فصل في مناقشة كلام لابن تيمية استدل به المعترض على عدم تكفير أهل الشرك والردة وخلط بينهم وبين أهل البدع والأهواء
] فصل قال المعترض: (وقال أبو العباس في موضع آخر: "فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضًا ومن ممادح أهل العلم: أنهم1يخطئون ولا يكفِّرون).
قال: (وسبب ذلك أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفرًا، وقد يكون كفرًا، لأنه تبيَّن له ذلك أنه تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم وسب للخالق2والآخر لم يتبين له ذلك، فلا يلزم إذا كان هذا العالم بحاله يكفر إذا قاله أن يكفر من لم يعلم بحاله).
قال: (والناس لهم فيما يجعلونه كفرًا طرق، فمنهم من يقول: الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم الناس متفاوتون في3العلم الضروري بذلك)، ثم قال: (وأنا أبعد الناس عن التكفير، وقد ذكرت الذي أمر أن يُحَرَّق بعد موته، ويذر في البحر فرارًا4أن يبعثه الله تعالى خوفًا منه؛ لأنه لم يعمل لله خيرًا قط، وحديثه في البخاري، فَغُفِرَ له)5- إلى أن قال: (فالعلم قبل
[213] الأمر، والحلم بعد الأمر، فإن لم يكن عالمًا لم يكن له أن يقفو ما ليس له به علم).
اهـ كلامه.
والجواب أن يقال: هذا المعترض يتصرَّف في الكلام الذي ينقله، ويحرِّفه عن موضعه1ومع ذلك فالكذب غالب عليه، فيطالب أولًا بتصحيح ما نقل، وبعد التصحيح يجاب عما ذكر، ولشيخ الْإِسلام أبي العباس رحمه الله في هذا المعنى كلام يعرفه أهل العلم، وقد استدلَّ بهذا الحديث في مواضع على عدم تكفير المعين، حتى تقوم عليه الحجة الرسالية2وبعد ذلك يحكم3بما تقتضيه تكفيرًا أو تفسيقًا، وهذا في المسائل التي قد4تخفى على بعض الناس، كعموم القدرة على جمع أجزاء هذا الميت المحرق من البحر والبر5والريح، لا سيما في أوقات الفترات واستحكام الجهالة والضلالات، وشيخنا رحمه الله لم يكفر أحدًا ابتداءً بمجرد فعله وشركه، بل يتوقَّف في ذلك حتى يعلم قيام الحجة التي يكفر6تاركها، وهذا صريح في كلامه في غير موضع، ورسائله في ذلك معروفة، وفي المثل: "الهوى يُعْمِي ويُصِمّ ". ويقال أيضًا: فرض الكلام الذي نقلته عن أبي العباس ومحله في أهل البدع، كما هو صريح كلامه، والمشركون وعبَّاد القبور عند أهل
السنَّة والجماعة معدودون من أهل الشرك والردَّة، والفقهاء فرَّقوا بين القسمين في الأبواب والأحكام1فذكروا أهل الشرك والردَّة [في باب الردَّة]،2وذكروا أهل الأهواء في باب قتال أهل البغي كالخوارج والقدريَّة ونحوهم، وهذا يعرفه صغار الطلاب، وقد خفي على ثور المدار والدولاب، فلبَّس على العامة والجهال، وأدخل أهل الشرك في أهل البدع، وسوَّى بينهم في الأحكام، خلافًا لكتاب الله وسنَّة نبيه وما عليه علماء أهل الْإِسلام، فسحقًا له سحقًا، وبعدًا له بعدًا، حيث جادل بالباطل والمحال.
ويقال أيضًا: قد صرَّح أبو العباس أن عدم التكفير قد يقال فيما يخفى على بعض الناس، وأما ما يعلم من الدين بالضرورة كشهادة أن لا إله إلاَّ الله؟ وشهادة3أنَّ محمدًا رسول الله، فهذا لا يتوقف أحد في كفر4من أنكر لفظه أو معناه، ولم ينْقَد لما دلَّت عليه الشهادتان، وهذا متفق عليه في الجملة، فجعله5من المسائل التي خاض فيها أهل البدع والأهواء خروج عن6محل النزاع، وخرقٌ لما صح وثبت من الاتفاق والْإِجماع، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40] قال الشيخ رحمه الله تعالى7(وهذا إذا كان في المقالات الخفية
فقد يقال أنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، وذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم المشركون واليهود والنصارى أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بُعث بها1وكفَّر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من النبيين والملائكة وغيرهم، فإن هذا أظهر شعائر الْإِسلام، ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع، فكانوا مرتدين، وكثير منهم تارة يرتد2عن الِإسلام رِدَّة صريحة، وتارةً يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق، والحكاية عنهم في ذلك مشهورة، وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك طرفًا في أول3"مختلف الحديث"، وأبلغ من ذلك أن منهم من صنَّف في الردَّة كما صنَّف الرازي في عبادة الكواكب، وهذه ردَّة عن الْإِسلام باتفاق المسلمين).
اهـ. ثم ساق4المعترض ما ذكر الشيخ أبو العباس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من5اشتراط العلم، وطلب الرفق مع الأمر، والحلم بعد الأمر.
فذلك من عجيب جهل هذا المعترض، وعدم علمه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وحاصل دعواه: أن من أنكر الشرك، وأغْلَظ في إنكاره، وقاتل عليه عبَّاد القبور والأصنام، فقد ضيَّع العلم والحلم والرفق، وهذه
الدعوى على عمومها تتضمَّن الْإِنكار على رسل1الله وخلفائهم وورثتهم، الذين قاموا بجهاد أهل الشرك وقاتلوهم، وسَبَوا نساءهم وأولادهم2وغنموا أموالهم.
وهذه الدعوى لو أطلقها القائل الذي وضعها في أهل الْإِسلام المجاهدين على توحيد الله لكانت كفرًا صريحًا: قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 193] [البقرة / 193]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73] [التوبة / 73]. والمعترض لم يفهم كلام أبي العباس، فوضعه في غير موضعه، وأزال بهجته، فإن الرفق والحلم يحسن3في محله، وحيث أمر الله بهما4والمعترض أحمق يظن أن العلم مع من لم يُكَفِّر المشركين، وعبَّاد القبور، ومن جعلهم من جملة أهل البدع، واحتج بكلام أهل العلم في أهل [215] البدع على أهل الشرك والتسوية5بين الله وبين غيره6في خالص حقه، فلا جرم سود الأوراق، وأكثر النقل، وشقشق في عبارته (ولبَّس في مقالته7وتزين بثوب ضلالته وجهالته، ولم يتحاشَ من كشف سوأته
وإظهار خزيته، والحمد لله الذي أظهر دينه وأعلا كلمته، وصدق وعده ونصر عبده.
ثم اعلم أن شيخنا رحمه الله من أعظم الناس وأكثرهم رفقًا وحلمًا، ووقوفًا مع الحجَّة والدليل، ولم يبدأ أحدًا بقتال حتى بدأوه وكَفَّروه، فالحمد لله الذي ألهمه رشده، وسدَّد أمره، ولم يجعله على طريق هؤلاء الحيارى الضالين، والجهلة الظالمين.
[