[الرد على المعترض في قوله عن الشيخ وجعل بلاد المسلمين كفارًا]
وأما قوله: (وجعل بلاد المسلمين كفارًا أصليين).
فهذا كذب وبهت، ما صدر ولا قيل، ولا أعرفه عن أحد من المسلمين فضلًا عن أهل العلم والدين؛ بل كلهم مجمعون على أن بلاد المسلمين لها حكم الإسلام في كل زمان ومكان.
وإنما تكلَّم الناس في بلاد المشركين، الذين يعبدون الأنبياء والملائكة والصالحين، ويجعلونهم أندادًا لله ربِّ العالمين، أو يسندون إليهم التصرف والتدبير كغلاة القبوريين، فهؤلاء تكلم الناس في كفرهم وشركهم وضلالهم، والمعروف المتفق عليه عند أهل العلم: أن من فعل
ذلك ممن يأتي بالشهادتين يحكم عليه بعد بلوغ الحجة بالكفر والردَّة ولم يجعلوه كافرًا أصليًّا، وما رأيت ذلك لأحد سوى محمد بن إسماعيل في رسالته تجريد التوحيد المسمى: " بتطهير الاعتقاد "1وعلَّل هذا القول: بأنهم لم يعرفوا ما دلَّت عليه كلمة الإخلاص، فلم يدخلوا بها في الإسلام مع عدم العلم بمدلولها، وشيخنا لا يوافقه على ذلك.
ولكن هذا2المعترض لا يتحاشى من الكذب ولو كان من الميتة والموقوذة والمتردية، وما رأيت شيخ الإسلام أطلق على بلد من بلاد3المنتسبين إلى الإسلام إنها بلد كفر، ولكنه قرر أن دعاء الصالحين وعبادتهم بالاستعانة والاستغاثة والذبح والنذر والتوكل، على أنهم وسائط بين العباد وبين الله في الحاجات والمهمات، هو دين المشركين وفعل الجاهلية4الضالين من الأميين والكتابيين، فظنَّ هذا أن لازم قوله أنه يحكم على هذه البلاد5أنها بلاد كفر، وهذا ليس6بلازم، ولو لزم، فلازم المذهب ليس بمذهب، ونحن نطالب الناقل بتصحيح نقله.
نعم؛ ذكر الحنابلة وغيرهم أن البلدة التي تجرى عليها أحكام الكفر، ولا تظهر فيها أحكام الإسلام بلدة كفر؛ وما ظهر فيها هذا وهذا
فقد أفتى فيها شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه يراعى فيها الجانبان1فلا تعطى حكم الإسلام من كل وجه، ولا حكم الكفر من كل وجه، كما نقله عنه2ابن مفلح3وغيره.
وقوله: (فلا تؤكل ذبائحهم عنده4ولا تحل نساؤهم).
فهذا من نمط ما قبله، والشيخ5لا يمنع من ذبيحة الشخص المعين إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ودخل في الإسلام، ما لم يأتِ بمانع يمنع من حل ذبحه، وكذا حكم النساء، فكيف يقول ذلك في أهل بلد وأهل قرية لا يعلم تفاصيل أحوالهم وما يجري منهم من النواقص6إلا الله عالم الغيب والشهادة. وأما القتال: فلم يقاتل إلا أصل الإسلام، والتزام مبانيه العظام، ومن نقل عنه أنه قاتل على غير ذلك فقد كذب وافترى، على أن بعض العلماء يرى القتال على ترك بعض الواجبات.7
فكيف بما أجمع عليه سلف الأئمة وأئمتها؟.
وأما قوله: (ولا يُجَوِّز السفر إليهم حتى منع1السفر إلى جميع بلاد الإسلام).
فيطالب أولا2بتصحيح هذا؛ فإن صحَّ فللسلف كلام معروف في السفر إلى ما3ظهر فيه شيء من شعار الكفر والفسوق لمن لم يقدر على [8] إظهار دينه، وللقادر أيضًا كما يعرفه أهل العلم والفقه، وقد منعوا من السفر إلى بلد تظهر فيها البدع لمن خشي الفتنة، فكيف ببلد يدعى فيها غير الله ويستغاث بسواه، ويتوكَّل على ما4عبد معه من الإلهة؛ بل لقد صرَّح غلاة عباد القبور بأن لمشايخهم شركة في التدبير والتصريف وبعضهم يقول: (وُكِلَ إليهم تدبير العالم) كما رأيناه وسمعناه من طوائف كثيرين5؛ وقد حكاه عنهم شيخ الإسلام في مِنْهَاجِهِ.6
فماذا على شيخنا رحمه الله تعالى لو حمى الحمى وسدّ الذريعة وقطع الوسيلة؟.
لا سيّما في زمن فشا فيه الجهل وقبض العلم، وبَعُد العهد بآثار النبوة؛ وجاءت قرون لا يعرفون أصل الإسلام ومبانيه العظام، وأكثرهم يظن أن الإسلام هو التوسل بدعاء الصالحين، وقصدهم في الملمات والحوائج، وأن من أنكره جاء بمذهب خامس لا يعرف قبله.
فإذا كان الحال هكذا فأي مانع من قوله؟ وأي دليل يجيز السفر إليهم ويبيحه مطلقًا؟ هذا لا يقوله إلا جاهل بأصول الشريعة ومدارك الأحكام، ومن القواعد المهمة: " سد الذريعة، وقطع الوسيلة المفضية إلى محظورات الشريعة ". فكيف بالكفر الذي لا ساحل له؟ وقد ابتلينا بهؤلاء المعترضين الجهال الذين لا يعرفون قواعد الملة والشريعة، ولا يستصعبون الأصول فيما يبدونه أو يحكونه من النقول. وهذا اغتراب الدين من لك بالتي... كقبض على جمر فتنجو من البلا ولو أن عينا ساعدت لتوكفت... سحائبها بالدمع ديمًا هطلا ولكنها عن قسوة القلب قحطها... فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا.1
[