي إبراهيم - إسماعيل بن إبراهيم بن فارس بن مقلد السيبيُّ الأصل، البغداديُّ المولد، الدنيسريُّ الدار، الخبَّاز الأزجي، توفي سنه (614) هـ 95. ثم انتقل منها إلى خراسان ليروي ظمأه من علم الحديث، حيث حصَّله هنالك، وقد سمع فيها من خلائق كثيرين، وكان من أبرزهم: في همدان:
  • أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن أبي زيد بن المعزِّم الهمذاني، توفي سنه (609) هـ 96. وفي نيسابور:
  • الشيخ الكبير المعمَّر الرحَّالة أبو القاسم، وأبو بكر، وأبو الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمَّد بن الفضل الفُرَاوي النيسابوري، توفي سنة (608) هـ 97.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 36

  • مسندة خراسان أمِّ المؤيَّد زينب بنت أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الجرجانيَّة الأصل النيسابوريَّة الشَّعريَّة، توفيت سنة (615) هـ 98.
  • الشيخ المعمَّر مسند خراسان، الإِمام المقرئ أبو الحسن المؤيَّد بن محمَّد بن علي بن محمَّد بن أبي صالح الطوسي النيسابوري، توفي سنة (617) هـ 99.
  • الإِمام المسند أبو القاسم بن أبي سعد عبد الله بن عمر بن أحمد النيسابورى ابن الصفَّار الشافعي، توفي سنة (618) هـ 100. وفي مرو:
  • أبو المظفَّر عبد الرحيم بن الحافظ الكبير أبي سعد عبد الكريم بن محمَّد بن منصور السمعاني المروزي الشافعي، توفي سنة (617) هـ أو في التي بعدها 101. ثم قفل راجعاً من خراسان، فدخل بلاد الجزيرة 102 فسمع في حرَّان من:
  • الحافظ أبي محمَّد عبد القادر بن عبد الله بن عبد الرحمن الرُّهاوي، توفي سنة (612) هـ. ثم دخل الشام في حدود سنة (613) هـ، فسمع في دمشق من:

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 37

  • الإِمام فخر الدين أبي منصور بن عساكر الدمشقي، توفي سنة (620) هـ (1).
  • الإِمام موفَّق الدين أبي محمَّد عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الدمشقي، توفي سنة (620) هـ.
  • العلامة أبي البركات الحسن بن عساكر الدمشقي، توفي سنة (627) هـ (2). وغيرهم (3). وسمع في حلب من:
  • الشيخ أبي محمَّد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن عبد الله بن الأستاذ الأسدي، توفي سنة (623) هـ (4).

المبحث الخامس: أعماله ومناصبه

بعد هذه الرحلة الواسعة في الطلب والتحصيل، بدأ الدور الثاني في حياة ابن الصلاح، وهو دور التعليم والتبليغ وإفادة الآخرين، حيث أتى بيت المقدس فدرَّس بالمدرسة الصلاحيَّة أو الناصريَّة مدَّة ليست بطويلة 107.103104105106

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 38

ثم عاد إلى دمشق، فدرَّس بالمدرسة الرواحيَّة التي فوَّض مؤسسها نظرها وتدريسها إليه (1). وفي سنة (628) هـ تولى التدريس في المدرسة الجوَّانيَّة (2). ثمَّ لما فتحت دار الحديث الأشرفيَّة في شعبان سنة (630) هـ، فُوِّض تدريسها إليه، فبقي شاغلاً مشيختها مدة ثلاث عشرة سنة.
وفي سنة (641) هـ عندما عُزل القاضي الرفيع الجيلي وغيِّب، فوض الملك الصالح إسماعيل أمر مدارسه الأربع - العادلية، والعذراوية، والأمينية، والشامية البرانية - إلى ابن الصلاح، وجعله مشرفاً عامّاً عليها (3).

المبحث السادس: مكانته العلميَّة وثناء العلماء عليه

تبوأ تقي الدين ابن الصلاح مكانة سامية بين علماء عصره، فقد برع في علوم: التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، وشهد له العلماء بغزارة العلم، وعمق النظر، وسعة الاطلاع، ودقة التحقيق، حتى كان يستشيره مشايخه فيما يُسْتَشْكَلُ من مسائل، ويعرض العدد من العلماء مؤلفاتهم عليه ويستشيرونه فيها.
قال تلميذه الحافظ المؤرخ شمس الدين بن خلِّكان: كان أحد فضلاء عصره في التفسير، والحديث، والفقه، وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث، ونقل العربيَّة، وكانت له مشاركة في فنون عديدة، وكانت فتاويه مسدَّدة" 111.108109110

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 39

وقال الحافظ ابن كثير عنه: "كان إماماً، بارعاً، حجة، فتبحَّر في العلوم الدينيَّة، بصيراً بالمذهب، أصوله وفروعه، له يد طولى في العربيَّة والحديث والتفسير، مع عبادة، وتهجُّد، وورع، ونسك، وتعبُّد، وملازمة للخير، على طريقة السلف في الاعتقاد، يكره طرائق الفلاسفة ويغض منها، ولا يمكِّن من قراءتها بالبلد، والملوك تطيعه في ذلك، وله فتاوٍ سديدة، وآراء رشيدة، ما عدا فتياه الثانية في استحباب صلاة الرغائب" (1). وقال الحافظ الذهبي عنه: "كان سلفياً حسن الاعتقاد، كافاً عن تأويل المتكلفين" (2). وإذا أطلق "الشيخ" في علماء الحديث فالمراد هو، وإليه أشار الحافظ العراقي في أول ألفيته حيث قال: أو أطلقت لفظ الشيخ ما ... أريد إلا ابن الصلاح مبهما (3)

المبحث السابع: أشهر تلاميذه

كان للمكانة العلميَّة، والمنزلة الرفيعة التي تبوأها الشيخ تقي الدين بن الصلاح الأثر الكبير في التفاف طلبة العلم حوله، وتلقي العلوم عليه، والرحلة إليه، حتى تخرَّج عليه خلق كثير وجمٌّ غفير، من أشهرهم:112113114

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 40

  • شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم أبو شامة المقدسي، المتوفَّى سنة (665) هـ 115.
  • قاضي القضاة كمال الدين أبو حفص عمر بن بندار بن عمر بن علي التفليسي الشافعي، المتوفَّى سنة (672) هـ 116.
  • ظهير الدين أبو المحامد محمود بن عبيد الله بن أحمد الزنجاني، المتوفَّى سنة (674) هـ 117.
  • قاضي القضاة، الشيخ تقي الدين أبو عبد الله محمَّد بن الحسين بن رزين ابن موسى العامري الحموي الشافعي، المتوفَّى سنة (680) هـ 118.
  • شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمَّد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلِّكان الإربلي الشافعي، المتوفَّى سنة (681) هـ 119.
  • الإِمام، العالم، البارع جمال الدين أبو بكر محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن عبد الله ابن بحمان البكري الشريشي المالكي، المتوفَّى سنة (685) هـ 120.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 41

  • الإِمام أبو حفص عمر بن يحيى بن عمر فخر الدين الكرخي، المتوفَّى سنة (690) هـ (1).
  • قاضي القضاة شهاب الدين أبو عبد الله محمَّد بن أبي العباس أحمد بن خليل بن سعادة الخويي الدمشقي الشافعي، المتوفَّى سنة (693) هـ (2).
  • المسند المعمَّر الرحالة شرف الدين أحمد بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، المتوفَّى سنة (699) هـ (3).
  • صدر الدين محمَّد بن الحسن بن يوسف الأرموي الشافعي، المتوفَّى سنة (700) هـ (4).
  • الشيخ الإِمام، العالم، رضي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم بن أبي بكر الطبري المكي الشافعي، المتوفَّى سنة (722) هـ (5).

المبحث الثامن: عقيدته

لقد تبيَّن مما تقدم من النقول عن تلاميذه وغيرهم من العلماء والفضلاء أن الشيخ تقي الدين بن الصلاح كان حسن الاعتقاد، متَّبعاً لمذهب السلف الصالح فيه، كافَّاً عن الخوض في صفات الله، وأسمائه بالتأويل والتحريف، بل مؤمن بما جاء من عند الله ورسوله على مرادهما، كما قال الحافظ الذهبي عنه: "كان121122123124125

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 42

متين الديانة، سلفي الجملة، صحيح النحلة، كافَّاً عن الخوض في مزلاَّت الأقدام، مؤمناً بالله، وبما جاء عن الله من أسمائه ونعوته" (1). وكان يكره طرائق الفلسفة ويغضُّ منها، ويفتي بعدم جواز قراءتها والاشتغال بها، وكان لا يمكِّن من قراءتها بالبلد، وكانت الملوك تطيعه في ذلك (2).

المبحث التاسع: تصانيفه

قال تلميذه صفي الدين المراغي عنه: "صنَّف أشياء مفيدة في الحديث وفي الفقه وفي غير ذلك، ولم يكمل من ذلك إلا اليسير، وكان حسن التصنيف مليح التنقيح" (3). وتصانيفه المذكورة: 126 الأحاديث في فضل الإسكندريَّة وعسقلان.
وهو مخطوط، منه نسخة في برلين برقم (1389) (4). 127 الأحاديث الكليَّة، جمع فيها الأحاديث الجوامع التي يقال بأن مدار الدين عليها وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة، وهو يشتمل على [26] حديثاً 130.128129

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 43

(3) أدب المفتي والمستفتي: وهو مطبوع.
(4) الأمالي: وهي مخطوطة 131. (5) تاريخ أسطوري للرسول - صلى الله عليه وسلم -: مخطوط 132. (6) حلية الإِمام الشافعي أبي عبد الله محمَّد بن إدريس 133، مطبوع.
(7) الردُّ على "الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة، وبيان ما فيها من مخالفة السنن المشروعة" 134 ردَّ فيه على العزِّ بن عبد السلام في كتابه هذا، وقد أجاز ابن الصلاح فيه هذه الصلاة وقوَّاها ونصرها، مع حكمه على الحديث الوارد فيها بالبطلان والوضع، وقد ردَّ العزُّ بن عبد السلام على ردِّه السابق، وطبعت ثلاثتها تحت عنوان "مساجلة علميَّة بين الإمامين الجليلين العزِّ بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب المبتدعة".
(8) شرح حديث الرحمة المسلسل بالأوليَّة: وهو عبارة عن مجلس من مجالس أماليه 135، قال التجيبي في برنامجه 136: "جزء حسن عزيز الفوائد، فيه حديث الرحمة المسلسل، والكلام عليه من علوم عديدة، وهو الأول من مجالس إملائه".

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 44

ويقع شرحه هذا في نحو كراسين، ومنه نسخة محفوظة في مكتبة عبد الحي الكتَّاني 137. (9) شرح مشكل المهذَّب: مخطوط 138. ذكره المؤلف في شرحه هذا، ونقل عنه في مواضع، وسماه بعض من ترجم له بـ "النكت على المهذَّب".
(10) شرح مشكل الوسيط: وهو هذا الكتاب.
(11) شرح معرفة علوم الحديث للحاكم أبي عبد الله النيسابوري صاحب المستدرك، بدأه ولم يكمله: مخطوط، قال الصفي المراغي: "وهي بدأة حافلة، وما أراها كاملة" 139. (12) شرح الورقات في أصول الفقه لإمام الحرمين: مخطوط 140. (13) صلة الناسك في صفة المناسك: مطبوع.
(14) صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط، وحمايته من الإسقاط والسقط: مطبوع.
(5) طبقات الفقهاء الشافعيَّة: مطبوع.
(16) علوم الحديث، ويسمَّى أيضاً: مقدمة ابن الصلاح: مطبوع.
(17) الفتاوى في التفسير والحديث والأصول والفقه.
مطبوع مع كتابه آداب المفتي والمستفتي.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 45

(18) الفتوى واختلاف القولين 141: مخطوط، منه نسخة في دار الكتب المصرية برقم (1889). (19) فوائد الرحلة، أو الرحلة الشرقيَّة 142: مخطوط.
(20) كتاب تارك الجمعة يقتل.
(21) كتاب الحجَّ 143: ولعلَّه كتاب صلة الناسك المتقدِّم.
(22) كتاب الوقف 144. (23) مجامع ابن الصلاح: قال السبكي: "ثم رأيت أنا بخط الشيخ تقي الدين ابن الصلاح في مجاميعه" 145. (24) مجموع انتخبه من كتاب الجمع بين الطريقين لأبي سهل محمَّد بن أحمد الصعلوكي، وقف عليه السبكي بخطِّ ابن الصلاح ونقل عنه 146. (25) معرفة المؤتلف والمختلف في أسماء الرجال 147: مخطوط، منه نسخة في الظاهرية برقم (6897) (ق 56 - 59).

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 46

(26) المنتخب من كتاب المذهَّب في ذكر شيوخ المذهب لأبي حفص عمر بن علي المطوَّعي: قال عنه السبكي: "ما أغزر فوائده، وأكثر فرائده" (1). وقد نقل عنه في عدَّة مواضع في طبقاته الكبرى (2)، وكذا ابن خلِّكان (3). (27) المنتقى من كتاب اختلاف أهل الصلاة لأبي جعفر محمَّد بن أحمد بن نصر الترمذي المتوفَّى سنة (295) هـ (4): وهو في الأصول.
(28) وصل البلاغات الأربعة في الموطأ التي لم يجدها مسندة أبو عمر بن عبد البرِّ في الموطأ: مطبوع.
(29) مؤلف في بيان أن رائحة المسك توجد من الصائم في الدنيا والآخرة: ذكره ابن القيِّم، ونقل عنه (5).

المبحث العاشر: وفاته

توفي الشيخ تقي الدين بن الصلاح بعد حياة حافلة، وذلك بمنزله بدار الحديث الأشرفية ليلة الأربعاء الخامس والعشرين 153 من شهر ربيع الآخر سنة148149150151152

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 47

(643) هـ 154، ودمشق محاصرة بالخوارزمية وبعساكر الصالح نجم الدين أيوب.
فَصُلّي عليه بعد الظهر بجامع دمشق، ثم شيَّعه الناس إلى داخل باب الفرج فصلُّوا عليه بداخله مرة ثانية، ثم رجع الناس بسبب الحصار، وخرج بنعشه نحو العشرة إلى مقابر الصوفية فدفن بها في غربيَّها على الطريق - رحمة الله عليه -.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 48

الفصل الثالث: دراسة موجزة لكتاب الوسيط

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: عنوانه ونسبته إلى الغزالي

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: عنوانه

لقد كفانا الغزالي مؤنة البحث عن عنوان كتابه، فقد قال فى مقدمته له: " فإني ... صنَّفت هذا الكتاب وسمَّيته "الوسيط في المذهب" 155. أما المترجمون للغزالي الذين ذكروا كتبه فبعضهم ذكره باسم "الوسيط" اختصاراً، أو لكونه معلوماً بأنه في المذهب الشافعي 156. وبعضهم ذكره باسم "الوسيط في فروع الفقه" 157، أو "الوسيط المحيط بأقطار البسيط" 158، أو "الوسيط المحيط بآثار البسيط" 159، أو "الوسيط في الفروع" 160، لكن المعوَّل عليه ما ذكره مؤلفه وهو واضع اسمه.
وإنما أضافه من أضافه إلى البسيط لأنه مختصر له.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 49

المطلب الثاني: نسبته إلى الغزالي

لقد تواترت نسبته إليه، حتى أنه لا يوجد شكٌّ في صحة هذه النسبة إلى الغزالي، كما نص هو على ذلك فيه، ثم إن كثيراً من العلماء الذين أتوا بعد الغزالي أفادوا من كتابه هذا، وعنوا به، ونقلوا عنه، وعزوا إليه.

المبحث الثاني: أهميته وانتشاره

يعد كتاب "الوسيط في المذهب" أحد الكتب الخمسة التي عليها مدار الفقه الشافعي 161، فهو يتبوأ مكانة مهمَّة بين الكتب الفِقهيَّة على وجه العموم، وبين كتب الفقه الشافعي على وجه الخصوص، وقد تلقاه العلماء وطلبة العلم بالقبول، وذاع صيته وانتشر حتى في حياة مؤلفه؛ لما يمتاز به الكتاب من حسن الترتيب، والتهذيب، وذكر الأدلة، والأقول، والمناقشات في أكثر الأحيان، مع التخريجات العميقة، والتفريعات الدقيقة، وتحرير محل النزاع في كثير من الأماكن، وذكر مبنى الخلاف، والترجيح بين الأقوال والوجوه في الغالب، مع عدم إغفال آراء بقيَّة الأئمة الآخرين غير الشافعي 162.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 50

المبحث الثالث: ما أُلِّف حوله

أولاً: شروحه:

163 المحيط في شرح الوسيط (1): لمحمد بن يحيى بن منصور أبو سعيد 164 النيسابوري، تلميذ الغزالي، المتوفَّى سنة (548) هـ، وكتابه يقع في ستة عشر مجلداً 165، وقد وقفه بالمدرسة الصلاحيَّة، قال عنه ابن الصلاح.
"وهو منه - أي من الوسيط - بمنزلة المهذَّب من التنبيه".
مطبوع.
(2) شرح الوسيط 166: ليحيى بن أبي الخير اليمني المتوفَّى سنة (558) هـ. (3) شرح الوسيط: للشيخ أبي حامد الجاجرمي المتوفَّى سنة (613) هـ، وقف ابن الصلاح على المجلَّد الأول منه ونقل منه.
(4) التنقيح في شرح الوسيط 167: لمحيي الدين النووي المتوفَّى سنة (676) هـ، ولم يكمله حيث انتهى فيه إلى باب شرائط الصلاة من كتاب الصلاة، وتوجد منه نسخة في دار الكتب المصريَّة برقم (1873).

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 51

(5) المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي 168: لنجم الدين أحمد بن محمَّد المعروف بابن الرفعة المتوفَّى سنة (710) هـ، وقد توفي قبل أن يكمله، وهو مخطوط.
(6) شرح الوسيط: لعزَّ الدين عمر بن أحمد المدلجي المتوفَّى سنة (710) هـ 169. (7) شرح الوسيط: لعمر بن أحمد النسائي المتوفَّى سنة (716) هـ، ولم يكمله 170. (8) شرح الوسيط: لكمال الدين أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان أبي العباس المعروف بابن الأستاذ المتوفَّى سنة (721) هـ 171، قال ابن قاضي شهبة: "لكن عسر وجود شيء منه في هذا الوقت" 172. (9) شرح الوسيط: للشيخ جمال الدين أحمد بن علي اليمني المعروف بابن العامري المتوفَّى سنة (725) هـ 173، ويقع في نحو ثمانية أجزاء.
(10) شرح الوسيط: لقاضي القضاة عمر بن محمَّد بن عبد الحاكم بن عبد الرازق زين الدين أبي حفص ابن البلفيائي المصري المتوفَّى سنة (749) هـ 174، ولم يكمله.

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 52

(11) البحر المحيط في شرح الوسيط (1): لنجم الدين أحمد بن محمَّد بن مكي أبن ياسين القرشي المخزومي أبي العباس القمولي المصري المتوفَّى سنة (777) هـ. وهو مخطوط.
(12) شرح الوسيط: لابن الوجيه النوقاني الطوسي، تلميذ محمَّد بن يحيى، ذكره ابن الصلاح (2).

ثانياً: بيان مشكلاته والجواب عنها:

175 غرائب الوسيط: لأبي الخير يحيى بن أبي الخير سالم بن أسعد العمراني اليمني المتوفَّى سنة (558) هـ (3). 176 شرح مشكلات الوسيط: لأبي الفتوح أسعد بن أبي الفضل محمود بن خلف العجلي الأصبهاني المتوفَّى سنة (600) هـ (4). 177 إيضاح الأغاليط الموجودة في الوسيط: لأبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله ابن عبد المنعم الهمداني الحموي المعروف بابن أبي الدم المتوفَّى سنة (642) هـ (5)، مخطوط.
178 شرح مشكل الوسيط: لأبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري المعروف بابن الصلاح (المتوفَّى في سنة (643) هـ، وهو موضوع هذا الكتاب.179

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 53

(5) منتهى الغايات في شرح مشكلات الوسيط: لموفق الدين أبي العلاء حمزة بن يوسف بن سعيد التنوخي الحموي المتوفَّى سنة (670) هـ (1). مخطوط.
(6) شرح مشكل الوسيط: لظهير الدين جعفر بن يحيى بن جعفر المخزومي التزمنتي المصري المتوفَّى سنة (682) هـ (2).

ثالثاً: شرح كتاب الفرائض منه بخاصة:

(1) شرح فرائض الوسيط: لأبي عبد الله محمَّد بن الحسين بن زيد بن الحسن ابن ظفر القاضي شمس الدين العلوي الحسيني الأرموي ثم المصري المتوفَّى سنة (650) هـ (3). (2) شرح فرائض الوسيط: للقاضي شرف الدين إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم المنَّاوي المصري المتوفَّى سنة (757) هـ (4).

رابعاً: مختصراته:

180 الوجيز (5): لمؤلفه الغزالي نفسه.
181 الغاية القصوى في دراية الفتوى 185: لقاضي القضاة أبي الخير عبد الله بن عمر بن محمَّد بن علي ناصر الدين البيضاوي صاحب المنهاج في أصول الفقه المتوفَّى سنة (685) هـ، وهو مطبوع.182183184

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 54

(3) واختصره نور الدين إبراهيم بن هبة الله الأسنوي المتوفَّى سنة (721) هـ، وقد صحَّح فيه ما صحَّحه الرافعي والنووي (1). (4) واختصره برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن العميري، وهو مخطوط، وتوجد منه نسخة بمكتبة سليم أغا برقم (268) (2). (5) واختصره بدر الدين محمَّد اليمني، وهو مخطوط، وتوجد منه نسخة في مكتبة الآصفيَّة 2: 1156 (38) (3).

خامساً: تخريج أحاديثه:

186 تذكرة الأخيار بما في الوسيط من الأخبار، لسراج الدين عمر بن علي ابن الملقِّن الأنصاري الشافعي المتوفَّى سنة (804) هـ 189، وهو مخطوط.187188

الجزء: المقدمة ¦ الصفحة: 55

فصول الكتاب · 14 فصل · 641 صفحة
جارٍ التحميل