بيان أن الشيخ لم يوجب على أحد متابعته بل نهى عن ذلك
] ثم قال المعترض: (فهذا الرجل بقوله وفعله قد أوجب7متابعته في كل ما يقول، وكفَّر مخالفيه في ذلك، وهو لم يوافقه على ذلك أحد من
علماء الأمة من جميع أقطارها، بل أنكروا عليه فبإنكارهم عليه جعلهم بذلك1كفارا حلال2الدم والمال، وضمن لمن تبعه على ذلك من قوله: الجنة بتكفير الأمة وقتالها، ونهب أموالها) وأطال الكلام بما حاصله: (أن شاعرهم سبَّ علماء نجد: ابن فيروز وأبا الخيل، وأن هذا الرجل يذكر في درسه مسبتهم وما قيل فيهم، وأكثر من هذا الهذيان). والجواب أن يقال: ليس بعجيب صدور هذا البهت والسب عن هذا المعترض، وفي المثل: (إذا ظهر السبب بطل العجب). كيف وقد تعدَّدت أسباب عدواته وبهته وزوره؟ ويكفي في هذه الدعوى ردَّها ومنعها واطراحها.3
ومعاذ الله أن يوجب4على أحد متابعته أو متابعة غيره إلا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وهذه رسائل الشيخ ومصنفاته ينهى عن ذلك ويشدِّد فيه، ويأمر بتجريد المتابعة لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم5وينكر ما اعتاده الناس من الغلو في رأي العلماء واجتهادهم، وتنزيل ذلك منزلة النصوص النبويّة، وقد عقد باباً في كتاب التوحيد لهذه المسألة.
قال رحمه الله6(باب من أطاع العلماء والأمراء7في تحليل
ما حرَّم الله أو تحريم1ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله).
واستدل بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31] [التوبة / 31]. وذكر حديث عدي بن حاتم2وذكر من الآثار عن أهل العلم ما يقضي ببراءته ويشهد بعلمه، وأن هذا المعترض لا يتحاشى عن قول الزور وشهادته، وقد قضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شاهد الزور أن يُسوَّد وجهه ويطاف به3﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: 16] وقوله: (ولم يوافقه على ذلك أحد من علماء الأمة).
إن أراد أنهم لم يوافقوه في وجوب طاعته في كل ما يقوله4فهو لم يدع هذا5ولا قاله، ونبرأ إلى الله من قائله، وقد قال مالك بن أنس - وبقوله نقول ويقول شيخنا-: " كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا
صاحب هذا القبر "1يعني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.
وأما قوله: (بل أنكروا عليه، وبإنكارهم عليه2جعلهم كفارا حلال3الدم والمال)، فقد كذب وافترى، ولم يُكَفِّر أحدا خالفه في رأيه وهواه وجميع ما يقول4وإنَّما كفَّر بالشرك بالله وعبادة غيره، واتخاذ الوسائط والأنداد في المسألة والتوكُل والإنابة، والتكفير بهذا لا يضاف إليه، بل هو حكم يضاف إلى كتاب الله وسنَّة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وما جاءت به الرسل عن الله.
وأما قوله: (وضمن لمن تبعه على ذلك الجنة بتكفير الأمة وقتالها ونهب أموالها).
فقد تكرَّر الجواب عن مسألة التكفير للأمة5وقتالها.
وأما ضمان الجنة: فهذه الكلمة العوراء لا تصدر إلا عن غبي قد تمادى في الوقاحة والسفاهة، والله ورسوله قد وعد المؤمنين الجنة والمغفرة والرضوان، ورتَّب على أصول الإيمان وشعبه من الثواب والجزاء والمغفرة ما لا يخفى على من آمن بالله ورسوله وأجاب المرسلين.
وأما الشهادة لمعين من أهل القبلة بجنة أو نار: فلا يشهد لأحد6
بذلك إلا من1شهد له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وهذا ذكره العلماء في كتب العقائد.
والمعترض قد التحق بأكذب الخلق الذين يكذبون على الله وعلى2رسوله، وعلى علماء أمته، وقد كنَّا في غنية عن رد أكاذيبه لسقوطها وظهور هجنتها، لولا ما قيل: (لكل ساقطة لاقطة)، وخوفاً أن تصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة.
وأما قوله: (ويقول شاعره في أشعار كثيرة).
فنسبة هذا الشاعر إلى الشيخ معدودة من زور هذا المعترض، (والكلام نبطي لا يعتبر وزنا)3ثم لو فرض4صحة هذا، وأن الشيخ قرَّره واستحسنه، لم يكن في ذلك ما يعاب به5الشيخ ويذم به، وقد شاع عن ابن فيروز وأبا6الخيل [53] ما لا يخفى على من عرف دعوة الشيخ، وما جرى من أهل عصره وقد هجا شعراء الإسلام كثيراً ممن صدَّ عن سبيل الله وصدف عن آياته.
ويذكر عن ابن فيروز أنه قال: (لو دعاني ابن عبد الوهاب إلى شهادة أن لا إِله إلا الله ما تبعته)، والواقع يشهد بذلك.
وقوله عن الشيخ: (إنه يحلف في رسالة من رسائله أن كُفْر الشيخ محمد بن فيروز أعظم من كفر فرعون إذ هو1قد أنزل نفسه منزلة الكليم موسى عليه الصلاة والسلام، والشيخ ابن فيروز منزلة فرعون، فابن فيروز مكث علمه في الأرض ونفع الله به العباد والبلاد، وهو كما ترى تسفك به الدماء وتنهب به الأموال حتى قاد على أهل نجد الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام).
فيقال لهذا المعترض: أنت مطالب أولا بتصحيح نقلك عن الشيخ وأنه صدر منه هذا الكلام، والناقل يطالب بالصحة، والمدعي يطالب بالدليل، فلا تعطى بمجرَّد دعواك؛ ولا يسلم لك ما دون هذا، ولو في حق آحاد العوام، وقد تقدَم البرهان على جهلك وكثرة كذبك، وشهادتك للزور2وثبتت عداوتك للشيخ في أول أمرك وآخره، فأي عاقل وأي حاكم يقبل منك هذا النقل وهذا الكلام الذي لا سند له، بل هو من جنس أوضاع اليهود والنصارى فيما ينسبونه3إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم من الأكاذيب والأباطيل التي يصدُّون بها الناس عما جاء به من الهدى ودين الحق، ويقولون: هو يسفك الدماء، ويأخذ الأموال ويسبي الذراري.
وفي الإنجيل: "من ضربك على خدك الأيمن فأدِر له خدك الأيسر"، ونحو هذا الكلام، فما أكثر وراثة هذا الرجل لأولئك الأقوام، وما أسرع ما نسي أصل الملة والإسلام؟
فالحمد لله الذي أخزى هذا الرجل ونشر له في الناس ما يليق بأمثاله ممَّا1اقتضته الحكمة الإلهية والمشيئة الربَّانية، ولقد تفوَّه بعض أقاربه بذمه وتكفيره2بمجرَّد الإطلاع على كلامه.
ولو فرضنا أن الشيخ رحمه الله تعالى3صدر منه4هذا الكلام، نظرا إلى أنه5عرف ثم أنكر، وأقبل ثم أدبر، وصد عن دين6الله بشبهات7ينسبها إلى شرعه المطهر، وإلى ما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم صاحب [54]، الناموس الأكبر، ويظهر للناس في ثياب العلماء ورسم الفقهاء ووظيفة المعلمين، وهو في الحقيقة يصدّ عن دين8الله ويدعو إلى عبادة الصالحين ودعائهم مع الله؛ وصرف الوجوه إلى غير باريها وفاطرها، فبهذه الاعتبارات هو أغلظ9ممن أتى الأمر وصدَّ عن السبيل من غير نسبة لذلك إلى دين الله وما جاءت به رسله، وفي القرآن العزيز من الكشف عن حال هذا الضرب من الناس، وأنهم من أبعد الخلق عن الله، وأغلظهم حجابا وأشدهم كفرا ما يعرفه من فقه عن الله.
قال1تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 86] [آل عمران / 86]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقول المعترض2(ابن فيروز مكث علمه في الأرض ونفع الله به العباد والبلاد).
فيقال: هذه الدعوى لا تحتاج لدليل يبطلها؛ وبرهان يردها غير شهادة الحس والواقع، وما يعرفه سائر الناس من الخاصة والعامة، بل آثار ابن فيروز في الصد عن سبيل الله، ومسبة أئمة الإسلام، وجعل شيخ الإسلام طاغوتا3يجب الكفر به؛ معروف مشهور عند أهل الإحساء وغيرهم كما قال في منظومته التي أولَها: أنامل كف4السعد قد أثبتت خطا.5.. بأقلام أشياخ لنا حررت ضبطاً فإنه أقذع فيها، وأتى من نصرة عبادة القبور، وأهل الغلو في الأنبياء والصالحين، وتسمية من أنكر هذا طاغوتاً، بما يدل على آثاره ونفعه في البلاد والعباد، فإن كان هذا عند المعترض هو العلم ونفع العباد والبلاد فنعم؛ هذا صار منه، ومدحه به، وأثنى عليه كل مشرك بالله ربِّ العالمين، يسوى بين الله وبين خلقه في خالص حقه، وقد اتَّخذ أعداء الدين منظومته نزهة لمجالسهم وتحفة لأشياعهم.
وقد ردَّ عليه الشيخ حسين بن غنام الإحسائي رحمه الله تعالى بمنظومة أجاد فيها وأفاد، وأولها: على وجهها الموسوم بالشؤم1قد خطا... عروس هوى ممقوتة2زارت الشطا تخطت , فأخطت في المساعي مرامها... ومرسلها عن نيل مقصوده أخطا3وثارت لنار الشرك تذكى ضرامها.4.. وسارت فبارت والإله لها قطا لقد شوهت ما زخرفته بزورها... كما أنها بالمين5قد أحكمت ربطا وقد جاء منشيها بزور ومنكر... وفحش وبهتان يعط به عطا وحان به داعي العناد لمهيع... تنكب عن سبل الهداية واشتطا6وضل عن الإرشاد7والحق واعتدى... وغط أناساً في طريقته غطا وجاوز منهاج الهداية8راضياً... عن الدين بالدنيا , فما نالها بسطا يحاول تشييداً ورفعاَ لما وهت... قواعده فوق البسيطة وانحطا في أبيات له رحمه الله تعالى.
[55] ولابن فيروز رسائل ومصنفات في الصد عن سبيل الله، ورد ما جاء
به شيخنا من الدعوة إلى الله، وتجريد المتابعة لرسوله، وهي باقية يتداولها كل زائغ مرتاب، كهذا المعترض1ولو كلف أن يأتي عن ابن فيروز بمسألة واحدة انتفع بها الناس2في بيان التوحيد وأصل دين المرسلين، وإبطال ما عليه أكثر الناس من عبادة الصالحين لما وجد إلى ذلك سبيلاً.
وقول المعترض في شيخنا: (وهو3كما ترى تسفك به الدماء وتنهب به الأموال؛ حتى قاد على أهل نجد الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام).
فهذا الكلام لا يعترض به إلا جاهل بأيام الله وأخبار الناس، وما قصَّ الله عن رسله وأكابر أوليائه، والناس مذ كانت الدنيا فريقان.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] [النمل / 45]. وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: 146] الآية [آل عمران / 146]. وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 186] الآية [آل عمران / 186]. وقال تعالى: ﴿الم - أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 1 - 2]4[العنكبوت1-2].
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4] [البينة / 4]. وقال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118 - 119] [هود / 118، 119]. وفي الحديث: " «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده» "1وفي السيرة من أخباره ومغازيه وما جرى بسبب مبعثه صلى الله عليه وسلم من القتال بين العرب (وقبائلها وبين الفرس والعرب والروم)2والقبط وأهل الكتاب وما جرى بين مؤمن هؤلاء الناس والأمم وبين كافرهم من النزاع والاختلاف والقتال على تعاقب الدهور والأعصار، مما3تستبين به سنة الله التي قد خلت في عباده، وفي الحديث: " «إن من كان قبلكم [كان]4يوضع المنشار على رأس5الرجل منهم حتى يخلص إلى قدمه، ما يصده ذلك عن دينه».6
وهذا الغبي ارتاع مما لا نسبة بينه1وبين ذلك من الامتحان، ولم ينظر إلى ما حصل من اللطف لأهل الإيمان، عند نزول المحن والافتتان، وما أعطوا بذلك من حسن العاقبة والعز والظهور، وأنهم لا يضرهم من [56] خذلهم ولا من خالفهم، ولم2يدر ما في ذلك من الحكم والمصالح التي لا يحيط بها إلا الله الذي قدرها ودبرها ولو لم يكن في ذلك إلا قيام حجج الله وآياته، وتمييز الخبيث من الطيب لكان كافيا3فالمؤمن يراه من أدلة الإيمان وبرهان صدق الرسول، والمنافق والمرتاب يراه من الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام، كما أخبر الله تعالى عن قوم فرعون أنهم إذا أصابتهم سيئة اطيروا بموسى ومن معه.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 131] [الأعراف / 131]. فانظر إلى هذه الوراثة القبطية تطلعك على حكمته، تعالى في إبقاء ورثة لأعداء الرسل.
فسبحان من بهرت حكمته العقول، وصدقت أقضيته ما جاءت به رسله من النصوص والنقول، ليس كمثله شيء في أفعاله (كما أنه لا مثيل له)4في ذاته وصفاته، وهب بعض عباده من الفهم عنه والإيمان به.
ما دلهم على معرفته عند كل حادث وحركة وسكون، وخذل من شاء عن ذلك فباء عند المحن والاختبار1بصفقة المغبون، وتشاءم بما جاء به أئمة الهدى وما قاله الصالحون.
[