الأرض لا تقدس أحدا ولا هي سبب لعينه وذمه
] وأمَّا تعريضه بذكر الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة، حتى أشفق صدِّيق الأمة على ذهاب القرآن.
فيقال: قد سفكت دماء أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من البقاع التي وقع فيها القتال، كأحد وحنين وبدر والشام والعراق، ودماؤهم أصيبت في الله ولله، وأشرف البقاع ما اشتمل1على أجسادهم ودمائهم ولا يؤثر ذلك في الأرض إلا طيباً وتطهيراً، وقد صح الحديث: «أنَّ الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يسيل دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك»2وأمَّا من بعدهم ممن سكن تلك الأرض، فالأرض لا تطهر ولا تقدس3أحداً، كما قال سلمان لما كتب إليه أبو الدرداء أن يقدم إلى الأرض المقدَّسة، فكتب إليه: "إنَّ الأرض لا تُقدّس أحداً"4وكذلك الأرض لا تؤثر في الإضلال والشقاوة، وقد سكن الحرمين والأرض المقدَّسة من هو5أضلّ خلق الله وأكفرهم6وأشدّهم عداوة لله7بل سكن الأرض المقدسة من قتل الأنبياء وعَبَد العجل، وفعل ما قص الله عن8بني إسرائيل، ولم تزل مقدسة مع ذلك تبعث فيها الأنبياء وتسكنها، ومصر دار الفراعنة والجبارين قد فتحت زمن عمر، وبنيت فيها المساجد
وسكنها الصحابة والتابعون، وجملة من أكابر العلماء كالليث بن سعد ومحمد بن إدريس، وأكابر أصحابه، وأشهب صاحب مالك، وخلق لا يحصيهم إلاَّ الله من أهل العلم والدين، ولم يقل أحد منهم: هذه دار فرعون الذي قتل بني إسرائيل وكذَّب الرسل1وادعى الربوبية، واتَّبعه قومه على ذلك، وما من حرم للمسلمين، ولا بلدة2من بلادهم، ومساكن الأنبياء، إلاَّ وقد وقع فيها من الكفر والفسوق والقتال ما هو معروف3مشهور.
ولا يعيب المسلمين، ويتنقص4المؤمنين بمن سكن ديارهم، من الفراعنة الجبارين، والكفرة الماضين، إلاَّ من هو معدود من جملة الحمقى الضالين، وما أحسن ما قيل: العلم للرجل اللبيب زيادة... ونقيصة للأحمق الطياش مثل النهار يزيد إبصار الورى... نوراَ؛ ويعمي أعين الخفاش [فصل في رد تعريض المعترض بأن الشيخ من نجد موضع الزلازل والفتن وموطن مسيلمة
فصل قال المعترض: (وقد امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء لها لما دعا للشام ولليمن والمدينة؟ لمَّا علم بعلم1الله ما يحدث فيها ومنها، وقال فيها: "أولئك2منها الزلازل والفتن، ومنها يظهر قرن الشيطان"، ثم ذكر مسيلمة وقوله: "يا ضفدع بنت ضفدعين "، وأطال الكلام السمج3الذي [146] يتنزَّه العاقل عن حكايته.
ثم قال: (وقد نصَّت العرب أن لغة أهل اليمامة أركّ اللغات، فأين تأتي لهم الفصاحة والمعرفة، وقال فيهم الصدّيق رضي الله عنه: " لا يزالون في فتنة من كذابهم" وقد وجد منهم بالكوفة مائة وستون رجلا يقرءون كلام مسيلمة، فأُتي بهم لابن عبَّاس4وقتل إمامهم وفرَّقهم في القبائل، وأجلى من أجلى منهم إلى الشام).
ثم قال: (ومن أين يظهر لهؤلاء البيان، ولم يميِّزوا5بين القرآن وسجع الشيطان؟ بل أجملوا على ذلك، ولم يتنبَّه منهم اثنان فصار بذلك
موضعهم قابلا للبهتان وزخارف الهذيان، ومن أنكر عليهم من أهل نجد وعلمائهم قتلوه في1ونهبوه، فصحَّ بهذا أنَّهم من الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم " «سفهاء الأحلام» ) الحديث2الحديث3والجواب أن يقال: أما اليمن والشام: فقد ثبت في الحديث4أنه صلى الله عليه وسلم دعا بالبركة فيهما5ولا يلزم من هذا تفضيلهما على سائر البلاد الإسلامية، وقد دعا لأناس من أصحابه صلى الله عليه وسلم6وغيرهم من السابقين الأولين أفضل منهم7عند كافة المسلمين، ومكة أُخْرِج منها النبي صلى الله عليه وسلم وعبدت فيها الأصنام، وعلق على الكعبة من ذلك، ووضع عليها ما لم8يوضع في بيت المقدس ولا غيره من مساجد المسلمين، ومكة أفضل البلاد، ومسجدها أفضل المساجد على الإطلاق.
وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم لما قيل له: وفي نجدنا: "تلك مواضع9الزلازل
والفتن؟ ومنها يطلع قرن الشيطان1فالمقصود بها نجد العراق، وشرق المدينة، وقد ورد ذلك صريحاً في حديث ابن عمر2ونصَّ عليه الخطابي3وغيره، وقد ترك الدعاء للعراق جملة بل4وذمها.
وقد روى الطبراني من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «دخل إبليس العراق فقضى فيها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ، وبسط عليها عبقرية» "5ولا يقول مسلم بذم علماء العراق لما ورد فيها، وأكابر أهل6الحديث
وفقهاء الأمة وأهل الجرح1والتعديل أكثرهم من أهل العراق، وإمام السنَّة أحمد بن حنبل، وشيخ الطريقة2الجنيد بن محمد، وعلَم الزهَّاد الحسن وابن سيرين، وأبو حنيفة وأصحابه، وسفيان الثوري وأصحابه، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه ومحمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج، وأبو داود وأصحاب السنن وأصحاب الدواوين الإسلامية، كلهم عراقيو الدار مولداً أو3سكنى، والليث بن سعد، ومحمد بن إدريس وأشهب، ومن قبل هؤلاء كلهم سكن العراق ومصر، وجملة4من أكابر أصحاب رسول الله "صلى الله عليه وسلم، ومن التابعين5بعدهم.
ومن عاب الساكن بالسكنى والإقامة في مثل تلك البلاد، فقد عاب جمهور الأمة، وسبهم، وآذاهم بغير ما اكتسبوا، وقد داول الله الأيام بين البقاع والبلاد، كما داولها بين الناس والعباد.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140] [آل عمران: 140]. وكم من بلد قد6فتحت، وصارت من خير بلاد المسلمين بعد أن كانت في أيدي الفراعنة والمشركين، والفلاسفة والصابئين، والكفرة من المجوس والكتابيين؟ بل الخربة التي كانت بها قبور المشركين صارت
مسجداً هو أفضل مساجد المسلمين بعد المسجد الحرام؟ ودفن بها أفضل المرسلين وسادات المؤمنين.
ولا يعيب شيخنا بدار مسيلمة إلا من عاب أئمة الهدى ومصابيح الدجى بما سبق في بلادهم من الشرك والكفر المبين، وطَرْد هذا القول جراءة على النبيين وأكابر المؤمنين.
وهذا المعترض كعنز السوء يبحث عن حتفه بظلفه، ولا يدري؟ وقد قال1بعض الأْزهريين: مسيلمة الكذاب من خير نجدكم، فقلت: وفرعون اللعين رئيس مصركم فبهت.
وأين كفر فرعون من كفر مسيلمة لو كانوا يعلمون؟ وأما قوله في كلام مسيلمة " يا ضفدع بنت ضفدعين: فإن كان هذا ينسبه إلينا، ويرى أننا آمنا بكلام مسيلمة، فهو لا يفرِّق بين دين محمد بن عبد الله الرسول الصادق الأمين، ودين مسيلمة الكذاب المهين، وإن كان هذا المعترض يعلم أننا كفرنا بمسيلمة وآمنا بالله ورسوله فما وجه ذكر مسيلمة وكذبه؟ لولا الحماقة والسفاهة، والجهالة والوقاحة؟ وقد تقدَّم أن طرد هذا الكلام يوجب ذم كل من سكن بلدة من بلاد المسلمين التي سكنها قبله أعيان المشركين، ورؤوس الكافرين، فأي أحد يبقى لو طرد هذا؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: " «لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من فارس» "2مع أن بلادهم من شر البلاد، عبدت فيها الأوثان والنيران، وكُفر فيها3بالله الذي لا إِله إلاَّ هو الرحمن4
(وكذلك ما ذكر من قصتهم مع)1ما فيها من الكذب2إنَّما هو، مجرَّد تمويه وهذيان ليس من محل النزاع في شيء.] [