الفصل الرابع: دراسة كتاب "شرح مشكل الوسيط"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وقوله: "فيجعل جميع الليل وقتاً" 1 قد قيل: بل من نصف الليل، 2 كما في الأذان للصبح 3، وأيضاً فغرض التبكير لا يتجاوزه ولا يزيد عليه، وهذا أشبه 4.
قوله: "بالثياب البيض" 5 فيه نظر، وغيره أطلق الزينة 6، وصاحب المذهب الشافعي - رضي الله عنه - احتجَّ بأنّه - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس في العيد برد حِبَرة 7. وقال: "فأحبُ أن يلبس الرجل أحسن ما يجد في الأعياد، والجمعة 8، ومحافل الناس".
لكن قال
(في) 1 النساء: "يلبسن ثياباً قصدةً 2 من البياض أو غيره، وأكره لهن الصبغ كلها؛ فإنها 3 تشبه الزينة أو الشهرة أو هما" 4. وهذا هو الذي لا ينبغي غيره، والله أعلم.
تخصيصه العجائز 5 يأباه حديث أم عطيَّة في الصحيح 6: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج العواتق 7 ... الحديث).
وهو على هذا الإطلاق يشترط تركهن التجمل والتطيُّب 8. لكن تخصيص العجائز، وغير ذوات الهيئات نصُّ الشافعي 9. وأجيب عن 10 الحديث بأن ذلك كان في زمانه، وأمّا بعده فعلى حديث عائشة رضي الله عنها: (لو علم ما أحدثن لمنعهن الخروج) 11. ولكن هذا فيه تسوية بين العجائز وغيرهن في المنع، فالفرق إذاً في غير ذوات الهيئات بين العجائز وغيرهن غير متجه،
ووجدت نصَّ الشافعي 1 في أصل أصيل من "جمع 2 الجوامع في منصوصاته": بالواو "وغير ذوات الهيئة" 3 وهو في "المختصر" 4: "العجائز غير ذوات الهيئة" من غير "واو" وجدته كذلك (فيه) 5، وفي "الحاوي" 6، و"النهاية" 7 نقلاً عنه.
وقد قطع 8 صاحب "الحاوي" بما في "الوسيط"، ونقل ما ذكرته عن 9 بعص البغداديين وردَّه 10. وما ذكرته هو اختيار صاحب "المهذَّب" 11، والله أعلم.
قوله: "التزيُّن بالحرير والإبريسم المحض" 12 الإبريسم 13 أعم، وهو بفتح الراء على الأشهر في اللغة 14، قال صاحب "كتاب العين" 15: "الحرير ثياب من إبريسم"، فخصصه بالثياب، والله أعلم.
القزُّ كالحرير باتفاق الأصحاب في نقل شيخه 1. وفي "التتمة" 2 وجه في إباحته.
قوله: "ومنهم من نظر إلى الظهور فأحلَّ الخزَّ وحرَّم العتابي" 3 المخصوص من هذا بهذه الطريقة 4: تحريم العتابي.
لا تحليل الخزِّ، فإنّه شامل للطريقين 5؛ لأن سداه 6 هو الإبريسم، ولحمته صوف، والسدى منه أقل من اللُحمة فيما قال صاحب "التهذيب" 7، وغيره 8. وقد نصَّ على 9 تحليله صاحب "المهذَّب" 10 وهو ممن يقول بالطريقة الأولى في العراقيين (وكذا نصَّ على تحليل
الخزِّ القاضي أبو الطيَّب في "تعليقه" 1، وصاحب "الشامل" 2، وصاحب "التتمة" 3، وغيرهم 4 ممن يقول مثل صاحب "المهذَّب" 5. تنبيه: ما ذكره 6 في وصف الخزِّ، وتمييزه عن غيره من أن سداه إبريسم ولُحمته صوف، واللُحمة أكثر، وأنَّ من نظر إلى الظهور أحلَّ الخزِّ، وحرَّم العتابي 7. قد يتوهم منه أنَّ سدى كل ثوب مطلقاً أظهر 8 من لُحمته، وأن اللُحمة مطلقاً أكثر (من السدى) 9، وليس ذلك كذلك، بل يختلف باختلاف 10 الصنعة، واختلاف أنواع الثياب؛ فمنها: ما يدفن الصانع اللُحمة منه في السدى، ويجعل السدى هو الظاهر.
ومنها ما يظهر اللُحمة منه على السدى ويدفن السدى فيها 11. وكذلك منها ما يكون السدى منه أكثر وزناً.
ومنها ما تكون اللُحمة منه أكثر
وزناً.
وإنّما وقع الخزُّ في ذلك على الوجه المذكور بحسب الصنعة وكيفيتها فاعلم ذلك، والله أعلم.
ثم إنَّ الصحيح عند إمام الحرمين مراعاة الظهور 1، واختيار صاحب الكتاب في درسه أن الأرجح مراعاة الوزن، وهذا أصحُّ، وإليه ذهب أكثر الأصحاب 2. وإذا كان الإبريسم وغيره نصفين سواء ففيه 3 وجهان، وبالتحريم قال البصريون 4 من العراقيين 5، والجواز فيه هو الأصحُّ عند صاحبي "المهذَّب" 6، و"التهذيب" 7، وغيرهما 8، وإليه ذهب البغداديون من العراقيين 9، والله أعلم.
قوله: "كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوب كذلك" 10 إيجازٌ منه لما ذكره 11 شيخه عن شيخه أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان له فرُّوج حرير، قال: "وكان يفسره بالثوب المطرَّف بالحرير
كالفِراء وغيرها" 1. قلت: هو الفَرُّوج بفتح الفاء، وتشديد الراء، وتفسيره فيما رواه أبو داود في "سننه" 2 عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان له جُبَّة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج).
وأخرج نحوه مسلم 3 في "صحيحه" 4، وفي كتاب البخاري 5 أن الفروُّج: هو القباء 6 الذي فيه شقٌّ من خلفه، والله أعلم.
الأصحُّ أنّه يحرم على النساء افتراش الحرير 7، كما في الأواني، وبه قطع في "التهذيب" 8. والأظهر تحريم إلباس الصبيان الحرير 9 لعموم الحديث (الحرير
والذهب حرام على ذكور أمتي وحلٌّ لإناثهم) رويناه من حديث عقبة (بن عامر) 1، وغيره 2، وهو ثابت حسن، والله أعلم.
قوله: "أرخص لحمزة (في الحرير) 3 ولم يخصَّص" 4 المعروف ما في "الصحيحين" 5، وغيرهما 6 من حديث أنس (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرخص
لعبد الرحمن ابن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما.
وفي رواية أخرى في "الصحيحين" 1 في السفر.
وأمّا ذكر 2 حمزة في ذلك فوهم، والله أعلم.
واستدلاله بأنّه 3 مطلق من غير تخصيص.
يقال عليه: قد عرف في الأصول أن التمسك بعموم الأفعال ووقائع الأعيان لا يصح 4، مثل جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر 5، وقضى بالشفعة فيما لم يقسم 6، وذلك لأنها لا تقع إلا على وجه واحد معيَّن 7، وإن كان لفظ الناقل مطلقاً.
وجواب هذا - والله أعلم - أن التمسك ههنا واقع بإطلاق إذنه - صلى الله عليه وسلم - في اللبس لحكة من غير فصل بين حالة السفر وحالة الحضر، فيكون تمسُّكاً بعموم قول لا فعل، نعم يبطل هذا من
وجه آخر وهو: أن الإطلاق منتف لثبوت التقييد بالسفر في الرواية الأخرى 1 الصحيحة على ما بيَّناه، فالصحيح إذاً اشتراط السفر، والله أعلم.
قوله في تأخير التبكير في عيد الفطر: "ليتسع تفرقة الصدقات" 2 يعني صدقة الفطر خاصة.
إذا كان المسجد واسعاً بغير مكة 3، فالأصحُّ أن المسجد أولى من الصحراء 4، والله أعلم.
قوله: "نودي: الصلاة جامعة" 5 بالنصب فيهما على الإغراء في الأول، وعلى الحال في الثاني، والله أعلم.
قوله: "يقول بين كل تكبيرتين: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" 6 هذا قول الأكثر 7، ومن أصحابنا 8 من قال: "يقول: لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير"، وقال أبوا 1 نصر - ابن الصبَّاغ 2، والبندنيجي الأخير 3 -: "إنَّ 4 قال ما اعتاده الناس فحسن وهو: "الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمَّد النبي (الأمِّي) 5 و (على) 6 آله وسلَّم تسليماً كثيراً"، قلت: الأمر في ذلك واسع، وفي ذكر الصلاة على 7 النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر، ووجدته في "المستظهري" 8 من غير ذكر الصلاة وهو الجيِّد 9. وهذا الذكر
لا يكون عقيب السابعة والخامسة، ولا قبل الأولى من الركعة الأولى 1، وأمّا قبل الأولى من الركعة الثانية فقد قال الإمام أبو المعالي في "نهاية المطلب" 2: "وتخلل التسبيح بين التكبيرة التي ارتفع بها وبين التكبيرات التي يفتتحها، ثم كذلك بين كل تكبيرتين".
وهذا لم أجده لغيره، ولا ذكره صاحبه الغزالي، وفي النفس منه حزازة والله المسؤول.
قوله: "يكبِّر قبل الخطبة الأولى" 3 هذا حكم منه بأن التكبيرات ليست من نفس الخطبة بل قبلها، وقد صرَّح به غير 4 واحد، ونقله الشيخ أبو حامد الأسفراييني 5 عن ظاهر كلام الشافعي، وقد راجعت أنا نصوص الشافعي في "جمع 6 الجوامع" 7 فوجدته - رضي الله عنه - قد 8 روى قول عبيد الله بن عبد الله 9 بن عتبة 10: "السنة
أن يبتدئ الإمام قبل الخطبة بتسع تكبيرات تترى، لا يفصل بينهما بكلام 1، ثم يخطب، ثم يجلس جلسة، ثم يقوم في الخطبة الثانية، فيفتتحها بسبع تكبيرات تترى، لا يفصل بينهما بكلام، ثم يخطب".
قال الشافعي: "ونقول بقول عبيد الله".
وقال بعد كلام: "وإن أدخل بين التكبير (الحمد 2 والتهليل) كان حسناً، ولا ينقص من عدد التكبير شيئاً، ويفصل بين خطبته وتكبيره".
ثم نقل 3 ذلك عن أبي هريرة، وعن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهما - وفي الذي عن أبي هريرة أنه يكبِّر أكثر من خمسين تكبيرة 4 في فصول الخطبة بين ظهري الكلام.
فهذا فيه فوائد منها: أمر الموالاة والفصل، وقد ذكره غير واحد من العراقيين، والخراسانيين، وفيهم المصنِّف في "البسيط" 5، وصاحب "الحاوي" 6 ونقل النصَّ اختصاراً.
ومنها: أن صاحب "المستظهري".
قال: " (في) 7 أنها قبل الخطبة نظر" 8. وربما توهم أنّه يعضده قول من قال - كقول صاحب "المهذَّب" -: "إنّه يستفتح الخطبة بالتكبيرات" 9. بناءً على أن 10 استفتاحها بها يدل على أنّها
منها، وفيما نقلناه من 1 النصِّ ما يدفع ذلك وهو قوله: يفتتحها بها ثم يخطب.
وهذا لأن افتتاح الشيء قد يكون بما هو من مقدماته لا من نفسه، ألا تراه - صلى الله عليه وسلم - جعل الطهارة مفتاح الصلاة 2 وليست منها.
قوله: "على مثال الركعتين" 3 أي أن في الركعة 4 الأولى تسعاً بتكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع، وفي الثانية سبعاً بتكبيرة الارتفاع وتكبيرة الركوع، هذا معناه صرَّح به شيخه 5، وليس 6 كما فسره من شرح "الوجيز" 7 من أن معناه 8 أن التفاوت بين التسعة والسبعة كقدر التفاوت بين السبعة والخمسة، والله أعلم.
قوله: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج من طريق، ويعود من طريق" 9 رواه البخاري في "صحيحه" 10 من حديث جابر - رضي الله عنه -.
قوله 1: "إنّه كان يحذر مكائد المنافقين" 2 أي لئلا يُعرف طريقه لو لم يخالف فيه فيرصدوه، ويتمكنوا من المكروه به؛ لانتشار الخلق في هذا اليوم.
وفيه وجه آخر: أنّه كان يقصد بذلك غيظ المنافقين.
وفيه نحو 3 عشرة أوجه 4، قيل: إنَّ أشبهها أنّه كان يفعله لئلا يكثر الزحام فتجتمع الناس على طريقه على تقدير أن تعرف طريقه في الرجوع وأنّها الأولى؛ لأنّه روي في حديث ابن عمر: "لئلا يكثر الزحام" 5.
قوله: "أطول الطريقين؛ لأنّه قربة" 6 أي و 7 الانصراف ليس بقربة كما صرَّح به شيخه 8، وغيره 9، وليس بصحيح؛ لأنّه يثاب على رجوعه كما في الرجوع من المسجد، والمعنى فيه ظاهر، وفيما رواه أبيُّ بن كعب
من حديث الرجل الذي آثر بُعْد منزله من المسجد كيما يكتب 1 أثره وخطاه، ورجوعه إلى أهله، وإقباله وإدباره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (أنطاك الله ذلك كله) أخرجه مسلم في "صحيحه" 2. إذا لم يعلم السبب فقد سلَّم أبو إسحاق القائل "بأنه لا 3 يستحب لمن لم يشاركه" 4 أنه يستحب.
وقول ابن أبي هريرة: "إنه يستحب لمن لم 5 يشاركه" 6، هو الأصحُّ 7، كما في الرمل والاضطباع في الطواف، ولا يبطل بأن يقال: هذا إثبات للحكم 8 مع انتفاء المعنى الذي هو سببه؛ لأنا نجعل سببه المعنى الناشئ من الإقتداء به - صلى الله عليه وسلم - كالتيمُّن به مثلاً، فهو إثبات للحكم مع انتفاء سببه الأول، لا مع انتفاء سبب (ما) 9 مطلقاً، والله أعلم.
في تكبير الأضحى 1: يكبِّر عقيب 2 الصلاة التي عندها الانتهاء على كل 3 قول، والقول بأنّه من الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيَّام التشريق هو الأصحُّ، وهو ظاهر المذهب 4، ويعتضد بتكبير الحجيج فإن المحاملي قال 5: "إن الأمر في تكبيرهم على هذا قولاً واحداً" 6. ونقله إمام الحرمين عن العراقيين، وقطع به فيما يرجع إلى 7 الابتداء، وتردد فيه في الانتهاء 8. وظاهر أمره أنه لم يعلم أن منصوص الشافعي ابتداءً وانتهاءً على ما قالوه، وهو في "جمع الجوامع من المنصوصات" 9، وإنما كان الحاجُّ على ذلك لأنهم يُلبُّون 10
فيما قبل ذلك.
والقول الثالث وهو أنها 1 من الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيَّام التشريق اختاره 2 ابن سريج 3، ومذهب أحمد 4، قال أبو بكر الصيدلاني والقاضي الرويانى 5: "والعمل عليه 6 في الأمصار".
قوله: "ولم يتعرَّض في هذا النصَّ للآخر" 7 هكذا هو في كتاب شيخه 8، ووقع في "المهذَّب" 9، وغيره 10 التعرُّض للآخر على هذا القول وأنه الصبح 11 من آخر أيَّام التشريق، من غير تصريح بأن ذلك عن 12 نقل أو تخريج، ثم وجدته في "الحاوي" 13: "قال الشافعي - رضي الله عنه -: يبتدئ من بعد المغرب إلى بعد صلاة الصبح".
وهذا نقل، والله أعلم.
قوله: "كما اختلفوا في أن 1 التكبيرات المرسلة ليلتي 2 العيدين هل تستحب عقيب الصلوات؟ " 3 هذا سهو منشأه 4 - والله أعلم -: إما سبق القلم، أو تغيير من الناقل، والصواب: ليلة العيد بلا تثنية؛ لأن 5 التشبيه وقع بالخلاف في التكبيرات المقيَّدة ليلة عيد الفطر 6. أما ليلة عيد النحر فلا يتصور فيها خلاف في التكبير المقيَّد عند من جعلها من هذه الأيَّام.
ثم إن لفظه في أن المرسلة هل تستحب عقيب الصلوات 7؟ يستنكر من حيث إن ذلك تقييد، والتقييد لا يوجد في المرسل، ويعتذر عنه بأن المراد: هل يستحب مثلها عقيب الصلوات 8؟. ثم إرسال التكبير 9 في أيَّام استحباب التكبيرات المقيَّدة في عيد النحر بعيد 10، والله أعلم.
قوله في التكبير خلف الصلوات المقضيَّة في هذه الأيَّام: "هل هو مقضي أو مؤدى؟ فيه قولان 11 " 12 الظاهر فيه أنهما قولان مخرَّجان؛ فإنهما من تصرُّف
الأصحاب في نقل شيخه 1، وغيره 2، وهما مخرَّجان من القولين في النوافل 3؛ لأن مأخذهما: أن 4 النظر إلى الوقت حتى يكبِّر فيها، أو إلى أنه شعار ظاهر في هذه الأيَّام فيختصُّ 5 بالظاهر منها من الصلوات حتى لا يكبِّر في النوافل.
وهذا يقتضي 6 إجراء الخلاف فيما نحن بصدده، إن 7 قلنا: يكبَّر هناك فهو ههنا إذاً، وإن قلنا: لا 8 فتكبيره ههنا 9 ليس نظراً إلى الوقت بل يكون قضاءً للتكبير الفائت في وقته تبعاً للصلاة المقضيَّة ويظهر من هذا ما ذكره آخراً، وهو أنه لا يكبِّر على هذا القول فيما يقضي 10 من صلوات غير هذه الأيَّام 11؛ لأنه لم يكن فيها تكبير حتى يقضى عند فواته بقضائها.
والأصحُّ أنه يكبِّر عقيب
كل صلاة مفعولة في أيَّام التكبير، فيدخل في ذلك النوافل والفوائت كلها، ويكون التكبير خلف فوائت هذه الأيَّام أداءً لا قضاءً 1، والله أعلم.
إذا كبَّر الإمام على خلاف اعتقاد المقتدي، بأن كبَّر يوم عرفة مثلاً، والمقتدي يرى أن مبتدأه بعده، هل يوافق بسبب القدوة؟ وهكذا لو كان بالعكس فهل يوافق في الترك؟ فيه الخلاف الذي ذكره 2. والأصحُّ أنه يتبع اعتقاد نفسه 3. وأما التكبيرات التي في نفس الصلاة فهي كالقنوت قطعاً، يتبع الإمام في الجميع على خلاف اعتقاده فعلاً وتركاً، هذه طريقته 4، والله أعلم.
قال: "ثم 5 يقول بعده: كبيراً" 6 لفظ الشافعي 7، وغير 8 واحد من أصحابه 9: "وإن زاد فقال: الله أكبر كبيراً ... إلى آخره فحسن".
وهذا هو الذي
ينبغي في هذا؛ لأن هذه الزيادة دون الثلاث الأول 1 في المرتبة استحباباً ومستنداً، فالثلاث منقولة 2 في ذلك دون ما بعدها، ولكن لمّا وردت في الحجِّ 3 كانت زيادتها ههنا لمن يريد الزيادة أحسن من غيرها.
وقوله "يقول بعده: كبيراً" يمكن التوفيق بينه وبين النصَّ بأن يقال: قول الشافعي في الزيادة فقال: الله أكبر، حكاية منه للتكبيرة 4 الثالثة أعادها لئلا يفرد "كبيراً" بالذكر مع أنه لا يستقل لكونه من تتمة الثالثة، وهذا حسن عايص 5، وقد قال شيخه الإمام: "ذكر الصيدلاني عن الشافعي أنه كان يرى أن يقول بعد التكبيرات الثلاث 6: كبيراً ... إلى آخره" 7، فنسبه إلى الشافعي، وأراه أخذه من المأخذ الذي ذكرته، والله أعلم.
إذا فاتت صلاة العيدين في قضائها أربعة أقوال 8 هذا على 9 القول الصحيح في أنها لا تعتبر فيها شرائط الجمعة 10، أما إذا قلنا 11 باعتبارها فلا تقضى على
ما صرَّح هو (به) 1 في "البسيط" 2، وشيخه في "النهاية" 3 قولاً واحداً كالجمعة، وأصحُّ الأقوال أنها تقضى أبداً 4، والله أعلم.
قوله: "ولكن يوم الحادي والثلاثين 5 إن فات يوم الثلاثين" 6 أي أنها تقضى في اليومين إن قضاها في الثلاثين فذاك، وإلا ففي الحادي والثلاثين؛ "لأنه يحتمل هذا اليوم الأداء" 7 أي قد يكون يوم عيد بأن يكون شهر الصوم تاماً، والمعنى فيه 8 أنه لا يكون حينئذٍ (قد) 9 أقيم هذا الشعار الظاهر في غير أوانه حتى يلزم منه شنعة ظاهرة، ترك السنة أهون منها 10.
قوله: "وقد سبق نظيره في النوافل" 11 أما 12 الأول والرابع فبأعيانهما 13، وإطلاق النظير عليهما 14 هو التحقيق لحصول التغاير بتعدد المحلين، وأما الثاني
والثالث فلا وجود لهما هناك ولا لنظيرهما على التحقيق، لكن مراده ما هو نظير من حيث التشبيه الظاهري، وذلك هو الوجه الذي قيل فيه هنالك: إنه يتقيَّد قضاء نافلة كل صلاة بما قبل وقت الصلاة الأخرى.
وهكذا الوجه الآخر: إنه يقضى فائت النهار بالنهار، وفائت الليل بالليل؛ فإن هذا نظيره في أنه تقييد للقضاء بوقت دون وقت، فهذا وجهه من حيث التنظير 1. وأما وجهه من حيث التقرير: فلكون 2 ذلك يشتمل على رعاية المعهود في هذا الشعار الظاهر، ويبعد مما يوقع في سمعه لا يعرف الثاني 3 كنهها، وتخصيص الشهر مع أنه شهر العيد يشتمل على بعض هذا 4 وإن لم يشتمل على كله، وهذا يقتضي أن لا يطرد هذان في المصلي منفرداً، وقد قال الإمام أبو المعالي: "إن الظاهر ذلك" 5.
قوله: "أما 6 إذا شهدوا بهلال شوال بعد الغروب من يوم الثلاثين لم يصغ إليهم؛ لأنه لا فائدة إلا ترك صلاة العيد" 7 هذا تعليل شيخه في "نهاية المطلب" 8 وقال في آخره: "إذا سقطت فائدة الشهادة لم نصغ إليها، وجعلنا وجودها كعدمها".
اعلم أن هذا مشكل يوقع - إلا من عصمه الله - في وهمين:
أحدهما: اعتقاد بطلان الشهادة، وعدم قبولها 1 رأساً، وهذا لا سبيل إليه؛ فإنه لا سبيل إلى نفي الأحكام المتعلقة بأول شوال بيمين، أو نذر، أو عتق يعلق، وطلاق، وغير ذلك بعد قيام البيِّنة العادلة على استهلال الشهر 2. الثاني: يوهم كون عدم الإصغاء لكون المقتضي 3 إلى ترك صلاة العيد لا يثبت على تجرده، وبانفراده بالبيِّنة، ولا تسمع فيه الشهادة، وأحسب 4 الإمام الغزالي لم يسلم من 5 هذا؛ من حيث إنه 6 وصل كلامه هذا في "البسيط" 7 بأن قال: "وهذا شعار ظاهر لا يجوز الإخلال به ما أمكن، فلا يصغى 8 ". وهذا أيضاً فاسد جداً؛ لأن ترك صلاة العيد: إما من الأمور المحذورة وإما من غير المحذورة 9 وكل ذلك مما يثبت أسبابه بالبيِّنة، ولا ترد فيه شهادة الشهود مهما كان المقتضي 10 إليه مما يدرك ويعلم، فهو كسائر ما يشهد به من غير فرق.
وأيضاً فتقدير قبول 11 الشهادة لا يترك الصلاة على القول بشرعيَّة قضائها وهو
الصحيح 1، وإنما تصير مقضيَّة فحسب، فأيُّ مانع من قبول الشهادة في ذلك؟ وكيف يلزم الإخلال الذي ادَّعى أنه نفى قبولها خوفاً منه؟ وفساد هذا من الأمور التي ينتهي ظهورها إلى أن يعتري المحتجَّ لها وقفة حيرة؛ لتزاحم وجوه حجاجها، وتسابقها إلى الذهن.
وبعد هذا فالذي وقع عليه خاتم البحث في تصحيح هذا الكلام وتوضيحه: أن يحمل مطلقه على مقيَّد يصحُّ به، وأن يردَّ أصله إلى ما اعتمد عليه صاحب المذهب الشافعي - رضي الله عنه - من قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه هو 2، وغيره 3 من حديث عائشة رضي الله عنها: (الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحُّون، وعرفة يوم تعرفون) ورواه أبو داود 4 بإسناد جيَّد عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم 5 يوم تضحُّون، وكل عرفة موقف) بأن يقال: المنفي من الإصغاء إلى هذه الشهادة مخصوص بما يقتضيه من ترك صلاة العيد، فلا تقبل فيه 6 هذه الشهادة بالنسبة
إلى صلاة العيد، ولا يصغى إليها في أمرها، ولا ينتهض ذلك في نفسه مصححاً لها؛ لأنه لا فائدة تحته؛ لأن فائدته ترك صلاة العيد، وهي لا تصير متروكة بذلك 1، أي لا يتبيَّن أنها تركت في وقتها حتى إن فعلت كانت قضاءً مختلفاً في شرعيته 2؛ لأن وقتها الغد، وإن بان أنه اليوم الثاني؛ لأن يوم العيد ليس عبارة عن أول يوم من شوال، بل هو عبارة عن أول يوم يفطر فيه الناس؛ بدليل الحديث الذي ذكرناه، فإنه ليس يمكن حمل قوله (الفطر يوم تفطرون) على الإفطار نفسه؛ فإنه لا فائدة في ذكره، فيبقى أن معناه: عيد الفطر يوم تفطرون، ويسمى عيد الفطر فطراً، كما تسمى صلاة الظهر ظهراً مثلاً 3، والأمر في هذا كما 4 في التعريف فإنه تابع لفعلهم، لا للثابت 5 في نفس الأمر، فلو عرَّفوا اليوم العاشر وقع موقعه، وكان يوم عرفة في حقهم.
فإن قلت: فيما ذكرته جواب عن الإيهام الأول أيضاً؛ لأن الشهادة إذا لم تقبل بالنسبة إلى صلاة العيد لزم بطلانها مطلقاً؛ لأنهم ما أنشأوها إلا لذلك؟ قلت: هذا غلط؛ لأنهم شهدوا بالهلال نفسه فحسب، وليس للشهود التعرُّض لفوائد ما يشهدون به وآثاره، ولو تعرَّضوا لذلك للغي 6 تعرُّضهم، ولم يؤثَّر على ما لا يخفى، والله أعلم بالصواب، وإليه اللجأ 7 في العصمة والثواب.
قوله فيما إذا ثبت أنه يوم العيد في آخر النهار وجهان: أحدهما: المبادرة أولى.
والثاني: التأخر إلى غدٍ أولى.
ينظر في الثاني إلى نسبة وقت القضاء للأداء 1. هو نسبة بالنون أي أن الغد له انتساب إلى الأداء من حيث إنه قد يكون وقت أداء فيما إذا وقع العيد فيه، ولا نقرر هذه النسبة بالشَّبه الحاصل بكونها مفعولة أول النهار.
ومن قرأه تشبَّه بالتاء والشين المثلثة ثم الباء المشدَّدة فقد صحَّف 2، وهو من حيث المعنى غير مستقيم من وجوه: الأول: أن القائل الأول يعارضه بمثله فيقول: فعلها بعد الزوال يشبه الأداء من حيث وقوعه في يوم 3 العيد، ففي كل واحد منهما مشابهة للأداء ليست في الآخر فيتعارضان.
وأما ترجيح الأول بالمبادرة فللثاني أن يعارضه فيُرجِّح 4 بأن الاجتماع في غد أمكن وأيسر.
وإن كان لا خلاف على 5 ما قاله الإمام أبو المعالي إنه 6 إذا شقَّ جمع الناس فضحوة الغد أولى 7.
قوله: "فإن الغلط ممكن" 1 أي في الهلال لا في شهادة من شهد، وقوله "ممكن" أحسن منه أن يقول: كثير، كما 2 قاله في موضع آخر 3.
قوله 4: "لا يمكن تفويته" 5 هذا يظهر توجيهه على قولنا 6: إن صلاة العيد لا تقضى، فيظهر تشبيهها 7 بالغلط في الوقوف بعرفة.
وأما إذا قلنا: تقضى، فيضعف توجيهه ومع ذلك فيقال فيه: إخراج هذا الشعار عن وقته المعهود محذور، وهذا الوجه مخصوص بما إذا كانوا معذورين، أما إذا تعمدوا إخراجها عن وقتها فهي فائتة قطعاً كما في الوقوف.
ثم إنَّ 8 الأصحَّ أنها قضاء ويبادر إليه في بقيَّة النهار 9.
قال فيما إذا لم يعدَّلوا إلا ليلاً: "ففي فوات الصلاة وجهان" 10 وفي "بسيطه" 11، وكتاب شيخه 12: قولان: الثاني: يعتضد بما إذا عُدِّلوا قبل
طلوع الشمس؛ فإنه لا خلاف أنها أداء غير فائتة، ولا نظر إلى وقت الشهادة، لكن للأول 1 أن يفرِّق بأن التعديل هناك جرى بعد دخول وقت الصلاة، وبعد أن شُرع فعلها أداء، بخلاف هذا، والصحيح هو الأول 2، والله أعلم.
قوله في ترك أهل القرى القريبة صلاة الجمعة: "القياس أنه لا يجوز، وقال العراقيون: الصحيح الجواز" 3 هذا وجه نقله هو وشيخه 4 عن العراقيين، فلا ينبغي أن يتوهم من تأخيره ذكر العراقيين أنهم لم يذكروا وجهاً في المنع، فإنه قد أشار إلى ذلك بقوله عنهم "الصحيح الجواز".
والقول بجواز ترك الجمعة هو الصحيح 5، وهو مذهب الشافعي - رضي الله عنه - نصَّ عليه في الجديد 6، والقديم 7 واحتجَّ له 8. وحديث أبي هريرة الذي ذكره في الكتاب 9 مخرَّج في "سنن أبي داود" 10 ولفظه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
(قد 1 اجتمع 2 في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من 3 الجمعة 4 وإنا مجمِّعون) وفي غيره (فمن أحبَّ أن يشهد معنا الجمعة فليفعل، ومن أحبَّ أن ينصرف فليفعل) 5، والحديث المرفوع في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رواية أبي هريرة - رضي الله عنه - وغيره 6 مطلق، وتخصيصه بأهل السواد يروى 7 فيه من وجه ضعيف 8، ولكن صحَّ عن عثمان من قوله، روى البخاري عنه 9 أنه خطب في مثله وقال: (فمن 10 أحبَّ من أهل العوالي ...) وذكر مثله.
وروى الشافعي
- رضي الله عنه - عن عمر بن عبد العزيز عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مثله مرسلاً 1 وأنه قال: (فمن أحبَّ من أهل العالية 2) وهي في سواد المدينة 3 - حرسها الله تعالى.
وبعد هذا فقول الغزالي - رحمه الله وإيَّانا - "روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرخَّص لأهل السواد في مثل هذا اليوم في الانصراف" رواية منه للرواية الضعيفة، ويحتمل أن يكون رواية منه لحاصل حديث أبي هريرة على المعنى من حيث إن المطلق منه 4 خُصَّص بقول عثمان المنتشر من غير 5 نكير، واستجاز ذلك بقوله: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ... " ولو قال: روي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... إلى آخره، لما ساغ له إلا أن يكون قد روي بهذا اللفظ؛ لأنه تغيير، ولا يجوز مثله ولا على مذهب من يجيز 6 الرواية بالمعنى، والله أعلم.
على أن 7 ما أتى به مع هذا مستكره 8، وكان الأولى به مجانبة أمثاله لما فيه من الإيهام وقلة من يفهم الفرق بينهما، والله أعلم.
ومن باب الخسوف
المشهور بين الفقهاء أن الخسوف مخصوص بالقمر، والكسوف مخصوص بالشمس 1، والأشهر بين أهل اللغة 2 خلافه، وأنهما مستعملان 3 فيهما جميعاً، ولهم أقاويل وأشبهها وأصحها أنهما يستعملان فيهما على معنى واحد 4. والمعروف بين الفقهاء قد نقله أيضاً غير واحد من أهل الشأن، وقال صاحب "الصحاح" منهم: الأفصح في الشمس الكسوف، وفي القمر الخسوف 5. ومن أهل اللغة من فرَّق بينهما من وجه آخر فقال: الكسوف ذهاب بعض الضوء، والخسوف ذهاب جميعه 6. ما ذكره من حديث الخسوف 7 صحيح متفق على صحته من رواية جماعة 8 من الصحابة منهم: عائشة، وابن عمر، وابن عباس،
وأبي 1 موسى، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم 2، ولفظه في الكتاب قريب من لفظ 3 رواية أبي مسعود الأنصاري.
قوله 4: "لا يخسفان" هو بفتح الياء، وقد منعوا من أن يقال بالضم 5.
قوله: "فلو تمادى الخسوف جاز أن يريد ثالثاً ورابعاً على أحد الوجهين؛ إذ روى 6 أحمد بن حنبل أن الركوع في كل ركعة ثلاث، فليحمل على صورة التمادي 7، والقياس المنع ان لم يصحّ الخبر" 8 أما نسبة ذلك إلى أحمد بن حنبل فلا يرتضيه أهل الحديث؛ فإن أحمد وغيره من حفاظ الحديث مشتركون في روايته 9، والمعتاد في مثل ذلك أن يضاف إلى من تفرد بروايته، وهو في هذا
الحديث فوق أحمد وطبقته، وهو عبيد بن عمير 1 المتفرد به عن عائشة رضي الله عنها، أو عبد الملك بن أبي سليمان 2 المتفرد به من حديث جابر.
وأما قوله "القياس المنع إن لم يصح الخبر" فلا يخفى أن القياس المنع صحَّ الخبر أو لم يصحّ 3، فإذاً فيه محذوف تقديره: فالقياس المنع، فيمنع منه إن لم يصحّ الخبر.
ثم إنَّ هذا الخبر قد اختلفوا في صحته فصححه مسلم وأخرجه في "صحيحه" من حديث عائشة وجابر، وكذلك صحَّح ما تفرد به حبيب ابن أبي ثابت 4 في حديث ابن عباس (أنه - صلى الله عليه وسلم - صلاها ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات) 5، فمن أصحابنا من ذهب أيضاً إلى تصحيح هذه الأخبار جميعاً، وأنه - صلى الله عليه وسلم - صلاّها
مرات مرة بركوعين في كل ركعة، ومرة بثلاث ركوعات في كل ركعة، ومرة بأربع ركوعات، وأن الجميع جائز، وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يزيد في الركوع عند تمادي الخسوف، ذهب 1 إلى ذلك جماعة من أئمتنا الجامعين بين الفقه والحديث منهم: ابن خزيمة 2، وصاحبه أبو بكر ابن إسحاق الصبغي 3، ثم أبو سليمان الخطابي 4، ثم قيل: إنه على هذا الوجه لا تختصُّ الزيادة بما ذكر، بل يجوز أكثر من أربع على حسب 5 تمادي الخسوف، وهو مذهب إسحاق بن راهويه 6. وأما مذهب الشافعي 7 والبخاري صاحب "الصحيح" 8 في ذلك فهو الترجيح والقول بالركوعين في كل ركعة فقط؛ لأن ذلك أصحُّ إسناداً، وأوثق
رجالاً، وأكثر 1 عدداً، مع أن كل ذلك راجع إلى حكاية صلاة واحدة وهي صلاته - صلى الله عليه وسلم - في الخسوف الواقع يوم مات ابنه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وعليه 2. ومقتضى هذا أن يكون المذهب 3 أن لا تُستأنف صلاة أخرى عند تمادي الخسوف، وأن لا يقتصر على ركوع واحد عند سرعة الانجلاء 4، والله أعلم.
يستحب 5 أن يقول في اعتداله من كل ركوع: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد 6. ورد به نصُّ الحديث المتفق على صحته 7، ونصَّ عليه الشافعي - رضي الله عنه - 8.
هذا الذي قاله من التقدير بالسور الأربع 1 رواية 2 البويطي 3، وابن أبي الجارود 4 عن الشافعي، ورواية غيرهما عنه هو المشهور 5، وهو ما في "المهذَّب" 6: أن في القومة الأولى: سورة البقرة أو قدرها إن كان لا يحفظها، وفي الثانية: بقدر مائتي آية من البقرة، وفي الثالثة: خمسون ومائة آية، وفي الرابعة: بقدر مائة آية.
ورواية البويطي وابن أبي الجارود تقارب هذا، وأنا أنقلها على نصِّها من "الجمع لمنصوصات الشافعي - رضي الله عنه -" 7 لما فيها من الفوائد قال: "يقول في القيام الأول نحواً من سورة البقرة، ثم يركع نحواً من قراءته، ويقرأ في القيام الثاني نحواً من آل عمران، ثم يركع نحواً من قراءته، ويقيم في
كل سجدة نحواً مما أقام في ركوعه، ثم يقرأ في القيام الأول في الركعة الثانية نحواً من سورة النساء، ثم يركع نحواً من قراءته، ثم يقرأ في القيام الثاني من الركعة الثانية 1 نحواً من سورة المائدة، ثم يركع نحواً من قراءته، ثم يرفع 2، ثم يخرُّ ساجداً، فيسجد سجدتين يقيم في كل سجدة نحواً مما أقام في ركوعه).
فهذا منقول على الاتفاق، وما فيه من مساواة كل ركوع لما قبله من 3 القراءة لم أجد لأحد من الأصحاب موافقته، ولا في الركوع الثاني، مع اختلافهم الكثير فيه 4، إلا أني وجدت بخطَّ الشيخ الوالد رحمه الله حكاية قول كذلك.
وما ذكره المؤلف في الركوعات 5 هو نصُّ الشافعي 6 المشهور 7 إلا الركوع الثاني فإنه لم يقدَّر تسبيحه، (وقال) 8: "يسبِّح بقدر ما يلي الركوع الأول".
واختلف الأصحاب في مقداره على خمسة أوجه: أحدها: ما في الكتاب وهو ثمانون آية، و 9 هو قول الشيخ أبي حامد الأسفراييني من العراقيين، وصاحب
"التقريب" من الخراسانيين 1، والمراد بالآيات في هذا وما ذُكِر 2 معه الآيات 3 المقتصدة 4. والثاني: تسعون آية بالتاء المثناة في أوله، وقد عُزي 5 إلى الشيخ أبي حامد 6. والثالث: بقدر خمس وثمانين آية، وهو قول سليم الرازي 7. والرابع: بقدر 8 سبعين آية، وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو 9 إسحاق 10 ولا ينبغي أن يستبعد؛ فإنه يوافق نقل الربيع عنه 11 أنه يسبِّح بقدر ثلثي الركوع الأول.
والسبعون ثلثان على التقريب، وصير إليه دون التحقيق لما فيه من الكسر، وهو مستكره فيما مبناه على التقريب.
و 12 الخامس: بقدر الركوع