الفصل الرابع: دراسة كتاب "شرح مشكل الوسيط"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الأول، قاله أبو حفص الأبهري 1 صاحب كتاب "الهداية" 2، رأيته بأبهر 3، وهو غريب في غريب 4.
قوله: "وأما السجدات فلا يطوَّلها.
ونقل البويطي عنه أنها على قدر الركوع الذي قبله.
ولا خلاف أن القعدة بين السجدتين لا تطوَّل" 5 هذا يتضمن أن الصحيح عنده أنه لا يطوِّلها من حيث إنه أفتى به أولاً، وذلك هو المشهور في نقل المذهب 6. والقول بتطويلها ينسب إلى أبي العباس ابن سريج 7، وقد قال صاحب "المهذَّب": "ليس بشيء؛ لأن الشافعي لم يذكر ذلك، ولا نقل ذلك في خبر، ولو كان قد أطال لنقل" 8. وهذا عجب 9! أما الشافعي - رضي الله عنه - فقد راجعت كتاب البويطي فوجدت نقله لذلك فيه حقاً، وقد سبق نقلنا لذلك من
"جمع الجوامع لمنصوصات الشافعي"، ونقل الترمذي ذلك 1 في كتابه عن الشافعي 2. وأما الخبر فيه 3 عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فثابت متفق على صحته، إذ في "الصحيحين" 4 من حديث أبي موسى الأشعري في ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم -: (فقام يصلي أطول قيام وركوع وسجود رأيته يفعله في صلاته) وفي "الصحيحين" 5، أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص 6 في صفة صلاته - صلى الله عليه وسلم - فقالت عائشة: (ما ركعت ركوعاً (قطٌّ) 7، ولا سجدت سجوداً قطٌّ كان أطول منه).
وفي رواية النسائي 8: فكانت عائشة تقول: (ما سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجوداً، ولا ركع ركوعاً أطول منه).
وفي "صحيح البخاري" 9 من حديث أسماء بنت الصدِّيق رضي الله عنها: (ثم سجد فأطال السجود (ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود) 10)، وذكرت مثل ذلك في الركعة الثانية.
وفي "صحيح مسلم" 11 من
حديث جابر بن عبد الله: (وركوعه (نحواً) 1 من سجوده).
وفي "سنن أبي داود" 2 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعنهم: (ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، قال: ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك).
وفي "سنن النسائي" عنه 3 نحو ذلك 4 قال: (سجد فأطال السجود، ثم رفع رأسه وجلس 5 فأطال الجلوس، ثم سجد فأطال السجود، وقال: وصنع في الركعة الثانية مثل ما صنع في الأولى).
وقد أخرج ابن خزيمة حديث عبد الله بن عمرو في "صحيحه" 6. إذا عرفت ذلك عرفت أن الصحيح خلاف ما صححوه، بل يتجه أن يقال: لا قول للشافعي غير القول بتطويل السجود؛ لما عرف عنه من إيصائه 7 بأن الحديث إذا صحَّ على خلاف قوله فليترك قوله وليعمل بالحديث فإن مذهبه الحديث.
ثم إن صاحب "التهذيب" قال: "هل يطيل السجود؟ فيه قولان: أحدهما: يطيل كالركوع: والسجود 8 الأول كالركوع الأول، والسجود الثاني كالركوع الثاني" 9. وهذا أحسن من الإطلاق الذي في كتاب البويطي: أنه نحو الركوع الذي قبله.
وأما قطعه بأن القعدة بين السجدتين لا تطوَّل 1. فإنه يأباه ما ذكرناه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وهو أعلم.
قال 2: "يستحب أن يخطب خطبتين كما في صلاة العيد، إلا أنه لا يجهر في الكسوف، ويجهر في الخسوف" 3 هذا مشكل والاستثناء راجع إلى ما تضمنه الإطلاق من أن ما ذكر من كيفية الصلاة يعمُّ 4 صلاة الكسوف والخسوف فكأنه قال: وتستوي صلاة الخسوف وصلاة 5 الكسوف إلا في الجهر، وقد أفصح عن هذا في "البسيط" 6. ثم إن الرواية قد اختلفت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجهر والإسرار في كسوف الشمس 7، ومن روى الجهر أكثر فلذلك رجَّحناه 8، والله أعلم.
قوله 1: "و 2 الجماعة فيهما 3 مسنونة" 4 يجوز أن يجعل معطوفاً على الاستثناء، أي: وإلا في أن الجماعة فيهما 5 مسنونة قولاً واحداً، بخلاف صلاة العيد، فإن في إلحاقها بالجمعة في اشتراط الجماعة خلافاً سبق، وهذا على طريقة من قطع هنا 6 بنفي الاشتراط 7. ومن أصحابنا من طرد ذلك الخلاف في الخسوفين 8، فعلى هذا يجعل كلاماً مستأنفاً واقتصاراً منه على الأصحَّ.
(الأصح) 9 في المسبوق المدرك للركوع الثاني أنه لا يكون مدركًا 10؛ لأنه مع أنه تعدى بالرخصة عن موضعها إلى ما لا تشبهه، يوقع 11 في خبط وتغيير
لنظم الصلاة المعهودة، فإنه إذا بقي عليه قومة وركوع فحسب فيلزم في التدارك أحد محذورين: إما أن يقعد عن اعتداله من الركوع ويتشهد ويسلَّم؛ لأن السجود 1 أتى به، ووقع محسوباً له كما قبله، وإما أن يعود ويسجد مرَّة أخرى، وكل واحد منهما تغيير لنظم هذه 2 الصلاة، والله أعلم.
قوله: "في جنح (الليل) 3 " 4 هو بكسر الجيم وضمه أي طائفة منه 5.
قوله: 6: "لأن الليل باق، وسلطان القمر في جميعه" هذا كلام الأصحاب 7، وليس ينثلج الصدر به، ولعل تحقيقه - والله أعلم -: أن بقاء 8 الليل الذي هو مظنة سلطانه - مع أن الأصل بقاء الخسوف في نفسه - يوجب بقاء شرعية الصلاة، كما إذا غطَّاه غيم، بخلاف ما إذا طلعت الشمس في الخسوف، أو غربت في الكسوف فإن ذلك كزوال الكسوف بالانجلاء؛ من حيث إن القمر الخاسف أو الشمس الكاسفة مجموع يتركب من ذات ووصف،
فكما يعدم المجموع بانتفاء الوصف الذي هو الكسوف، يعدم بانتفاء الذات 1 التي هي القمر أو الشمس، وفي زوال محلهما من ليل ونهار 2 زوالهما؛ لأن وجود الشيء إنما يكون في محله، وذات الشمس وإن بقيت بعد الغروب على الجملة فلم تبق على الوجه الذي 3 كانت باعتباره شمساً؛ لأن الشمس نور خاصِّيته إضاءة ما بين الخافقين، فلا يبقى مع انتفائها شمساً، وإن بقي شمساً فلا يبقى شمساً يصلى لكسوفه؛ لأن الصلاة مخصوصة بخسوف ما يضيء هذا العالم، لما 4 لا يخفى من تأثيره في اقتضاء الفزع والالتجاء عند فقدانه.
إذا ظهر ذلك ففي ما إذا غاب القمر في الليل لم يثبت زوال الخسوف بواحد من الطريقين 5 بخلاف الباقي.
قوله فيما إذا غاب القمر خاسفاً بعد طلوع الصبح: "الجديد: أنه لا يفوت" 6 فيه إشارة إلى أن الصحيح أنها لا تفوت 7، والله أعلم.
الأصحُّ من القولين فيما إذا اجتمع صلاة العيد وصلاة الكسوف ولم يخف فوات العيد 8: أن 9 يبدأ بصلاة الكسوف 10، والله أعلم.
قوله: "ولو أنكر منجِّم وجود الكسوف 1 يوم العيد، لم 2 نزده على قولنا: إن الله على كل شيء قدير" 3 ردٌّ لدعواه امتناعه، وهو إشارة إلى الوجه الذي يبيِّن الأصحاب فيه إمكانه ووقوعه 4 بما رواه الزبير بن بكَّار 5 في "الأنساب" 6 من موت إبراهيم ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العاشر أو 7 الثالث عشر من شهر ربيع الأول.
وروى لنا 8 ما رواه البيهقي بإسناده 9: أن الشمس كسفت يوم قتل الحسين - رضي الله عنه -. وقتل يوم عاشوراء بلا إشكال 10.
قوله: "قال الشافعي: يخطب 11 للجمعة والكسوف خطبة واحدة يتعرَّض فيها للكسوف والجمعة 12 " 13 هذا فيه تغيير للفظ الشافعي في
"المختصر" 1 بما يوهم غير الصواب، وذلك أن الشافعي قال: "يخطب للجمعة 2 ويذكر فيها الكسوف".
وقال في مسألة اجتماع العيد والكسوف: "يخطب للعيد والخسوف".
وبين الكلامين فرق في المعنى يقتضيه افتراق المسألتين في أن خطبته لا تكون للجمعة والخسوف؛ إذ لو 3 نوى بخطبته الجمعة والكسوف لم يجز؛ لأن خطبة الجمعة فرض، والتشريك بين الفرض والنفل غير جائز على ما عرف 4. ولو نوى في المسألة الأخرى الخطبة للعيد والكسوف لجاز 5؛ لكونهما سنتين، والله أعلم.
ثم إن قوله: "خطبة واحدة" ليس معناه أنها خطبة فردة، بل معناه أنه لا يزيد على الخطبتين اللتين للجمعة، والله أعلم 6.
قال: "وكذا يفعل عند اجتماع العيد والكسوف" 7 هذا كما قال، وإن لم يلزم التوالي بين 8 أربع خطب كما لزم في بعض صور المسألة التي قبلها، وهي ما 9 إذا قدَّم الخسوف على الجمعة عند اتساع الوقت، فإنه لو خطب لهما
لتوالت أربع خطب، فلا يجمع ههنا أيضاً مع أن خطبتين تقعان 1 بين الصلاتين، وخطبتين بعدهما، وذلك للاستغناء بخطبتين فقط ويكونان ههنا على الشركة بينهما، بخلاف الجمعة.
صلاة 2 الجنازة تقدَّم على الصلوات 3 المذكورة عند ضيق الوقت واتساعه؛ لما يخشى عليه من الانفجار إلا مع الجمعة عند ضيق الوقت 4، وهذا يتوقف على تكلف في تصويره؛ فإن صلاة الجنازة لا يكاد يظهر تأثيرها في تفويت الجمعة لقرب زمانها، فالصحيح عند هذا تقديم الجمعة؛ لأنها آكد من وجوه، وسقوطها إلى بدل لا يوجب ترجيح صلاة 5 الجنازة عليها، وقد حققت ذلك في المسألة التي أفردتها في أن تارك صلاة الجمعة 6 يقتل.
قوله: "ولا يصلى لغير الخسوفين" 7 معطوف على ما قبله في أنه أيضاً قول الشافعي - رضي الله عنه -. أي هذه الصلاة المخصوصة.
وأما بالنظر إلى مطلق الصلاة فلا
منع إلا في أنه لا يصلي لها جماعة، إذ تستحب الصلاة فرادى ذكره صاحب "التهذيب" 1، وأشار إليه صاحب المذهب 2.
ومن باب صلاة الاستسقاء
قال: "ماء السماء و 1 العيون" 2 هكذا هو عندي وعند غيري بالواو، والأجود "أو" على ما في بعض النسخ 3، وكما هو في غير "الوسيط" 4؛ لأن كل واحد منهما مستقل بالسببيَّة، فالسبب حصول الضرر بانقطاع ماء السماء، أو العيون، أو الأنهار.
والواو أيضاً تتأول على ذلك، والله أعلم.
قال: "فيسنُّ لنا أن نستسقي لهم 5 " 6 هذا قد نصَّ الشافعي عليه 7، وسياق كلامه وكلام غير واحد من أصحابه 8 يدل على أنه استسقاء بالصلاة، ولفظ شيخنا الغزالي في "البسيط" 9 من أدلِّها على ذلك، والشيخ أبو إسحاق يقول: "ويستحب لأهل الخصب أن يدعوا لأهل الجدب" 10، وهذا يوهم
خلاف ذلك والله أعلم.
فأقول: يمكن تخريجه على خلاف من حيث إنَّ النعمة حاصلة للمستسقي، واستسقاؤهم لغيرهم استزادة للنعمة، فهو كالصلاة لاستزادة النَّعمة، على ما يأتي 1، ويمكن الفرق بينهما، والله أعلم.
قوله في تكريرها: "كما يراه الإمام" 2 أي ناظراً في مقدار ضرورتهم 3، وما ينالهم من المشقَّة في الاجتماع، عاملًا بحسب المصلحة.
ثم هل يقدم على المرة الثانية أو الأخرى صيام ثلاثة أيَّام نقل 4 في ذلك نصَّان 5: فمن الأصحاب من حملهما على اختلاف حالين وعلى ما يراه الإمام 6: إن رأى الحال يقتضي التنجيز خرج بهم من الغد، و 7 إن اقتضت الحال التأخير صاموا ثلاثة أيَّام 8 قبل الخروج.
وجعل أبو الحسين ابن القطَّان 9 المسألة على قولين، وقال:
"ليس في باب الاستسقاء مسألة فيها قولان إلا هذه" 1، وعلى هذا فالأظهر أنهم يخرجون من الغدِ 2. قلت: وفي قلب الرداء من الأعلى إلى الأسفل قولان يأتي إن شاء الله تعالى ذكرهما 3، وتلك أولى بأن تذكر في معرض ما ذكره لما سبق من تنزيل من 4 نزَّل النصَّين على اختلاف حالين 5، والله أعلم.
قوله: "وكذا في أدائها للاستزادة في النِّعمة" 6 أي إذا لم يبتلوا بالجدب وأرادوا الاستسقاء طلباً للزيادة، وهو في هذا أبعد؛ لأن ذلك لم يعهد عمَّن سلف، والأصحُّ والمشهور، والمنصوص أنهم لا يصلُّون للشكر أيضاً 7؛ لأن
صلاة الاستسقاء الواردة وقعت لاستدفاع الجدوبة، وهذا دونها في المعنى فلا يقاس عليها.
قال: "ووقتها وقتها" 1 هذا حكاه شيخه 2، وهو في "البسيط" أيضاً 3 عن الشيخ أبي علي 4 وحده، قال شيخه: "وهذا وإن كان وفاءً 5 بالتشبيه على الكمال - يعني 6 بصلاة العيد - ولكني 7 لم أره لغيره من الأئمة".
قلت: قد قاله غيره وهو الشيخ أبو حامد الأسفراييني 8، وهو مع هذا شذوذ في المذهب بعيد، ويا ليته لم يورده في هذا الكتاب هكذا 9 مقطوعاً به بل كان يورده كما أورده في "البسيط" 10، وكما أورده 11 شيخه الإمام، وعنه نقل ذلك 12، وأحسبه لمَّا أراد الاقتصار اقتصر عليه من حيث إنه رأي أنه المنقول لا غير، من
جهة أن قول شيخه: "لم أره لغيره من الأئمة" ليس دالاً على نقل خلافه عن 1 أحد من الأئمة كما لا يخفى، فاقتصر لذلك 2 على ما رآه المنقول.
ثم إن المصير إلى أن وقتها وقت صلاة العيد لا مستند له يصحُّ من حيث إن مقاصد الاستسقاء لا تتقيَّد بوقت دون وقت، وما اعتمد عليه من التشبيه بالعيد مندفع؛ فإنه لا يختصُّ الاستسقاء بيوم، وإن اختصَّ العيد بيوم، فكذلك لا يختصُّ بوقت من اليوم وإن اختصَّ به العيد، وهذا واضح بيَّن، وعدم اختصاصها بوقت هو الذي ذكره صاحب "الحاوي" 3، وصاحب "الشامل" 4، وصاحب "التتمَّة" 5، وقد نصَّ الشافعي عليه، نقله عنه صاحب "جمع الجوامع لمنصوصاته" 6، وفي هذا الكتاب أيضاً ما يشعر بعدم الاختصاص عند الأصحاب وهو ما سبق من نقله اختلافهم في كراهة 7 صلاة الاستسقاء في الأوقات المكروهة 8، إذ ليس 9 في وقت صلاة العيد وقت يكره فعلها فيه.
قوله: "ثم يخرجون في الرابع صياماً" 1 ممن قطع به صاحب "الحاوي" 2، و"المهذَّب" 3، ثم رأيته منصوصاً للشافعي 4، وهو بخلاف يوم عرفة؛ فإنه يستحب فيه للحاجِّ الإفطار تقوِّياً على الدعاء، والفرق كون ذلك مفروضاً في هذه الصلاة 5 في أول النهار على العادة قبل ظهور تأثير الصوم في الضعف 6. قوله: "في ثياب بذلة وتخشُّع" 7 ينبغي أن يجعل: وتخشُّع 8 عطفاً على ثياب لا على بذلة حتى يكون معناه: يخرجون في تخشُّع وثياب بذلة 9، وعلى تقدير عكسه لا يكون قد تعرَّض لصفتهم في أنفسهم وهي المقصودة 10، التي الثياب البذلة وصلة إليها، وقد يكون الرجل في ثياب تخشُّع وبذلة، وهو (في) 11 تجبُّر 12 في نفسه، والله أعلم.
قوله: "وفي إخراج البهائم قصداً تردد" 1 يعني وجهين 2، والأصحُّ عنده أنه يستحب؛ فإنه لم يذكر في "الوجيز" لفظاً غيره 3، لكن غيره 4 نقل أن المنصوص في "الأم" 5 نفي الاستحباب.
والاستحباب قول أبي إسحاق المروزي 6، والله أعلم.
ولذلك تأثير ظاهر إذا وجدت الكيفيَّة التي فعلها قوم يونس - صلى الله عليه وسلم - حيث فرَّقوا بين البهائم وأولادها مع فعلهم مثله في أنفسهم 7، وهو متجه بدون ذلك لما فيه من توافق فاقات المضطرين، وتظافر رغبات الراغبين 8 على اختلاف أنواعها وأنواعهم، والله أعلم.
قوله: "ولا بأس بخروج أهل الذمَّة" 9 هذه عبارة يطلقها الفقهاء في مباح
خولف المبيح في إباحته، أو في مباح تركه أولى، وهذا عند الأصوليين المتأخرين غير مباح، بل مكروه 10. وليس هذا بالقول 11 المزيَّف المحكي في
الأصول أن المكروه: ترك الأولى 1، فإنه لا يخفى على 2 ذي فطنة أنه غيره، والله أعلم.
قوله: "ومن أصحابنا من قال: هي 3 كصلاة العيد، إلا أنه يبدل السورة" 4 هذا مشكل، وحلُّه أن المضاف إلى بعض الأصحاب ليس قوله: هي كصلاة العيد؛ فإنه لا خلاف فيه بينهم، وإنما هو إبدال السورة 5، والمذهب: أنها في السورتين أيضاً كصلاة العيد 6.
قوله: "ثم يلحف" 7 أي يلحَّ، والإلحاف واللحاف 8 من أصل واحد وهو الشمول، كان الملُحِف يشمل 9 بسؤاله وجوه الطلب 10.
قال: "ويستقبل القبلة فيها" 1 أي بعد أن يأتي ببعضها مستقبلاً للناس، وذكر صاحب "الكافي" الزبيري: أن ذلك إذا بلغ نصفها 2. ويجهر في دعائه وهو مستقبل 3 للناس، ويسرُّ وهو مستقبل القبلة، واحتجَّ لهذا صاحب "الحاوي" 4، وغيره 5: بأنّه أبلغ، واستشهد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ 6. والتحويل يكون بعد الاستقبال كما قال 7، وفي لفظ حديث عبد الله بن زيد ما يدلُّ عليه 8، والله أعلم.
قوله: "فيقلب الأعلى إلى الأسفل، واليمين إلى اليسار، والظاهر إلى الباطن" 9 جمع شيخه 10، ثم هو في تفسير القول الجديد بين ثلاثة أنواع من
التحويل.
والذي رأيته في كلام الشافعي 1، وغيره من أصحابنا 2: النكس والتحويل من اليمين إلى اليسار، من غير ضم للثالث إليهما في الذكر.
وذلك هو الصواب، ويتبيَّن ذلك بالنظر في كيفيته، وعهدي بالمتفقهة 3 وهم أو أكثرهم لا يهتدون لتصوير الجمع بين النكس والتحويل بفعل واحد!، وكيفيته: أنه إذا أراد التحويل الذي هو أن يجعل الطرف الذي على منكبه الأيمن على منكبه الأيسر فلا يفعله بأن يقلب الطرف الذي هو على منكبه الأيمن إلى جهة المنكب الأيسر رافعاً ذلك الطرف إلى هذا الطرف من غير إدارة، فإن الذي يحصل به هو التحويل من اليمين إلى اليسار مع انقلاب الظاهر إلى الباطن من غير تنكيس.
بل ينبغي أن يديره في جانبه الأعلى آخذاً في صوب القفا دائراً أو بالعكس حتى يستدير ذلك الجانب إلى هذا الجانب، ويصير الأعلى أسفل، فيجتمع فيه التحويل والتنكيس، دون انقلاب الظاهر إلى الباطن، وعند هذا فإنما يحصل انقلاب الظاهر مع التحويل من اليمين وحده كما ذكرت، أو يحصل مع التنكيس وحده أيضاً وهو أن يرفع الطرف 4 الذي يلي القفا فيقلبه إلى أسفل 5، أو 6 يأخذ الطرف الأسفل فيجعله على عاتقه، فيصير الأسفل
مكان الأعلى، ويحصل التنكيس مع انقلاب 1 الظاهر إلى الباطن من غير تحويل اليمين إلى اليسار.
وإذا فهم هذا فليس الأمر فيه على الإطلاق في مطلق الرداء كما أطلق المصنِّف وشيخه، بل الجمع بين التحويل والتنكيس مخصوص بما يسهل 2 فيه ذلك كالرداء المربَّع 3، دون ما يشقُّ فيه و 4 ذلك كالساجِّ الذي ذكره المزني 5 في تصويره، وهو الطيلسان 6 المقوَّر ينسج كذلك 7، وعبَّر الشيخ أبو إسحاق عنه بالرداء المدوَّر 8، وهكذا ما 9 مثَّل به صاحب "التتمة" من الرداء الذي له طرفان 10، يعني الطويل، فهذا يقتصر فيه على التحويل من اليمين إلى اليسار مع انقلاب الظاهر وهو ما صوَّرته أولاً، فخرج منه أن التحويل له كيفيتان: إحداهما: تحصل مع انقلاب الظاهر دون
التنكيس، وهذا هو المخصوص بالساجَّ والرداء الطويل.
وفي الكيفية 1 الأخرى يحصل مع التنكيس دون انقلاب الظاهر، وهو المذكور في الرداء المربَّع.
فجمع الإمام أبو المعالي ثم صاحبه الغزالي - رحمنا الله وإيَّاهما - بين الأنواع الثلاثة في مطلق الرداء وادَّعيا حصولها 2 مجتمعة، وقد وضح عدم تصوره 3. فإن قلتَ: يتصور بفعل ثان، فيأتي أولاً بالتحويل والتنكيس كما سبق، ثم يقلب الرداء ظهراً لبطن، أو يأتي بالتنكيس أولاً ثم بالتحويل 4 من اليمين.
قلتُ: إذا فعل ذلك زال وصف آخر وهو في المثال الأول التنكيس؛ فإنه يعود الأعلى أعلى كما كان.
وفي المثال الثاني يعود الباطن باطناً كما كان.
ثم لفظ الإمام فيه: "يقلب الأسفل إلى الأعلى، وما كان من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين، وهو في ذلك يقلب ما كان يلي البدن إلى الظاهر".
ولولا لفظه هذا لكان يمكن أن يقال: إنه أراد حصول الأنواع الثلاثة على الجملة، وإن كان على التعاقب في صورتين، لكن لفظه هذا ثم لفظ "الوسيط" المعبِّر عنه لا يستعمل في التصانيف إلا للجمع بينهما في حالة واحدة، وإن ساغ في كلام العرب استعماله فيما يتعاقب، فلا يحمل على مثله ما يوجد في مخاطبات الناس، لا سيَّما في كتب الفقه، ثم إنَّ ذلك لا أصل له في المذهب ولا في السنة، فلا سبيل إلى المصير إليه، فليُتأمل ذلك؛ فإنه من نفائس ما وقع عليه 5 خاتم البحث، والله أعلم.
واقتصر صاحب "التتمة" في الرداء المربَّع على التنكيس مع انقلاب الظاهر، وذكر أنه الأولى 1. ولم أره لغيره، وهو بعيد، بل هو - والله أعلم - غلط، وخروج عن الجديد والقديم معاً، وهو تحريف للقول 2 القديم؛ لأنه في القديم اقتصر على قلب الظاهر مع التحويل من اليمين إلى اليسار 3 احتجاجاً بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - 4، فجعل هو التنكيس بدل التحويل، فكان مخالفاً لما فعل ولما همَّ به - صلى الله عليه وسلم - ومنشأ هذا الوهم: لفظة في الحديث حملها على غير وجهها، وذلك أنه احتجَّ بحديث عبد الله بن زيد (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى وكان عليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فلمَّا ثقلت عليه قلبها على عاتقه).
أخرجه أبو داود 5، وهو حديث حسن، فحمل هذا على أنه أخذ الطرف الأسفل من شقه الأيسر فجعله على عاتقه وقال: (إنه يصيِّر الأعلى
أسفل والأسفل أعلى).
وهذا سهو عظيم؛ فإن (قوله) 1: (قلبها) ليس منحصر المعنى 2 في انقلاب الأسفل، بل تحويله من اليمين إلى اليسار يجوز 3 أن يقال فيه: قلبها على عاتقه؛ لما لا يخفى وجهه في اللغة 4، ونسأل الله العصمة والإثابة.
قوله: "فترك" يعني: واقتصر على التحويل من اليمين إلى اليسار مع انقلاب الظاهر إلى الباطن، والاقتصار على هذا (هو) 5 القول القديم، والله أعلم.
قوله: "خميصة" هو 6 كساء أسود له علمان في طرفيه 7، نُسب هذا القول إلى أهل الحجاز وغيرهم 8، وهو البرَّكان 9، وقال أبو عبيد في صفته: "مربَّع" 10. وقال الأصمعي: "كساء من صوف وخذًّ" 11. وقال الجوهري:
"كساء رقيق أصفر أو أحمر أو أسود" 1. ويدل على قوله: أن في الحديث: "خميصة سوداء".
وظاهره أنها قد تكون غير سوداء.
الدعاء الذي ذكره 2 هو الذي نصَّ عليه إمام المذهب 3 وذكره عن سالم 4 عن أبيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 5. وقوله "هنيئاً مريئاً" الهنيء: الطيِّب الذي لا
ينغصه شيء 1، أي ليكون مُنْمياً مُسْمناً للحيوان.
والمريء: المحمود العاقبة أي فلا وباء فيه 2. "مريعا" هو من المراعة، وهي الخصب 3، وروي: مربعاً بالباء الموحدة 4، ومرتعاً بالتاء المثناة من فوق ويعودان إلى الأول 5. "غدقاً": كثير الماء 6. "مجلَّلاً طبقاً": أما المجلّل ففيه إشعار بالنفع والكفاية، أي يعم البلاد والعباد نفعه 7. وأما الطبق فهو 8 بفتح الباء، وهو الذي يطبق البلاد، ويصير كالطبق عليها، وفيه مبالغة 9. و 10 في الحديث وذكره الشافعي وأصحابه 11: "عامَّاً طبقاً" بدأ بالعام ثم اتبعه بالطبق؛ لأنه صفة زيادة في العام، فقد يكون عامَّاً وهو طلٌّ يسير 12. قوله 13 "سحَّاً" فيه إشعار بشدة وقعه على الأرض، فهو مشعر بقوته 14.
"اللأْواءُ": شدة المجاعة 1. و"الضنك": الضيق 2 و"الجهد" بفتح الجيم قلة الخير 3. و"بركات السماء" المطر الكثير النافع 4. وترك المؤلف: وأنبت لنا من بركات الأرض.
وهو في الدعاء كما ذكره غيره 5. السماء ههنا السحاب 6. "مدراراً" أي كثير الدَرِّ والمطر 7.