]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم1الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له "2ومن يضلل3فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه4وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: فإنَّ اللَّه تعالى قد اصطفى لنبوته، وأكرم برسالته، أفضل خلقه، وأقربهم إليه منزلة، وأحقهم بمواهب كرامته، ومنشور ولايته؛ و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] [الأنعام - 124]، ويهب كرامته وولايته، واصطفى من أنبيائه ورسله ساداتهم وأكابرهم وأولي العزم منهم، وجعلهم في الذروة العليا.5
والمقام الأسنى الذي تقاصر6عنه
المتطاولون، ووقف دون درجته المرسلون ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: 164] [الصافات - 164]، فقاموا من أعباء الرسالة، وأثقال الجهاد، ومكابدة الجبارين، ومراغمة رؤوس الكفرة والمستكبرين، بما لم1يقم به سواهم؛ ولم يصل إليه2من عداهم، وقيَّض لهم من أعدائه أئمة (الكفر وصناديده)3المكذبين لرسله؛ العادلين به غيره، الجاعلين معه4الآلهة والأنداد، الواصفين لربهم5بما يتنزه عنه ولا يليق بجلاله وكماله وأحديَّته6وصمديَّته: كالصاحبة والشركاء والأولاد7لتظهر عجائب الحكمة وبدائع الإتقان، ولطائف الصنع وعظمة السلطان ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ - وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: 112 - 113] [الأنعام - 112 - 113] فسبحان من فتح لمعرفته8كل باب؛ وكشف عن قلوب أوليائه كل
غي وحجاب ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ1إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269] [البقرة -269]، [آل عمران -7] واقتضت حكمته الإلهية، ومشيئته الربَّانية، أن يبتلي ورثة رسله وأنبيائه بحسب ميراثهم عن صفوته وأوليائه، فأكثرهم ميراثًا أشدُّهم متابعةً؛ وأعظمهم اقتداءً هو أكبرهم محنة، وأعظمهم بليّه وأصعبهم أضدادًا، لا سيما ورثة هذا النبي الكريم2ذي الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود والتعظيم، فإن الله ابتلاهم بجهَّال هذه الأمة ومنافقيها، كما ابتلى مؤمنيها بكفَّارها3وخيارها بشرارها4وأبرارها بفجَّارها، وأهل سنَّتها بمبتدعيها، وكان ربك بصيرًا.
ومن سبر أحوال الناس واستقرأها، ونظر فيما أُصيب به أهل5العلم، وابتلي به أئمة6الهدى، عرف سنَّة الله التي قد خلت من قبل؛ واستبانت له حكمة الترجيح والفضل، وأكثر الناس في خفارة جهله، وغباوة فهمه.
وفي أثناء القرن الثاني عشر ظهر بنجد من أحبار7الأمة وساداتها من يدعو إلى توحيد الله بالعمل والعبادة، وإفراده بالقصد والإرادة،
ويجدِّد1ما اندرس2من أصول الملة وقواعد الدين، ودعا3إلى مذهب السلف والأئمة السابقين: في إثبات صفات الله رب العالمين، ونفى عن آيات الصفات وأحاديثها تأويل الجاهلين، وإلحاد المحرفين، وزيغ المبطلين.
قرَّر ذلك بأدلته وقوانينه الشرعية، وحكى نصوص الأئمة وإجماع الأمة؛ بالنقل عن العدول الأثبات الذين عليهم مدار أحكام الدين في نقل أصوله وفروعه، وأجمعت الأمة على هدايتهم ودرايتهم، حتى ظهر المذهب وانتشر، وعرفه كثير من أهل الفقه وحذَّاق البشر، ومن له نهمة في طلب العلم والأثر، وقد كان قبل ذلك مهجورًا بين الناس، لا يعرفه منهم إلا النُّزَّاع4من الأكياس.
وقرَّر توحيد العبادة بأدلَّته القرآنية وبراهينه النبوية، ونهى عن التعلُّق على غير الله محبة وإنابة وتعظيمًا وخوفًا ورجاءً وتوكلًا، ونحو ذلك من أنواع التعلقات.
وقرَّر أن هذا حق الله لا يصلح لسواه من نبي أو ملك أو صالح أو غيرهم، وبسط القول في ذلك وأطنب وعلَّل، ومثَّل وجادل وناضل حتى ظهرت الحجَّة واستبانت المحجَّة، فاستجاب له من أراد الله هدايته، وسبقت له السعادة، وصدَّ عنه آخرون وعارضوه بشبهات ترجع إلى شبهات إخوانهم وأشباههم الذين كفروا من قبل؛ وعارضوا الرسل بجهلهم ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: 118] [البقرة -118].
وقد رأيت لبعض المعاصرين1كتابًا يعارض به ما قرَّر2شيخنا من أصول الملَّة والدين؛ ويجادل بمنع تضليل عُبَّاد الأولياء والصالحين، ويناضل عن غلاة الرافضة والمشركين، الذين أنزلوا العباد بمنزلة الله ربِّ العالمين، وأكثر التشبيه بأنهم من الأمة، وأنهم يقولون: لا إِله إلا الله، وأنهم يصلُّون ويصومون، ونسي في ذلك عهود الحمى؛ وما قرَّره كافة الراسخين من العلماء، وأجمع عليه الموافق والمخالف من الجمهور والدهماء، ونصَّ محليه الأكابر والخواص، من اشتراط العلم والعمل في الإتيان بكلمة الإخلاص، والحكم بموجب الردة على فاعل ذلك من سائر العبيد والأشخاص، وسمَّى كتابه: " جلاء الغمَّة عن تكفير هذه الأمَّة "، ومراده بالأمَّة هنا: من عَبَدَ آل البيت وغلا فيهم، وعَبَدَ الصالحين ودعاهم، واستغاث بهم؛ وجعلهم وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويتوكَّل عليهم.
هذا مراده ولكنه34أوقع عليهم لفظ الأمَّة ترويجًا على الأعمار والجهال، ولبسًا للحقِّ بالباطل، وهو يعلم ذلك وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: 152] [الأعراف - 152]، فلكل مفترٍ نصيب منها بحسب جرمه وعلى قدر ذنبه، وقد رأيت على هذا الرجل من الذلَّة والمهانة مدَّة حياته ما هو ظاهر بيِّن يعرفه من عرفه.
[