فصل في الرد على المعترض أن أتباع الشيخ هدموا المنار وخربوا المساجد
] فصل قال المعترض: (بل لما جاء أتباعه أَكَلَتِ الأوقافَ رؤساؤهم، ولم يحترموا أوقاف البر، وهدموا المنار، ولم يروها شيئًا وخربت المساجد)1فلم تجد من يعمرها إلا من لم يدخل ريبه في قلبه، وعطَّلوا المدارس.
والويل ثم الويل لمن استغفر من أتباعه لوالديه2أو ضحَّى لهم).
فالجواب أن يقال: لما فرغ هذا من3سب الشيخ وبهته، أخذ في سبِّ أتباعه وبهتهم؛ وبهذا تعلم أنه ذو غيظ عظيم، وحقد وخيم، وفي المثل: " لكل نعمة حاسد، ولكل حق جاحد ". ثم لو تكلَّم غير هذا الرجل بمثل هذا لكان أخف، وأما هذا الرجل فمعاشه وملبسه ومنكحه ومدخله ومخرجه من الأموال التي بأيدي رؤسائهم، وله في المزاحمة على ما بأيديهم نهمة وشح ليس لغيره، وقد مكث بالجبل4مدة سنين، يأكل مما بأيديهم، وكذلك الحال مدة عمره
في سدير، وله منافسة ومعاداة على1تحصيل هذا لا تُعْرَفُ لغيره، وأتباع الشيخ من أعظم الناس احترامًا للأوقاف، ومن أكثر الناس تحبيسًا وتوقيفًا على المساجد والأضاحي والأقارب ووجوه البر؛ لكن الهوى يُعْمِي ويُصِمّ.
وأما قوله: (وهدموا المنار).
فهذا أيضًا من البهت، فإن المنار موجود مشيد بنجد إلى الآن، وليس وجود المنار شرطًا في الإسلام ولا واجبًا، وفي استحبابه نزاع، [20] لعدم وجوده في عهده صلى الله عليه وسلم.
وكان المؤذن يتحرَّى أعلى المسجد وسطحه ليحصل الإسماع، وهذا الرجل تمكنت عداوته واشتدت جهالته، فصرنا منه في عناء وتعب، ولولا غربة الدين وندرة من يعرف الحقائق من المدعين، لما صرفت أوقاتًا فاضلة وساعات مباركة، في ردّ أباطيله2وكشف تساجيله، والله أسأل أن يكون كلامنا في هذه المواضع3من الجهاد في سبيله4والدعوة إلى صراطه بدليله.
وقوله5(فلم نجد من يعمرها إلا من لم يدخل ريبه في قلبه).
فيقال: شهادة الحال والحس كافية في بيان كذبه، وإبطال قوله، لأنه جحد للحسيات، ومكابرة في الضروريات، فأهل6التوحيد هم أهل المساجد وعمَّارها.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 18]1[التوبة -18]. وفي حديث وفد عبد القيس: " «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله»... "2الحديث3فأهل كلمة الإخلاص الداعون إليها هم أهل الإيمان عُمَّار المساجد، وكل من يرتاب في هذا أو يشكّ فيه لا يألف المساجد ولا يعمرها، وسل خبيرًا بحال هذا الرجل ينبيك عنه وعن قلة عمارته للمساجد.
وأما قوله: (والويل ثم4الويل لمن استغفر من أتباعه5لوالديه، أو ضحى لهم).
فهذه القولة الضالة كأخواتها السابقة، فيها من نقض عهده الذي جعله على نفسه، وفيها من البهت والكذب وطلب العنت للبرآء ما يقضي بفسوق القائل، فنعوذ بالله من استحكام الهوى، والضلال بعد الهدى، فـ " «من قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» "6ولا نعلم أنَّ أحدًا من أهل العلم والدين نهى عن الاستغفار والتضحية إلا
إذا استبان أن الشخص الذي يستغفر له من أصحاب الجحيم، بأن مات يدعو لله ندًّا، وهذا نص القرآن.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113] [التوبة -113]. هذا مذهب الشيخ وأهل العلم من أتباعه، وأما التخليط والحكم بالظن والهذيان فذاك من طوائف الشيطان يصدهم به عن سبيل العلم والإيمان.
وفي قول المعترض: (الذين لم يدركوا دعوته) أنَّ من تقادم عهده، وتطاول عصره داخل في عموم كلامه، وأن الشيخ ينهى عن الاستغفار له، وإطلاق هذا يتناول القرون المفضلة ومن بعدهم، وليس هذا بباع من كذبه وبهته، وحسابه على الله وأمره إليه.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 105] [النحل -105]. لي حيلة فيمن ينم... وليس في الكذاب حيلة من كان يخلق ما يقو... ل فحيلتي فيه قليلة أين ميثاقه وعهده؟.
قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 102] [الأعراف -102].
حلفت لنا أن لا تخون عهودها.1.. فكأنما2حلفت [لنا]3أن لا تفي وأما قوله: (حتى ما بنجد4من الأوقاف على الحرمين5صرفوها لجهادهم ومساجدهم).
يقال: قد تقدم أنه قال: (وخربت المساجد فلم نجد من يعمرها).
فما هذا التناقض؟ تارة يزعم أنهم يأكلون أوقاف المساجد ويخربونها، ثم يقول: (إنهم صرفوا أوقاف الحرمين لمساجدهم).
ثم انظر: ما نكتة إضافة المساجد إليهم، أتظنه لا يرى صرف الأوقاف لها ولا يرى لها من الحرمة ما لسائر المساجد، فأضافها إليهم استهانة بها لا تشريفًا، فما أشد تعصُّبه، وما أبعد عن الحق مذهبه.
ثم يقال: أي وقف أخذه الشيخ من أوقاف الحرمين في أي بلد؟ وأي مكان؟ هذه الدعوى6من أكذب الدعاوى وأضلها.
وقد استولوا على الإحسان وفيه وقف للحرمين لم يتعرض7له أحد؛ بل هو يصرف إلى الإيمان في مصرفه، ثم في المسألة بحث في صرف أوقاف المساجد - ولو مسجدي الحرمين - على غيرها إذا اقتضاه مقتضٍ
أو أوجبه مصلحة شرعية، والبحث معروف عند أهل العلم من الحنابلة وغيرهم، فلو فرضنا وقوعه فليس فيه مطعن بوجه من الوجوه، ومن ترك صناعة العلم، وتكلَّم بمجرَّد الرأي والهوى، فليس بمستنكر عليه هذا الخلط والضلال.
[