شرح مشكل الوسيطصفحات 170-209
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الفصل الرابع: دراسة كتاب "شرح مشكل الوسيط"

صفحات 170-209
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الصلاح
الكتاب
شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
المؤلف
عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
المحقق
د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
الناشر
دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1432 هـ - 2011 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قوله "والواشرة والمستوشرة" فزيادة ليست في روايات هذا الحديث الصحيحة، وذكرها فيه أبو عبيد في كتابه "في غريب الحديث" 1 بغير إسناد، ولم أجد لها ثبتاً بعد البحث الشديد، غير أن أبا داود، والنسائي رويا في حديث آخر عن أبي ريحانة الأزدي 2 عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أنه نهى عن الوشر والوشم) 3، والله أعلم.
قوله: "فإن كان شعر أجنبية ليست من ذوات المحارم فيحرم" 4 كأنه عنى بالأجنبية ههنا التي ليست بزوجة لزوج الواصلة، ولا أمة له 5. ثم لا يخفى أن في بعض ما خصَّ به بعض الأقسام المذكورة من التعليل ما يشاركه فيه غيره من الأقسام 6، والله أعلم.

قوله - صلى الله عليه وسلم -: (المتشبِّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) 1 حديث صحيح يروى من حديث عائشة 2، وأسماء 3 ابنتي الصديق، وغيرهما 4 رضي الله عنهم.
ومن أحسن ما قيل في تفسير قوله (كلابس ثوبي زور) وجهان - أنا أحررهما - أحدهما 5: أن معناه: المتشبع بما لم يعط كالكاذب المتعاطي قول الزور، والعرب تكني بالثوب عن الصفة والحال، فيقولون: لبس فلان ثوب كذا وكذا، أي اتصف بكذا وكذا، وتثنية الثوب من أجل أن الحلة ثوبان، وهي أقل ما 6 يتجمل به العربي.
الثاني: أن أحدهم كان إذا نهض ليشهد بشهادة زور لبس ثوبي جماله؛ ليلحظ ويراعى، فتقبل شهادته، فأضيف الزور إلى الثوبين لذلك، وكنى بلبسهما عن شهادة الزور 7، والله أعلم.

قوله: "إذ لا معنى للتحريم إلا بسبب التزوير" 1 يعني في هذه الصورة، وإلا فللتحريم معانٍ وأسباب غير ذلك سبقت 2، والله أعلم.
أما قوله: "وفي إلحاق تحمير الوجنة بوصل الشعر تردد للصيدلاني" 3 ففي كلام الصيدلاني خلاف ما حكاه؛ إذ ذكر في طريقته أن تحمير الوجنة 4 كوصل الشعر الطاهر في التفصيل المذكور، والفرق بين أن تكون ذات زوج لم يأذن فلا يجوز، (و) 5 بين أن يكون يأذن الزوج فيجري فيه الوجهان 6. واستبعد إمام الحرمين طرد هذا الخلاف فيما إذا أذن الزوج، ورأى القطع بالجواز 7، والله أعلم.
قوله: "ويتصل بمكان الصلاة نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في سبعة مواطن: المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، وبطن الوادي، والحمام، وظهر

الكعبة، وأعطان الإبل" 1 هكذا أورده شيخه 2، وحكم بأنّه حديث صحيح، وليس ذلك بصحيح 3 عند أهل الحديث، وقد أخرجه الترمذي 4، وابن ماجه 5 عن ابن عمر، وفي رواية للترمذي عن عمر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 6. وقال: "إسناده ليس بذاك 7 القويِّ" 8. قوله 9 "وبطن الوادي" ليس منه، وإنما فيه "المقبرة" بدلًا منه.
وقد عُلل النهي عن الصلاة في بطن الوادي باختلال الخشوع فيه، خوفاً من سيل هاجم، فلو لم يخف سيل فلا نهي 10. وهذا النهي لم أجد له ثبتاً، ولا وجدت له ذكراً في كتب من يرجع إليهم في مثل ذلك، كيف والمسجد الحرام إنما هو في بطن وادٍ، وكثيراً ما هجمت السيول

عليه على غفلة.
والذي ذكره الشافعي - رضي الله عنه - في ذلك إنما هو وادٍ خاص 1، وهو الذي 2 نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه ومن معه عن الصلاة حتى فاتت، فكره أن يصلي فيه، وقال: (اخرجوا بنا من هذا الوادي؛ فإن فيه شيطاناً).
رواه أبو هريرة 3، والله أعلم.
أعطان الإبل: واحدها عطن بالعين والطاء المفتوحتين المهملتين 4. قوله 5 في تفسيره: "الإبل تزدحم في المنهل ذوداً ذوداً حتى إذا شربت استيقت فلا يؤمن من 6 نفارها في ذلك الموضع" 7 أما المنهل فهو ههنا 8 عبارة عن الماء الذي يورد إذا كان على طريق 9، وكل ماء على غير طريق لا يسمى منهلًا، وتسمى أيضاً المنازل التي تنزلها السفارة على الطرق 10 التي يكون فيها الماء مناهل 11.

والذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر 1 هذا قول الأصمعي 2، وأما قول أبي عبيد إن الذود ما بين الاثنين إلى التسع، ويختص بالإناث دون الذكور 3، فلا يفسَّر به المذكور في الكتاب؛ لأنه عام للذكور والإناث.
قوله 4 "استيقت" هو بتاء مثناة من فوق مكسورة، ثم ياء مثناة من تحت ساكنة أي سيقت فعل ما لم يسم فاعله، يقال: ساقها، واستاقها فاعلمه فإنه يصحف.
ثم إن كلامه فيه نقص، وإتمامه بأن يقول: ذوداً ذوداً كلما شرب ذود يجيء إلى موضع حتى إذا شربت الأذواد كلها ساقوها، فذلك الموضع هو العطن.
وقد أفصح شيخه 5، وغيره 6 عن ذلك، وذكر الأزهري الإمام في علم 7 اللغة في صفة العطن: "أن الإبل تجيء إليه إذا شربت الشربة الأولى، وتترك فيه حتى تعاد إلى الماء وتشرب شربة ثانية، ثم تساق، وهذا إنما يفعل في الصيف" 8، والله أعلم.
قوله: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإبل: إنها جنٌّ خلقت من جنٍّ ... إلى آخره" 9 هذا رواه الشافعي - رضي الله عنه - 10 عن إبراهيم بن أبي يحيى في حديث عبد الله بن مُغَفَّل

المزني في أمره - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة في مراح الغنم، والنهي عنها في أعطان الإبل، وابن أبي يحيى وإن كان ضعيفاً 1، فقد روينا ذلك في كتاب "السنن الكبير" 2 بمعناه بإسناد جيِّد عن عبد الله بن مُغَفَّل المزني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين) وأخرج أبو داود في "سننه" 3 نحوه من حديث البراء بن عازب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. واسم الشيطان يطلق على كل جنيٍّ كافر 4. قوله في القولين في وجوب إعادة الصلاة على من استصحب النجاسة فيها جاهلًا، أو ناسياً: "منشأ القولين أن الطهارة عنها من قبيل الشرائط فلا يكون الجهل في تركها عذرًا، أو 5 استصحابها من قبيل المناهي فلا يعد الناسي مخالفاً" 6 هذا ربما أوهم أن في النهي عن استصحابها خلافاً، وليس كذلك فلا خلاف أن استصحابها من المناهي 7، وإنما محل هذا الخلاف: أنه (هل) 8 يضم إلى ذلك

كون التطهر منها شرطاً؟ فعلى الجديد يضم ذلك إلى ذلك حتى تفسد الصلاة بانتفاء طهارة الخبث على كل حال كان 1 بعذر أو بغير 2 عذر؛ فإن ذلك شأن الشرط، إذ الشرط عبارة عن أمر وجودي يلزم من انتفائه انتفاء الحكم، مع وجود علته، وسواء في ذلك المعذور وغير المعذور، والمكلف وغير المكلف 3، كما في الشروط الثابتة في أحكام الصبيان 4 إذ الشرط لا يتلقى من خطاب التكليف، بل من خطاب الوضع والأخبار.
ثم إنا نثبت 5 شرطية طهارة الخبث بالقياس على طهارة الحدث؛ لكون النص ورد فيها بصيغة تفيد الاشتراط، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) 6. ودليل القول 7 القديم ما 8 رويناه في "سنن أبي داود" 9،

وغيره 1 عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: (بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى القوم ذلك ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم 2 نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك 3 فألقينا نعالنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن جبريل - عليه السلام - أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً أو قال أذى).
وفي رواية: (خبثاً).
واختصره صاحب الكتاب بالمعنى، ووقع فيه تغيير كلمة لا على ما يشترط 4 في جواز الرواية بالمعنى، وهو قوله: "إن على نعليك نجاسة" 5 والله أعلم.
والجواب للجديد عن هذا الحديث: أن قوله "قذراً، أو أذى، أو خبثاً" يحتمل أن يكون المراد به ما ليس بنجس من المستقذرات كالمخاط وغيره 6، والله أعلم.
قوله: "وأما الحرَّة فجميع بدنها عورة في حق الصلاة إلا الوجه واليدين" 7 فقوله "في حق الصلاة" احتراز عن العورة في حق النظر إليها فإنها تشمل الوجه واليدين، على تفصيل فيه سيأتي إن شاء الله تعالى 8.

ذكر أن في عقد الجماعة للعراة قولين: أحدهما: أنها 1 سنة.
والثاني: أن تركها أولى 2. هذه المسألة ذات قولين جديد وقديم، والثاني هو القديم، وأما الأول وهو الجديد فقد ذكر صاحب الكتاب فيه أن الجماعة أولى، وهكذا حكاه صاحب "التتمة" 3، والذي حكاه القاضي حسين 4، وصاحب "المهذب" 5، وغيرهما 6 فيه أن الجماعة والانفراد سواء، وهذا النقل هو المعتمد 7، والله أعلم.
قوله: "الشرط الرابع: ترك الكلام" 8 اتبع الفوراني في هذا 9، وهو أصولي لا يليق به ذلك؛ فإنه قد تقرر في قاعدة أصول الفقه أن هذا وأمثاله من قبيل عدم المانع، لا من قبيل الشروط، وإن تساوى الأمران في توقف الحكم عليهما، فهما متباينان في الحقيقة 10.

ذكر أن الكلام إن كان مفهماً فالحرف الواحد منه مبطل للصلاة كقوله "ق" و"ع"، وإن لم يكن مفهماً 1 فلا تبطل إلا بتوالي حرفين 2. هذا أولًا فيه إطلاق الكلام على 3 غير المفيد، ومن المشهور أن اسم الكلام مخصوص بالمفيد 4، لكن هذا اصطلاح النحويين، أما الفقهاء والأصوليون، واللغويون 5 فيطلقون اسم الكلام على المفيد وغير المفيد 6. قوله 7 " ((ق)) و ((ع)) " لا يستعمل إلا موصولًا بهاء السكت "قه" و"عه"، ولكنه بغير هاء السكت مفهم وإن كان لحناً، وإنما 8 اشترطنا حرفين في 9 غير المفهم؛ لأن ما دون الحرفين ليس من جنس الكلام 10؛ لأن الكلام عبارة عن أصوات (منقطعة) 11 ومنتظمة 12، إذ ما ليس كذلك فإنه صوت غُفْلٍ كصوت الأخرس، والبهيمة، ولا يتهيأ الانتظام

بأقل من حرفين، وأما الحرف الواحد المفهم فإنه لمَّا أفاد معنى - والإفادة هي المقصود 1 من الكلام - ألحقناه بالحرفين في ذلك، بل هو أولى والله أعلم.
الصوت الغُفْل: بضم الغين المعجمة، وإسكان الفاء هو العاطل 2 الذي لا تقطيع فيه، من قولهم: أرض غفل أي لا علم بها، ولا أثر عمارة 3، والله أعلم 4. قوله: "وهل تبطل بحرف واحد بعده مدَّة؟ فيه تردد" 5 هذا 6 التردد هو للشيخ أبي محمَّد الجويني حكاه عنه ولده إمام الحرمين 7، وصورته فيما نقله: فيما 8 إذا أتى بحرف وتبعه بصوت غُفل، ثم ذكر أن 9 عنده أن هذا 10 التردد من شيخه لم يقع فيما إذا كان الصوت الغفل مدَّة؛ لكون المدَّات تكون ألفاً، أو واواً، أو ياء 11. وهي وإن كانت إشباعاً للحركات الثلاث فهي معدودة حروفاً

وإنما تردد شيخه في صوت غفل بعد حرف ليس مدَّة وإشباعاً لإحدى الحركات الثلاث، فغيَّر صاحب الكتاب صورة ذلك فيه دون "البسيط" 1، وأجرى التردد فيما إذا كان ذلك مدَّة، وهو خلاف النقل، وبعيد من حيث المعنى، فإن كان قد صار إلى عدم 2 الإبطال فيه صائر 3 فهو يتوجه بأن إشباع الحركة في حكم الحركة لا يعد حرفاً ثانياً، والله أعلم.
ذو اليدين 4 اسمه خِرْباق بخاء معجمة مكسورة، ثم راء ساكنة، ثم باء موحدة، ثم ألف، ثم قاف.
لُقِّب ذا اليدين لطول كان في يديه، وهو من بني سليم 5 وحديثه ثابت في "الصحيحين" 6، والحديث حديث أبي هريرة وفيه ذكر ذي اليدين، واختصاره: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر أو العصر فسلَّم من ركعتين، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم.
فصلى اثنتين أخريين، ثم سلَّم، ثم سجد).

قوله: "الجهل بتحريم الكلام عذر في حق قريب العهد بالإِسلام؛ لأحاديث وردت فيه" 1 ورد في ذلك حديث صحيح خرَّجه مسلم 2، وهو حديث معاوية بن الحكم السلمي 3 أنه تكلم في صلاته خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو حديث عهد بجاهلية، فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه فأعلمه بأن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس 4. ولم يذكر أنه - صلى الله عليه وسلم - أمره بالإعادة، وأما أحاديث فمن لنا بها!، والله أعلم.
قوله: "ولو التفَّت 5 لسانه بكلمة بدرت منه فهذا عذر، وأبو حنيفة يوافق عليه؛ لأنه لا 6 يزيد على سبق الحدث" 7 ليس هذا تعليلًا لحكم المسألة، وإنما هو تعليل لما ادَّعاه من غير نقل وإن عنده من موافقة أبي حنيفة، أي ليس يخالف في ذلك وإن خالف في الناسي وقال: ببطلان صلاته 8، لكون 9 سبق

اللسان شبيهاً بسبق الحدث وسبق الحدث عنده غير مبطل للصلاة 1، والله أعلم.
ما ذكره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في إدارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاته 2 إياه من يساره إلى يمينه 3 مخرَّج في "الصحيحين" 4 بروايات.
حديث أبي بكرة في ركوعه خلف الصف، ثم مشيه إلى الصف 5، ثابت 6 أخرجه البخاري 7، وأبو داود 8، والنسائي 9. وقوله: "ثم 10 خطا خطوة" 11 كأنه ذكره بالمعنى؛ فإن ما في رواية أبي داود من أنه مشى إلى الصف يتضمن ذلك؛ فإن أقل المشي خطوة.

ذكر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا مرَّ المار بين يدي أحدكم فليدفعه، فإن أبى فليدفعه 1، فإن أبى فليقاتله؛ فإنه شيطان) 2 هذا حديث صحيح 3 أخرجه مسلم 4 من رواية ابن عمر - رضي الله عنهما -، وأخرجاه 5 من رواية أبي سعيد الخدري أيضاً، ولكن ليس في أكثر رواياتنا قوله ثانياً (فإن أبى فليدفعه) 6. وقوله (فإنه 7 شيطان) الصحيح أن معناه: فإن معه شيطاناً؛ بدلالة رواية ابن عمر: (فإن معه القرين) 8، والله أعلم.
قوله: "وهذا الدفع ليس بواجب، والمرور ليس بمحظور، ولكنه مكروه" 9 هذا أنكره عليه الشيخ أبو الفتوح العجلي الأصبهاني، وذكر أنه سهو منه، وأن

المرور حرام 1. وأن صاحب "التهذيب" قال: "لا يجوز المرور" 2. و 3 ما قاله هو الصحيح؛ لأن في "صحيح البخاري" 4: (لو يعلم المارُّ (بين يدي المصلي) 5 ما عليه من الإثم).
قلت: وغير صاحب "التهذيب" قال مثل ما 6 قاله 7، وحديث: لو يعلم المارُّ ... متفق على صحته أخرجه البخاري 8، ومسلم 9 عن أبي جهيم 10 الخزرجي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي

ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمرَّ بين يديه).
قال أبو النضر 1 - وهو الذي رواه عنه 2 مالك -: (لا أدري قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنةً).
وروى البزار فيه 3 في "مسند" 4: (أربعين خريفاً).
وليس في الحديث لفظة 5 الإثم تصريحاً، ولكن ترجم البخاري وغيره 6 عليه بباب 7: إثم المارِّ.
وسياق الحديث دال على عظم الإثم فيه 8، والأمر بقتاله دال على ذلك أيضاً.
وما قال 9 وإن قاله شيخه 10 فلا ينبغي أن يعرج عليه، وقد قال الروياني 11 - صاحب كتاب "بحر المذهب" -: "له أن يضربه على ذلك وإن أدى إلى قتله"، والله أعلم.

ما ذكره في 1 الخط بين يدي المصلي من أن الشافعي - رضي الله عنه - قد صار إلى القول به في القديم، ثم رجع عنه في الجديد 2، ذكره شيخه في النهاية 3، وجعل المسألة ذات 4 قولين: أصحهما الجديد، وهذا صحيح، فقد نقل البيهقي 5 - وناهيك به - أن الشافعي صار إليه في القديم، وفي "سنن حرملة"، ونفاه في البويطي.
وقطع صاحب "المهذب" 6، والفوراني 7، وصاحب "التتمة" 8، والأكثرون 9 بالاكتفاء بالخط، ولم يثبتوا قولًا ثانياً، وفاتهم ما حققناه.
ومستند القول القديم حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه 10 عصا فليخطط 11 خطاً، ثم لا يضره ما مرَّ

أمامه) أخرجه أبو داود في "سننه" 1، وذكر أنه سمع أحمد بن حنبل وصف الخط فذكر أنه مثل الهلال.
وذكر أبو داود عن غيره 2 أن الخط بالطول 3. وقد روينا 4 عن الحميدي تلميذ الشافعي في الفقه، ورفيقه في الحديث 5 أنه ذكر أن الخط 6 مثل الهلال العظيم 7. وإنما رجع الشافعي 8 عن ذلك في الجديد؛ لكونه رأى الحديث غير ثابت.
وهو كذلك؛ فإنه مضطرب الإسناد جداً 9، والله أعلم.

ثم إن قوله: "بأن يستقبل جداراً، أو سارية، أو يبسط 1 مصلى، أو ينصب شبة بعيدة منه بقدر ما بين الصفين ... إلى قوله: ولو خطَّ على الأرض خطًا مال في القديم إلى الاكتفاء به" 2 مشعر بتخييره بين هذه الأمور من غير ترتيب، وليس كذلك، بل هي على الترتيب: يقدم البناء، ثم العصا، ثم الخطّ، كما ذكره صاحب "المهذب" 3، وغيره 4؛ وذلك لأن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المذكور مصرِّح بالترتيب بين ذلك 5. وقوله "خشبة بعيدة منه بقدر ما بين الصفي" ليس مخصوصاً بالخشبة، بل هو شامل لما سبق ذكره من الجدار وغيره.
وما بين الصفين مقدَّر بثلاث أذرع 6، وأصله حديث سهل بن سعد (كان بين مصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين الجدار ممرِّ الشاة) أخرجاه في "صحيحيهما" 7. وقد قُدِّر ممرُّ الشاة بثلاث 8 أذرع 9، والله أعلم.

قوله: "ومهما لم يجد المارُّ سبيلًا سواه فلا يدفع بحال" 1 هذا مستنكر لم يذكره غير شيخه 2 ومن تلقاه عنه فيما علمناه، وهو على خلاف ظاهر الحديث وإطلاقه، وخلاف ما ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - 3 (أنه صلى يوم جمعة إلى شيء يستره، فأراد شاب أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغاً 4 إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فشكاه، فقال أبو سعيد: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان).
قوله في المصلي إذا قرأ من المصحف: "قال أبو حنيفة: إن لم يحفظ القرآن عن ظهر قلبه لم يجز" 5 أي لم تجز القراءة من المصحف 6، فإن كان يحفظه لم تضره القراءة من 7 المصحف 8، والله أعلم.
قوله في حدِّ الفعل القليل: "غاية ما قيل فيه: إنه الذي لا يعتقد الناظر إلى فاعله أنه معرض عن الصلاة، وهذا لا يفيد تحديداً" 9 شرح هذا في درسه،

فذكر أن الذي يعدُّ به معرضاً عن الصلاة لا يمكن تحديده، ومن طلب ما لم يخلق أتعب ولم يرزق، وليس في أمثال 1 هذا حد محدود 2، بل ينتهي الفعل في الكثرة إلى حدِّ يقطع بأنه كثير، ويتراجع في القلة إلى حدٍّ يقطع بأنّه قليل، وفيما بين ذلك أوساط متشابهة، يرجم فيها بالظنِّ، ويؤخذ بغالب الرأي، كما في نظائره 3، والله أعلم.

ومن الباب السادس في أحكام السجدات

من المشكل الفرق بين الأبعاض التي هي: التشهد الأول، والجلوس فيه، والقنوت، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول، وعلى آله في التشهد الأخير، إذا رأيناهما سنتين؛ حيث يشرع في تركها سجود السهو، وبين تكبيرات صلاة العيد، والسورة، والجهر في القراءة المفروضة في الجهرية 1؛ حيث لا يشرع عندنا 2 في تركها السجود خلافاً لأبي حنيفة، وما ذكره المصنف في معرض الفرق يصعب تقريره 3، فأقول مستعيناً بالله: كل واحد من هذه الأبعاض شعار ظاهر خاص بالصلاة، وقد ورد النصُّ في حديث ابن بحينة 4

بالسجود في ترك التشهد الأول منها 1، والباقي مقيس عليه.
أما أن التشهد وجلوسه، والقنوت المطوَّل لركنٍ قصير كذلك فذلك ظاهر 2. وأما الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله ففي مقام المناظرة يكفينا المنع على رأي 3، وأما في مقام التحقيق فإنا نقول: ألحقناها بالتشهد الأول لشبهها به 4؛ لكونها 5 واجبة في الصلاة على الجملة على مذهب 6. ولا وجود 7 لما ذكرناه في الأمور الثلاثة المذكورة: أما الجهر، وقراءة السورة؛ فالجهر هيئة، والسورة تابعة للقراءة المفروضة فيها، وإن كانا ظاهرين فلا يعدان من الشعار الظاهر 8 ولا

هما خاصان بالصلاة.
وأما تكبيرات العيد فغير خاصيَن بالصلاة لكونهما مشروعين في الخطبة، و 1 في أعقاب الصلاة، وغيرها في أيام العيد، والله أعلم.
قوله: "لا يبعد أن يناط السجود بترك ما ليس بمبطل من المنهيات" 2 هكذا وقع في النسخ، وصوابه: بفعل ما ليس بمبطل، والله أعلم.
قول الأصحاب: الاعتدال من الركوع ركن قصير، الغرض منه الفصل، وليس مقصوداً في نفسه 3، يمكن أن يستدل عليه بحديث أبي هريرة المخرَّج في "صحيح البخاري" 4، وغيره 5 في تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - المسيء صلاته من حيث كونه لم يذكر في الاعتدال من الركوع الطمأنينة وذكرها في الركوع، والسجود، والقعود بين السجدتين.
فإذا لم يحمل على عدم وجوب الطمأنينة فيه، تعيَّن حمله على أنه ركن قصير، يخفف ولا يطوَّل.
وأيضاً، فإنه لو كان مقصوداً في

نفسه طويلاً لوجب فيه ذكر 1؛ لأن 2 القيام من الأفعال المعتادة فلا بدَّ من ذكر يصرفه عن جهة العادة إلى جهة العبادة كما وجب ذلك في القيام الأول، وفي الجلوس الأخير، بخلاف الركوع والسجود فإن هيئتهما غير المعتادة كافية في 3 صرفهما إلى العبادة 4، ولا يجب؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يذكره للمسيء صلاته، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز 5. وأما الاعتدال بين السجدتين فقد حكى المصنف أن المشهور فيه أنه ركن طويل 6، وقال الشيخ أبو علي: "لا يبعد تشبيهه بالاعتدال عن الركوع" 7. ويدل على الأول: ما استدللنا به من حديث المسيء صلاته، ويدل على الثاني: ما ذكرنا 8 من المعنى.
وقد حكاه 9 عن الشيخ أبي علي في صورة احتمال أبداه 10، وهو أعلى حالاً من ذلك؛ فإنه الذي صار إليه الشيخ

أبو محمد الجويني في كتابه "في الفرق والجمع" 1، وصاحب "التهذيب" 2، وغيرهما 3. ولما كنت بنيسابور - حرسها الله، وسائر بلاد الإسلام وأهله - سألني الشيخ الأصيل أبو بكر القاسم بن عبد الله ابن 4 الصفَّار 5 - وهو أحد مشايخنا في رواية الحديث، وكان إذ ذاك مفتي خراسان رحمه الله وإيانا - قال لي: لماذا كان الاعتدال ركناً قصيراً 6، والجلوس بين السجدتين طويلاً؟ فقلت له: بحثت عن هذا بالفكر والمطالعة فلم يحصل فيه شيءٌ واضحٌ، وكأنهم لما كان القيام قد استوفى حظه قبل الاعتدال غلب على ظنهم أن الغرض منه إنما هو مجرد الفصل، وهو يحصل بأصله من غير تطويل 7، وهذا منتفٍ في الجلوس بين السجدتين.
فقال: هل فيه نص؟ فقلت: حديث الأعرابي لم يتعرض للطمانينة في الاعتدال، وتعرض لها في غيره، فإذا لم يدل هذا على عدم وجوب الطمأنينة فيه، دلَّ على أنه ليس المقصود إلا نفسه وأصله، والله أعلم.

قوله: "لو ترك أربع سجدات من أربع ركعات كذلك" 1 يعني به أنه عرف أن كل ركعة ترك منها سجدة، خلاف 2 الصورتين المذكورتين في الفرع الآتي 3، والله أعلم.
قوله فيما إذا كان التارك لسجدة قد جلس لقصد الاستراحة: "يُبنى على الخلاف في أن الفرض هل يتأدَّى بنية النفل؟ " 4 ليس هذا 5 على ظاهره؛ فإن نية النفل لا تكون مؤديِّة للفرض من غير 6 خلاف 7، وإنما الباء في قوله "بنية النفل" هي الباء المستعملة بمعنى المصاحبة، كما في قولهم: حضر فلان بعشيرته والمعنى: هل يتأدى هذا الفرض مع ما صحبه من نيَّة النفل بما سبق في أول الصلاة من نية الفرض الشاملة المستصحبة حكماً، والله أعلم.
قوله فيما لو قام قبل التشهد الأول ناسياً، وكان مأموماً، وقد قعد الإمام: "هل يرجع؟ فعلى وجهين: أحدهما: نعم ... والثاني: لا" 8 هذا الخلاف عند

شيخه 1 هو في جواز الرجوع، ولا خلاف عنده في 2 أنه لا يجب الرجوع.
وعند الشيخ أبي حامد الأسفراييني 3، وآخرين 4 هو 5 في وجوب الرجوع، وصاحب الكتاب إنما أراد ما ذهب إليه شيخه، وكلامه ههنا دال على ذلك، ومصرِّح به 6 في غير كتابه هذا 7. قوله 8: "ولا خلاف أنه لو قام عمداً لم تبطل صلاته، ولم يجز له الرجوع إلى موافقة الإمام 9 " 10 هذا مشكل؛ فإن الخلاف في بطلان صلاته غيرُ خافٍ، وقد ذكره هو في باب: صلاة الجماعة، في مسألة تقدم المأموم بركن واحد أو 11 أكثر 12، والاعتذار عنه أن قوله "لا خلاف" راجع إلى قوله "لم يجز له الرجوع"،

وقوله 1 "لم تبطل صلاته" كلام اعترض قاله على ظاهر المذهب 2 , ولم يقصده بنفي الخلاف، وآية ذلك أن أصل الكلام مسوق في جواز الرجوع فقصد بذلك بيان (أن) 3 الخلاف المذكور في جواز الرجوع 4 في صورة الظن، لا جريان له في صورة العمد.
ثم إن هذا القطع بعدم جواز الرجوع في صورة العمد على طريقة شيخه - رحمه 5 الله وإياهما -. وأما طريقة العراق 6 ففيها القطع بأن المأموم لو ركع 7 قبل الإمام عمداً جاز له أن يرجع إلى الركوع مع الإمام، بل يستحب.
فإذاً ليس يسلم من المؤاخذة بكونه نفى الخلاف فيما 8 فيه خلاف، لكنا صرفنا ذلك من جهة إلى جهة أخرى؛ لعلمنا باطلاعه على الخلاف في تلك الجهة، والله أعلم.
قوله: "أما إذا تذكر ترك التشهد قبل الانتصاب فيرجع ثم يسجد للسهو إن كان قد انتهى إلى حدِّ الراكعين" 9 و 10 لا ينبغي تجويزه 11؛ لأن فيه كما ذكر

زيادة ركوع، وتعمد زيادة الركوع لا تجوز، وهذا التفصيل إحدى الطرق في المسألة، وقد ذكرها غيره بلفظ مشعر بوجوب 1 الرجوع لا بتجويزه 2. ثم اعلم أنه ليس الانتهاء إلى حدِّ الراكعين في حقِّ الناهض من الجلوس كالانتهاء إلى حدِّ الراكعين في حقِّ القائم الهاوي، بل ذلك يعتبر فيه أقل الركوع على ما عرف حدُّه 3 , وهذا يعتبر فيه أكمل الركوع، بل أكثر منه مما يسمى ركوعاً 4 , والله أعلم.
قوله فيما إذا جلس عن قيام قبل السجود ساهياً: "إن كان خفيفاً فلا يسجد للسهو؛ لأن جلسة الاستراحة معهودة في الصلاة، وهذا يساويها، وإن لم يكن في محله، بخلاف الركوع والسجود" 5 معناه: أن جلسة الاستراحة معهودة في الصلاة، مع كونها غير مقصودة في الصلاة، وإنما زيدت فيها 6 للاستراحة مع التخفيف فيها، فزيادة ما يساويها في الصلاة عمداً لا يبطلها, ولا سجود في سهوها، وهي ملتحقة بالفعل القليل من غير جنس الصلاة في عدم تأثيره في تغيير نظم الصلاة، فلا تبطل بعمدها, ولا يسجد لسهوها، والله أعلم.

ذكر أنه إذا تشهد وقام إلى الخامسة ساهياً وعاد فالقياس أنه لا يعيد التشهد ويسلِّم 1، وظاهر 2 النصِّ أنه يتشهد 3، وعلَّله ابن سريج بمعنيين، ثم قال: "والمعنيان ضعيفان.
وفُرِّع على المعنيين" 4 فقوله 5 "وفرِّع 6 " عائد إلى ابن سريج، وليس يستفاد من إيراده هذا، وعبارته فيه 7 نقل ما اعتمد عليه 8 أئمة المذهب، وإنما ذلك (هو) 9 الوجه الأول فإياه اختار جمهور الأصحاب 10 , والله أعلم.
قوله: "السادس: إذا شكَّ في عدد الركعات" 11 هذا هو الموضع السادس من المواضع التي ذكر أنها 12 مواضع السهو، وأنها ستة، وليس في هذا سهو، فكأنه أراد بمواضع السهو: مواضع سجود السهو، أو 13 أراد مواضع

(السهو) 1 وما يلتحق بالسهو.
ثم إن مواضع السهو 2 ليست منحصرة في الستة التي 3 ذكرها 4، والله أعلم.
المذكور من طول الفصل وقصره في الشك الطارئ بعد السلام 5 قيل فيه: إن الطويل ما زاد على قدر ركعة، والقصير ما دون ذلك.
وقيل: إن الطويل ما كان على 6 قدر الصلاة التي كان فيها.
والأقوى إن الرجوع في ذلك إلى العرف والعادة 7. قلت: فعلى هذا يجري فيه ما حكيناه من 8 الضبط في الفعل الكثير والقليل عن المصنف رحمنا الله وإيَّاه 9، والله أعلم.
قوله: "وليس من الشكِّ أن لا يتذكر كيفية صلاته، بل الشك أن يتعارض اعتقادان على التناقض بأسباب حاضرة في الذكر" 10 هذا صحيح مع إبهام في العبارة، فالشكُّ: أن يتقابل احتمالان في شيء واحد، وهما: احتمال أنه ثابت،

واحتمال أنه غير ثابت، ويتساويان حتى يتردد بينهما على السواء، ولن يقع ذلك إلا 1 ولكل واحد منهما سبب يوجب إمكانه واحتماله، فذلك التردد 2 هو الشكُّ نفسه، والباقي سببه 3، وإذا عرفت ذلك عرفت أنه ليس من الشكِّ 4 أن لا يتذكر كيفية صلاته السابقة؛ فإن ذلك عدم محض، والشكُّ أمر وجودي، والله أعلم.
شرح ما ذكره في سبب شرعية سجود السهو فيما 5 إذا شكَّ أنه صلى ثلاثاً أو أربعاً، فأخذ بالأقل فما وجه سجوده، مع أن الأصل أنه لم يزد؟ أما الشيخ أبو محمد الجويني في آخرين فإنهم أبوَا تعليله، وقالوا: مستنده نصُّ الحديث 6،

ولا اتجاه له من حيث المعنى.
وأما الشيخ أبو علي السنجي في آخرين فإنهم عللوه بأنه أتى بالركعة الأخيرة على تردد في أنها زائدة، فإن كانت زائدة فسجوده لزيادتها، وإن لم تكن زائدة فتردده فيها نقص وضعف في النيِّة يجبر 1 بالسجود، حتى لو زال التردد بعد إتيانه بها متردداً وقبل السلام عرف أنها أصلية سجد للسهو؛ لاقترانها بالتردد.
وأبى الشيخ أبو محمد السجود فيما إذا زال تردده قبل السلام، وقال: "المعتمد الحديث، وإنما ورد فيما إذا دام التردد إلى ما بعد السلام" 2. ورجَّح إمام الحرمين 3 هذا، ناقضاً ما قاله الشيخ أبو علي بما إذا كان عليه فائتة وشكَّ في قضائه إيَّاها فإنه يقضيها ثم لا يسجد للسهو، وإن كان يقضيها 4 متردداً في كونها مفروضة عليه.
وجاء عن القفال ما يوافق المذكور عن الشيخ أبي علي 5، وصاحب "التهذيب" 6 (في) 7 طائفة 8 لم يذكروا غيره.
قلت: - وأسال الله توفيقه وعصمته - الأوجه موافقة الشيخ أبي علي في تعليله دون تفريعه؛ فإنه ليس هذا التردد كالتردد الذي نقض (به) 9 الإمام فإن

هذا فيه احتمال زيادة مبطلة بخلاف ذلك.
وأما تفريعه فيما إذا زال التردد قبل السلام فنقول: وإن علَّلنا بالتردد فلا يسجد في هذه الصورة؛ فإن المقتضي للسجود تردد يدوم إلى آخر الصلاة، وقد ألمَّ صاحب الكتاب 1 بهذا في درسه، والله أعلم.
قوله: "وقال ابن أبي ليلى: لكل سهو سجدتان.
وهو لفظ الخبر" 2 هذا خبر لا يثبت، وقد رويناه في "السنن الكبير" 3 من حديث ثوبان 4 عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لكل سهو سجدتان بعد ما يسلَّم) وأخرجه أبو داود 5، وضعَّف البيهقي إسناده وقال: "حديث أبي هريرة وعثمان وغيرهما في اجتماع عدد من السهو على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم اقتصاره على سجدتين يخالف

هذا" 1 والله أعلم.
ولو ثبت فهو مشترك الدلالة إذ يحتمل أن يكون معناه: أن السجدتين تكفيان كل سهو بجميع أنواعه 2، والله أعلم.
قوله في المسبوق إذا ظنَّ أن الإمام قد سلَّم فقام، ثم بان له أن الإمام لم يسلِّم: "فليرجع إلى القعود، أو لينتظر 3 قائماً سلامه ثم ليشتغل بقراءة الفاتحة" 4 هذا التخيير لا يعرف وهو مخالف للقاعدة 5، ولم نره لغيره، والذي ينبغي فيه أنه يجب عليه 6 الرجوع لما في تركه من المخالفة (الزائدة على المخالفة) 7 بالسبق

بركن يفعله الإمام بعده؛ فإنه موافق له في أصل فعله، فإن كان أراد بهذا الترديد وجهين، وألحقه بالسبق بركن واحد فيما إذا غلط فسبق الإمام فقد سبق منه فيه وجهان: أحدهما: يجوز له العود.
والثاني: لا يجوز بل ينتظره 1 فقد أبعد 2 لفظاً ومعنىً، والله أعلم.
ما ذكره في الخلاف المعروف في المسبوق إذا سها الإمام فسجد لسهوه وسجد معه، فهل يعيد المسبوق في آخر صلاة 3 نفسه سجود ذلك السهو؟ من أن مأخذ الخلاف: هو أنه يسجد لسهو الإمام، أو لمتابعته 4. معناه: أن سهو الإمام أدخل نقصاً على صلاته، وصلاة المأموم؛ لارتباط صلاته بصلاته فسهو الإمام 5 مع قطع 6 النظر عن المتابعة يقتضي توجُّه السجود على المأموم جبراً للنقص الذي تعدى إلى صلاته.
وعلى الرأي الآخر إنما يسجد لمتابعة الإمام لا للسهو؛ فإنه لم يوجد منه سهو 7، والله أعلم.
قوله 8 قبل هذا فيما إذا ترك الإمام السجود لسهوه: "أن المأموم يسجد ثم يسلَّم؛ لأن السجود لسهو الإمام ولمتابعته جميعاً" 9 لا ينبغي أن يجعله تعليلاً

منه بمجموعهما على أن يكون 1 كل واحد منهما جزء العلَّة بل علتين مستقلتين 2 فاعلمه، والله أعلم.
قوله في اختلاف القول في أن سجود السهو قبل السلام أو بعده: "مستند 3 الأقوال تعارض الأخبار، ولكن كان آخر سجرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل السلام" 4 أما تعارض الأخبار فلأنه ثبت حديث عبد الله بن مالك بن بحينة في ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد الأول، وأنه سجد سجدتي السهو قبل السلام.
أخرجاه في "صحيحيهما" 5. وثبت حديث أبي هريرة وغيره 6 في تسليمه - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العصر من ركعتين 7، وكلامه ذا اليدين 8 وإتمامه ما بقي من صلاته، وأنه سجد سجدتي السهو بعد السلام.
وثبت حديث عبد الله بن مسعود (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر خمساً وسلَّم 9، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فسجد سجدتي السهو بعد السلام).
أخرجاه في "الصحيحين" 10، لكن في هذين الحديثين بيان أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر السهو إلا بعد السلام، وفي هذا ما يمنع الاحتجاج

فصول الكتاب · 14 فصل · 641 صفحة
جارٍ التحميل