فصل في الإقامة بين ظهراني المشركين والتصريح بعداوتهم
] فصل قال المعترض: فيالله العجب، ما أعمى عينَ الهوى عن الهدى، [31] فإن جعفراً وأصحابه لو سلموا من أذى المشركين، ومنعهم إياهم عن عبادة ربهم، لم يهاجروا للحبشة الذين يجعلون الله ثالث ثلاثة، فلم تضر إقامتهم عندهم؛ بل نفتهم وصارت هجرة ثانية، وذلك كما قام1أبو بكر الصديق رضي الله عنه بين أظهر المشركين، في جوار ابن الدغنة حين أمِن من أذاهم، ولم تضرّه إقامته بين أظهرهم، ولم يكلّفه النبي صلى الله عليه وسلم ما كلَّف هذا المتكلم، لو كان كلامه وتأصيله صحيحا، فكيف بما ذكرنا؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كيف يتكلم الرجلُ بما لا يدري ما تحت كلامه على الله وعلى رسوله وعلى كتاب الله المجيد؟ إذ أي بلد من بلاد الإسلام من أهل القبلة2المحمدية الذي3جعلهم هذا الرجل بكلامه كفاراَ، يمنعون الإنسان من شهادتي الإخلاص، وأداء الفرائض، وتلاوة القرآن، وذكر الله، وتوحيده؛ بل من فعل ذلك عندهم يكون له الإكرام والاحترام؛ إذ هذا خلاصة كلمة التقوى، وهم أحقُّ بها وأهلها).
انتهى.
فيقال لهذا المفتري1عماية عين الهوى عن معرفة مواقع الخطاب والهدى هي التي أوقعتك في مهالك العطب والردى، وأوجبت لك مسبة أهل العلم من سادات الورى، وسدت عليك أبواب الرشد والفلاح في الآخرة والأولى.
لو عقلت كلام الشيخ وعرفت مواقع الخطاب، وسلمت من الأشر والبَطر والإعجاب2لعرفت أن كلامه ليس في المخالطة والمقام بين ظهرانيهم3؛ بل هذه المسألة ليس في كلامه تعرُّض لها أصلا، والهجرة إلى الحبشة، ومُقام أبي بكر الصديق يتلو القرآن بمكة ويظهر دينه، كل هذا يؤيد كلام الشيخ وينصره في وجوب التصريح بالعداوة، وأنه لا رخصة مع الاستطاعة، ولولا ذلك لم يحتاجوا4إلى الهجرة، ولو تركوهما في بلد النجاشي لم يحتاجوا إلى نصرته، وأن يقول: "أنتم سيوم بأرضي " ولكان كل مؤمن يخفي إيمانه، ولا يبادي المشركين بشيء من العداوة، فلا يحتاج حينئذ إلى هجرة5بل تمشي الحال على أي حال، كما هي طريقة كثير ممن لم يعرف ما أوجب الله من عداوة [32] المشركين وإظهار دين المرسلين، ولولا التصريح بالعداوة من المهاجرين الأولين، ومباداة قومهم بإظهار الإسلام وعيب ما هم عليه من الشرك وتكذيب الرسول، وجحد ما جاء به من البينات والهدى؛ لما حصل
من قومهم من الأذية والابتلاء والامتحان؛ ما يوجب الهجرة واختيار بلد النجاشي وأمثالها من البلاد، التي تؤمن فيها الفتنة والأذية.
فالسبب والمقتضي لهذا كله ما أوجبه الله من إظهار الإسلام، ومباداة أهل1الشرك بالعداوة والبراءة؛ (بل هذا هو2مقتضى كلمة الإخلاص، فإن نفي الإلهية عما سوى الله صريح في البراءة)3منه، والكفر بالطاغوت، وعيب عبّاده4وعداوتهم ومقتهم، ولو سكت المسلم ولم ينكر، كما يظنه هذا الرجل، لألقت الحرب وعصاها5ولم تدُرْ بينهم رحاها، كما هو الواقع ممن يدَّعي الإسلام وهو مصاحب ومعاشر لعباد الصالحين والأوثان والأصنام، فسحقاً للقوم الظالمين.
وفي قصة أبي بكر حين مُنع من6قراءة القرآن ظاهرا7في مسجده، الذي اتخذه على حافة الطريق يتلو فيه القرآن ظاهرا، وكان رجلا بكاء عند تلاوة القرآن؟ والناس يستمعون إلى قراءته، وفيها ما فيها من تكفيرهم وعيبهم ووعيدهم وسب آلهتهم والبراءة منهم، ومن عبادة ما عبدوه، فنهوه عن ذلك فلم ينته، وثبت على إظهار دينه؛ فأمروه بالخروج، فلقيه ابن الدغنة فقال: " ارجع؛ فمثلك
لا يخرج1أنت في جواري "2فمضى على ما كان يصنع من الجهر بالقراءة3وإظهار دينه، وهذا هو مراد الشيخ، وهو الدليل على وجوب التصريح بعداوتهم، فترك المعترض هذا كله، وظن أن إجارة ابن الدغنة تقتضي4عدم العداوة من أبي بكر، وأنه يوالي ابن الدغنة، فما أضلَّ هذا الفهم، «وقد دخل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في جوار المطعم بن عدي»5أترى هذا يقتضي موالاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم له6وعدم التصريح بعداوته؟ فكأن الرجل المعترض نبطي لا يفهم موضوع الكلام ولا يحسن الاستدلال، فيستدل بالشيء على ضد ما يدل عليه.
ولقد أنسانا بجهله ما سمعناه عن إخوانه الجاهلين، وما أحسن ما قال مجاهد رضي الله عنه7في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24] [الأنفال / 24]. قال: "حتى يتركه لا يعقل ".
وأما قوله: (أي بلد من بلاد المسلمين1من أهل2القبلة المحمدية الذي3جعلهم هذا الرجل كفارا، يمنعون الإنسان من شهادتي الإخلاص، وأداء الفرائض، وتلاوة القرآن، وذكر الله، وتوحيده؟).
فالجواب أن يقال: في عبارته هنا تحريف ظاهر، فإنه أوقع الموصول المفرد على الجمع، ولم يفرق على عادته في اللحن الفاحش.
ويقال أيضا لهذا الظالم: إن الخوارج، وغلاة القدرية، والجهمية والقرامطة، والباطنية، وغلاة الرافضة من الإسماعيلية والنصيرية، وغلاة عبَّاد القبور الذين يرون أن مشايخهم يتصرفون في الكون، كل هؤلاء لا يمنعون من لفظ الشهادتين؛ وأداء الفرائض، وتلاوة القرآن، بل اليهود والنصارى لا يمنعون من ذلك مَنْ دخل بلادهم من المسلمين؛ وبنو حنيفة لا يمنعون من ذلك، وعلى زعم هذا الرجل لا مانع من الإقامة بين [33]، أظهرهم، ولا هجرة من ديارهم وأماكنهم؛ وهذا القول لا يقوله من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعرف مراد الله ورسوله في الهجرة ويدري سِرَّ ذلك.
وهذا الرجل كما ترى في الجهل والسفاهة، ومع ذلك يترشح للرد ويرى نفسه4من طلبة العلم أو من5علماء المسلمين، وهو معدود عند العارفين من الأغبياء الجاهلين.
والأعاجم والفرس الذين يعبدون عليَّا والحسن والحسين، يكتبون1المصاحف، ويطبعونها ويشترونها بغالي الأثمان، ويبنون المساجد، ويؤذنون، وأما توحيد الله بالعقل2والعمل فأكثرهم لا يراه، وينكره أشد الإنكار، ويمنع منه، وإنما حدث الشرك بأمرهم ورأيهم وسلطانهم في هذه الأمة، وهم أول من بنى المساجد على القبور وعظموها حتى صارت أوثانا تعبد، وبيوتا يحج لها وتقصد3بل جعلوا لأهلها التصرف4والتدبير والنفع والضر، زعما منهم أن هذا كرامة، وهذا مشهور عنهم سرى في أكثر الأمصار، وعمت به البلوى، حتى رأينا وسمعنا بمصر وغيرها من ذلك ما لا يبقى معه للإسلام أصل يرجع إليه، وصنفوا في ذلك مصنفات يعرفها من له نهمة في طلب العلم وأخبار الناس.
" أفيقال: هؤلاء لا يمنعون من توحيد الله وذكره؟ ولولا حجاب الجهل والهوى لما خفى حالهم على هذا المتكلم، ولَمَا قال: (هذا خلاصة كلمة التقوى، وهم أحق بها وأهلها) والله سائله عن ذلك ومجازيه عليه؛ لئن كان أهل الشرك بالله، ومعاداة أوليائه، ومعصية رسوله من المعطلة، وعبَّاد القبور، هم أهل كلمة التقوى، وهم أحق بها وأهلها؛ فلقد ضل حينئذ من أنكر ذلك ومنعه، وكفَّر أهله من السابقين الأولين إلى أن تقوم الساعة، وهذا لازم لقوله، لا محيص عنه.
وبه تَعْرفُ أنَه هو الَّذي لا يَدْري ما تَحْتَ كَلامِه وما خَرَجَ من بَينِ شَفَتيه.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82] [الأنعام / 82]. هذا هو الحكم العدل والقول الفصل والحق المبين، لا من جعل [34]، أهل الشرك بالله ومعاداة أوليائه أهل كلمة التقوى والأحقين بها.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227] [الشعراء / 277]. ثم ساق المعترض حديث أبي موسى في قصة أسماء بنت عميس مع عمر، وقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " «لعمر وأصحابه هجرة، ولكم هجرتان» ".1 ثم قال المعترض: (إذا علمت هذا تبين لك خطأ هذا الرجل بأتم بيان، وأوضح برهان، كيف وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] [الأنعام / 146]. وذكر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105] [المائدة / 105]. وحديث: " «ائتمروا بالمعروف وانتهوا2عن المنكر» "3الحديث؛ وذكر حديث ابن عمر: " «إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم وكانوا هكذا- وشبك بين أنامله- فالزم بيتك، واملك عليك
لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة أمر نفسك، ودع عنك أمر العامة» ".1 ثم قال: (فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو واجب مع القدرة على الكفاية حسب مراتبه ودرجاته).
فيقال في جواب هذا: هذه الأحاديث والآيات الكريمات تؤيد2ما قاله الشيخ وتنصره3فإن فضل الهجرة الأولى وما جاء بها يدل على وجوب التصريح بعداوة المشركين وإن لم يكن للمسلمين دولة وشوكة.
كحالهم في بدء الإسلام؛ ولذلك4احتاجوا إلى الهجرة، ولو تركوا التصريح بالعداوة وعيب دين المشركين لما احتاجوا إلى ترك أوطانهم، ولكنهم فعلوا ذلك لحاجة المؤمن إلى5إظهار دينه، وخوفه من الفتنة.
وبهذا يتبين صواب كلام الشيخ وخطأ المعترض، وأنه قد6عكس القضية في تخطئة الشيخ، والقلب إذا خسف به تصور الحقائق على غير ما هي عليه.
وقد تقدم هذا الجواب.
وليس في كلام الشيخ أن المؤمن يؤاخذ بإزر1غيره، حتى يرد عليه بقوله تعالى: وَلَا2تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء / 15]. بل في كلام الشيخ أن عداوة المشركين وبغضهم3من واجبات الدين، وتاركه ما استقام إسلامه، فأين هذه من هذه؟ لقد أبعدت المرمى، واستحكم عليك الجهل والعمى.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: 105]4[المائدة / 105]. فسرها حديث أبي.5
ثعلبة.6
وحديث.7
أبي بكر.8
وفيهما [35].
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعل ذلك المؤمن فلا يضره ضلال من ضل إذا اهتدى، وقام بالواجب.1. وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " «حتى إذا رأيتم.2
شحا مطاعاً» " غاية للأمر والنهي، لا أنه لا يجب ابتداءً، فافهمه يستبن لك جهل المعترض. وكذلك حديث عبد الله بن عمر.3
هو من هذا الباب، ليس فيه أنه لا يأمر.4
ولا ينهى، ولا يظهر دينه، ومن فهم هذا من الأحاديث فهو من الأغبياء الضالين. وأما قوله: (فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي كفَّر به هذا الرجل الأمة) - إلى آخره- في عبارته.5
خلل، وهي خطه بيده وكان الصواب.6
أن يقول: (الذي كفر بتركه)، لا به. فتأمل. ويقال في جوابه: خرجت عن محل النزاع، فالنزاع.7
في التصريح.
بالعداوة، وأما الأمر والنهي.1
فهو أمر آخر، وطور ثان، وليس في كلام الشيخ تعرض له، فنسبة التكفير إليه به.2
- مع أنه خروج عن موضوع الكلام، وحَيدة عن تحرير محل النزاع - فهو أيضا كذب ظاهر وبهت جلي. مَنْ قال: إن الشيخ كفَّر بهذا؟ ومن نقله؟ وفي.3
أي كتاب؟ وفي.4
أي رسالة؟ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: 61] [طه / 61]. فمن أين , أو أنى , وكيف ضلالهم... هدى , والهوى شتى5". بهم متشعب. وإنما أدرج مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مسألة وجوب المعاداة والتصريح بها ليلبس على الجهال، ويتكثر بما ساقه من كلام العلماء، وهو عليه لا له، كما ذكر هو عن القاضي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا لم يخف، هو كذلك لكن هذا يؤيد كلام الشيخ؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرع عن التصريح بالدين. وأيضا: فتارك الفرض لا يستقيم له إسلام، والشيخ لم يقل إنه يكفر بترك التصريح بالعداوة، بل قال: (لا يستقيم له.6
إسلام) فيصدق بحصول الإسلام مع استقامته، وهذا يجري في كل من ترك واجبا، أو فعل محرما، كما قرره تقي الدين في كتاب "الإيمان ".
فجميع نقوله عن الفقهاء تؤيد كلام الشيخ، وترد دعوى المعترض، لكنه جاهل لا يفهم مراد الله ورسوله، ولم يعان، ويمارس صناعة العلم والبحث مع المحصلين.1
بل وجد أشياخًا ضالين، وكتبًا شتتت فكره، وضيعت فهمه حتى صار من الخاسرين.
ثم أطال النقل عن ابن عقيل وابن مفلح، وذكر ما يروى عن حذيفة رضي الله عنه مرفوعا2" «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ". قيل: كيف يذل نفسه؟ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " يتعرض من البلاء ما لا يطيق» ".3 ومراد هذا الغبي: أن الخوف يسقط إظهار الإسلام والتصريح بعداوة المشركين والبراءة4منهم، حتى التصريح بشهادة الإخلاص.
فجعل كلام ابن عقيل وابن مفلح، وما أتيح له من كلام الفقهاء في عدم وجوب الأمر والنهي، على الخائف والعاجز حجَّة على كتمان الإسلام، ومداهنة المشركين، وإظهار موادتهم وصحبتهم5هذا مفهوم كلام.6
المعترض، فبُعدًا بُعدًا، وسُحْقًا سُحقًا.
وأعجب من هذا أنه جعل الحديث حجة له على موادة المشركين
فجعل معاداتهم ذلًّا، وموادتهم1عزًّا، فلا أدري على أي شيء أحسده؟ على هذا الفهم الذكي، أو على ما جمعه من أكاذيب المفتري2وما كنت أظن غباوته تبلغ إلى3هذا الحد.
فالحمد لله على ظهور الحق, والتوفيق للصدق.
ثم استدل المعترض بكلام شيخ الإسلام على حديث أبي سعيد: " «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده» "4إلى آخره، وأن الشيخ ذكر في معناه: أن الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان، وليس المراد: أن من لم ينكر لم يكن معه من الإيمان حبة خردل.
يريد الرجل المعترض أن كلام الشيخ يدل على أنه يكفي في الإيمان المطلق إنكار القلب, ولا يحتاج للتصريح بشيء من واجباته، وهذا رجوع إلى مذهب الجهمية القائلين بأن الإيمان هو التصديق, ولم يدخلوا5التلفظ والعمل في مسماه، وبعضهم قال: (هي شرائط وليست6من المسمى).
وكلام أهل السنَة في تبديعهم، وتضليلهم، وتفسيقهم معروف مشهور.
فقول المعترض: (فالإنكار بالقلب فقط، وأقف على أضعف الإيمان
[37]، في حق القادر) قول باطل؛ فإن الحديث يدل على أنه في حق العاجز يكون أدنى الإيمان الخاص، وأما القادر فليس في الحديث نص على حكمه، وإنما يفهم من أدلة أخرى.
وكلام الشيخ على الحديث إنما يدل على انتهاء مراتب هذا الإيمان، وليس مراده أن تاركه يكفر، وهذا المعترض لم يفهم مراد الشيخ ولا حام حول قصده.
ومراد الشيخ: أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إيمان، وأنه ينقسم بحسب الاستطاعة، وأدناه الإنكار بالقلب، وأعلاه الإنكار باليد، وقوله: "وليس وراء ذلك من الإيمان (" حبة خردل " أي: هذا الإيمان)1الذي هو الأمر والنهي والتغيير2هذا مراده.
وحينئذ: فهو من أدلة الشيخ على وجوب التصريح بالعداوة، وأنه لا يستقيم للإنسان إسلام وإيمان إلا بالإتيان بالواجبات، فلو اقتصر على أدنى رتب الإيمان مع القدرة على سواها فليس إيمانه بمستقيم، وإن كان مع عدم الاستطاعة والعجز3حصل على أضعف الإيمان، فقد فاتته4الاستقامة الكاملة؛ لأن الأدنى فيه نقص وضعف، والمؤاخذة وعدمها بحثها الاستطاعة وعدمها.
فانظر وتأمل هذا التقرير يطلعك على جهالة المعترض، وأنه بمعزلٍ عن العلم والفهم.
﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: 44] [فصلت / 44]. وكلام شيخنا رحمه الله محله فيمن استطاع وقدر، وأما مع عدم القدرة ومع الإكراه فيباح للرجل أن يتوقى عن1نفسه، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 28] الآية [آل عمران / 28]. على أن الصابر مع الإكراه الباذل نفسه لله أفضل ممن فعل ما يباح وتوقى عن نفسه.
إذا عرفت مراد الشيخ رحمه الله فهو يطلق الكلام حيث أطلقه الكتاب والسنة ويقيده حيث قيداه، فالمعترض2لم يفهم كلام الشيخ، ولا عرف معاني النصوص ومن وقف على كلامه من أهل العلم عرف ما قلناه، وأنه حيران لا يدري السبيل.
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: 22] [الأنفال / 22]. واستدل المعترض بقول الإمام أحمد لمن سأله عن السنَّة تذكر في المجلس لا يعرفها غيره أيتكلم بها؟ فقال: " أخبر بالسنَّة ولا تخاصم عليها "3إلى آخره.
وبقول مالك: "أخبر بالسنَّة، فإن لم يقبل4منك [38] فاسكت ".
ومراده: أن السكوت سائغ في أصول الإيمان وفروعه، حتى ما دلت عليه كلمة الإخلاص، ولم يفرق بين ما يسوغ السكوت فيه1وما لا يسوغ.2
وقول أحمد ومالك صريح في أنه لا يسوغ السكوت، وإنما يترك الخصام بعد التعريف والبيان، وهذا يشهد لكلام الشيخ ويؤيده، فإن3الشيخ رحمه الله يأمر بالتصريح والبيان؛ وينهى عن الخصام والمراء والهذيان.
والرسل عليهم الصلاة والسلام4لم يسكتوا عن الدعوة والإبلاغ لما أرسلوا به حيث لم يقبل منهم، بل استمروا على ذلك حتى أتاهم أمر الله.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ - وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: 34 - 35]5[الأنعام 34، 35]. وأصل الإسلام ومبانيه لها حال وشأن ليس لغيرها من السنن؛ ولذلك يكفر جاحدها، ويقاتل عليها، بل يكفر تاركها عند جمهور السلف بمجرد الترك، أفيسوغ السكوت للعالم عن إبلاغ الجهال وتعليمهم؟.
قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125] الآية [النحل / 125]. وقال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46] [العنكبوت / 46]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108]1الآية [يوسف / 108]. وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52] [الفرقان / 52.]. وفي2الحديث: " «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» ".3 سبحان الله! ما أقبح ما4تلاعب الشيطان بابن آدم.
ألا هل عم في رأيه متأمل... وهل مُدْبر بعد الإساءة مقبل وهل أمة مستيقظون لرشدهم... فيكشف عنه النعسة5المتزمل فقد طال هذا الغي واستخرج الكرى... مساويهمو لو أن ذا الميل يعدل
[