شرح مشكل الوسيطصفحات 10-49
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الفصل الرابع: دراسة كتاب "شرح مشكل الوسيط"

صفحات 10-49
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الصلاح
الكتاب
شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ
المؤلف
عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
المحقق
د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال
الناشر
دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1432 هـ - 2011 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

العصر نفسها.
ويشهد لذلك حديث أنس بن مالك في هذا، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (تلك صلاة المنافقين، يجلس أحدهم حتى إذا اصفرَّت الشمس فكانت بين قرني شيطان، (أو على قرني شيطان) 1، قام فنقر أربعاً، لا يذكر الله تعالى فيها إلا قليلاً).
هذا لفظ رواية أبي داود في "سننه" 2، وهو أدلُّ من لفظ 3 رواية مسلم في "صحيحه" 4. وهذا كلام يفهم منه الذم لكل واحدة من الخصال المذكورة فتثبت 5 الكراهة في كل واحدة منها غير موقوفة على وجود مجموعها 6، والله أعلم.
حديث من أدرك ركعة من الصبح ... إلى آخره 7 مخرَّج في "الصحيحين" من رواية أبي هريرة - رضي الله عنه - 8.

من الحامل على نفي الاشتراك بين صلاتي الظهر والعصر 1 في طرفي وقتيهما 2، وتأويل قوله في حديث ابن عباس: (ثم صلى بي العصر حين كان 3 ظل كل شيء مثله.
ثم قال: صلى بي من 4 الغد الظهر حين كان ظل كل شيء مثله): حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (وقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر).
خرَّجه مسلم في "صحيحه" 5، والله أعلم.
حديث (إذا أقبل الليل من ههنا 6، وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم) 7 مخرَّج في "الصحيحين" 8، وغيرهما 9 من رواية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -

(ونحوه من رواية عبد الله بن أبي أوفى 1. وفيه مخرَّج 2 في "الصحيحين" من رواية عمر - رضي الله عنه - زيادة) 3: (وغابت الشمس فقد أفطر الصائم) قلت: هذا 4 الجمع بين الجميع للإشعار بأن غيبوبة الشمس عن الأعين مجردة عن إقبال الظلام وإدبار الضياء لا يكفي؛ فإنها قد تغيب عن الأعين من غير أن تغيب بالكلية، وبالأمرين الآخرين يعرف غيبتها بالكلية 5، والله أعلم.
قوله في وقت المغرب: "فيه قولان: أحدهما: أنه يمتد إلى غروب الشفق، وإليه ذهب أحمد 6؛ لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى المغرب عند اشتباك النجوم" 7 هذا الحديث غير معروف، ولا ثابت 8، وإنما المعروف حديث أبي أيوب

الأنصاري 1 أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تزال أمتي بخير، أو قال: على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم).
أخرجه أبو داود 2، وروي نحوه من حديث العباس بن عبد المطلب 3، وغيره 4. ثم إن هذا القول مع ذلك هو الصحيح جزماً، وإن كان الثاني 5 هو المعتمد المعروف عند جماهير أئمة المذهب 6، والمشهور عن 7 صاحب المذهب 8، حتى قال الشيخ أبو حامد:

"إنه لا يعرف غيره عن الشافعي" 1. فقد ثبت بأحاديث صحيحة أن وقت المغرب يمتد إلى غروب 2 الشفق، وهذا هو الصحيح عند طائفة من الأصحاب منهم: الزبيري 3، وابن المنذر 4، والفقيه الحافظ أبو بكر البيهقي 5، وصاحب "التهذيب" 6، واختاره صاحب الكتاب في الدرس 7، وهو أحد قوليه في القديم، نقله أبو ثور عن الشافعي 8، وعلق الشافعي في "الإملاء" القول به على ثبوت الحديث به 9، وقد ثبت فيه أحاديث خرَّجها مسلم في "صحيحه" 10 من رواية أبي موسى الأشعري، وبريدة بن الحصيب 11، وعبد الله بن عمرو بن

العاص - رضي الله عنهم -، ومن أصرحها حديث أبي موسى في بيانه - صلى الله عليه وسلم - مواقيت الصلاة 1 لمسائل سأله عنها إذ فيه: (ثم أخَّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق).
(وحديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (وقت المغرب ما لم يغب الشفق) 2)، وفي رواية عنه: (ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق).
وهو بالثاء المثلثة أي ثورانه 3، روى ذلك هكذا مسلم في "صحيحه"، والبخاري وإن لم يخرجها في "صحيحه" فقد قال فيما رواه عنه الترمذي في كتاب "العلل" له 4: "إن حديث أبي موسى حديث حسن".
وكذلك قال في حديث بريدة.
وأما الحديث الوارد في 5 نفي تأخيرها إلى اشتباك النجوم فممَّا لا يقاوم هذه في صحتها وصراحتها، على 6 أنا نتأوله على تأخيرها على جهة التقرُّب بذلك، أو لاعتقاد أن وقتها لا يدخل إلا عند اشتباك النجوم، كما يحكى عن الشيعة 7. وأما حديث إمامة جبريل - صلى الله عليه وسلم - فما في هذه الأحاديث متأخر عنه من حيث التاريخ 8، على أني أقول: بيان جبريل - صلى الله عليه وسلم - مستقيم 9 ففي أكثر الصلوات إنما بيَّن (وقت) 10 الاختيار دون وقت الجواز؛

كما في العصر، والعشاء، والصبح على ما عرف، فكذلك في وقت المغرب إنما بيانه لوقت الاختيار، وأنه الوقت الواحد الذي صلاها فيه - صلى الله عليه وسلم - في اليومين 1، ففي هذا فارق وقت المغرب سائر الأوقات لا فيما قالوه، وفيه جمع بين الأحاديث من الطرفين متعيِّن 2، يتعيَّن من أجله ترك ما قاله صاحب "التهذيب" 3 على هذا القول: من أن النصف الأول إلى غيبوبة الشفق للاختيار، والنصف الثاني للجواز.
وعبارته موهمة نسبة ذلك إلى القائلين بامتداد وقتها إلى سقوط الشفق من الأئمة، وذلك تساهل منه.
ثم إني وجدت ما وقع لي لبعض المصنفين المتأخرين من أصحابنا بخطه 4، والله أعلم.
قوله: "لا بأس بتناول لقمة أو لقمتين" 5 هذا الحصر يأباه الحديث (الصحيح) 6؛ ففي "الصحيحين" 7 عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قُدِّم العشاء فابدأوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم).
وفيهما 8 عن

ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء، ولا تعجل حتى تفرغ منه).
وفي رواية لأبي داود 1 عن ابن عمر ما معناه: أن ذلك كان في عشائهم وكان خفيفاً، والله أعلم.
حديث قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأعراف في صلاة المغرب 2 أخرجه أبو داود 3، والترمذي 4، والنسائي 5 من حديث زيد بن ثابت 6، ورواه 7 البخاري 8 ولكن لفظه عنه: (أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بطولى 9 الطوليين).

أي بأطول السورتين الطويلتين، يعني الأعراف على ما فسَّره الراوي في إحدى 1 روايات الحديث الصحيحة 2. قوله: "أما 3 العشاء فيدخل وقتها 4 بغيبوبة الشفق وهو: الحمرة دون الصفرة والبياض" 5 (هذا خلاف ما ذكره شيخه فإنه قال في "نهايته" 6: "أول وقت العشاء يدخل بزوال الحمرة والصفرة) 7، وما بين غيبوبة الشمس إلى زوال الصفرة يقرب مما بين الصبح الصادق إلى طلوع قرن الشمس.
وما بين زوال الصفرة إلى انمحاق البياض يقرب 8 مما بين الصبح الصادق والكاذب".
وهكذا ذكر ذلك هو في "البسيط".
9، والذي ذكره ههنا في "الوسيط".
يشهد له 10 إطلاق النصِّ في "مختصر المزني" 11 وهو قوله: "فإذا غاب الشفق وهو الحمرة فهو أول وقت عشاء الآخرة".

وهكذا إطلاق كثير من الأصحاب 1، لكن الذي نقله صاحب "جمع الجوامع في منصوصات الشافعي" عنه 2 لفظه: "والشفق: الحمرة التي في المغرب، فإذا ذهبت الحمرة ولم ير منها شيء فقد حلَّ وقتها , ومن افتتحها وقد بقي من الحمرة شيء أعادها".
وهذا يصلح شاهداً للمذكور في "النهاية"؛ لأن الحمرة وكثيراً من الألوان تكون خالصة، ثم تضعف, وترق، وتستحيل ألواناً أُخر تعد بقية لتلك الألوان، وفي حكم جزء منها, بحيث يقال: إنه بقي ببقائها شيء من تلك الألوان, وحتى لا يطلق عليها: إنها ذهبت مع بقاء تلك البقية.
وينبغي أن يختار هذا؛ فإنه الأحوط، والله أعلم.
احتج من قال وقت الاختيار للعشاء إلى ثلث الليل بحديث بيان جبريل 3، وقد سبق و 4 ذكرنا أنه حديث حسن 5. وبما هو أصح منه وهو حديث 6 أبي موسى الأشعري في بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأوقات بفعله - بعد بيان جبريل - رواه مسلم 7. وأما قول المصنف: "لقوله - صلى الله عليه وسلم -: لولا أن أشق على أمتي 8 لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت العشاء إلى نصف الليل) 9 فإنما هو في

"صحيح مسلم" 1، وغيره 2 من حديث أبي هريرة: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء، والسواك عند كل صلاة).
ولم أجد ما ذكره مع شدة البحث في كتب الحديث 3. فلنحتج له بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (و 4 وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل).
أخرجه مسلم 5، وهو متأخر ناسخ 6، والله أعلم.

قوله: "قال - صلى الله عليه وسلم -: لا يغرنَّكم الفجر المستطيل، فكلوا واشربوا حتى يطلع 1 الفجر المستطير" 2 هذا حديث قد روى مسلم 3 نحوه عن 4 سمرة بن جندب 5 ولفظه: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يغرنَّكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق الستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا).
وحكاه حماد بن زيد بيديه قال: "يعني معترضاً".
المستطير 6: المنتشر 7. والمعترض: الآخذ في العرض 8، والله أعلم.
قوله: "قال سعد القرظ 9: كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشتاء

لسُبع يبقى من الليل، وفي الصيف لنصف سُبع" 1 هذا الحديث 2 غريب ضعيف غير معروف عند أهل الحديث 3، وقد رواه الشافعي بإسناد لا يقوى في كتابه القديم عن سعد القرظ 4 قال: (أذنَّا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بقباء، وفي زمن 5 عمر بالمدينة فكان أذاننا 6 للصبح لوقت واحد: في الشتاء لسبع ونصف يبقى، وفي الصيف لسبع يبقى منه).
فهذا الواقع في هذا الكتاب وغيره 7 فيه تغيير؛ وإنما هو على علاَّته: سبع ونصف وسبع.
وكذلك ذكره صاحب "التقريب" 8. وذكر إمام الحرمين الروايتين 9 من غير تعرض لما نبهنا عليه، والله أعلم.
وسعد القرظ هذا هو: مضاف إلى القرظ بفتح القاف والراء، والظاء المعجمة القائمة وهو الذي يدبغ به، وليس فيه ياء النسبة، وكثير من الفقهاء يصحفونه: القرظي بضم القاف مع ياء النسبة اعتقاداً لكونه منسوباً إلى بني قريظة، وكذلك

وقع في كثير من نسخ هذا الكتاب وهو غلط، وإنما لُقِّبَ بهذا؛ لأنه كان كلما اتجر في شيء خسر فيه، فاتجر في القرظ فربح فيه فلزم التجارة فيه، فَلُقَّبَ به، والله أعلم.
قوله: "لو اقتصر على ما بعد الصبح أجزأه" 1 وفي بعض النسخ على ما قبل الصبح.
وكلاهما جائزان، ولكن "بعد" هو الصحيح في النقل، وهو 2 الذي علقته مما علق عنه في درسه، وفوقه صحّ بخطي، وذلك هو المستحب عند إرادة الاقتصار على أحدهما؛ فإنه العهود في سائر الصلوات 3، والله أعلم.
قوله فيما إذا وقع بعض الصلاة خارج الوقت: "إن جعلناه قضاءً لم يجز التأخير إليه قصداً" 4 هذا يشعر بجواز التأخير إليه إذا جعلناها 5 مؤداة، وذلك فيه تردد من الشيخ أبي محمد الجويني 6 ومال إلى أنه لا يجوز، وهو المقطوع به في "التهذيب" 7، والله أعلم.

ثم إنه أطلق ذكر البعض وإطلاقه يجيء على قول في أن المعذور يدرك بتكبيرة 1، والصحيح أن هذا 2 الخلاف لا يجيء فيما إذا كان البعض الواقع في الوقت ما دون ركعة بل يقطع بكونها قضاءً 3، والله أعلم.
حديث الصلاة 4 (أول الوقت رضوان الله 5) 6 رواه الدارقطني من حديث جرير بن عبد الله 7، وقد روي من حديث أنس 8. وخرَّج الترمذي 9 نحوه من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، ولا يصح هذا الحديث قال الحافظ أحمد

البيهقي - بعد أن رواه من حديث ابن عمر وضعّفه: "وقد روي 1 بأسانيد أخر كلها ضعيفة 2 " قلت: تغني عنه أحاديث منها 3: ما روي عن ابن مسعود قال: (سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي العمل 4 أفضل؟ قال: الصلاة في أول وقتها).
رواه ابن خزيمة بهذا اللفظ في "صحيحه" 5، والله أعلم.
ما ذكره من حديث اشتكاء النار إلى ربها تبارك وتعالى، والأمر بالإبراد بالظهر 6 رواه البخاري 7 ومسلم 8 من حديث أبي هريرة بمعناه.
وفيح جهنَّم: غليانها واشتداد حرها وانتشاره 9.

قوله: "ثم قيل: إن الإبراد سنة للأمر الوارد، وقيل: رخصة" 1 هذا مشكل 2، وكذا هو في "البسيط" 3، و"النهاية" 4 غير مبيَّن، فأقول: قد سبق أن التأخير في غير حالة الإبراد تقصير، فأثر الرخصة في حالة الإبراد على هذا الوجه يظهر في نفي التقصير، مع أن الفضيلة في التقديم، بخلاف الوجه الآخر؛ فإن الفضيلة فيه في التأخير، وهذا الآن واضح، وقد كنت تطلبت لذلك بخراسان شرحاً وبياناً، فوجدت بخط الشيخ أبي محمد الجويني فيما علقه عن شيخه القفَّال من شرحه "للتلخيص 5 " عند ذكره 6 قول صاحب "التلخيص" 7 في الإبراد: "فمنهم من جعل تأخيرها أفضل، ومنهم من جعلها رخصة".
قال الشيخ أبو محمد 8: "فقلت للشيخ ما معنى قوله "ومنهم من جعلها رخصة" وقد أجمعوا على أنه يجوز له أن يصلي الصلاة في آخر وقتها، فكيف يسمى الإبراد رخصة؟ فقال الشيخ: إنما يسمى ذلك رخصة على معنى أنه يؤخرها ثم يدرك مع ذلك فضيلة التقديم إلى أول الوقت، وإن كان يجوز له تأخيرها" 9. ووجدت في "شرح التلخيص" للشيخ أبي علي السنجي تلميذ

القفال ما حكايته: التأخير أفضل على ظاهر الخبر من التعجيل ومنهم من قال وهو الأصح: إن التأخير رخصة، وليس 1 بعزيمة، فالأفضل أداؤها في أول الوقت، وللشافعي ما يدل عليه 2. وذكر صاحب "التهذيب" 3 نحواً مما ذكره أبو علي، غير أنه قال: "الأصح أن التأخير أفضل".
ووجدت فيما علق عن صاحب الكتاب في تدريسه له: هذا أمر ورد عقيب الحثِّ على المبادرة إلى الصلاة في أول الوقت والأمر بذلك، فكان أمر 4 رخصة وإباحة في تأخيرها في شدة الحرَّ، وكان هذا الأمر يشبه الأمر الوارد عقيب الحظر كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا 5 حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ 6. فأقول: أما هذا وما قاله الشيخ أبو علي فراجعان إلى ما ذكرته أولًا، وبما ذكرته يتمَّان ويتقرران، وأما ما ذكره الإِمام القفال فهو 7 غير مرضي، وحاصله يرجع إلى أنه رفع الخلاف 8 بين الوجهين، وادعى اتفاقهما على أن التأخير أفضل؛ فإنه أثبت فيه فضيلة التقديم، ومعلوم أن فضيلة التقديم هي الأفضلية، وردَّ الخلاف إلى تسميته رخصة، وذلك خلاف

ما يوجبه إيراد صاحب "التلخيص" له 1، فإنه يقتضي أن التأخير ليس بأفضل على الوجه الثاني، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
قد يستبشع عده الكفر من الأعذار 2، ولكن لما كانت الصلاة لازمة في 3 حال الكفر وسقطت عنه بإسلامه، كما سقطت عن الحائض ونحوها، عُدَّ من المعذورين نظراً إلى الإسقاط 4، والله أعلم.
إيجاب الظهر على المعذورين المذكورين بإدراكهم وقت العصر 5 رويناه في كتاب "السنن الكبير" 6 عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس - رضي الله عنهم -. قال الحافظ أحمد البيهقي: "ورويناه عن جماعة من التابعين، وعن الفقهاء السبعة من أهل المدينة رضي الله عنهم" 7. وقياسنا إياهم على المعذور بالسفر إنما هو في توسيع الوقت عليهم، وذلك في نفسه تخفيف، وإيجاب الظهر عليهم

لازم من ذلك لا أنه محل القياس، على أنه من حيث المعنى لا يضاد التخفيف من حيث كونه تأهيلاً 1 لهم للعبادة المكتوبة، والله أعلم.
القول بأنه لا يعتبر في ذلك إدراك زمان الطهارة 2، في توجيهه إشكال مع أنه الأصح عند صاحب "النهاية" 3، وتقريره: أن الطهارة إنما تعتبر في الصحة لا في الإلزام؛ ولهذا تجب الصلاة على المحدث مع أنه في حالة الحدث غير متمكن من أدائها، وذلك لما تقرر في أصول الفقه في مسألة "خطاب الكفار بالفروع": من أنه ليس من شرط الفعل المأمور به أن يكون شرطه حاصلاً حالة الأمر به 4، والله أعلم.
قوله: "المتعدي بالظهر قبل فوات الجمعة، لا يصح ظهره على وجه" 5 إنما هو قول مشهور 6، وقد ذكره هو في كتاب الجمعة قولًا 7، والله أعلم.

قوله: "لأن سقوط القضاء عن المجنون رخصة، وعن الحائض عزيمة" 1 ذكر في الدرس أن الفرق بينهما عسر، وأورد عليه وجوب قضاء الصوم عليها.
ونحن نقرر الفرق بعون الله تعالى: فاعلم أن العزيمة: عبارة عن كل حكم ثابت على وفق الدليل.
والرخصة: عبارة عن كل حكم ثابت على خلاف الدليل لمعارض راجح 2. فإذا عرفت ذلك فإنما كان سقوط قضاء الصلاة عن الحائض عزيمة؛ لأنها مكلفة بترك الصلاة، فإذا تركتها فقد قامت بالأمر في الترك، فلم تُكَلَّف مع ذلك بالقيام بالأمر بالفعل قضاء، ولم يجمع عليها قيام بالأمرين تركاً وفعلاً، فهذا مناسب معقول موافق للدليل.
ولا نقول: الفرق بين الصلاة والصوم كثرتها وندرة الصوم حتى يكون إسقاط قضائها تخفيفاً ورخصة، بل سبب إسقاط قضائها ما ذكرناه.
وذلك يقتضي إسقاط قضاء الصوم أيضاً، غير أن للشارع زيادة عناية بصوم رمضان، فأوجب قضاءه عليها بأمر مجدَّد في وقت ثان، وتسميته قضاء مجاز، وهو في الحقيقة فرض مبتدأ، فمخالفة الدليل - إن كانت - ففي وجوب قضاء الصوم، لا في سقوط قضاء الصلاة.
فتقرر إذاً أن سقوط قضاء الصلاة عنها 3 ليس رخصةً، وأن المرتدة ساوت المسلمة في مستنده فتساويا في الحكم فيه.
وأما إن سقوط القضاء عن المجنون رخصة؛ فلأن الدليل يقتضي أن من فاتته الصلاة في وقتها - من غير أن يكون مكلفاً بتركها في وقتها - يؤمر بقضائها في وقت ثانٍ؛ لئلا يخلو من وظيفتها , ولهذا وجب

قضاؤها على النائم، وإنما أسقط ذلك عن المجنون تخفيفاً عنه ورخصة، والمرتد 1 ليس أهلاً لذلك، فألزم بقضائها بعد إسلامه وإقامته 2 لذلك، فاعلم ذلك، فقد قررته، فتقرر إن شاء الله تعالى 3. قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ... إلى آخره 4 مخرَّج في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري 5، ومن حديث أبي هريرة 6، وغيره من الصحابة 7 نحوه رضي الله عنهم.
قوله: "ووجه تعلقهما 8 بالفعل أنه يتمادى بالبدار" 9 عبارة قلقة، وتحريرها أن نقول: وجه تعلقهما بالفعل: أنهما إنما يوجدان بوجود الفعل حتى يطول زمانهما بالبدار، ويقصر بالتأخير، أو نحو هذا 10، والله أعلم.

ما ذكره من حديث: (أن الشمس تطلع ومعها قرن شيطان فإذا ارتفعت فارقها) 1 رواه الإِمام مالك في "موطئه" 2، والنسائي 3. والراوي له الصنابحي، وهو بصاد مهملة مضمومة بعدها نون ثم ألف ثم باء موحدة ثم حاء مهملة ثم ياء النسب، وسماه مالك عبد الله، وخالفوه في ذلك وقالوا: إنما هو أبو عبد الله واسمه عبد الرحمن 4، والله أعلم.
وقرن الشيطان: ورد ذكره في عدَّة أحاديث 5، فقيل: قرنه أمته وشيعته 6.

وقيل: قرنه جانب رأسه 1، وهذا ظاهر هذا 2 الحديث.
ومعناه: أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون للشمس في هذه الأوقات كالساجدين له، وحينئذٍ يكون له ولشياطينه تسلط زائد، وتمكن من أن يلبسوا على المصلين صلاتهم، ويهوشونها 3 (عليهم) 4 فكرهت لهم الصلاة (فيها) 5 صيانة لها، كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان 6. وفي حديث عمرو بن عبسة 7 عنه - صلى الله عليه وسلم - وهو مما أخرجه أبو داود 8 والنسائي 9 - (فإنها تطلع

بين قرني شيطان فيصلي لها الكفار) وفي رواية النسائي (حتى ترتفع قيد رمح)، وفيه في الغروب (فإنها تغرب بين قرني شيطان، ويصلي لها 1 الكفار)، وفيه في حالة الاستواء (فإن جهنَّم تسجَّر وتفتَّح أبوابها) وهذا لا ينافي ما ذكرناه؛ فإن فتح أبواب جهنَّم يوشك أن يكون لاستيلاء الشيطان، وما يصدر من شيعته حينئذٍ، والله أعلم.
قوله: "فأما المنوط بالطلوع فمن وقت بدو إشراق الشمس إلى طلوع قرصها.
وقيل: يمتد إلى استيلاء سلطان الشمس لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا ارتفعت فارقها) " 2 فقوله "بدو إشراق الشمس" غير مستقيم على هذا الوجه؛ لأن إشراق الشمس إضاؤتها يقال: شرقت شروقاً 3 إذا طلعت، وأشرقت إشراقاً إذا أضاءت بعد طلوعها 4، فالصواب إذاً ما وقع في بعض النسخ: بدو شروق الشمس 5. قوله 6 في الوجه الآخر "إلى استيلاء (سلطان الشمس" يسبق إلى الفهم منه استيلاء) 7 حرِّها, وليس ذلك المراد منه، بل المراد به 8 ظهور شعاعها.
وكأن هذا هو 9 قول من قال: حتى ترتفع قيد رمح 10، وذلك هو الصحيح لحديث عمرو بن عبسة، والله أعلم.

قوله 1: "وأما الاستواء فهو عبارة عن وقت 2 وقوف الظل" 3 معناه ما ذكره في الدرس: أن ترى الظل كأنه واقف، وإن لم يكن بالحقيقة واقفاً؛ فإن الشمس لا تفتر عن سيرها أبداً، وهي 4 أبداً متحركة، والظل بحسبها يتحرك، والله أعلم.
حديث قيس بن قهد 5 رواه الشافعي 6، وأخرجه أبو داود 7، وابن ماجه 8، والترمذي 9، وذكر الترمذي أن الراوي له عن قيس 10 محمد بن إبراهيم التيمي 11

ولم يسمع منه، فهو مرسل 1. وقيس وابن قهد بالقاف لا بالفاء 2، والله أعلم.
قطع بكراهيَّة 3 ركعتي الإحرام 4؛ لأن سببها متأخر، وهو غيب قد لا يوجد.
وفيه وجه آخر: أنهما لا يكرهان، وهذا نراه أقوى؛ لأن سببهما إرادة الإحرام وذلك غير متأخر 5. وقوله: "و 6 في الاستسقاء تردد؛ لأن تأخيره ممكن" 7 هذا إذا نقض بالفائتة أجبنا: بأن الفائتة تأخيرها خطر، ويخشى منه فتور الداعية، ولا كذلك

الاستسقاء؛ فإنه يجتمع له الناس بأبلغ رغبة ورهبة، فلا يخشى من تأخيرها عن الوقت المكروه - مع قصره - فتور وفوت، والمسألة فيها وجهان لفريقين من الأصحاب، كل منهما جازم بقوله غير متردد 1، فتعبير المصنف عن ذلك بالتردد غير مرضي، وله من ذلك الكثير، وقد اعتذرت له 2 بأن كل واحد من الوجهين مخرَّج على أصل المذهب، فينشأ منهما تردد بالنسبة إلى أصل المذهب، والله أعلم.
قوله: "وأما استثناء يوم الجمعة فلما روى أبو سعيد 3 الخدري أنه نهى 4 عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة) 5 هكذا وقع ههنا من غير تصريح بالناهي وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو مصرَّح به في غير هذا الكتاب 6، وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري 7 في جماعة من الصحابة بأسانيد لا تقوى.
و 8 رواه أبو داود 9 من حديث

أبي قتادة 1 وذكره أن في إسناده إرسالاً 2. ورواه الشافعي من حديث أبي هريرة 3، ونبَّه الحافظ الإِمام 4 أحمد البيهقي على ضعف أسانيده ثم 5 قال: "والاعتماد على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استحب التبكير إلى الجمعة، ثم رغَّب في الصلاة إلى خروج الإِمام، من غير تخصيص ولا استثناء" 6، والله أعلم.
قوله: "بل هو خاصيَّة يوم الجمعة" 7 معناه: لا يكره فيه عند طلوع الشمس، وغروبها , ولا في شيء من الأوقات.
وهذا ضعيف؛ فإن الحديث لا يقتضي ذلك إلا عند 8 الاستواء 9، والله أعلم.
حديث أبي ذر في استثناء مكة 10 فيه نظر وإسناده ضعيف، وقد رواه

الشافعي 1، وأحمد 2، وأخرجه الدارقطني 3، والبيهقي 4 والله أعلم.
قوله 5 "أخذ بعضادتي الكعبة 6 " أي بعضادتي بابها، وهما الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل وشماله 7. وفي غير هذه الرواية: فأخذ بحلقة باب الكعبة 8، والله أعلم.
حديث: (يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت في (أي) 9 ساعة شاء من ليلٍ أو نهارٍ) 10. رواه جبير بن مطعم 11

أخرجه أبو داود 1، والترمذي 2، والنسائي 3، وابن ماجه 4. قال الترمذي فيه: "حسن صحيح".
وفي رواية له صحيحة: (فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت وصلى أي 5 ساعة شاء) 6. وهذا يصلح دليلاً في الصلاة، واحتمال حمله على ركعتي الطواف قوي، والله أعلم.
الوجهان المذكوران في انعقاد الصلاة في هذه الأوقات 7 مأخذهما: أن النهي راجع إلى نفس الصلاة، أو إلى أمر خارج.
وهذا لا يحملنا على 8 أن نقول: هذه الكراهة كراهة تحريم 9، خلافاً لما دلَّ عليه إطلاقهم: من أنها كراهة

تنزيه 1؛ وذلك أن نهي التنزيه أيضاً يضاد الصحة إذا رجع إلى نفس الصلاة، فإنها 2 لو صحت لكانت عبادة مأموراً بها، والأمر والنهي الراجعان إلى نفس الشيء يتناقضان على ما تقرر في أصول الفقه 3، والله أعلم.
قوله في جواز أداء المنذورة فيها 4: "لأن النذر سبب كالقضاء" 5. ذهب بعض المشايخ إلى 6 أنه كان ينبغي أن يقول: كالفوات؛ لأنه هو السبب 7. قلت: ليس ذلك على ما توهمه؛ فإن النذر ههنا ليس 8 عبارة عن فعل النذر، الذي هو الالتزام، حتى يقابل بالفوات، وإنما المراد بالنذر والقضاء: وصف الصلاتين بكونهما 9 منذورة ومقضية.
فصفاتهما هاتان سبب لجواز فعلهما فيها 10، والله أعلم.

ومن باب الأذان

ما ذكره من الحديث في بدء الأذان 1 لم نجده بجملته في رواية واحدة، وهو كالملتقط مما جاء في ذلك من روايات متفرقة مع تفاوتها في صحة أسانيدها 2. وما ذكره من أن عبد الله بن زيد هو أذن أولًا 3. لم أجده بعد البحث، وهو غير صحيح 4، وفيما رواه أبو داود 5، وغيره 6 خلافه، وأن بلالاً هو الذي أذَّن أولًا بإلقاء عبد الله بن زيد 7 عليه.
وكذلك لم أجد بعد إمعان البحث ما ذكره من رؤيا بضعة عشر من الصحابة مثل ذلك 8، والله أعلم.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فإنه أندى منك صوتاً 9): أي أبعد صوتاً وأرفع 10.

قوله 1: (روي أن 2 النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي سعيد الخدري: إنك رجل تحب الغنم والبادية 3، فإذا دخل وقت الصلاة فأذَّن وارفع صوتك؛ فإنه لا يسمع صوتك شجر، ولا مدر، ولا حجر إلا شهد لك يوم القيامة) 4. أصل هذا الحديث ثابت رواه الشافعي عن مالك 5، وأخرجه البخاري في "صحيحه" 6 عن ابن أبي أويس 7 عن مالك.
لكن قول صاحب الكتاب وقول شيخه 8: (إن

النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي سعيد: إنك رجل تحب الغنم والبادية).
وهم وتحريف، إنما القائل لذلك أبو سعيد للراوي 1 عنه وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة 2: إني أراك تحب الغنم والبادية.
ولفظه في كتاب البخاري عن أبي صعصعة المذكور: أن أبا سعيد الخدري قال له: (إني أراك تحب الغنم والبادية 3 فإذا كنت في غنمك أو 4 باديتك فأذَّنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ، ولا أنسٌ، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة.
قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -).
ورواية الشافعي عن مالك نحو هذا أيضاً.
قوله: "فلا أذان في جماعة النوافل كصلاة الخسوف، والاستسقاء، والجنازة، والعيد" 5 كان ينبغي أن يُؤخِّر ذكر الجنازة ويقول: وكذا صلاة الجنازة؛ فإنها ليست من النوافل (بل) 6 فرض كفاية عنده 7، وعند غيره 8.

قوله: "بل ينادى لها: الصلاة جامعة" 1 هو 2 بنصب الصلاة على الإغراء، وبنصب جامعة على الحال 3. والذي ذكره أبو حامد الأسفراييني 4، وصاحب "التهذيب" 5، وآخرون 6 أنه لا ينادى لها أيضاً: الصلاة جامعة.
ولكن ما ذكره المصنف قد ذكره جماعة 7، والله أعلم.
ما ذكره في الجمع بين الصلاتين في وقت الثانية من أنه يشهد للقول بأنه: لا يؤذن، ويقتصر على إقامتين لهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخَّر المغرب إلى العشاء بالمزدلفة بإقامتين 8. فهذا ممّا اختلفت الرواية فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك مستند اختلاف القول؛ فروى البخاري 9 من حديث ابن عمر (أنه - صلى الله عليه وسلم - جمع بينهما كل واحدة منهما بإقامة)، وفي رواية (لم يناد في كل واحدة منهما إلا بإقامة) 10، وروى مسلم في "صحيحه" 11 من حديث جابر (أنه - صلى الله عليه وسلم - جمع

بينهما بأذان وإقامتين)، ورواية جابر في الحج ترجحت على رواية غيره؛ بأنه اقتص ذكر 1 حجته - صلى الله عليه وسلم - فساقه سياقة دلت 2 على جودة حفظه.
وأيضاً ففي رواية عند 3 أبي داود 4 وغيره 5 ابن عمر أيضاً أنه أذَّن وأقام للمغرب، والله أعلم.
قوله: "الجماعة الثانية في المسجد المطروق هل يؤذن لها؟ فيه قولان نقلهما صاحب "التقريب"" 6، (ليس فيما رأيناه من النقل عن صاحب "التقريب") 7 التقييد بالمطروق 8، فلعل 9 المصنِّف خصَّصه بالمطروق؛ لأن إقامة الجماعة الثانية في غير المطروق الذي له إمام راتب مكروهة على الأصح 10؛ أو لأن الحاجة إلى إقامة الجماعة الثانية إنما تدعو غالباً في المسجد المطروق 11، والله أعلم.

قوله: "الأذان مثنى مثنى مع الترتيل 1، والإقامة فرادى مع الإدراج 2 بأخبار صحت في ذلك" 3. هذا صحيح في كون الأذان مثنى والإقامة فرادى روينا عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: (أُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة).
اتفقا على صحته 4، وفي رواية البخاري 5: (إلا الإقامة) 6، ورواه يحيى بن معين 7، وقتيبة بن سعيد 8: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالًا بذلك)، 9. وأمّا

وصف الترتيل في الأذان والإدراج فروي فيه حديث لا يصح؛ وهو ما رويناه من حديث جابر وأبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال: (إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحذم) 1. ورويناه موقوفاً من كتاب أبي عبيد في "غريب الحديث" 2 بإسناده عن أبي الزبير مؤذن بيت المقدس 3 أن عمر بن الخطّاب قال له ذلك.
قال أبو عبيد: "قال الأصمعي: الحذم: الحدر في الإقامة، وقطع التطويل" 4. قلت: هو الحذم بالحاء المهملة والذال المعجمة (من قاله الجذم بالجيم أو بالخاء المعجمة) 5 فلم يصب في روايته 6؛ أخبرت بقراءتي في كتاب "مجمع الغرائب" عن جامعه أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي 7 قال عند ذكره هذا

الحديث كما ذكرته: "أصل الحذم: الإسراع في المشي، فأمَّا الخذم والجذم بالخاء والجيم فهما من القطع وليسا في هذا الحديث" 1، والله أعلم.
قوله: "وبالغ مالك في الإفراد" 2 يعني في الإقامة، فيقول: الله أكبر مرة واحدة، وكذلك في آخر الأذان، وفي: قد قامت الصلاة مرة واحدة، والله أعلم.
قوله: "الترجيع مأمور به لقول 3 أبي محذورة 4: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأذان تسع عشرة 5 كلمة" 6 رواه مسلم 7، وأبو داود 8، والترمذي 9،

فصول الكتاب · 14 فصل · 641 صفحة
جارٍ التحميل