فصل فيه مناقشة أن الرؤيا المنامية ليست من الأحكام الشرعية
] فصل قال المعترض: (فقد روى البيهقي بسند جيد من طريق الأعمش عن أبي صالح عن مالك الداري -رضي الله عنه- المعروف بخازن عمر.
قال -رضي الله عنه-: "أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب، فجاء رجل "إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-1قال: يا رسول الله استسق الله تعالى لأمتك، فإنهم هلكوا، فأتاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنام، فقال: ائت عمر، فأقرأه2السلام، وأخبرهم3أنهم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، وأتى الرجل عمر، فأخبره فبكى، ثم قال: يا رب، ما آلوا إلا ما4"عجزت عنه"5ورواه سيف بن عمر في فتوحه، وبين أن الرجل الذي رأى المنام بلال بن الحارث الصحابي الذي أقطعه النبي -صلى الله عليه وسلم- المعادن القبلية6فماذا يقول هذا7أيقول8إن الصحابة
-رضي الله عنهم- الذين منهم أهل الشجرة كفروا، أم نقلة هذا الخبر من حفاظ هذه الأمة وسلفها الصالح، فهو كفر بالتوسل به1-صلى الله عليه وسلم-، وهذا فيه أنهم نادوا وطلبوا منه -صلى الله عليه وسلم- الاستسقاء أبلغ من ذلك، وفيهم الفاروق).
والجواب أن يقال: هذه الحكاية على تسليم صحتها ليس فيها دليل شرعي يجب المصير إليه عند أهل العلم والإيمان، فقد ذكر العلماء2الأدلة الشرعية وحصروها وليس أحد منهم استدل على الأحكام3برؤيا آحاد الأمة، لا سيَّما إذا تجرَّدت عما يعضدها من الكتاب والسنَّة أو4الإجماع أو القياس، وهذا الرجل الذي رآها أبهمه من روى هذه الواقعة، ولم يعينه إلا سيف5بن عمر على ما زعمه هذا الرجل.
وقد تقدم الكلام في سيف؟ وأنه ضعيف لا يحتج به، ورؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- لا تدل على استحسان فعل من اشتكى إليه القحط، وهو -صلى الله عليه وسلم- إني شفعت لهم في السقيا، أو طلبتها من الله لهم، أو أجبت هذا المشتكي، وإنما أخبر أنهم يسقون، وهذا لا يفيد إقرار هذا الفعل ولا الرضى به، ولا عن فاعله، وهو في حياته -صلى الله عليه وسلم- ربما أعطى الرجل المسألة فيخرج بها يتأبطها نارا، وقد يجري6لمن يدعو الصالحين ومن
هو دون الأنبياء كثر من هذا النوع، كما ذكره شيخ الإسلام وغيره، ولكنهم قرروا أن هذا لا يدل على الإباحة ولا على الإجابة بهذا السبب؛ بل وقد لا يشعر المسؤول بشيء من ذلك، فإذا كان هذا يقع والمسؤول لا شعور لديه1ولا قدرة على الاستجابة فالاحتجاج به خروج عن الحجج الشرعية التي يرجع إليها أهل العلم والإيمان.
ورؤية النبي -صلى الله عليه وسلم-2وخطابه بمثل هذا لا3يدل على حسن حال الرائي4وتصويب فعله5وقد يراه بعض الفساق والكفار، ورؤيته نذارة للمجرمين، وبشارة للمؤمنين؟ وكون عمر بكى ولم ينكر هذه الرؤيا، فليس هذا من الأدلة على أنه يشتكى إلى الرسول، ولم يقل الرائي لعمر: إني ذهبت واشتكيت القحط إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم ينقله أحد- والنصارى والكفار يتوجهون إلى من عبدوه مع الله ويسألونه المطالب، وكشف الشدائد، ومع ذلك قد تحصل6إجابتهم؛ لما لله في ذلك من الحكمة7
وقد قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ1هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: 20]2[الإسراء / 20]. وقد استجيب لبلعام بن باعورا في قوم موسى، والحجة الصريحة الواضحة ما فعله عمر بن الخطاب، وأقره أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأجمعوا عليه، كما في الصحيحين وغيرهما: "أن عمر استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نستسقي3بنبيك فتسقينا، وإنا نستسقي بعم نبيك فاسقنا، قم4يا عباس فادع الله فدعا العباس فسقوا".5
هذا، قد أجمع عليه الصحابة وأقروه، ولم يقل أحد منهم استسق برسول الله، أو6ليس لك العدول عنه، بل هم أفقه من ذلك وأعلم بدين الله، ثم لو كان حقًّا كيف يتركه الجم الغفير ويعدلون عنه، مع أنه هدى وصواب؛ وهذا لا يكاد يقع ممن هو دونهم -رضي الله عنهم-، فكيف بهم -رضي الله عنهم-؟ ومن ترك هذه النصوص الواضحات الصريحة وعدل عنها إلى رؤيا منامية وحكايات عمن لا يحتج به في7المسائل الإيمانية، فهو ممن وصف الله تعالى بقوله:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 7]1[آل عمران -7]. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: " «إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمى2الله فاحذروهم» ".3 قال شيخ الإسلام أبو العباس4رحمه الله تعالى في الكلام على رد شبه النصارى وما يحتجون به على باطلهم: (أسباب الضلال الذي عرض لهؤلاء وأشباههم ثلاثة أمور إما نصوص متشابهة مجملة، لم يفهموها ولم يفقهوا ما دلت عليه، ويحتجون بها ويوردونها من غير فهم لمعناها، ولا معرفة لما دلت عليه، أو أمور مكذوبة مردودة، من الموضوعات التي لا يحتج بها، ويرجع إليها في أمر دينه إلا جهال لم يعرفوا ما جاءت به الرسل من الدين والشرائع، والثالث: احتجاجهم5بخوارق العادة وما6يجريه الله لأصحاب الخوارق، أو على أيديهم كمخاطبة الشياطين من الأصنام أو القبور أو غيرهما7مما عبد مع الله، وقد يتراءى الشيطان لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، أو ينتسب إلى رجل صالح ويتسمى باسمه؛ كالخضر وعبد القادر، وقد تخاطب هؤلاء الشياطين من استغاث بغير الله أو دعاه، وينسب ذلك إلى هذا المدعو أو المستغاث به، ويقول أحدهم: رأيت فلانا وخاطبني فلان أو نحو هذا".
[