شرح مشكل الوسيطصفحات 82-121
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الفصل الرابع: دراسة كتاب "شرح مشكل الوسيط"

صفحات 82-121
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الصلاح
الكتاب
شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
المؤلف
عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
المحقق
د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
الناشر
دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1432 هـ - 2011 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بالجاري 1؛ لأنه متفاصل الأجزاء 2 فينجس حريم النجاسة منه 3 لملاقاته إياها من غير أن يحصل فيه كثرة دافعة لتفاصله، وأما الراكد فليس فيه إلا التباعد بقلتين على قول، وجواز الاغتراف من أي موضع شاء على القول الآخر الصحيح 4، والله أعلم.
فرع 5: الحوض الذي ينصبُّ في وسطه ماء يجري فيه ويمر، وطرفاه 6 راكدان، إذا وقعت نحاسة في الجاري منه، فحكمه على ما سبق: فينجس من الجاري حريمها، ولا ينجس الراكد على طريقة من لم يوجب التباعد منها، بل قطع بطهارة ما وراء حريمها؛ إذ الراكد مما وراء حريمها.
وقوله: "إذا لم نوجب التباعد 7 وإن كان الجاري قليلاً" 8 محمول على هذه الطريقة، وهي الطريقة الأولى، وينبغي على الطريقة الثانية الجاعلة ما على 9 يمين النجاسة وشمالها إلى حافتي النهر وإلى العمق شيئًا واحدًا كماء راكد، أن تعتبر الجرية التي فيها النجاسة مع ما يحاذيها من الراكدين إلى حافتي الحوض

وإلى العمق، فإن لم يبلغ الجميع قلتين فالجميع نجس، وإن كان أكثر من قلتين فعلى الخلاف كما سبق 1. وأما إذا وقعت النجاسة في الراكد وهو أقل من القلتين فهو نجس، و 2 الماء الجاري يلاقي في جريانه ماءً نجسًا فهو كنجاسة واقفة يلاصقها الماء الجاري منحدرًا، فقياس ما تمهد من القاعدة أن يحكم بنجاسة ما يماسُّ الراكد ويلاقيه من الجاري وهو الحريم، وما زاد على ذلك فهو على 3 الطريقة الأولى طاهر، وعلى الطريقة الثانية إن كان قليلاً فنجس، وإن كان كثيرًا فعلى قولي التباعد.
وأما قول صاحب الكتاب: "فإن كان يختلط به ما يغيّره لو خالف 4 لونه فينجِّسه" 5 فلا أراه يستقيم، وهو منفلت عن رابطة القاعدة؛ فإنه فرضه مختلطًا به فيجب أن يعتبر بنفسه ولا يقدر بغيره؛ لأن المانع من نجاسة الجاري تفاصله وعدم اختلاطه، فإذا كان مختلطًا به نجس إن كان دون القلتين كماء نجس وقع في ماء قليل، وأيضًا فالماء النجس إذا وقع فيما لا يتنجَّس إلا بالتغير كالماء الكثير فليس كالبول الموافق للماء في صفائه في أنه يعتبر بغيره، ويقدر فيه أنه لو خالفه هل كان يغيره؟ فتأمل ذلك 6، والله أعلم.

ثم إنه قسَّم النجاسة إلى حكمية وعينية 1، أما الحكمية فهي: التي لا يشاهد لها عين، ولا يُحَسُّ لها طعم، ولا لون، ولا رائحة.
والعينية نقيض ذلك 2، وهذا أجود وأليق بكلام 3 صاحب الكتاب، من قول صاحب "النهاية" 4: "العينية: التي يشاهد عينها، والحكمية: التي لا يشاهد عينها"، والله أعلم.
قوله: "وإن بقي اللون بعد الحتِّ والقرص، فمعفو عنه" 5 فالحتُّ هو الحكُّ، والقرص هو تقطيعه وقلعه بالظفر 6. ثم إن ظاهر كلامه مشعر 7 بأن ذلك شرط، وقد قاله غيره 8 وهو الصحيح 9، والله أعلم.

ثم إن المحل يحكم بطهارته أو يبقى نجسًا ويعفى عنه كدم البراغيث؟ فيه وجهان ذكرهما صاحب التتمة 1 وغيره 2، والله أعلم.
قوله: "وإن بقيت الرائحة فوجهان" 3 وإنما هما قولان معروفان 4، والله أعلم.
قوله: "ويستحب الاستظهار بغسلة ثانية وثالثة" 5 فالاستظهار بالظاء المعجمة وهو الاستعانة 6، وقد أبعد من قال: تجوز قراءته بالطاء المهملة ومعناه طلب الطهارة 7، والله أعلم.
قوله في الوجهين في وجوب عصر الثوب: "يبتنيان على أن الغسالة طاهرة أو نجسة" 8 فيه إشكال من جهة أن طهارة الغسالة مقطوع بها ما دامت مترددة على

المحل غير متغيرة 1، وإنما الخلاف بعد انفصالها 2، وفي "نهاية المطلب" 3 هذا البناء محكي عن الشيخ أبي علي السنجي موجهًا: بأنَّا إذا حكمنا بنجاسة الغسالة بعد الانفصال فهي نجسة ما دامت على المحل، فإن عصرت فالبلل الباقي بعد العصر المعتاد طاهرٌ.
قلت: وهذا بعيد يأباه النقل والدليل؛ فإن الغسالة قبل انفصالها طاهرة وفاقًا، مقطوع بذلك في طريقتي العراق وخراسان 4، وفي "الحاوي" 5 نقل الوفاق فيه، وفي "التهذيب" 6 وغيره 7 القطع به، وقد وجدته منصوصًا عليه للشافعي في كتابه "كتاب اختلاف

الحديث" 1 قال فيه: "إذا ورد الماء على النجاسة لم 2 ينجس؛ لأنا لو قلنا: ينجس.
لم يطهر الثوب".
ثم إنه يمكن أن يوجه هذا البناء بأن المقصود من الغسل إهدار النجاسة عن المحل، وإنما يحصل ذلك بالعصر فوجب، ثم لا يتوجه ذلك على الحكم بطهارة الغسالة؛ فإنه لو أعادها إلى المحل بعد انفصالها لم يمتنع 3، فيتعين ابتناؤه على الحكم بنجاستها، والله أعلم.
ابن سريج 4 قضى بأن الثوب النجس إذا أورده على الماء القليل على قصد غسله أجزأ؛ لأن الأصل نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة، واستثنى للحاجة ما إذا كانت ملاقاته إياها على جهة الغسل، وكما تنصرف الملاقاة إلى جهة الغسل بكونها على هيئة الغسل بأن يكون الماء واردًا، فكذلك تنصرف إلى جهة الغسل بقصد الغسل مع كون الماء مورودًا، والمقصود من الغسل إزالة أثرها واستهلاكها، وذلك حاصل في هذه الصورة أيضًا.
فتوسَّع ابن سريج في الطرق المحصِّلة لهذا المقصود بزيادته 5 هذا الطريق، وزاد عليه طريقًا آخر ليس

معتادًا في الغسل فأنزله منزلة الغسل، وهو مكاثرة الماء النجس بما يُصَبُّ عليه من الماء الطهور فجعله كالغسل له وحكم بطهارته 1، فهذا وجه قول صاحب الكتاب فيه.
"وزاد" 2، وأيضًا ففي "النهاية" 3 عن ابن سريج أنه قال: "يطهر الماءان إذا قصد به الغسل".
فإذًا ذلك زيادة منه في القول بتأثير القصد في ذلك، وأما قول المصنف: "إن ذلك منه بناءً على أن غسالة النجاسة طاهرة" فإنما هو بناء على أن العصر لا يجب بناء على أن الغسالة طاهرة على الوجه الذي سبق إيضاحه 4، والله أعلم.
وأما قضاء ابن سريج بأنه لو وقع الثوب النجس في ماء قليل نجس الماء ولم يطهر الثوب 5؛ فلأنه معترف بالفرق بين الوارد والمورود، وإنما ألحق المورود بالوارد حيث يوجد القصد ولم يوجد ههنا، ومن ظن به من هذا كونه اشترط النية في إزالة النجاسة فقد غلط عليه، وإنما اعتبر القصد فيما إذا كان الماء

مورودًا لتنصرف الملاقاة بالقصد إلى جهة الغسل، وليس في ذلك اعتبار منه للقصد إذا كان الماء واردًا 1، والله أعلم.
قوله في نجاسة الأرض: "فإن كانت جامدة فطهارتها برفع عينها" 2 كان ينبغي أن يقول يابسة؛ فإن الجامدة قد تكون رطبة فلا يكفي رفع عينها 3، والله أعلم.
قوله - صلى الله عليه وسلم -: (صبُّوا عليه) 4 ذنوبًا من ماء) 5 حديث 6 ثابت في "الصحيحين" 7 رواه أنس بن مالك وغيره 8. والذَنوب بفتح الذال: الدلو العظيمة 9 الملأى ماءً 10.

وقال ابن السكيت 1: "هي التي فيها ماء قريب من الملء، ولا يقال لها وهي فارغة ذَنوب"، والله أعلم.
قوله: "ولا تفريع على هذا القول" 2 ثم إنه فرَّع عليه عقيبه 3، ففهم منه أنه أراد بقوله "لا تفريع عليه" أنه لا ينبني عليه حكم ولا عمل به 4، والله أعلم.
ذكر حديث لبابة بنت الحارث 5 عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما يغسل من بول الصبية ويرش على 6 بول الغلام) 7 ولبابة هذه بضم اللام وبباء موحدة

مكررة، وهي أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب.
وهذا الفرق بين البولين قد رويناه 1 في "سنن أبي داود السجستاني" 2، و"السنن الكبير" للبيهقي 3، وغيرهما 4، وبعضها يزيد على بعض، فرويناه من حديث لبابة، وأبي السمح مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - وخادمه 5، وعلي ابن أبي طالب 6، وأم سلمة 7 رضي الله

عنهم - وفي بعضها (ما لم يطعم) لكن موقوفًا على علي وأم سلمة 1، فهو حديث حسن يحتج به، وإن لم يلتحق بدرجة الحديث الموسوم بالصحيح.
إلا أن التردد المذكور في "الوسيط" بين الحسن والحسين 2 ليس في حديث لبابة، بل فيه الجزم بالحسين بلفظ التصغير، والترديد بينهما هو في حديث أبي السمح.
وقد ثبت في "الصحيحين" 3 في بول الغلام خاصة حديث أم قيس بنت محصن 4 (أنها جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - بابن لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجره فبال عليه، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بماء فنضحه عليه ولم يغسله).
قوله 5 في "الوسيط": "ومنهم من قاس الصبية عليه.
وهو غلط لمخالفة النص" 6 هذا غير مرضي من جهتين: إحداهما 7: إيراده إياه وجهًا لبعض

الأصحاب، وهو القول المنصوص عليه للشافعي 1. والثانية: إنزاله إياه بمنزلة الغلط، وهو يرتفع عن 2 ذلك ارتفاعًا، وذلك أن الشافعي - رضي الله عنه - نصَّ على جواز الرش على بول الغلام مستدلاً بالسنة فيه، ثم قال: "ولا يتبين لي فرق بينه وبين بول الصبية".
هذا ما نقله المزني في "مختصره" 3، ونقل صاحب "جمع الجوامع من كتب الشافعي ومنصوصاته" 4 نصَّه على جواز الرش على بول الصبي قبل أن يطعم، وأنه احتج فيه بحديث أم قيس بنت محصن، ثم قال: "ولا يتبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثابتة، ولو غسل بول الجارية أكلت الطعام أو لم تأكل كان أحب إليَّ احتياطًا، وإن رشَّ ما لم تأكل الطعام أجزأ إن شاء الله تعالى".
ولم ينقل عنه غير هذا، فذكر الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي أن أحاديث الفرق بينهما كأنها لم تثبت عند الشافعي - رضي الله عنه - وإلى مثل ذلك ذهب البخاري ومسلم حيث لم يودعا شيئًا منها كتابيهما، إلا أن البخاري استحسن حديث أبو السمح.
5 قلت: فالفرق بينهما إذًا كأنه قول مخرَّج لا منصوص، ومع ذلك لا يذكر كثير من المصنفين غيره، ولا يقوى ما يذكر من 6 الفروق بينهما من حيث المعنى، ومن أجودها: أن بول الذكر أرق، وبول الأنثى أثخن، وألصق بالمحل.
وللمسوي بينهما أن يقول: الاجتزاء

بالنضح في بول الغلام إنما كان ترخيصًا لكثرة البلوى، وعسر التصون من بوله، والصغير والصغيرة سواء في ذلك 1. ولمَّا ذكر القاضي حسين نص الشافعي في 2 أنه لا يتبين له فرق فيهما قال: "وأصحابنا يجعلون في بول الصبية قولين: أقيسهما: أنه كبول الصبي.
والثاني: أنه يغسل" 3، قلت: ومع ما ذكرناه من رجحان التسوية فيما يرجع إلى نصَّ الشافعي - رضي الله عنه -، فالصحيح الفرق لورود الحديث من وجوه تعاضدت بحيث قامت الحجة (به) 4، والفرق بينهما من حيث المعنى: أن الاعتناء بحمل الصبي أكثر والابتلاء ببوله أعظم، والله أعلم.
ثم إن في تحقيق الفرق بين هذا النضح والغسل الواجب في سائر النجاسات غموضًا، واضطرابًا من الصائرين إليه، فذهب الشيخ أبو محمَّد الجويني 5، والقاضي حسين 6، وصاحبه - صاحب "التهذيب" - 7 إلى أنه يجب أن يُغْمَر ويكاثر بالماء كسائر النجاسات، وافتراقهما 8 إنما هو في أنه لا يجب العصر فيه، وفي غيره وجهان، واحتج بذلك صاحب "التهذيب" 9 على أن الأصح وجوب

العصر في غيره، خلافًا لمن ذهب إلى أن الأصح عدم وجوبه ومنهم صاحب "النهاية" 1، والمختار ما ذكره صاحب "النهاية" من أن المعتبر فيه: أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره من المحل، بخلاف المكاثرة في غيره فإنه يشترط فيها أن تكون بحيث يجري بعض الماء من المحل ويتقاطر منه وإن لم يشترط عصره.
ولقد حققت في هذه المسألة أشياء ذكرت على غير وجهها، ولله الحمد ومنه التوفيق 2، وهو أعلم.
وقوله: "ويغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، وفي معنى لعابه عرقه" 3 إنما قال هذا لأن الولوغ يلازمه حصول لعابه فيما ولغ فيه؛ لأن ولوغه في اللغة: عبارة عن شربه بأطراف لسانه 4، والله أعلم.
قوله: "ثم خاصية هذه النجاسة العدد، والتعفير، أما العدد فلا يسقط إلا إذا غمس الإناء في ماء كثير ففيه وجهان" 5 هذا يوهم أن 6 الوجه المذكور في سقوط العدد غير جارٍ في التعفير، وهو جارٍ فيه 7، وتعليله بأنه "عاد إلى حالة لو كان عليها ابتداءً لم ينجس" 8 يدل على سقوط التعفير عنده أيضًا، والله أعلم.

قوله: "وأما التعفير فاختلفوا في معناه: فمنهم من قال: هو تعبد لا يعلل" 1 لقائل أن يقول: "التعبد ليس بمعنىً فكيف يدخل في الاختلاف في المعنى؟ وجوابه: أن الاختلاف في المعنى قد يكون في أصله، وقد يكون في تفصيله، فالقائل بالتعبد مخالف في أصله بنفيه له، والقائلان الآخران اختلافهما في تفصيله، والله أعلم.
قوله في الصابون: "وعلى قول التعبد اختلفوا عند عدم التراب، فمنهم من جوَّز؛ لأن الاستظهار أيضًا مقصود" 2 لقائل أن يقول: هذا مناقض لكونه تعبدًا؟ وجوابه 3 أن التعبد يتحقق بأن لا يدرك العلة، وإذا لم يدرك بعضها فلم يدركها؛ لأن الشيء ينتفي بانتفاء بعض أجزائه؛ لأن حقيقته لا تتحقق إلا بمجموعها والله أعلم.
قوله: "إذا مزج التراب بالخلَّ" 4 صورته: ما إذا غسله سبعًا بالماء وحده، ثم أوصل التراب مرة ثامنة إلى المحل بالخلِّ 5، أما إذا مزج التراب بالخلِّ 6 ثم

استعمله مع الماء فذلك جائز قطعًا، ولا يتجه فيه خلاف، إلا وجه ضعيف في أن ذلك يخرج التراب عن كونه طهورًا 1، وليس ذلك مراد المصنف؛ فإنه إنما منع منه 2 على وجه التعبد، والله أعلم.
قوله: "الغسلة الثامنة لا تقوم مقام التعفير إلا على وجه بعيد في أن الماء أولى بالتطهير من التراب" 3 هذا يتجه على القول بالاستطهار، ولكن أبى ذلك فيما عُلَّق عنه في الدرس فقال: "إن عللنا بالتعبد فلا، وإن عللنا بالاستطهار بشيء آخر فلا؛ لأنه لا بد من شيء آخر ليكون فيه مزيد كلفة وتغليظ، فيتمُّ الزجر عن موالفة الكلاب، وإن عللنا بالجمع بين نوعي الطهور فيحتمل أن يقال 4: يقوم مقامه؛ لأنهما 5 نوعا طهور، وإن كان الطهور متحدًا، ويمكن أن يقال: أريد نوعا طهور متعدد".
قلت: فإذًا ليس المراد بالاستطهار المذكور الاستطهار 6 في قطع 7 النجاسة بل في مقصود الزجر عن مقاربة الكلاب فطامًا 8 لهم عمَّا 9 اعتادوه من موالفتها والله أعلم.

علل في الدرس القول بأن الماء القليل لا ينجس إذا خرجت الفأرة منه حيَّة 1: بأنه سبحانه وتعالى خلق الحيوانات خلقة تنقلب معها منافذها حالة بروز الخارج منها، ثم يعود المنفذ إلى ما كان، من غير أن تلاقي النجاسة البشرة 2 الظاهرة، حتى لو رؤيت النجاسة على منفذها حكمنا بنجاسة الماء، قال: والوجهان في غير الآدمي من الحيوانات والطيور 3، والله أعلم.
قوله: "الجديدَ أنه إن طهر المحل فهو طاهر ما لم يتغير" 4 فقوله في هذا القول "ما لم يتغير" يفهم 5 منه أنه قد يطهر المحل مع تغير الغسالة فيه، وهذا غير متصور إلا على وجه ضعيف ذكره صاحب "التتمة" 6: أنه يطهر إذا انفصل الماء غير 7 متغير، والنجاسة غير باقية (فيه) 8. فإذًا ينبغي أن نتأوله 9 ونحمل على

تغير يحدث فيها بعد انفصالها عن المحل، فإن المغيِّر للماء ربما تأخر 1 تأثيره عن حالة وقوعه فاعلم ذلك، والله أعلم.

ومن الباب الثالث في الاجتهاد بين النجس والطاهر

قوله: "وللاجتهاد شرائط ستٌ: الأول" 1 هذا يستدعي أن يقول: الأولى، على التأنيث؛ لأن الشرائط جمع شريطة، لكنه حاد عن اللفظ إلى المعنى، والتقدير: الشرط الأول 2، والله أعلم.
قوله فيما لا مجال للعلامة فيه: "لو اشتبه (مذكاة بميتة فلا اجتهاد أيضًا على الأصح) " 3 هذا يتعين تصويره فيما لو اشتبه) 4 لحم مذكاة بلحم ميتة، وإن كان في لفظتي الميتة والمذكاة بعض النَّبوِّ عن 5 هذا؛ وذلك لأن تصويره فيما إذا كانت الميتة والمذكاة بحالهما 6 لم يفصلا، محوج 7 إلى تصويره فيما إذا كانت الميتة 8 ذبيحة مجوسي أو نحو ذلك، ثم لا يحصل حينئذٍ الغرض من ادعاء كونهما 9 مما لا مجال للعلامة فيه؛ لأن ما يكون بحيث يتكلف في تصوير الاشتباه فيه، ويتمحل لكون الأمارات المميزة المانعة من الاشتباه غالبة عليه، لا

يستقيم أن 1 يُدَّعي فيه أنه 2 لا مجال للعلامات فيه، بل يصلح مثالاً لما يذكره في الشرط السادس وهو أن يكون للعلامات مجال في المجتهد فيه ثم تقع منه 3 صورة لا تلوح فيها علامة 4. ووجه تجويز الاجتهاد فيهما أنهما لا يخلوان من أمارة من حيث الثقل والخفة؛ فإن لحم الميتة ثقيل يرسب في الماء أولاً، بخلاف لحم المذكاة، والله أعلم.
ما ذكره صاحب الكتاب في غلبة الظن بالنجاسة 5، محصوله أن ظن النجاسة إذا كان مرسلا غير مستند إلى سبب معين، ففي ثبوت النجاسة به قولان 6، أما إذا استند إلى سبب معين كبول الظبية في الماء الكثير في المسألة المذكورة 7، فإنه يحكم بالنجاسة قطعًا 8، وهذا صحيح بدلالة خبر العدل؛ فإنه يوجب الحكم بالنجاسة قطعًا 9 ولا يبالى بأن الأصل عدمها، وإثبات النجاسة بالظن المرسل

ضعيف، وهو خلاف ظاهر المذهب 1، وقد 2 قيل: إنه قول مخرَّج من أحد القولين في المقبرة القديمة التي لا يتحقق نبشها 3، وذكر المحاملي 4 أنه ليس بشيء، وإن بقي التنجيس منصوص 5 عليه في "الأم" 6، و"حرملة" 7، والله أعلم.
قوله: "اليقين لا يرفع بالشك" 8 هذا قد أنكره بعض الأصوليين 9 على من يقوله من الفقهاء، من حيث إن الشك إذا طرأ على اليقين رفعه لا محالة.
وليس

الأمر على ما قال؛ لأن المراد من ذلك أن حكم اليقين لا يرفع بالشك، لا نفس اليقين 1، والله أعلم.
والحاجة ماسَّة جدًا في هذا المقام إلى ذكر مهمات كنت حققتها وأوضحتها فيما سبق لي من "شرح مشكل المهذب"، وأنا أعيد 2 ذكرها ههنا 3 إن شاء الله تعالى على وجهها؛ فإن تغييرها مع استقامتها تكلف.
فأقول أولاً: إنه يتردد على ألسنة الفقهاء أن الأصل والظاهر إذا تعارضا في مسألةٍ كان فيها خلاف 4، وممن أطلق ذلك من 5 المذكورين القاضي أبو سعيد الهروي 6 مصنف كتاب "الإشراف على غوامض الحكومات" فإنه قال فيه 7: "كل مسألة تقابل فيها أصلان، أو أصل وظاهر، ففيها قولان".
وهذا الإطلاق غير مرضي، والتحقيق الأصولي قاضٍ في ذلك بالتفصيل، فأقول 8: إذا تعارضا فالواجب

النظر في الترجيح كما في سائر صور تعارض 1 الدليلين، فتارة يتردد في الراجح، فيرجح الظاهر مرة, ويرجح الأصل أخرى، فيُجْعل في المسألة قولان كما في الصورة 2 التي تقدم ذكرها 3، وتارة يترجَّح الدليل المقتضي للعمل بالظاهر قطعًا، فيحكم بالظاهر قطعًا كما فيما ذكرناه من إخبار العدل بوقوع النجاسة، ومن صور ذلك ما إذا رأى ظبية تبول في ماء كثير ثم وجده متغيرًا، فالطريقة الصحيحة أنَّا نحكم بنجاسته 4 قولاً واحدًا، وتارة يترجح الدليل المقتضي لاستصحاب الأصل فيقضى به قولاً واحدًا، و 5 مثال ذلك فيما نحن بصدده أن يظهر احتمال النجاسة وتعم البلوى بحيث تقضي عاطفة الشرع باستصحاب الطهارة قطعًا، فمن أصاب 6 ثوبه شيء من لعاب الخيل، أو 7 البغال، أو 8 الحمير، أو عرقها، جازت صلاته فيه، قطع الشيخ أبو محمَّد الجويني - رحمه الله - بذلك في كتاب "التبصرة في الوسوسة" 9 وذكر أنها وإن كانت لا تزال تتمرغ في الأمكنة النجسة، وتحك بأفواهها قوائمها التي لا تخلوا من النجاسة، فإنا لا نتيقن نجاسة عرقها ولعابها؛ لأنها 10 تخوض الماء

الغمر 1، وتغسل أبدانها، وتكرع 2 في الماء الكثير كثيرًا، فغلَّبْنا أصل الطهارة في لعابها وعرقها، ولم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه، والمسلمون بعدهم، يركبون الخيل 3 والبغال والحمير في الجهاد، والحج، وسائر الأسفار، ولا يكاد ينفك الراكب في مثل ذلك عن أن يصيب ثوبه شيء من عرقها أو 4 لعابها، ثم كانوا يصلون في ثيابهم التي ركبوا فيها وما كانوا يُعِدُّون ثوبين: ثوبًا للركوب، وثوبًا للصلاة، والله أعلم.
فصل:- ينتفع به إن شاء الله تعالى في الميز بين موقع الوسواس المذموم، وموقع الاحتياط المحمود، في باب الطهارة والنجاسة - وفيه مسائل: الأولى: ذكر صاحب "نهاية المطلب في دراية المذهب" 5 أن ما يتردد في طهارته ونجاسته مما الأصل طهارته ثلاثة أقسام: أحدها: ما يغلب على الظنَّ طهارته: فالوجه الأخذ بطهارته، ولو أراد الإنسان أن يطلب يقين الطهارة فلا حرج عليه، بشرط أن لا ينتهي إلى الوساوس 6 التي تنكِّد 7 عيشه، وتكدر عليه وظائف العبادات، فإنَّ المنتهي إلى ذلك خارج عن مسالك السلف

الصالحين، والوسوسة مصدرها الجهل بمسالك الشريعة، أو نقصان في غريزة العقل.
الثاني: ما يستوي في طهارته ونجاسته التقديران: فيجوز الأخذ بطهارته، ولو انكفَّ المرء عنه كان محتاطًا.
الثالث: ما يغلب على الظن نجاسته: فللشافعي فيه 1 قولان: أحدهما: أنه يجب الأخذ بنجاسته.
والثاني: يجوز 2 الأخذ بطهارته 3. المسألة 4 الثانية: اشتد نكير الشيخ أبي محمَّد الجويني - رحمه الله - في كتابه "في الوسوسة" 5 على من لا يلبس ثوبًا جديدًا حتى يغسله، لما يقع ممن 6 يعاني قصر 7 الثياب ودقها، وتجفيفها، من إلقائها وهي رطبة على الأراضى 8 النجسة، ومباشرتها بما يغلب على القلوب نجاسته، من غير أن تغسل بعد ذلك، وذكر أن هذه الطريقة بعينها هي طريقة الخوارج

الحروريَّة 1 أبلاهم الله تعالى بالغلوِّ في غير موضع الغلوِّ، وبالتهاون في موضع الاحتياط.
ومن سلك ذلك فكأنه يعترض 2 على أفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة 3، والتابعين، وسائر المسلمين، فإنَّهم كانوا يلبسون الجدد من الثياب قبل غسلها، وحال الثياب في أعصارهم كحالها في عصرنا، ولو أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغسلها لما خفي ذلك؛ فإنه مما تعم به البلوى، أرأيت لو أمرت بغسلها أكنت 4 تأمن من أن يصيبها في هذا الغسل ما يتوهم من النجاسة؟! فإن قلت: أباشر غسلها بنفسي.
فهل سمعت أحدًا يروي في ذلك خبرًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو عن أحد من الصحابة 5، أنهم كانوا يوجهون 6 على الإنسان من طريق اللزوم أو طريق الاحتياط أن يباشر بنفسه غسل ثيابه حتى يأمن عليها أوهام النجاسة؟!، والله أعلم.

الثالثة: قال الشيخ أبو محمَّد 1: "نبغ أقوام يغسلون أفواههم إذا أكلوا خبزًا، ويزعمون أن الحنطة تداس 2 بالثيران، وهي تبول وتروِّث في المداسة أيامًا طويلة, ولا يكاد يخلوا طحين 3 تلك الحنطة وخبزها عن النجاسة، ثم ذكر أن هذا من مذهب الغلوَّ والخروج عن عادة السلف؛ فإنَّا نعلم أن 4 الناس في الأعصار السالفة ما زالوا يدوسون 5 بالحيوانات، كما يفعل أهل هذا 6 العصر، وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحد من الصحابة، والتابعين، وكل ذي تقوى وورع، أنهم رأوا غسل الفم 7 من ذلك".
قلت: والفقه في ذلك أن ما في أيدي الناس من القمح المتنجس بذلك ونحوه يسير جدًا بالنسبة إلى القمح السالم من النجاسة، فقد اشتبه إذًا واختلط قمح نجس قليل بما لا يحصر من القمح الطاهر، فلا منع 8، بل يجوز التناول من جانب، كما إذا اشتبهت أخته من الرضاع واختلطت بنساء أهل بلد 9 لا يحصرن، فإنه يجوز له التزوج من

جانبا 1، وهذا بالجواز أولى 2، وفي كلام الأستاذ أبي منصور البغدادي 3 في "شرحه للمفتاح" إشارة إلى أنه وإن تعين ما سقط عليه الروث في حالة الدياسة فهو في محل العفو لعسر 4 الاحتراز منه 5، والله أعلم.
المسألة 6 الرابعة: مهما لم يكن الشك في النجاسة واقعًا فيما تعم به البلوى، وكان لا يلزم من 7 الاحتراز عنه مثل ما سبق من التشديد، والغلو، والتعمق فالاحتراز 8 عنه معدود من الورع، والاحتياط المحمود 9، وذلك كالاحتراز من أواني المشركين التي لا يغلب على الظن طهارتها، وكسائر الشكوك في الصور الخاصة، وما في معنى هذا 10، والله أعلم.

قول صاحب الكتاب: "السادس: أن تلوح 1 له علامة في اجتهاده: فإن تأمل فلم 2 يظهر له علامة تيمم" 3 يعترض فيه عليه بأن يقال 4: ظهور العلامة من ثمرات الاجتهاد، فهو متأخر عنه، فلا يصح جعله شرطاً للاجتهاد؛ لأن شرط الشيء يتقدم عليه، ولا يتأخر 5. وكنا نجيب عنه بأنه لم يود بقوله أولاً "للاجتهاد شرائط ست" نفس الاجتهاد بل الاجتهاد المعمول به، ثم فهمت مما عُلِّق عنه في الدرس أنه ليس مراده: أن تلوح له علامة يعمل بها، بل علامة ينظر فيها، وهذا يتقدم الاجتهاد، وهو من شروطه؛ فإنه لا يمكن الاجتهاد إلا بذلك 6، والله أعلم.
قوله: "ولم يبق من الأول شيء" 7 هذا ليس شرطاً في الحكم المذكور عقيبه 8؛ فإنَّه إذا كانت قد بقيت من الأول بقيَّة فالحكم في ذلك كالحكم، وإنما تأثيره في أنه لا يجيء فيه الخلاف المذكور في قضاء الصلاة الثانية، بل يجب

قضاؤها 1 على ما قطع به فيما إذا تحيَّر ولم يجتهد 2؛ لأن معه ماء طاهراً بيقين، والله تعالى أعلم.
المراد بصاحب "التلخيص" أينما ذكره: أبو العباس أحمد بن أبي أحمد بن القاص 3 الطبري 4 صاحب أبي العباس أحمد بن عمر بن سريج 5، رحمهما الله تعالى وإيانا آمين.

ومن الباب الرابع في الأواني

قوله: "أما الذكاة فتطهَّر جلد كل ما يؤكل لحمه" 1 ليس على حقيقته؛ فإن الطاهر لا يطهَّر، إذ الحاصل لا يحصل، ولكنه استعارة في استدامة الطهارة، فإن الطهارة 2 في الحالة الثانية مضافة إليها فكانت كالمطهرة فيها 3، والله أعلم.
حكى عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه عمَّم أثر الذكاة والدباغ جميعاً 4، وصرح في الدرس بأن أبا حنيفة قال: "جلد الخنزير يطهر بالدباغ".
ولفظه ههنا كالمصرح بذلك، وفي الذكاة أيضاً، وأبو حنيفة وأصحابه إنما مذهبهم: أن جلد الخنزير لا يطهر بذلك 5، غير أن أبا يوسف 6 روي عنه طهارة جلد الخنزير بالدباغ، والله أعلم.
الشبُّ 7، والقرظ 8 المذكوران فيما يدبغ به 9، أما القرظ 10 فهو بالطاء المعجمة لا بالضاد، وهو ورق شجر السلم، ينبت بنواحي

تهامة 1. وأما الشبُّ فقد ذهب أبو منصور الأزهري الإمام 2 اللغوي صاحب كتاب "الزاهر في شرح ما أشكل من ألفاظ مختصر المزني" 3 - وكان شافعياً أخذ عن واحد عن الربيع 4 - إلى أنه الشبُّ بالباء الموحدة، وهو من جواهر الأرض التي يدبغ بها، يشبه الزاج 5، وذكر أن ذلك هو السماع، وأنه بالثاء المثلثة تصحيف، وبالباء الموحدة ذكره صاحب "الشامل" 6، وغيره 7، ووجدته بخط الإِمام أبي الفرج الدارمي 8، وغيره 9 بالثاء المثلثة.
وفي "صحاح اللغة"

للجوهري 1: "أنه نبت طيَّب الريح، مرُّ الطعم" 2، يدبغ به.
وقال الأزهري: "شجر الطعم، ولا أدري أيدبغ به أم لا" 3. ووجدت بخط الإمام أبى الفتح سليم بن أيوب الرازي في "تعليق" شيخه 4 الشيخ أبي حامد الأسفراييني 5 عنه: "أن أصحابنا قالوه بالثاء المثلثة، والشافعي قاله بالباء الموحدة، قال: وقد قيل: الأمران، وأيهما كان فالدباغ به جائز" 6. قلت: فإذاً يحسن 7 أن يقال: الدباغ جائز بالشبَّ والشثَّ فيجمع بينهما عملاً بالنقلين، والله أعلم.
قوله - صلى الله عليه وسلم - (أيما إهاب دبغ فقد طهر) 8 (حديث صحيح عن ابن عباس، ولفظه في صحيح مسلم 9 (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) 10، والإهاب: هو الجلد

قبل أن يدبغ، ذكره غير واحد منهم: الخليل 1، وقطع به أبو داود السجستاني صاحب كتاب "السنن" فيه 2، وحكاه عن النضر بن شميل 3. ولم يذكر فيه صاحب "الصحاح في اللغة".
4 إلا هذا.
ومنهم من قال: الإهاب: كل جلد دبغ أو لم يدبغ 5، والله تعالى أعلم.
قوله: "جاز بيعه إلا في قول قديم مستنده موافقة مالك 6: في أنه يطهر ظاهره دون باطنه" 7 هذا المستند مذكور عن طائفة من الخراسانيين 8 وعن

ابن أبي هريرة 1 من العراقيين، وكأنهم لم يتجه لهم قوله في القديم: أنه لا يجوز بيعه، إلا بتقدير قول قديم: بأنه لا يطهر باطنه، ولا يصح ذلك عن القديم، ونصُّه في القديم على المنع 2 من البيع له مستند آخر وهو: أن الموت اقتضى المنع من التصرف فيه مطلقاً، ثم رخص في الانتفاع بعينه، فبقي ما سواه على التحريم 3. وذكر صاحب (التقريب) - وهو خبير بنصوص الشافعي - أن جواز الصلاة عليه وفيه نصُّ قول الشافعي في القديم والجديد 4، والله أعلم.
قوله في تعليل جواز أكل الجلد المدبوغ مطلقاً مما يؤكل لحمه وما لا يؤكل: (لأنه طاهر غير مضر ولا محترم) 5 يحتاج فيه إلى أن يقول 6: ولا مستقذر؛ فإن الاستقذار أحد الأسباب 7 المحرمة قطعاً 8؛ قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ 9. وأما ما وجدته في (شرح التلخيص) للشيخ أبي علي الحسين بن

شعيب السنجي من قوله عند ذكره قول ابن القاص: (إن المني لا يجوز أكله) 1: أصحابنا قالوا: إن الشافعي سئل عن أكله فقال للسائل: "إن استمرأت فكل"، قال أبو علي: "فكأنه لم يقطع بتحريمه" 2. فأقول: ليس الأمر فيه على ما توهمه أبو علي، بل معنى ذلك - إن صحَّ عن الشافعي - الاستبعاد والاطراح لسؤال السائل ولما سأل عنه.
وأيضاً فليس ذلك مصيراً إلى أن الاستقذار (ليس) 3 موجباً للتحريم، بل مصيراً إلى أن 4 من لا يستقذره فله أكله؛ لانتفاء الاستقذار في حقه، نظراً إلى نفس الحكمة وإعراضاً عن المظنَّة، ووجدت ذلك بنيسابور بخط الشيخ أبي 5 محمَّد الجويني فيما علَّقه عن شيخه الإمام أبي بكر القفال المروزي من "شرحه للتلخيص" قال: "قال أصحابنا: من اشتهى فليأكل" 6. هكذا ذكره غير 7 منسوب إلى الشافعي، وهذا أشبه، وقد يطلق أحدهم فيقول: قال أصحابنا، ومراده أهل طريقته، لا جميع أصحاب الشافعي فاعلم ذلك، والله أعلم.
علَّل في درسه - رحمه الله وإيانا.
استثناء شعر الكلب والخنزير وتنجيسه على القول بأن الشعر 8 من الجمادات وأنها لا تنجس 9: بأن منبته

نجس 1، وهو جزء مستحيل من نفس الكلب، بخلاف خضراء الدمن 2 فإن أصلها من الحبَّ الطاهر.
قلت: الأولى تعليله 3: بأن نجاسة الكلب والخنزير مغلظة، فاقتطع شعرهما عن سائر الشعور قضية للتغليظ، وكما لم تكن حياتهما دافعة للنجاسة عنهما 4 بخلاف حياة سائر الحيوانات، كذلك الجمادية في شعرهما لا تدفع عنهما النجاسة بخلاف 5 سائر الجمادات، وهذا الوجه هو الصحيح المشهور 6، والوجه الآخر بعيد غريب 7 والله أعلم.
في طهارة الشعر من الجلد المدبوغ قولان معروفان 8، وقال هو: وجهان 9. ووقع منه من 10 هذا القبيل 11 كثير، خلافاً لنَقَلَةِ المذهب.
والقول بطهارته هو الصحيح عند الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني 12، والقاضي أبي المحاسن

الروياني صاحب "بحر المذهب" 1، والقول بعدم طهارته هو الصحيح عند أبي القاسم الصيمري 2، والشيخ أبي محمَّد الجويني 3، وصاحبي "التهذيب" 4 و"المهذب" في "تعليقه" 5، وغيرهم 6، وهذا هو الصواب؛ لأحاديث النهي عن لبس جلود السباع، والركوب عليها 7، والله أعلم.

ما ذكره من نقل إبراهيم البلدي 1 عن الشافعي 2، نقله البلدي عن المزني عن الشافعي 3، والله أعلم.
ثبت في "الصحيحين" 4 من حديث أم سلمة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم) 5، وزاد مسلم في رواية غريبة: (إن 6 الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة) 7. وقوله (يجرجر) هو بضم الياء وكسر الجيم الثانية 8، وفي قوله (نار جهنم) روايتان مشهورتان 9: أحدهما نصب الراء، وهو الأشهر والأقوى، ولم يذكر

الأزهري غيره 1، فالنار على هذا مفعولة والشارب الفاعل.
ومعنى يجرجرها في جوفه: يقلبها 2 فيه بجوع متتابع يسمع له صوت يتردد في حلقه.
والرواية الأخرى نارُ جهنم بالرفع، فتكون النار فاعلة، ومعناه يصوِّت في جوفه النار.
وسمى المشروب ناراً اعتباراً بما 3 يؤول إليه 4، والله أعلم.
قوله: "إذا مُوَّه الإناء بالذهب لم يحرم على أظهر المذهبين" 5 صورته ما 6 ذكره في الدرس، وذكره 7 شيخه 8، وغيرها 9: ما إذا استهلك الذهب أو الفضة بحيث لا يجتمع منه شيء بالنار، أما إذا كان يجتمع بالنار منه شيء فهو حرام قطعاً 10 والله أعلم.
قوله: "تضبيب الإناء بالذهب - يعني أو بالفضة - في محل يلقى فم الشارب محظور على الأظهر" 11 معناه أن الأظهر التحريم فيه 12 مطلقاً، سواء كانت الضبة 13 كبيرة أو صغيرة، للحاجة أو لغير حاجة.
والوجه الآخر: أنها

فصول الكتاب · 14 فصل · 641 صفحة
جارٍ التحميل