فصل في الرد على المعترض في تنقصه للشيخ واتهامه بالجهل والتكفير
] فصل قال المعترض: (قد ابتلى الله أهل نجد، بل جزيرة العرب بمن خرج عليهم، ولم يتخرَّج على العلماء الأمناء، كما صحَّ عندنا وثبت عن مشايخنا الأمجاد النقَّاد، وسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة إلا من وافقه على قوله، لما وجد من يعينه على ذلك بجهله).
والجواب أن يقال: إنه من المعلوم عند كل عاقل خَبَرَ الناس وعرف أحوالهم، وسمع شيئًا من أخبارهم وتواريخهم، أن أهل نجد وغيرهم ممن تبع1الشيخ2واستجاب لدعوته من سكان جزيرة العرب كانوا على غاية من الجهال والضلالة، والفقر والعالة، لا يستريب في ذلك عاقل، ولا يجادل فيه عارف، كانوا من أمر دينهم في جاهلية: يدعون الصالحين ويعتقدون في الأشجار والأحجار والغيران3يطوفون بقبور الأولياء، ويرجون الخير والنصر من جهتها، وفيهم من كُفْرِ الاتحادية والحلولية وجهالة الصوفية، ما يرون أنه من الشعب الإيمانية، والطريقة المحمدية،
وفيهم من إضاعة الصلوات، ومنع الزكاة وشرب المسكرات، ما هو معروف مشهور.
فمحا1الله بدعوته شعار الشرك ومشاهده، وهدم بيوت الكفر والشرك ومعابده، وكبت الطواغيت والملحدين، وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان القرى، بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد والهدى، وكفَّر من أنكر البعث واستراب فيه من أهل الجهالة والجفاء، وأمر بإقامة الصلاة2وإيتاء الزكاة، وترك المنكرات والمسكرات، ونهى عن الابتداع في الدين، وأمر بمتابعة " سيد المرسلين "3والسلف الماضين، في الأصول والفروع من مسائل الدين، حتى ظهر دين الله واستعلن، واستبان بدعوته منهاج الشريعة والسنن، وقام قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحدَّت الحدود الشرعية، وعزرت التعازير الدينيّه، وانتصب عَلَمُ الجهاد، وقاتل لإعلاء كلمة الله أهل الشرك والفساد4حتى سارت دعوته وثبت نصحه لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وجمع الله به القلوب بعد شتاتها، وتألَّفت بعد عداوتها، وصاروا بنعمة الله إخوانًا، فأعطاهم الله بذلك من النصر والعزِّ والظهور، ما لا يعرف مثله لسكان تلك الفيافي والصخور5وفتح عليهم الإحسان والقطيف، وقهروا سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر، ومن اليمن إلى العراق والشام.
دانت لهم عربها وأعطوا الزكاة، فأصبحت نجد تُضْرب إليها أكباد الإبل في طلب الدين والدنْيا1وتفتخر بما نالها من العزّ والنصر والإقبال والسنا، كما قال عالم صنعاء وشيخها.2
قفي واسألي عن عالم حل سوحها... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد محمد الهادي لسنَّة أحمد... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي لقد سرَّني ما جاءني من طريقة... وكنت أرى هذي3الطريقة لي وحدي وقال عالم الإحساء وشيخها: لقد رفع المولى به رتبة العلى.4.. بوقت به يعلو5الضلال ويرفع تجزُّ6به نجد ذيول افتخارها... وحق لها بالألمعي ترفَّع7وهذا في أبيات8لا نطيل بذكرها، وقد شهد غيرهما بمثل ذلك؛ واعترفوا بعلمه وفضله وهدايته.
وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: 10] [الأحقاف -10].
وما أحسن ما قال قتادة عن حال أول هذه الأمة من.1
المسلمين: لما قالوا لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون2وكبرت3عليهم؛ فأبى الله إلا أن يمضيها وينصرها، ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج، ومن قاتل بها نصر.
إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين التي يقطعها4الراكب في ليالٍ قلائل، ويسير الراكب في فئام لا يعرفونها، ولا يقرون بها.
وهذا المعترض عاش في ظل ذلك، وتولَّى القضاء، وصارت له الرياسة عند أهل محلته بانتسابه إلى هذا الدين، ودعواه محبة5الشيخ6وأنه شرح بعض كتبه، ومع ذلك تجرَّد لمسبته ومعاداته، وجحد ما جاء به وقرره من الهدى ودين الحق.
قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: 26] [الأنعام -26]. وقال بعضهم: وما ضر نور الشمس إن كان ناظرًا... إليها عيونٌ لم تزل دهرها عميا ولا ينكر ما قررناه إلا مكابر في الحسيات، ومباهت في
الضروريات، يرى أن عبادة الصَالحين ودعاءهم والتوكُّل عليهم، وجعلهم وسائط بينهم وبين الله مما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وأنه هو الإسلام، وأهله هم الأمة المحمدية، ومن أنكر عليهم وضلَّلهم فهو خارج مارج، كما قال هذا الرجل وصاحبه ابن سند في منظومته التي أنشدها، لما استولت العساكر المصرية على بلاد الدرعية: * لقد فتحت للدين أعينه الرمد * ثم أخذ في سبّ1المسلمين وتضليلهم والشمات2بهم، ومدح4، من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادًا تعبد، وقد أجابه الذكي الأديب، الشيخ أحمد بن مشرف بمنظومة ذكر فيها حال العساكر المصرية، وما اشتهر عنهم من اللواط، والشركيات، والزنا، وشرب المسكرات، وإضاعة الصلوات3ثم قال بعده في أثناء رده: فإن كان هذا عندك الدين4والهدى... لقد فتحت للدين أعينه الرمد وبالجملة: فلا يقول مثل هذا في الشيخ رحمه الله إلا رجل مكابر، لا يتحاشى من البهت والافتراء، وإلى الله ترجع الأمور، وعنده تنكشف السرائر.