الفصل الرابع: دراسة كتاب "شرح مشكل الوسيط"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصلاح
- الكتاب
- شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
- المؤلف
- عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق
- د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كما إذا لم تكن في محل يلقى فم الشارب، فيجري فيها التفصيل المذكور 1، وهذا الوجه أظهر عند طائفة 2؛ لأن مناط التحريم من الخيلاء وغيره لا يقتضي فَرْقاً.
وأما ما صار إليه من التسوية بين ضبة الذهب وضبة الفضة فقد صار إليه طائفة من الخراسانيين 3، والصحيح خلافه وأن ضبة الذهب حرام قليلها وكثيرها 4؛ فإنهما لا يستويان معنىً وحكماً 5. ولذلك حرم على الرجل خاتم الذهب الفضة 6، بل حُرِّم في الخاتم المباح الأسنان 7 من ذهب 8، وهذا معترف به في طريقة خراسان 9، وفي الوسيط أيضاً 10، والله أعلم.
قوله: "معنى الحاجة أن تكون على قدر حاجة الشعب" 1 فالشعب هو بفتح الشين المثلثة، وإسكان العين المهملة، والمراد به: الصدع والشق، وإصلاحه أيضاً يسمى الشعب، ومنه قولهم للمصلح 2: الشَعَّاب 3، فهو إذاً من الألفاظ المسماة بالأضداد؛ لاستعماله في الجمع والتفريق.
ثم إن ذكر الشعب كالمثال، ولا ينحصر ذلك، بل يلتحق به حاجة الشد والتوثق، وما لا يقصد به الزينة 4، والله أعلم.
قوله: "لا أن يعجز عن التضبيب 5 بغيره، نإن ذلك يجوَّز استعمال أصل الإناء" 6 هذا فيه نقص، وتمامه بأن يقال: إن اضطر إلى استعماله، وكذا هو في "النهاية" 7، والله أعلم.
قوله: "وحدُّ الصغير ما لا يظهر على البعد" 8 هذا مقام وَعِرٌ، وفي ضبط ذلك اضطراب من المصنفين، فالذي ضبطه 9 به صاحب التتمة" 10، وصاحب
"التهذيب" 1، وغيرهما 2: أن الكثير ما استوعب جزءاً من أجزاء الإناء بكماله، مثل أعلاه، أو أسفله، أو شفته، أو عروته 3 جميعها 4، والصغير ما لا يستوعب ذلك، وهذا حكاه صاحب "النهاية" 5 عن بعض المصنفين، ثم غلَّط قائله من جهة أن الإناء إذا كان كبيراً أسفله ذراع في ذراع فما يشتمل على ثلثي أسفله مثلاً كثير متفاحش، وإن لم يستوعب الأسفل جميعه.
ولا ينبغي أن يعد ذلك من الغلط؛ فإنه متوجه بما وجهه به تلميذه الإِمام أبو الحسن إلْكيا الهراسي الطبري 6 - أحد أكابر تلامذته - في كتابه "كتاب زوايا المسائل" وهو أنه إذا استوعبت الفضة جزءاً كاملاً من الإناء خرج عن أن يكون تابعاً للإناء حتى يعد الإناء - إناء نحاس أو حديد - يعد 7 إناء من نحاس وفضة 8، لكون جزءاً من أجزائه المقصودة بكماله فضة، بخلاف ما إذا لم يستوعب جزءاً فإنه يقع مغموراً
تابعاً فلا ينسب 1 الإناء إليهما.
والذي ضبطه به صاحب الكتاب هو ضبط شيخه الإمام أبي المعالي 2 واختياره 3. والمراد بهذا ما لا يخرج عن الاعتدال والعادة في رقته وغلظه 4، ويتشبث طرف منه بذيل الخلاف المعروف في تحريم إناء من نحاس مموه بالفضة 5، والخلاف في تحليل إناء من فضة مغشَّى بالرصاص 6 مثلاً؛ وذلك أن الصانع لو بالغ في ترقيق ضبة 7 من الفضة خفيفة الوزن حتى صارت تلوح من البعد، أو غلَّظ ضبة 8 فضة ثقيلة الوزن وكثفها حتى صارت لا تلوح من البعد لكان الإفراط في بسطها مع خفة وزنها من قبيل التمويه، ولكان صغرها في مَرْأى العين مع 9 ثقل وزنها من قبيل التغشية بالرصاص 10.
ثم إنه لم يضبط البعد الذي ذكره بضابط، وقال تلميذه - صاحب الكتاب - في تدريسه له: "لا يمكن تحديده بالمسافة بالذرعان، وحدٌّ يوقف عليه في أمثال هذا ميئوس عنه"، قال ذلك غير مرة، وجاء تلميذه ابن يحيى في "شرحه
للوسيط" فقال: "لعل الضابط فيه مجلس التخاطب" 1. قلت: وهذا بعيد عن مذاق فقه هذا الفصل، وإنما المرجع في معرفة البعد إلى العرف، فما يقول الناس فيه: هذا بعيد، حكمنا فيه بالبعد وما لا فلا 2. ولعل 3 الإمام أبا المعالي إنما أطلق البعد ولم يضبطه اعتماداً منه على كونه معروفاً بين 4 الناس.
قلت: وعند هذا ينبغي أن نرجع ونقول - من الابتداء -: المرجع في معرفة القلة والكثرة إلى عرف الناس، ولا نطوِّل بما يؤول الأمر فيه إلى الرجوع إلى عرف مثله، وقد وجدنا لنا في ذلك قدوة وهو القاضي أبا 5 المحاسن الروياني 6 صاحب كتاب "بحر المذهب" فإنه قال: "المرجع في القليل والكثير 7 إلى العرف والعادة"، وهذا متعين؛ لأن للناس في ذلك عرفاً، ألا تراهم يقولون في بعض ذلك: هذا كثير، وفي بعضه: هذا قليل، وقد علم أن ما يطلق غير محصور بحدًّ فالمرجع فيه إلى العرف 8 إذا كان مما يتعارفه الناس كما في الحِرْز، وإحياء المَوَات، والقبض والتفرق في البيع، وغيرها، والله أعلم.
ثم ما يتردد في أنه كثير أو قليل 9 فالأصل الإباحة 10، والله أعلم.
ومن الباب الأول: في صفة الوضوء
قوله في تعليل أحد الوجهين في غسل الذمية من الحيض لحق زوجها المسلم: أنه يصح مطلقاً "لأنه استقل بأحد المقصودين كالزكاة في حقِّ الممتنع" 1 هذا لا ينبغي أن يجعل قياساً على ذلك؛ فإنَّ فيه أيضاً وجهين 2: أحدهما: أنه لا تبرأ ذمته من الزكاة باطناً، وليس من طريقته جواز مثل هذا القياس، وإنما ذكره مثالاً ونظيراً، فشبَّه المسألة بالمسألة في جريان الخلاف، وهذا مغاير لقياس الحكم في أحدهما على الحكم في الأخرى، والمقصودان هناك 3 هما: القربة، وسدّ الخَلة 4، والله أعلم.
قوله: "وقت النية: حالة غسل الوجه" 5 أي حالة الشروع فيه 6، فلا يُفْهَمَنَّ 7 منه اقتران النية بجميعه، ولا التخيير في أن ينوي عند أي 8 جزء أراد.
و 9 قوله: "والأكمل أن يقرنها بأول سنن الوضوء" 10 ذكر هو فيما بعد أن أول سنن الوضوء: السواك، ثم التسمية، ثم غسل الكفين، ثم المضمضة 11.
والظاهر أن السواك يتأخر فيكون عند المضمضة.
ولم يَعُدَّ كثير من الأصحاب السواك والتسمية وغسل الكفين من سنن الوضوء وإن كان مندوباً إليها في ابتدائه؛ لعدم اختصاصها بالوضوء 1، والله أعلم.
قوله: "لو غلط من حدث إلى حدث" 2 أي غلط من سبب حدث به إلى سبب آخر.
وإنما صحَّ ههنا قطعاً ولم يجر فيه الخلاف المذكور فيما إذا خصَّ بعض أحداثه بالرفع ولم ينف غيره 3، وإن سبق منه في "البسيط" 4: أنه ينبغي أن يجرى إذ لا فرق بينهما، وهذا لأنه ههنا قد نوى رفع جميع الحدث القائم به، وذلك هو المقصود، وإنما غلط في ذكر سببه، وذكر السبب لا يشترط، وما غلط فيه كأنه 5 لم يذكره.
وفي "النهاية" 6 عن المزني أنه نقل في مسألة الغلط إجماع العلماء على أنه لا يضر.
فلو تعمد ذكر 7 غير سببه لم يرتفع حدثه على الأصح لانتفاء ما ذكرناه 8، والله أعلم.
قوله: "لو نوى ما لا يستحب له الوضوء كاستباحة دخول السوق" 1 ذكر الاستباحة ههنا فضلة ينبغي حذفها 2، والله أعلم قوله فيمن استيقن الطهارة وشك في الحدث: "لو تطهر احتياطاً ثم تبين الحدث ففي وجوب الإعادة وجهان" 3 فيه إشكال من حيث إنه يقال: هذا ينعطف على أصل صورة المسألة بالرفع؛ فإن وجوب الإعادة ينفي وقوع تطهره احتياطاً، ويلزم منه أن لا يشرع تطهره احتياطاً، بل يحدث ويتطهر وجوباً، ولا سبيل إلى القول بذلك 4، وجوابه: أنا على القول بوجوب الإعادة لا نطلق القول 5 بأنه لا يرتفع بذلك حدثه على تقدير تحقق حدثه، وإنما نقول: لا يرتفع على تقدير أن ينكشف، ويجعل تطهره هذا رافعاً لحدثه على تقدير أن يكون محدثاً في نفس الأمر غير أنه لم ينكشف، وذلك للضرورة؛ لأنه لا سبيل 6 إلى رفعه - والحالة هذه - إلا بمثل هذه النية، فإذا انكشف زالت الضرورة فوجبت الإعادة بنية جازمة 7، وهذا كما إذا نسي صلاة من الخمس 8 ولا
يعرف عينها فإنا نجعله متفصياً 1 عن عهدتها بنية لا يجزيء مثلها حالة الانكشاف 2، والله أعلم.
قوله فيما إذا نوى فريضة الوضوء: "هو جائز بخلاف ما إذا نوى فرض التيمم؛ لأن الوضوء قربة مقصودة" 3 هذا غير مقطوع به كما أشعر به 4 كلامه، بل هو 5 وجه ضعيف، والصحيح الجواز في التيمم أيضاً 6؛ لأنه فرض وإن لم يكن قربة مقصودة والوصف بالفرضية غير محصور فيما هو قربة مقصودة 7، والله أعلم.
قوله: "هل يشترط أن يضيف الوضوء إلى الله تعالى؟ فيه وجهان" 8 هذا غير مختص بهذا، بل هو جارٍ ومذكور في وجوهها الثلاثة: فيما إذا نوى رفع الحدث، أو استباحة الصلاة ونحوها أيضاً 9، والله أعلم.
قوله: "لو نوى بغسله 1 الجمعة والجنابة حصلا على الأصح كمن يصلي (الصبح) 2 لتحية المسجد" 3 يعني الفرض والتحية معاً، وفي بعض النسخ: كمن يصلي ركعتي الصبح، والكل سواء في ذلك، ووجه جواز ذلك: أن تحية المسجد عبارة عن صلاة يصليها أول دخول 4 المسجد مُحيياً له بها، كما يحيَّ بتحية السلام في أول اللقاء.
وهذا حاصل إذا بدأ فصلى الفرض أو سنته، فهو كما لو نوى بوضوئه رفع الحدث والتبرد 5. ولا بد من إجراء الخلاف في مسألة التحية أيضاً 6 ويكون تشبيهه بمسألة التحية تمثيلاً للمسألة بالمسألة "لا" 7 قياساً للحكم على الحكم 8 كما بيناه في أول الباب 9. وقال في الدرس في مسألة التبرد: "كأن الفقهاء لم يعتنوا بملاحظة جانب الإخلاص، فعن ذلك صححوا
وجه الصحة".
قلت: لا ينبغي أن يُظَنَّ بهم ذلك مع اعترافهم يكون ذلك عبادة، فإن نصوص الكتاب والسنة تمنعهم من المصير إلى ذلك، وإنما جوَّزوا هذا فيما هو حاصل قصده أو لم يقصده، فلم يجعلوا قصده 1 إشراكاً وتركاً للإخلاص، بل قصداً للعبادة على صفتها الواقعة كمثل حكاية الحال، والله أعلم.
قوله: "لو أغفل لُمعة" 2 هي بضم اللام وإسكان الميم، وهي عبارة عن مقدار قليل لم ينغسل وما حواليه مغسول، أصله من قولهم: لمعة من سواد، أو بياض، أو حمرة في الثوب أو غيره 3، والله أعلم.
صورة تفريق النية على أعضاء الوضوء عنده 4، وعند شيخه 5، وما هو المعروف: أن ينوي عند غسل الوجه رفع حدث فحسب، و 6 هكذا عند كل عضو.
ووجدت فيما عُلَّق عن الشيخ أبي حامد أحمد بن محمَّد صاحب الكتاب 7، ومن معاصري شيخه أن صورته: أن ينوي رفع الحدث عن جميع
الأعضاء، ثم يعود إلى 1 مثل ذلك في كل عضو 2. وهذا حيد عن صورة المسألة إلى فرع لها، فإن النية الثانية فيما ذكره تتضمن قطع النية الأولى، وإذا قطع النية في أثناء الطهارة انبنى على الوجهين في الصورة المعروفة إن قلنا: يصح الوضوء بنيات في كل عضو نية مفردة صحَّ الوضوء فيما 3 ذكره وإلا فلا، والله أعلم.
ما حكاه "عن" 4 الخضري في المستحاضة من أنه يجب الجمع بين نية الاستباحة للحديث القائم واللاحق وبين نية رفع الحدث 5 السابق 6، وحكاه شيخه عن القفال 7، مشكل مع ما عرف من القطع بأن نية الاستباحة كافية في رفع الحدث في حق غير المستحاضة 8، ومن أجل ذلك عدَّه صاحب "النهاية" 9 غلطاً، وحكاه صاحب "التتمة" في الاستحباب دون الوجوب وقال: "لا خلاف أنه لا يجب الجمع بينهما" 10. وقد حُكي وجه غريب: أن نية الاستباحة لا
تجزي أصلاً في رفع الحدث 1؛ لأن نية الاستباحة توجد 2 من غير رفع الحدث كما في التيمم، ولكن لم يحكه هؤلاء مع حكايتهم هذا الوجه في المستحاضة، ولعل وجهه: أن نية الاستباحة في المستحاضة صادفت محلاً آخر تنصرف إليه وهو: الاستباحة من الحدث القائم، بخلاف غيرها، فلا بد لذلك من الإفصاح برفع الحدث السابق، والله أعلم.
"الجبهة" 3: موضع السجود 4، وليست هي الجبين كما تظنه العامة، بل للإنسان جبينان إلى جانبي الجبهة يميناً وشمالاً من الجانبين إلى قصاص الشعر 5. "والذقن" بالذال المعجمة والقاف المفتوحتين: ملتقى اللحيين 6. و"النزعتان": واحدتهما نزعة بفتح الزاء وهما محيطان بالناصية في جانبي الجبين، ينحسر شعر الرأس عنهما 7، وهما من الرأس؛ لكن استحب الشافعي غسلهما مع الوجه 8. فقيل: إن من العلماء من 9 جعلهما من الوجه فاستحب الخروج من الخلاف 10، والله أعلم.
ربما توهم بعضهم أن 1 "المرفق" 2 هو طرف الذراع المحدد الذي من عنده يذرع الذارع، وذلك خطأ، وإنما المرفق عبارة عن مجتمع العظمين المتداخلين، وهما طرف عظم الذراع وطرف عظم العضد، وذلك هو الموضع الذي يتكي عليه المرتفق المتكي 3 إذا ألقم راحته رأسه متكئاً على ذراعه 4 فاعلم ذلك، والله أعلم.
قوله: "وإن قطع من فوق المرفق استحب له 5 إمساس الماء ما بقي من عضده؛ فإن تطويل الغرة 6 مستحب" 7 هذا غير مرضي؛ فإنه يوهم وجود تطويل الغرة في اليد، ومن المعلوم الشائع اختصاص الغرة بالوجه 8، وإن ما في اليدين والرجلين من ذلك هو التحجيل 9، ولعل هذا وقع له مما روي عنه - صلى الله عليه وسلم -: (تأتي أمتي 10 يوم القيامة غرَّاً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل) 11. ولم يقل فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل،
فتوهم أن الغرة شاملة لموضع التحجيل، وليس الأمر على ذلك، فإن ذلك من الإيجاز الذي يكتفى فيه بذكر أحد النظيرين كما في قوله تبارك وتعالى ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ 1 ولم يذكر البرد 2. على أنه قد ورد في بعض رواياته (فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله) 3 فإن كان مراد المصنف: فإنَّ تطويل التحجيل مستحب، ونبَّه بذكر نظيره من الغرة عليه، فلا محذور فيه سوى ما فيه من الإيهام 4، والله أعلم.
قوله: "وإن قطع من المفصل" 5 فالمفصل هو بفتح الميم، وكسر الصاد، ومن قاله بكسر الميم، وفتح الصاد فقد أحال المعنى؛ فإنه هكذا عبارة عن اللسان 6.
قوله: "فيه قولان: أحدهما: لا يجب غسل عظم العضد؛ لأن المرفق عبارة عن عظم الساعد وقد زال، ولأن غسل العضد كان تابعاً وقد سقط المتبوع" 7 تحقيق الفرق بين هاتين العلتين: أنه على العلة الأولى ليس 8 المرفق عبارة عن
مجتمع الطرفين، وإنما هو عبارة عن طرف عظم الساعد فحسب، وإنما وجب غسل الطرف الآخر في حالة السلامة لتداخلهما.
وأما على التعليل الثاني فيُسَلَّم أن المرفق عبارة عن مجتمع الطرفين، ولكن ليسا أصلاً في الغسل، بل طرف عظم العضد منهما إنما يغسل تابعاً لا أصلاً 1.
قوله: "ومنهم من قطع بالوجوب وغلَّط المزني في 2 النقل أو تكلف تأويله" 3 وجه تأويله أنه قال: "فإن كان أقطعهما من المرفقين فلا فرض عليه"، فيحمل على أنه أراد أقطعهما من فوق المرفق 4 كما نقله الربيع؛ لأن 5 ما بعد "من" قد يدخل في المذكور قبلها 6، والله أعلم.
قال: "وإن كشطت 7 جلدة من الساعد" 8 وذكر الحكم فيه، ثم قال: "وإن تدلت من العضد فلا يجب غسلها" 9 فهذا ليس عائداً إلى جلدة الساعد المذكورة، وإنما معناه: وإن تدلت من العضد جلدة تقلعت من العضد 10.
ثم إن 1 قوله: "ويحتمل على رأي العراقيين أن يجب غسل ما يحاذي الساعد وإن لم يلتصق" 2 تخريج من عنده، خرَّجه في هذا الكتاب لا وجود له في "البسيط".
و"النهاية".
ولا يصح على أصل العراقيين؛ فإن المحاذاة بمجردها غير معتبرة عندهم أيضاً 3 ولكن خالف أكثرهم في مصيرهم إلى أن الاعتبار في الجلدة المنقطعة بالمحل الذي انتهت إليه، وتدلت منه، من غير نظر إلى أصلها 4، والجلدة التي فيها الكلام محلها الذي تدلت منه هو من العضد، وقد صرَّح شيخهم الشيخ أبو حامد الأسفراييني 5 في الجلدة المنقلعة 6 من الساعد إذا بلغ 7 تقلعها 8 إلى العضد وتدلت، بأنه لا يلزمه غسلها ولا غسل ما يحاذي منها محل الفرض، بخلاف ما يحاذيه من اليد الزائدة النابتة في العضد، حيث يجب غسل المحاذي منها على ما نصَّ عليه الشافعي - رحمه الله - في "الأم" 9، فإذا
قطع بهذا في الجلدة المتقلعة من الساعد، فما الظن بالمتقلعة من العضد.
والفرق بين اليد والجلدة المذكورتين: أنه اجتمع في اليد اسم اليد والحصول في محل اليد المعهودة 1، بخلاف الجلدة.
وقول صاحب الكتاب في اليد: "هذا احتمال" 2 قاله شيخه 3، وذكر أنه لم ير فيه مخالفاً من الأصحاب للنص.
قلت: فيه خلاف من بعض الأصحاب مذكور في "الحاوي" 4، و"الشامل"، و"التتمة" 5، والله أعلم.
قوله في قدر مسح الرأس: "ما ينطلق عليه الاسم، ولو على بعض شعرة" 6 وكذا قول شيخه 7: "قال الأئمة: لو مسح بعضاً من شعرة كفى لتحقق الاسم".
فيه إشكال لم أرهم تعرضوا له وهو: أن الشعرة الواحدة المذكورة إن كانت حالة المسح عليها قارة على الرأس على العادة ففي المسح عليها مسح على ما 8 حواليها، فلا يكون مقتصراً على مسح شعرة، كان اجتذبها من بين شعر الرأس
ومسح عليها قائمة فلا يسمى بذلك ماسحاً للرأس.
فليفرض إذاً ذلك فيما إذا كان شعر رأسه مطلياً بشيء وبعض شعره بارز فأمرَّ يده عليها مع ما حولها؛ فإنه يسمى ماسحاً للرأس، ولم يقع المسح في الحقيقة إلا على بعض شعره 1، والله أعلم.
قطع هو 2، وشيخه 3 بأن غسل الرأس يجزئ، وإن كان لا يسمى مسحاً، ولو وضع يده المبلولة على رأسه ولم يُمِرَّها فعلى وجه اختاره القفال: لا يجزئ؛ لأنّه لا يسمى مسحاً.
والفرق: أن الغسل أجزأ لا لكونه مشتملاً على المسح، بل لكونه فوق المسح، فالتنصيص على المسح تنبيه على الغسل من طريق الأولى 4. وأما مجرد البلل فليس بالمسح المنصوص 5، ولا ما هو أولى منه، وهذا فرق ظاهر، وعلى هذا يمنع كراهية الغسل، وقد حكى بعضهم في الغسل وجهاً: أنه لا يجزئ 6، والأكثرون ممن جوزوه كرهوه لكونه سرفاً 7، والله أعلم.
قوله: "الأظهر 1 الجواز لحصول الإبلال" 2 كان ينبغي أن يقول: لحصول البلل؛ لأن الإبلال عبارة عن: الشفاء، من قولهم: أبلَّ من مرضه إذا شفي 3، والله أعلم.
قوله في المحدث المنغمس في الماء: "إن الماء يلاقي أعضاءه في لحظات متعاقبة" 4 ليس المراد به التعاقب حساً، بل التعاقب حكماً، أي يعتبر ملاقاة الوجه أولاً، ولا يعتد بملاقاة الرأس، ثم يعتد بملاقاة اليدين، وهكذا هكذا لي لحظات معقولة غير محسوسة 5، والله أعلم.
قوله: "ولو حلق الشعر 6 الذي مسح عليه، لم تلزمه الإعادة خلافاً لابن خيران" 7 كذا قال بالخاء المعجمة في أوله، والنون في آخره، كذا وجدته فيما علِّق عنه في الدرس، ووجدته بخطه في أصله بالوسيط، وكذا قاله 8 شيخه 9 وذكر أن العراقيين نقلوه عن ابن خيران.
وهذا تصحيف بلا إشكال 10، وإنما هو عن ابن جرير بالجيم والراء المكررة 11. وهو محمَّد بن جرير
الطبري 1 صاحب اختيار ومذهب منفرد 2، والله أعلم.
ما اختاره فيما إذا خرج منه بلل، ولم يدر أنه مني أو مذي من أنه يتخير 3، تحقيقه: أن ذمته قد اشتغلت بموجب أحدهما يقيناً، فلم يمكنا 4 العمل بأصل البراءة فيهما معاً لذلك، على نحو ما تقرر في الإناءين 5. فإذا أتى بموجب أحدهما اتجه حينئذٍ الحكم ببراءة ذمته منهما؛ أما من الذي أتى به فقطعاً، وأما من الآخر فظاهراً عملاً بأن الأصل عدمه 6. واتجه العمل بالأصل الآن 7 لكونه عملاً 8 بالأصل في أحدهما خاصة فلا يعارضه يقين الشغل؛ لأنه لم تشتغل ذمته بهذا الواحد المعين يقيناً، وإنما اشتغلت بأحدهما على الجملة، وليس كما إذا نسي صلاة من صلاتين مفروضتين حيث أوجبنا عليه الإتيان بهما معاً؛ لأن ذمته كانت قد اشتغلت بهما معاً فالأصل في كل واحدة 9 منهما بقاء اشتغال
ذمته بها.
وبان بهذا أن ما اختاره صاحب "المهذب" 1 من وجوب الجمع بين حكميهما، ليس بصحيح وإن كنا نظنه الصحيح، والله أعلم.
استدل على أن السواك من سنن الوضوء بقوله - صلى الله عليه وسلم - "السواك مطهرة للفمِّ، مرضاة للربِّ" 2 وهو حديث ثابت روته عائشة - رضي الله عنها - أخرجه ابن خزيمة 3 في "صحيحه" 4، والنسائي 5، وغيرهما 6. قوله 7 "مطهرة" يجوز بفتح الميم وكسرها 8. ولكنه لا يدل على كونه من سنن الوضوء، وإنما يدل على أصل 9 كونه سنة.
والدليل على كونه من سنن الوضوء حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -
- رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) أخرجه ابن خزيمة، والحاكم أبو عبد الله في "صحيحيهما" 1، ورويناه في كتاب "السنن الكبير" 2 بأسانيد حسنة من حديث مالك 3، وحماد بن زيد 4، وغيرهما 5. قوله: "كل خشن يزيل القَلَح" 6 تمامه: ولا يجرح اللثة 7. والقلح هو: بفتح القاف واللام، وهو صفرة ووسخ في الأسنان 8، والله أعلم.
قوله: "ولا يكفي السواك بالإصبع؛ لعدم الاسم" 1 تقريره: أنه جزء منه، ولا يسمى سواكاً ما هو جزء منه، وبهذا خالف الأشنان 2، والخرقة الخشنة 3، ونحوهما مما ليس 4 جزءاً منه، ولا يسمى سواكاً، ولكنه في الحقيقة مساو لما يسمى سواكاً.
واختار القاضي الروياني 5، وصاحب "التهذيب" 6 جوازه بالإصبع الخشنة، وهو خلاف المشهور في الطريقتين، والله أعلم.
قوله: "ووقته عند الصلاة كان لم يتوضأ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك) " 7 هذا يروى من حديث عائشة - رضي الله عنها - وهو غير قوي، ولذلك لم يخرج في كتب الحديث الأصول، وقد رويناه في كتاب "السنن الكبير" للبيهقي 8 من حديث أحمد ابن حنبل وغيره 9، بأسانيد لا تقوى 10، وأخرجه الحاكم 11
في "صحيحه" 1 وادَّعى أنه صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه، ولا 2 يسلم له ذلك؛ فإن الاعتماد فيه على رواية محمَّد ابن إسحاق بن يسار 3 وهو مدلَّس ولم يذكر فيه سماعه.
ويغني عنه حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عنه - صلى الله عليه وسلم - (لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) رواه مسلم 4، وغيره 5، والله أعلم.
قوله: "عند تغير النكهة" 6 بفتح النون وإسكان الكاف أي رائحة الفم 7.
قوله: "أو طول الأزم" 8 هو بهمزة مفتوحة وزاي ساكنة، وهو ترك الأكل، والشرب، وترك الكلام أيضاً، وأصل الأزم في اللغة: الإمساك 9، والله أعلم.
قوله: "لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) 1 هذا ثابت من حديث أبى هريرة، متفق على صحته 2، والخلوف: تغير رائحة الفم، وهو بضم الخاء لا غير 3، وكثير من المحدثين يفتحون الخاء، وهو غلط، والمعنى يفسد به، فإن الخلوف بفتح الخاء هو الشخص الذي يكثر خلفه في وعده، ذكر ذلك الإِمام أبو سليمان الخطابي - رحمه الله - 4. قوله 5 (أطيب عند الله من ريح المسك) أي أفضل عند الله، وأقرب إلى رضاه، وأرجح في الميزان من ريح المسك، الذي يستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلباً لرضا الله تبارك وتعالى، حيث يؤمر بمجانبة الرائحة الكريهة، وملابسة 6 الرائحة الطيبة كما في المساجد، وفي الصلوات وغيرها 7، والله أعلم.
قوله: "وكيفيته: أن يستاك عوضاً وطولاً، وإن اقتصر على أحدهما فعرضاً، كذلك كان يستاك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " 1 ليس بثابت في الحديث 2، ولا في المذهب 3. والمعروف في الطريقتين استحباب الاستياك عرضاً فحسب 4،
إذ يخشى في الاستياك طولاً إدماء اللثة، وإفساد عمور الأسنان: وهو اللحم الذي يتخللها 1، والله أعلم.
حديث (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) 2 روي من حديث سعيد بن زيد 3، وأبي سعيد الخدري 4، وأبي هريرة 5 - رضي الله عنهم - من وجوه في كل واحد منها نظر 6، لكنها غير مُطَّرحة، وهي من قبيل ما يثبت باجتماعه الحديث، ثبوت الحديث الموسوم بالحسن 7 وقد أخرجه الترمذي،
وابن ماجه، ولا يمنع من الحكم بهذا 1 ما ثبت عن أحمد بن حنبل أنه قال في التسمية في الوضوء: "لا أعلم فيه حديثاً ثابتاً" 2. ولا يستشهد على ثبوته بكون الحاكم حكم بصحة إسناده 3؛ لأنه ابتنى تصحيحه له على روايته إياه من حديث أبي هريرة، ونظرنا فيه فوجدنا إسناده قد انقلب 4 عليه، والله أعلم.
حديث (إذا استيقظ أحدكم من نومه) 5 حديث ثابت في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - 6 غير أن ذكر التكرار ثلاثاً انفرد به مسلم عن البخاري.
وقوله (فإنه لا يدري أين باتت يده) 7 سببه على ما ذكره الشافعي - رضي الله عنه - 8، وغيره 9: أن أهل الحجاز كانوا يقتصرون على الاستنجاء بالحجارة،
فإذا ناموا عرقوا لما في بلادهم من الحرِّ، فتقع يد أحدهم على ذلك المكان فتتنجس.
ويلتحق بذلك كل من شك في نجاسة يده وإن لم يقم من نوم 1، وإن استيقن طهارة يده فاستحباب أصل غسل اليد ثلاثاً ثابت من غير خلاف نعرفه 2، وقد قال صاحب "نهاية المطلب" فيما وجدناه من "اختصاره للنهاية" 3: "رأيت الأصحاب متفقين على استحباب الغسل".
فإذاً قول تلميذه في "الوسيط": "فإن تيقن طهارة يده ففي بقاء الاستحباب وجهان" 4 لا يستفاد منه أن في استحباب أصل الغسل عند التيقن وجهين، وذلك أنه إن أراد به أن في بقاء استحباب أصل الغسل وجهين فهو غلط، وسهو، سبق إليه القلم أو 5 الخاطر، وذلك أنا وجدناه في "البسيط" 6 قد ذكر ذلك كذلك، ونسبه إلى حكاية شيخه، ونظرنا في كلام شيخه 7 فإذا هو إنما حكاه في استحباب تقديم الغسل على الغمس، لا في أصل الغسل، وحكى استحباب أصل الغسل عن الأئمة مطلقاً، وإن أراد بذلك أن في بقاء استحباب تقديم الغسل على الغمس وجهين فلا يكون حاكياً للخلاف في أصل الغسل، بل في تقديمه، فالوجهان في ذلك معروفان محكيان في
طريقتي العراق وخراسان 1. لكن لفظه لفظ مُغْلِط، كذلك وقع لفظه في متن الوسيط، وفيما عُلَّق من من تدريسه له، وفي "البسيط" أيضاً يوهم 2 جداً أن الخلاف في استحباب أصل الغسل.
والظاهر أن صاحب "الذخائر" أبا المعالي مجلي بن جميع المصري 3 في حكايته الوجهين في أصل الغسل غلط في ذلك من جهته؛ فإنه كثير النقل عنه، والله أعلم.
قوله في المضمضة والاستنشاق: "نقل المزني أنه يأخذ غرفة لفيه وأنفه و 4 هكذا روى عبد الله بن زيد عن وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " 5 فالأمر فيه على ما قال، ثبت في "الصحيحين" 6 عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري 7 - وهو
غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري صاحب الأذان الذي يأتي ذكره في باب الأذان 1 - أنه وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتمضمض واستنشق من كف واحد، وفعل ذلك ثلاثاً.
وأما قوله: "ونقل البويطي 2: أنه يغرف لفيه غرنة ولأنفه غرفة، وهكذا روى عثمان وعلي عن وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " 3 فهذا لا يعرف ولا يثبت عن عثمان وعلي - رضي الله عنهما -، بل روى أبو داود في "سننه" 4 عن علي ضد ذلك، وهو القول الأول، وأنه وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد.
وإنما ل 36/ أاحتج أهل العلم بهذا الشأن لهذا القول - وهو قول الفصل بين المضمضة والاستنشاق - بحديث طلحة بن مصرِّف 5 عن أبيه 6 عن جده 7 (أنه رأى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفصل بين المضمضة والاستنشاق).
أخرجه أبو داود 1، وليس إسناده بالقوي 2، وقد أنكره بعض أئمة الحديث، وجدُّ طلحة هو عمرو بن كعب اليامي الهمداني، وقيل بالعكس كعب بن عمرو، واختُلِف في أن له صحبة.
ومصرِّف هو بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الراء المشددة وبعدها فاء.
والقول الأول - وهو قول الجمع - أكثر في كلام الشافعي وهو رواية المزني 3، والربيع 4، وهو الصحيح في الحديث، وأبعد عن السرف في الماء.
ثم الأصح في تفسيره قول من قال: إنّه بثلاث غرفات؛ إذ في حديث عبد الله ابن زيد في رواية من الصحيح 1 (تمضمض واستنشق ثلاثاً بثلاث غرفات).
وخفي ما ذكرناه على طائفة من أئمتنا ذهبوا إلى أن قول الفصل أصح منهم المحاملي 2، والروياني 3، وما خفي من ذلك على صاحب الكتاب أكثر؛ فإن المعروف بين نَقَلَةِ المذهب أن في المسألة قولين: أحدهما: أن الجمع أفضل.
والثاني: أن الفصل أفضل 4. فلم يذكر هو هذا أصلاً، وقطع بأنه لم يختلف قول الشافعي في المسألة؛ إذ لم يذكر إلا طريقين: أولهما: القطع بأن الفصل هو المستحب لا غير.
والثاني: أن الفصل والجمع 5 مستحبان غير أن الجمع هو الأقل 6، والفصل هو الأكمل 7. وهذا الثاني قد نقله شيخه في "النهاية" 8، وأما الأول فلم نجده بعد البحث لأحدٍ 9، ولا وجود له في "بسيطه" و"النهاية" أيضاً، والله أعلم.
و 1 قوله: "يغرف غرفة" يجوز في غرفة منه ضم الغين وهو الشيء المغروف، ويجوز فتح الغين وهي فعل الاغتراف والمصدر 2. وأما قوله قبل 3 ذلك "يأخذ غرفة" فيتعين فيه ضم الغين، فإن الذي يوصف بالأخذ هو المغروف لا فعل الاغتراف، والمصدر قد يقام مقام المفعول، لكن ما فرِّق فيه بين المصدر والمفعول بحركة فردة لا يساوي ما ليس كذلك، والله أعلم.
قوله في تقديم المضمضة على الاستنشاق: "هذا التقديم مستحق أو مستحب؟ فيه وجهان" 4 هذا يتشبث بذيل مسألة لطيفة ابتكرناها وهي أنه هل يطلق على شروط النوافل وأركانها أنها مفترضة؟ فهذا الكلام وهو كلام شيخه 5 يتضمن أنه لا بأس بإطلاق ذلك عليها، وفيما نقل عن القاضي حسين في فتاويه 6 أنه سئل عن قراءة الفاتحة في النوافل 7 هل يقال: إنها فرض؟ فقال: "لا أقول إنها فرض ولكن أقول هي 8 شرط كالطهارة والاستقبال".
فيخرج أركان النوافل إذاً 9 على وجهين: أحدهما: أنها توصف 10
بالشرطية؛ إذ 1 يلزم من انتفائها انتفاء صحتها كما في الشروط، ولا توصف بالفرضية لجواز تركها بترك أصلها.
والثاني: أنها توصف بالفرضية 2 من حيث إنه لو أتى بالنافلة مخلاً بركن منها لكان قالباً صورتها 3 الشرعية، ولكان كما لو زاد فيها ركوعاً أو سجوداً فيأثم بتغييره موضوع الشرع فيها، فقد عصى إذاً بترك ركنها على الجملة.
وحدُّ الواجب ما يلام شرعاً تاركه بوجه ما، وهذا اختيار 4 القاضي أبي بكر الباقلاني 5، والإمام الغزالي 6 في حد الواجب.
ويرد على الوجه الأول: أن الشرط من شأنه أن ينشأ قبل المشروط، ويتقدم عليه، كما في الطهارة، والاستقبال، وغيرهما، وهذا منتف في هذه الأركان.
وأما الثاني فيرد عليه أن التأثيم المذكور ليس على تركه ركن النافلة، بل على تغييره موضوع الشرع، على أن الحدَّ المشهور للواجب ليس فيه قولنا: بوجه ما، وذلك 7 لعله الصواب؛ لأن الحامل على زيادة ذلك: الواجب المخير، والواجب الموسع 8، أما المخير فليس واحداً 9 من خصاله 10 يوصف بعينه
بالوجوب حتى يحتاج إلى أن يزيد من أجله في الحد "بوجه ما" نظراً إلي أن كل واحد من الخصال يعصى بتركه على تقدير ترك بدله، وإنما الموصوف بالوجوب واحد منها 1 لا بعينه، فلا يتصور تركه إلا بترك الجميع، وترك الجميع 2 يوجب الذم على كل وجه لا بوجه ما.
وأما الموسع 3 فالجائز فيه التأخير لا الترك، وهذا 4 غير هذا، فالصواب في ذلك - والله أعلم - أن لا يقال فيها: شروط ولا فروض، ويقتصر على وصفها بالأركان؛ فإنها عبارة سالمة عن الإشكال، والله أعلم.
ذكر أنه يستحب المبالغة فيهما بتصعيد الماء إلى الخياشيم ورده إلى الغلصمة 5. فالخياشيم جمع خيشوم، واختلف فيها اللغويون فقيل: هي أقصى الأنف، وقيل: هي عظام رقاق ليَّنة 6 في أقصى الأنف بينه وبين الدماغ، وقيل غير ذلك، وقد يسمى الأنف كله خيشوماً 7. والغلصمة: هي رأس الحلقوم 8.
وقوله: "إلا أن يكون صائماً فيرفق كما ورد في الحديث" 9 هو حديث لقيط
ابن صبرة 1 أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: (وإذا استنشقت فبالغ إلا أن تكون صائماً) أخرجه أبو داود 2 , وغيره 3، وهو حديث حسن الإسناد.
وصبرة بفتح الصاد المهملة وكسر الباء، والله أعلم.
قوله: "الثامنة: تقديم اليمين على اليسار" 4 استثني صاحب "الحاوي" 5 من ذلك الأذنين فإنه يمسحهما معاً، قال: "وليس في أعضاء الطهارة عضوان لا
تقدم اليمنى منهما على اليسرى غير الأذنين".
وذكر الروياني صاحب "بحر المذهب" 1 أيضاً أنه لا يستحب التيامن فيهما لإمكان الجمع بينهما بمرة، وهكذا الخدان من الوجه.
فلو كان أقطع اليد استحب له أن يبدأ بأذنه اليمنى؛ لأنه لا يمكنه مسحهما معاً، والله أعلم.
قوله في استيعاب الرأس بالمسح: "فإن عسر تنحية العمامة كمَّل المسح بالمسح على العمامة" 2 قلت: لم أجد أحداً من أصحابنا تعرض لأنه يشترط من وضع العمامة 3 على الطهارة ما يشترط في المسح على الخفين، فيحتمل إلحاقه 4 في ذلك بذلك، ويحتمل أن لا يلتحق به، فإن هذا نوع آخر؛ لأنه مسح وقع بدلاً عن مسح، وذلك مسح وقع بدلاً عن غسل، وههنا يجمع بمسحه على الناصية والعمامة بين الأصل والبدل، ولا يجوز مثل ذلك في المسح على الخف.
وقد اشترط أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - فيها وضعها على الطهارة 5، غير أن من مذهبه جواز الاقتصار على مسح العمامة 6، والله أعلم.
ذكر مسح الرقبة في السنن وقال: "لقوله - صلى الله عليه وسلم - مسح الرقبة أمان من الغل" 7 و 8 هذا غير صحيح عند أهل الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو من قول بعض
السلف 1، وروى أبو عبيد القاسم بن سلاَّم 2 عن موسى بن طلحة 3 قال: (من مسح قفاه مع رأسه وقى الغل يوم القيامة) 4. والشافعي لم يذكره في كتبه، والله أعلم.
(وقد روينا في "السنن الكبير) 5 عن طلحة بن مصرِّف عن أبيه عن جده (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح على سالفته).
وفي رواية: على قفاه.
قلت: