الفصل الرابع: دراسة كتاب "شرح مشكل الوسيط"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كانتقاض طهر 1، أو غيره، وإن خرج كان آثماً.
والذي صار إليه صاحب الكتاب إنما هو شيء قاله شيخه إمام الحرمين 2 من عنده لم ينقله، بل عقبه بأن قال: "وما عندي أن الأصحاب يسمحون بهذا".
فكان 3 من حقِّ صاحب الكتاب أن يُبَيِّن من حال هذه المقالة مثل ما بَيَّنه شيخُه، ولا يدكرها ذكرَ مضيفٍ لها إلى المذهب قاطع بها؛ فإن ذلك يوجب خللاً في معرفة المذهب، وله من أشباه ذلك الكثير - رحمنا الله وإياه -، والله أعلم.
قوله في الجمع بين فريضة ومنذورة 4: "يُخرَّج على أنه يسلك بالمنذور 5 مسلك واجب الشرع، أو جائزه، وفيه قولان" 6 المنذور 7 هو كما أوجبه الشرع من غير نذر منه في أصل وجوب فعله بلا خلاف، وإنما هذا 8 الخلاف في أنه في صفته وكيفيته كما يجوز ولا يجب من 9 القربات، أو كما يجب في أصله
منها 1، والله أعلم.
ذكر فيما لو نسي صلاتين مختلفتين من 2 يوم وليلة أنه إن 3 شاء اقتصر على تيممين يؤدي بأولهما الأربع الأُول 4 من الخمس وهي: الصبح، والظهر، والعصر 5، والمغرب، ثم يتيمم ويصلي الأربع الأخيرة وهي: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، فلو عكس وبدأ بالأربع 6 الأخيرة فأداها بالتيمم الأول لم يجزه 7 إلى آخر ما ذكره 8. هذا يوهم تعيُّن ما هو غير متعيِّن في ذلك، فاعلم أنه لا يتعين في ذلك الابتداء بالصبح، ولا أن يأتي بالصلوات على التوالي الواقع فيها في أوقاتها، بل له أن يبدأ بأية صلاة أراد، ويثني بغير الصلاة التي تليها في حالة أدائها في أوقاتها، ولكن يشترط أن يراعي شرطاً واحداً وهو: أن يجعل ما بدأ به في المرة الأولى متروكاً في المرة الثانية، والذي بدأ
به في 1 المرة الثانية متروكاً في المرة الثالثة فيما إذا نسي ثلاث صلوات وصلى تسع صلوات بثلاث تيممات.
وهناك ضابط يتوسع به ويعتمد عليه في جميع الصور وهو: أن ينظر الناسي 2 إلى عدد ما نسيه من جملة الخمس فيتيمم بعدد المنسي، ثم يصلي بكل تيمم من الصلوات مقدار العدد الذي يجتمع من منسية واحدة إذا ضمها إلى عدد ما لم ينسه من الخمس.
و 3 هكذا جرى 4 الأمر فيما سبق ذكره فيما إذا نسي صلاتين مختلفتين من الخمس 5، فلو أنه نسي ثلاث صلوات: تيمم ثلاثاً وصلى تسع صلوات، ثلاثاً منها بكل تيمم؛ لأن غير المنسي ثنتان وهما مع منسية واحدة ثلاث، فيتيمم ويصلي الصبح، والظهر، والعصر، ثم يتيمم ويصلي الظهر، والعصر، والمغرب، ثم يتيمم ويصلي العصر، والمغرب 6، والعشاء.
فإن كان المنسي أربعاً: تيمم أربعاً، وصلى 7 ثمان صلوات بكل 8 تيمم صلاتين.
وإن نسي الخمس: كان تيممه خمسة بموجب القاعدة أيضا، وتساوى عدد التيممات والصلوات.
كان نسي ستاً أو أكثر: تيمم للخمس خمسة وجعل الزائد 9 بمثابة ما 10 إذا كان ذلك هو المنسي لا غير، وعمل فيه ما ذكرناه أولاً، والله أعلم.
قوله: "لقوله - صلى الله عليه وسلم -: أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت" 1 هذا قد رويناه في كتاب "السنن الكبير" 2 من حديث عمرو بن شعيب 3 عن أبيه 4 عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت).
إسناده حسن يحتج بمثله.
وفي "الصحيحين" 5 من حديث جابر بن عبد الله نحوه وهو (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل)، والله سبحانه وتعالى أعلم 6.
قوله: "كصلاة سلس البول، والمستحاضة" 1 هو بكسر اللام من سلِس، وكل ما ذكر من هذا مع المستحاضة فهو بكسر اللام، وهو الشخص الذي به ذلك.
وما ذكر مع الاستحاضة فهو بفتح اللام، وهو عبارة عن المصدر 2، والله أعلم.
ثم إنه عدَّ صلاة المسافر بتيممه في قسم 3 العذر الذي إذا وقع دام 4، وذلك مستدرك عليه؛ لأن عدم الماء في السفر ليس مما يدوم غالباً، بل الغالب أنه إذا 5 عدمه في بعض المراحل يجده في أكثرها، والصواب ما فعله غيره من الأصحاب 6، حيث قسموا العذر إلى عام: كالسفر والمرض، وإلى نادر، ثم النادر ينقسم إلى: ما إذا وقع دام، وإلى ما إذا وقع 7 لم يدم.
وعدَّ أيضاً في قسم ما لا يدوم ولا بدل فيه: المربوط على خشبة إذا صلى بالإيماء 8. وقطع فيه بوجوب القضاء كمن لم يجد ماءً ولا تراباً، وهذا فيه نظر؛ لأن الإيماء إلى الركوع والسجود بدل عنهما، فالصواب أن يُعدَّ ذلك من قبيل
القسم الآخر الذي في القضاء فيه قولان، وهو قسم ما لا يدوم وفيه بدل، وهذا إذا صلى إلى القبلة، وفي المحبوس في حشِّ المومي إلى السجود قولان مشهوران، وقد ذكر الخلاف فيه هو 1 في آخر الباب 2 وهذا مثله.
وقد 3 قال الصيدلاني في المربوط المومي: "إن صلى إلى القبلة فلا قضاء، وإلا فعليه القضاء" 4.
قوله: "أو من على جرحه، أو فصده، أو حجامته نجاسة" 5 كذا وقع، و 6 فيه عجمة؛ فكأنه لما رأى الجرح يعبَّر به عن محل الجرح، عبَّر 7 بالفصد والحجامة عن محلهما، ولا سواء 8 في ذلك في 9 الاستعمال، والله أعلم.
قوله: "روي أن علياً انكسر زنده، فألقى الجبيرة عليه، وكان يمسح عليها، ولم يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقضاء الصلاة.
وتوقف الشافعي - رضي الله عنه - في صحة هذا
الحديث" 1 قلت: هو ضعيف 2 عند أهل الحديث، مشهور بالضعف 3، وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره بالمسح عليها، والله أعلم.
قوله فيمن صلى عرياناً: "أن كان ممن 4 لا 5 يعتاد السترة" 6 يعني يغلب العري فيهم، عاجزين عن الساتر.
وقوله في (عدم) 7 وجوب القضاء على العاري: "وبه قطع صاحب التقريب على الإطلاق" 8 يعني 9 من غير فرق بين من يعم العري فيهم 10، ومن لا يعم العربي 11 فيهم، بل سوَّى بينهم في عدم وجوب القضاء، والله أعلم.
ومن باب المسح على الخفين
قوله: "وهو رخصة لم ينكرها إلا الروافض 1 " 2 إنكاره مروي عن غيرهم كأبي بكر بن داود الظاهري 3، وهو إحدى 4 الروايتين عن مالك 5. ثم إنه 6 استدلَّ على جوازه فقال: "دليلنا قول صفوان بن عسَّال 7: (أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كنا مسافرين
أو سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام 1 ولياليهن) 2 وهذا حديث أخرجه النسائي 3، والترمذي 4، وغيرهما 5، وله مرتبة الحديث الحسن 6. وترك الاستدلال بالأحاديث التي هي أقوى منه الثابتة في الصحيحين أو أحدهما عن جرير بن عبد الله البجلي 7، وسعد بن أبي وقاص 8، وحذيفة بن اليمان 9، والمغيرة
ابن شعبة 1، وعلي بن أبي طالب أخرجه عنه مسلم في "صحيحه" 2، وعمرو ابن أميَّة الضمرى 3، وغيرهم 4. وابن عسَّال هو بعين وسين مهملتين، والسين مشددة.
وقوله (مسافرين أو سفراً) شك من الراوي في اللفظ، وهما بمعنى واحد، ومن قال فيه: سفرى بألف مقصورة في آخره فهو غالط، وإنما هو سَفْراً آخره راء منونة، وهو جمعٌ واحدُه سافِر كما تقول: صاحب وصحب، وراكب وركب 5. ثم قيل 6: إنه لم يُنطق بسافر واحده، وإنما يقدر، وقيل: بل نطق به 7، والله أعلم.
يحتاج إلى دليل على ما 1 ذكره من اشتراط لبس الخفَّ على طهارة 2، ودليله الحديث، ومن أدلَّ أحاديثه 3 حديث أبي بكرة 4 (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما).
وهو حديث حسن 5.
قوله في المستحاضة إذا لبست الخفَّ على طهارتها التي لم تُصَلَّ بها 6، وجوَّزنا لها 7 المسح لا زيادة على صلاة واحدة بالإجماع 8. يعني به إجماع
الأصحاب المفرِّعين على هذا الوجه، وفيه 1 خلاف محكيٌّ عن الشيخ أبي حامد صاحب "التعليق" 2: أن لها أن 3 تمسح يوماً وليلة، أو ثلاثة أيام ولياليهن غير أنها تجدِّد عند كل صلاة فريضة 4 الوضوء والمسح 5 على الخف.
وقاله 6 إمام الحرمين 7 في صورة إشكال أبداه معترفاً بأنه ليس من المذهب، وأن المقطوع به عند الأئمة 8 الأول، والله أعلم.
قوله: "الشرط الثاني: أن يكون الملبوس ساتراً، قوياً، مانعاً للماء من النفوذ، حلالا" 9 لا يقال: قطع في الضابط باشتراط كونه مانعاً للماء حلالاً، وهو غيرمقطوع به 10 على ما بيَّنه في التفصيل 11 , لأنا نقول: الوجه فيه وفي أمثاله، أنه يذكر في الضابط القيود المتفق عليها، و 12 القيود المختلف فيها، ولا يذكر فيه الخلاف، بل يُؤخِر ذكر الخلاف فيه إلى التفصيل طلباً لوجازة الضابط، ورشاقته، فلا يكون ذلك على هذه الصفة قطعاً منه بالمختلف فيه.
ومن الفائدة فيه: أنه 1 يكون قد ذكر أولاً - بذكر الجميع - المحلَّ الذي يثبت فيه الحكم اتفاقاً، بخلاف ما 2 إذا لم يذكر في الضابط القيد المختلف فيه؛ فإن من يشترطه ينفي الحكم في القدر المذكور.
وهذا قد تكرر من صنيع صاحب الكتاب فيه 3 كثيراً، وقد وجهناه له، (و) 4 الحمد لله.
يبقى أن يقال: فقد ترك ههنا في الضابط من القيود المختلف فيها: أن لا يتعذر المشي عليه لأمر غير ضعفه في نفسه؛ لكونه جديداً، أو لكونه 5 مفرط السعة والضيق 6، وترك أيضاً: كونه يسمى خفاً، فإنه شرط عند الشيخ أبي محمَّد 7، فلو لفَّ على رجله قطعة جلد وشدَّه لم يمسح عليه عنده.
فأقول: ذلك على تقدير اشتراطه يمكن إِدراجه في ضمن كلامه فيقال: قوله "أن يكون الملبوس" المراد به: أن يكون الخفُّ الملبوس؛ لأن الكلام من أوله إلى آخره مسوق في الخفِّ.
وقوله "قوياً" يسوغ تفسيره بالذي يقوى لابسه على المشي فيه، وذلك ينفي الضعف من اللابس والملبوس، وإيراده مسألة خفِّ الحديد في تفصيل قيد القوة 8 يصلح 9 محلاً لذلك، والله أعلم.
قوله: "الملبوس 1 المشفَّ" 2 كان ينبغي أن يقول 3: الشفَّاف؛ فإن المحفوظ فيه 4 (شفَّ) 5 ثلاثياً، لا أشفَّ رباعياً 6، والله أعلم.
قوله: "المشقوق القدم الذي يشد محل الشق منه بشَرَج" 7 هو الشرج بفتح الشين المعجمة والراء، وهو: العُرى التي في محل الشق 8، والله أعلم.
قوله: "ولا على جورب الصوفية" 9 فجورب الصوفية يتخذ من جلد رقيق، ويلبس في المداس، أو النعل، ونحوهما 10، ويسمونه 11 المخملي بالخاء المعجمة على ما ذكر لي، والله أعلم.
قوله: "والمراد بكونه: مانعاً للماء: المنسوج" 12 أي المنسوج بجهة الاحتراز منه، والنفي له 13، وهكذا مثله في قوله: "والمراد بكونه: حلالاً: المسح على الخفَّ المغصوب" 14 وفي العبارة بعض الشيء، والله أعلم.
والظهارة والبطانة 1 هما بكسر الظاء والباء 2، والله أعلم.
قوله: "لم ينقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه مسح على 3 الخفَّ خطوطاً" 4 معناه: لم ينقل فيما يرجع إلى الاستيعاب وضده إلا هذا، وليس ما ذكره من المسح خطوطاً ثابتاً في الرواية فيما علمناه، ولا وجدناه 5 أصلاً في كتب الحديث 6، وقول صاحب "النهاية" فيه إنه حديث صحيح 7. غير صحيح، والله أعلم.
تعليله إتمام مدة المسح 1 للمسافرين فيما إذا كان ابتداء مدته في الحضر 2: "بأنه لا حَجر في الحدث" 3 معناه: أنه لو منعناه من مسح المسافرين بسب حدثه في الحضر لكان المريد للسفر إذا تهيأ له بلبس الخفِّ قبل الخروج كما جرت العادة، ثم حضره الحدث يمسكه ويحجر على نفسه (فيه) 4 إلى أن يخرج إلى السفر كيلا يحرم مهلة مسح 5 السفر ولا حجر في الحدث 6، والله أعلم.
إذا مسح في السفر (ثم أقام فَضَبْطُ مذهب المزني فيه 7: أنه 8 يمسح في الحضر 9 ثلث ما بقي له من مدة مسح) 10 المسافر 11، فإن كان قد بقي له يوم: مسح ثلث يوم، وإن بقي له يومان وليلتان: مسح ثلثيهما وهو ثلثا يوم وليلة، والله أعلم.
ومن كتاب الحيض
قوله 1: "أما حكم الحيض فهو المنع من أربعة أمور" 2 بل هو أكثر من ذلك، فمن أحكامه غير ذلك: المنع من الطلاق، ومنها وجوب الغسل له 3 عند انقطاعه، ومنها حصول البلوغ به، ومنها تعلق الاستبراء والعدة به 4، والله أعلم.
ما ذكره من الخلاف فيما إذا وجدنا امرأة على خلاف ما ذكر في أقل الحيض وأكثره، وكذا في الطهر 5، لا يخفى أنه إنما هو فيما إذا 6 استمرت عادتها على ذلك واستقامت، والقول باتباع ذلك والحكم به وإن ضعَّفه إمام الحرمين 7 فهو 8 الصحيح، اختاره جماعة من المحققين 9 و 10 مما علقته بنيسابور من كتاب
بنيسابور من كتاب "المحيط" لوالد إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني 1 أنه قال: "كانت امرأة تستفتيني بأسفرايين 2 وتقول: (إن) 3 عادتها في الظهر 4 مستمرة على أربعة عشر، فجعلت ذلك طهراً 5 على الدوام" 6. قلت: وهذا منصوص الشافعي، نقله صاحب "التقريب" فيه 7، وناهيك به اتقاناً، وتحقيقاً، واطلاعاً، وكأنهم لم يقفوا على النصِّ فيه، والله أعلم.
قوله: "في الاستمتاع بما تحت الإزار" 8 أي بما تحت السرة وفوق الركبة "يشهد للإباحة قوله - صلى الله عليه وسلم - اصنعوا كلَّ شيء إلا الجماع" هذا طرف من حديث أنس بن مالك الذي رواه مسلم في "صحيحه" 9: (أن اليهود كانوا إذا حاضت
المرأة فيهم 1 لم يؤاكلوها, ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - النبيَ - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ 2 ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ....﴾ إلى آخر الآية 3 فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح) 4. والتحريم وإن كان ظاهر نصِّ الشافعي - رضي الله عنه - 5، فدليل الإباحة أقوى من دليله.
وحديث عائشة المذكور في الكتاب 6 محتمل 7 أن يكون تركه - صلى الله عليه وسلم - ما تحت الإزار لا للتحريم.
فقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أنفست؟) هو 8 بفتح النون وكسر الفاء، ومعناه: أحضت؟.
وأما بضم النون فمعناه: ولدت 9. وهذا الحديث يروى 10 في "الصحيحين".
11 عن أم سلمة، ورويناه في كتاب "السنن
الكبير" 1 عن عائشة وليس في واحد منهما آخر الحديث المذكور في الكتاب الذي احتج به، والله أعلم.
قال: "إذا جامعها والدم عبيط تصدق بدينار، في أواخر الدم يتصدق 2 بنصف دينار، وهو استحباب؛ لحديث ضعيف ورد فيه 3 " 4 فالعبيط بفتح العين المهملة هو الطري 5. وقوله: "لحديث ضعيف 6 " يعني به: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار أو بنصف دينار).
وهو حديث مشهور أخرجه أبو داود 7، والنسائي 8، وغيرهما 9 بهذا اللفظ.
ولم يحمله على التخيير بل التقسيم والتفصيل المذكور بين أول الدم وآخره؛ لأنه ورد مبيناً مفصلاً كذلك في رواية
رويناها في كتاب "السنن الكبير" 1، وأخرج الترمذي نحو ذلك أيضاً 2. ورواية التفصيل وإن لم تكن في القوة كالرواية المشهورة فهي تصلح للاعتماد عليها في التفسير الذي ذكرناه.
ثم إن هذا الحديث ضعيف من أصله 3 لا يصح رفعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وإنما هو موقوف على ابن عباس من قوله 4، وقد كان شعبة 5 رواه مرفوعاً، ثم رجع عن رفعه، ووقفه على ابن عباس، فقيل له: (إنك كنت ترفعه.
فقال: إني كنت مجنوناً فصححتُ) 6. وقد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ النيسابوري بأنه حديث صحيح 7، ولا التفات إلى ذلك منه؛ فإنه
خلاف قول غيره من أئمة الحديث، وهو معروف بالتساهل في مثل ذلك 1. وقد قال الشافعي - رضي الله عنه - في 2 كتاب "أحكام القرآن" 3: "إنه حديث لا يثبت مثله".
ثم إن إضافة صاحب الكتاب استحباب ذلك إلى حديث ضعيف غير صحيح، والقاعدة متقررة على أن الحديث الضعيف لا يصلح لإثبات استحباب ولا غيره من الأحكام 4. وإنما المنهج القويم في جواب من احتج بالحديث في إيجاب 5 ذلك أن يقال: عنه جوابان: أحدهما: حمله على
الاستحباب بدلالة القياس 6. والثاني: أنه حديث ضعيف، مضطرب في إسناده ومتنه.
والمسألة ذات قولين مشهورين: أحدهما: - وهو القديم - الإيجاب.
والثاني: - وهو الجديد - نفي الإيجاب 7، والله أعلم.
ذكر في المستحاضة أنها تتلجم وتستثفر 1. فالتلجم كيفيته: أن تأخذ أولًا تكة 2 أو نحوها، فتشدُّها في وسطها، ثم تأخذ خرقة عريضة مشقوقة الرأسين، فتشد أحد رأسيها في التكة من مقدمها وعند سرتها، وتمد الخرقة بين إليتيها وعلى فرجها، وتعقد رأسها الآخر من ورائها في التكة المشدودة في وسطها 3. وهذا التلجم هو الاستثفار ههنا فيما ذكره صاحب "الشامل" 4، وغيره 5. وهو كما قال، غير أن لهما معنيين مختلفين، وقد اجتمعا في هذا الأمر الواحد، فذلك تلجُّم لما فيه من مشابهة اللجام 6، وهو أيضاً استثفار لما فيه من مشابهة ثَفَر الدابة بفتح الثاء المثلثة 7 والفاء وهو الذي يكون تحت ذنبها 8، وفي ذلك تسمية لتلك الخرقة لجاماً وثفراً لمشابهتها إياهما 9، والله أعلم.
قوله: "لو انقطع بعد الوضوء ساعة" 10 هذا الانقطاع غير انقطاع الشفاء الذي ذكره قبله 11، فهذا انقطاع عاد بعده الدم، وذلك انقطاع لم يعد بعده الدم.
واعلم أنه متى انقطع دمها بعد الوضوء وقبل الصلاة، لزمها استئناف الوضوء في جميع الصور إلا فيما إذا عرفت من عادتها أنه يعود 1 قبل مضي زمان يسع الوضوء، ثم لم يظهر خلاف ما اعتادته، فهذه 2 لها أن تصلي من غير استئناف الوضوء، فلو ظهر خلاف عادتها واتصل الانقطاع، لزمها استئناف الوضوء 3، والصلاة 4. فقوله: "لو 5 انقطع بعد الوضوء ساعة تتسع لوضوء وصلاة، فلم تصلِّ لزمها استئناف الوضوء السابق على الانقطاع" شامل لما سوى الصور 6 التي استثنيناها، وهي ثلاث صور: إحداها: أن ينقطع وهي تعرف من عادتها دوام الانقطاع الساعة المتسعة لذلك، أو أخبرها بذلك أهل الخبرة والطب.
وفي هذه الصورة تمنع من الشروع في الصلاة قبل استئناف الوضوء.
الثانية: أن تكون عادتها عود الدم سريعاً قبل مضي الساعة المذكورة، ولكن بأن خلاف ما اعتادته، ودام الانقطاع ساعة متسعة لذلك، فههنا أيضاً يلزمها استئناف الوضوء والصلاة, وإن جاز الشروع في الصلاة من غير استئناف وضوء؛ لأنه كان بناءاً على ظنٍ 7 بان خلافه.
والثالثة: أن تكون شاكة بأن بدأت بها الاستحاضة ولم تكن لها عادة، أو لها عادة مضطربة، فيلزمها استئناف الوضوء وتمنع من الصلاة بدونه؛ لأن الأصل دوام الانقطاع، وإذا خالفت
وصلت من غير استئناف وبان زمان الانقطاع متسعاً لذلك، لزمها استئناف الوضوء والصلاة.
وإن عاد من غير اتساع ففي إجزاء الصلاة الوجهان المذكوران في آخر الباب 1. هذا تفصيل المذهب 2 في ذلك إذا عرفته عرفت ما في قوله: "ولو انقطع في الحال وهي لا تدري أيعود أم لا؟ فإن كان لا يبعد من عادتها العود فلها الشروع في الصلاة" 3 فقوله "لا تدري أيعود أم لا؟ " عبارة 4 غير لائقة بالمعتادة التي فيها التفصيل الذي ذكره، و 5 إنما هي عبارة لائقة بصورة الشك التي لا يترتب عليها التفصيل الذي ذكره، ولا يجيء فيها ما ذكره من جواز الشروع في الصلاة بلا خلاف في المذهب 6. ثم إن المعتادة 7 لا يكفي في جواز شروعها في الصلاة من غير استئناف الوضوء أن لا يبعد العود من عادتها، بل يحتاج ذلك إلى أن يظهر من عادتها ذلك 8، والله أعلم.
ومن الباب الثاني في المستحاضات
قوله: "وهن أربع" 1 بل هن خمس، والخامسة: الناسية المتحيرة المطلقة وغير المطلقة 2. وقد أفردها بباب، فلعله فعل ذلك لكونها قسماً من أقسام المعتادة.
ورجع عن هذا في باب التلفيق 3 وجعلهن أربعاً والناسية الرابعة منهن، وحذف المعتادة المميزة؛ لوضوح حكمها، واستغناءً 4 بما قدَّمه منها في هذا الباب.
قالوا: مبتدأة بفتح الدال، مفعولة على أنه يقال: ابتدأها الدم فهي مبتدأة، ولم أجده منصوصاً عليه في كتب اللغة، ولم يقلها الفقهاء بكسر الدال على أنها فاعلة كما في المعتادة وباقي المستحاضات، والله أعلم.
قوله في المميزة: "روي أن فاطمة بنت أبي حبيش 5 قالت: إني استحاض فلا 6 أطهر.
فقال - صلى الله عليه وسلم -: إنما هو دم عرق انقطع، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" 7 هذا الحديث ثابت في
"الصحيحين" 1، وغيرهما 2 دون قوله "انقطع"، فإنه زيادة لا تعرف 3. وإنما لفظه المتفق عليه: (إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي).
وأما قوله "فاغتسلي"، فرواه ابن عيينة 4، رواه 5 البخاري عنه ومسلم 6 من
غير شك 1. و (روى) 2 الحميدي 3 صاحبه عنه (وكان) 4 خبيراً بحديثه: أنه شك فيه فقال: (وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي أو قال اغسلي عنك الدم وصلي) 5. وقوله "عرق انقطع" كأنه رواه من توهم 6 أن الكلام بذلك ينتظم ويتم، وذلك وهم؛ فإن دم الحيض يخرج من قعر الرحم، ودم الاستحاضة يسيل من عرق يقال له 7 العاذل فيما روي عن 8 ابن عباس - رضي الله عنهما 9 - بالعين المهملة، والذال المنقوطة، وهو عرق يقع فمه الذي يسيل منه في أدنى الرحم دون قعره 10، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة) إشارة إلى هذا، والعلم عند الله تعالى.
والحيضة: ذكر الإمام الخطابي 1: "أن الصواب فيها كسر الحاء، أي الحالة التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كالقِعدة والجِلسة".
وذكر الزبيدي في "مختصر العين" 2: أنه بكسر الحاء الاسم، والله أعلم.
وجه الدلالة في هذه الرواية الصحيحة أن سياق الحديث دال على أن المراد بإقبال الحيضة وإدبارها: إقبال صفة دم الحيض 3 المعروفة به الغالبة عليه 4 وإدبارها، وليس المراد إدبار نفس الدم؛ فإنها قد أخبرت أنه مستمر بها 5 غير منقطع 6. ثم إن المصنف أتى بما هو أوضح في 7 ذلك فقال: "وفي رواية: دم الحيض أسود محتدم بحراني، ذو دفعات، له رائحة تعرف" 8 لكن هذه رواية ضعيفة لا تعرف 9.
قوله: "المحتدم: اللذَّاع للبشرة بحدته" 1 فمعنى اللذَّاع: المحرق 2. وقوله: "البحراني: الناصع اللون" 3 يعني: الخالص اللون 4. وفي الجمع بين هذا ووصفه بالسواد شيء 5. وقد قال إمام الحرمين 6: "لم يعنِ به أسوداً حالكاً، وإنما أراد أنه تعلوه حمرة مجسَّدة كأنها سواد من تراكم الحمرة".
قلت 7: وقد قال الزبيدى 8: "الدم البحراني: الشديد الحمرة".
وقال الخطابي 9: "هو الدم الكثير الغليظ الذي يخرج من قعر الرحم، ينسب إلى البحر لكثرته وسعته".
قوله 10: "ذو دفعات" الأجود فيه ضم الدال من دفعات؛ فإن الدفعة بالضم للمدفوع 11، وبالفتح: المرة الواحدة من الدفع الذي هو المصدر 12. ويستغنى عن هذه الرواية الضعيفة بما رواه أحمد بن حنبل 13،
وأبو داود 1، والنسائي 2، وابن ماجه 3: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: (إن دم الحيض أسود يعرف، فإن كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا 4 كان الآخر فتوضئي وصلي).
وهذا وإن لم يخرَّج في "الصحيحين"، فهو حديث حسن محتج به 5، والله أعلم.
قوله فيما إذا رأت (أولًا) 6 خمسة حمرة، ثم ستة عشر سواداً، ثم أطبقت الحمرة: "هي فاقد للتمييز؛ لأن تجريد النظر إلى الأولية ضعيف" 7 أراد أنها فاقدة للتمييز بالاتفاق على الوجوه الثلاثة المذكورة 8، وإن كان من قال في المسألة التي قبلها 9: إنه تجرد النظر إلى الأولية إذا قلنا: بالجمع وتعذر، فهو
يقول ههنا: خمسة الحمرة أولًا حيض، ولا تكون فاقدة للتمييز.
لكن لا يمنعنا ذلك من القطع بأنها فاقدة للتمييز؛ لأن ذلك وجه ضعيف، لا يبالى به 1، هذا مراده بهذا الكلام، والله أعلم.
قوله فيما إذا رأت المبتدأة خمسة عشر يوماً دماً أحمر، ثم انقلب إلى السواد: "ولا تعهد 2 امرأة تؤمر بترك الصلاة شهراً (كاملًا) 3 إلا هذه" 4 هذا فيه تقصير من حيث إنها تترك الصلاة أكثر من شهر؛ فإنها في أول الشهر الثاني تتحيَّض ستاً، أو سبعاً، أو يوماً وليلة؛ فإنها مبتدأة لا 5 تمييز لها 6، والله أعلم.
قوله في المبتدأة غير المميزة: "والثاني: أنها ترد إلى غالب عادة 7 النساء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لبعض المستحاضات: (تحيَّضي في علم الله ستاً، أو سبعاً كما تحيض النساء ويطهرن ميقات حيضهن وطهرهن) 8 فقوله 9 "لبعض المستحاضات" غير
مستقيم مع كونه مستدلًا به على حكم مستحاضة معينة، وهذه المستحاضة 1 هي: حمنة بنت جحش أول اسمها حاء مهملة مفتوحة، ثم ميم ساكنة، ثم نون 2. وما ذكره مختصر من حديثها، ونصُّه على جهته: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها - بعد كلام -: (فتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت، فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة 3 وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كل شهر كما يحيض النساء، وكما يطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن ... الحديث).
أخرجه أبو داود 4، والترمذي 5، وغيرهما 6. وقال البخاري والترمذي: هو حديث
حسن 1، وقال أحمد بن حنبل: "هو حديث صحيح" 2. ثم إن 3 من المشكل أنه ليس في الرواية بيان أنها من أي المستحاضات كانت، وقد ذكر الإِمام الشافعي 4 وغيره 5: أنه يحتمل أنها كانت معتادة، وشكت في الست، أو السبع أيتهما عادتها، فردها إلى ذكرها لما تعلمه 6 من عادتها.
فنقول: قوله (كما تحيض النساء ويطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن) يدل على أنه 7 ردَّها إلى عادة النساء من غير اعتبار لعادتها، ويلزم من هذا أن 8 تكون مبتدأةً غير
مميزة 1؛ إذ لا جائز أن تكون غيرها من المستحاضات؛ إذ كل واحدة منهن قد دللنا على أنها لا ترد إلى غالب عادة النساء والله أعلم.
قوله 2 "تحيَّضي في علم الله" تحقيق معناه: افعلي ما تفعله الحِيَّض فيما علمه الله من عادة 3 النساء و 4 هي ست أو سبع، وأعلمك إياه فتعرَّفي ذلك عنه.
وعلم الله ههنا معلومه 5. وقوله (ميقات حيضهن) منصوب على الظرفية أي في 6 ميقات حيضهن 7 وهو أول الشهر، ومبتدأ الشهر من حين رؤية الدم.
قال صاحب "التتمة" 8: "وليس المراد 9 من الشهر: الشهر الهلالي، لكن شهراً بالعدد ثلاثين يوماً"، والله أعلم.
قوله: "ثم الوقت الذي حُكِمَ بتطهيرها فيه ماذا 10 تفعل؟ فعلى قولين" 11 هذا ليس على إطلاقه، بل هو عندهم مخصوص بما كان منه في الخمسة عشر أما ما جاوز منه الخمسة عشر فلا خلاف أنها لا تحتاط فيه كالمتحيرة، بل هي فيه 12 كالمستحاضة الطاهرة 13، والله أعلم.
حديث المرأة التي استفتت لها أم سلمة - رضي الله عنها - 1 حديث حسن، أخرجه الأئمة الثلاثة مالك 2، والشافعي 3، وأحمد 4، وأبو داود 5، والنسائي 6، وغيرهم 7. وقوله "فإذا خلَّفت ذلك" 8 هو بتشديد اللام: أي تجاوزت ذلك، وجعلته خلفها 9. والاستثفار المذكور قد شرحناه في الباب الأول 10، والله أعلم.
قوله في آخر الصورة الخامسة: "أو نتشوَّف إلى الأولية فنجعل بقية الشهر استحاضة" 1 لا يتوهمنَّ من قطعه بهذا ههنا أن الوجه الثاني الذي ذكره معه في الصورة التي قبلها 2 في زيادة حيضها في هذا الدور خاصة، لا تجيء ههنا، بل تجيء أيضاً، وقد ذكره شيخه 3، فنحيِّضها العشرة الأخيرة من هذا الشهر مع الخمسة الأولى 4 من الشهر الثاني فيصير حيضها في هذا الدور خمسة عشر، ثم يحكم لها بالطهر خمسة وعشرين يوماً 5، ثم نحيِّضها في أول الدور الثالث خمستها، و 6 تعود إلى الأدوار القديمة 7. ولكنه وجه ضعيف 8، فكأنه تهاون به، فلم يعدَّه، والله أعلم.
قوله: "المبتدأة إذا رأت خمسة سواداً، ثم أطبق الدم على لون واحد، ففي الشهر الثاني: نحيضها خمسة؛ لأن التمييز أثبت لها عادة" 1 هذا 2 كلام مُغلِط يُفهم منه غير الصواب، فإنه إذا كان الدم 3 المطبق بعد السواد هو الدم الضعيف لم يكن الحكم فيه ما ذكره، بل حكمه ما ذكره في الفرع المذكور في آخر باب النفاس 4: من أنها تكون طاهرة في زمان الدم الضعيف، وإن استمر سنة فصاعداً.
وذلك قضية القاعدة في المميزة، وإنما هذا 5 مخصوص بما إذا بطل تمييزها بإطباق الدم الأسود كما فيما 6 ذكره شيخه 7 - رحمه الله وإيانا - من صورتها، أو نحو ذلك، وذلك أن تتمكن من التمييز وتُردُّ إليه، مثل أن ترى الدم الأسود خمسة أيام، والدم الضعيف خمسةً وعشرين 8، ويتكرر ذلك مراراً، ثم يستمر الدم الأسود ويجاوز الخمسة عشر، فترد إلى الخمسة 9؛ لأن 10 التمييز أثبتها 11 عادة لها.
وقول صاحب الكتاب: "ففي الشهر الثاني نحيضها خمسة" صورته على هذا: أن ترى خمسة سواداً، ثم خمسة وعشرين حمرة، ثم ترى السواد في الشهر الثاني ويطبق، فترد إلى الخمسة على أن العادة تثبت بمرة واحدة 1. ثم إن قوله "لو رأت السواد في العشرة فترد إلى العشرة ولا يخرَّج على الخلاف في إثبات العادة بمرة؛ لأن هذه عادة تمييزية فتنسخها مرة واحدة كغير المستحاضة إذا تغيرت عادتها القديمة مرة 2 فإنا نحكم بالحالة الناجزة" 3 هذا دائر بين احتمالين: أحدهما: أن يكون أراد ما إذا كانت ترى خمسة سواداً، وخمسة وعشرين حمرة، وتكرر ذلك، ثم رأت في شهر عشرة سواداً وباقي الشهر حمرة، ثم استمر السواد في الشهر الذي بعده وأطبق، فنردها إلى العشرة، لا إلى الخمسة السابقة، وعلى هذا فدعواه أنه لا يُخرَّجُ على الخلاف في ثبوت العادة بمرة 4 مشكلة؛ فإنَّ تغيُّر التمييز مع استمرار أصل 5 الدم، لا يزيد على التغيُّر بانقطاع الدم من أصله وبالطهر المحسوس 6، كما إذا كانت عادتها أن تحيض خمسة وينقطع وتكرر ذلك، ثم رأت في شهر عشرة وانقطع، ثم في الشهر الذي بعده رأت الدم واستمر فإن الخلاف جار في أنها ترد إلى العشرة وتثبت العادة بمرة، أو ترد إلى الخمسة ولا تثبت بمرة 7. واحتجاجه بغير
المستحاضة لا يستقيم؛ فإنه لا يعتمد فيها على عادة تسبق حتى يقال: تثبت العادة في حقها بمرة أو لا تثبت.
وإنما الاعتماد فيها على رؤيتها الدم في زمان الإمكان فاعلم ذلك، والله أعلم.
الثاني: أن يكون أراد بذلك نفس الشهر الذي رأت فيه عشرة السواد، والحكم بأنها ترد فيه إلى التمييز (الناجز) 1 فيه في العشرة، ولم يرد بذلك شهراً آخر بعد شهر 2 العشرة 3 بطل فيه التمييز باستمرار السواد 4. ويشهد لإرادته هذا: استشهاده برد غير المستحاضة إلى الحالة الناجزة إذا 5 تغيَّرت عادتها القديمة.
ويشهد للاحتمال الأول قوله: "و 6 لا يُخرَّج على الخلاف في إثبات العادة بمرة".
فإن ردها في نفس شهر العشرة إلى العشرة 7، ليس رداً إلى العادة، بل حكماً بالناجزة، وأي الصورتين أراد فليس ينفك عن مؤاخذة؛ إن أراد الأولى ففي استشهاده بغير المستحاضة كما بينت.
وإن أراد الثانية ففي قوله "ولا يخرَّج على الخلاف في ثبوت العادة بمرة" كما بينت.
والإمام شيخه إنما ذكر الثانية ولم يقل: ولا يخرَّج على الخلاف في إثبات العادة بمرة.
ولكن قال: فهي الآن مردودة إلى العشرة ولا يخرَّج هذا على الخلاف في تقديم العادة، أو التمييز 8،