فصل في مخاطبة النبي بكاف الخطاب بعد موته والدعاء له عند قبره
] فصل قال المعترض: (فشرف الدين يخاطبه صلى الله عليه وسلم كما خاطبه حسَّان بن ثابت رضي الله عنه بكاف الخطاب بعد موته؟ وكما خاطبه صدِّيق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه بعد موته، وطلب منه كما يأتي ذلك، وكما خاطبه الأعمى في غيبته، وكما خاطبه الذي علَّمه عثمان بن حنيف زمن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنهما1بعد موته صلى الله عليه وسلم؛ وغير الصحابة كثير من التابعين وسلف الأمة؛ إذ مخاطبته صلى الله عليه وسلم بعد موته أبلغ؛ لأن أعمال أمته تعرض عليه في قبره، وشرف الدين يقول: يا أكرم الخلق؛ وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلاً ونائلاً وعند ربه جلَّ وعلا، ثم قال: ما لي من ألوذ به من الخلق سواك، واغوثاه من الجهل وطمس القلوب).
ثم قال: (عند حلول2الحادث العمم، وهذا ذاك اليوم ومطلوبة شفاعته صلى الله عليه وسلم).
والجواب أن يقال: هذا الخطاب الذي خاطبه البوصيري في بردته خطاب سائل، داع، لائذٍ، مضطرٍّ، محتاج3بما لا يقدر عليه إلاَّ الله تعالى، وخطاب حسَّان خطاب متوجد متمنٍ أن يقي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب،
وهذا من باب الوجد والأسف على فراقه، وذلك من باب الدعاء والطلب منه فأين هذا من هذا؟ هل قال حسان: أعطني وأنا عائذ، أو لائذٍ بك في الحوادث والملمَّات؟ وقد جاء في السلام عليه والتشهُّد في الصلاة1ما يفيد الفرق بين خطاب الْمُسَلِّم وخطاب الداعي الراجي، بل جاء في خطاب الموتى بالسلام ما يستبين به الفرق عند أولي الألباب والأفهام، وعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: " «السلام عليكم دار قوم مؤمنين»2عند زيارتهم، ولو خاطبهم بغير ذلك من المطالب والدعاء، وقال: "جئتكم مستجيراً، عائذاً بكم، مستغيثا3لائذاً بحماكم، طالباً لبركم ونعماكم، وما لي عند الحوادث والمهمات سواكم " لكان4ذلك من الشرك الأكبر؛ الذي اتفقت الرسل ونزلت الكتب بتحريمه وتكفير فاعله، أفيقال: هذا خطاب وما قبله خطاب، ويسوى بينهما للاشتراك في الخطاب؟ هذا لا يقوله إلاَّ أضل الخلق وأجهلهم5وقد جبل الله الخلق على الفرق بين6دعاء الميت والدعاء له، واتفقت الفِطَر والشرائع على الفرق بين ذلك؛ وأكثر الناس اجتالتهم الشياطين، وأحدثوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحللوا وحرموا بمجرَّد أهوائهم وآرائهم الضالة.
وأمَّا حديث أبي بكر: فسيأتي الكلام عليه؛ وأنه غير ثابت وأن
الإجماع المستند إلى الكتاب والسنَّة والاعتبار يخالفه وينافيه، وأين هذا من هدي السلف والصحابة رضوان الله عليهم في المبالغة في صيانة قبره الشريف، وتثليث جداره كي لا يُصلَّى إليه، ولا يُتمكَّن من دعائه وسؤاله، عملاً بقوله- صلى الله عليه وسلم: " «اللَهمَّ لا تجعل قبري وثناً يعبد» "1وقد بالغ السلف في حماية حِمى التوحيد، والتباعد عن الشرك، وسدّ ذرائعه؛ وقطع وسائله؛ حتى منعوا من استقبال القبر عند دعاء الله؛ كما هو نص أحمد ومالك وأبي حنيفة رحمهم الله في أشرف القبور على الِإطلاق، فأين هذا من سؤاله صلى الله عليه وسلم وطلب ما لا يقدر عليه إلاَّ الله؟ وأما حديث الأعمى: فليس فيه ما يدلّ على غيبته صلى الله عليه وسلم، وهو توسل بدعائه كما كان الصحابة يتوسلون بذلك، ويسألون الاستغفار والدعاء.
وقد قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: 103] [التوبة 103] وقال تعالى حاكياً عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: 5] [المنافقون 5] فذم هذا الصنف بالصد عن ذلك.
فهذا كان هديهم وفعلهم في حياته صلى الله عليه وسم، وأمَّا بعد موته صلى الله عليه وسلم فلم يفعله أحد منهم، ولا من أهل العلم والإيمان بعدهم، بل قد ثبت النهي عن الدعاء عند القبر، فكيف بدعائه وقد تقدَّم ذلك قريبا: "وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها"2
[128] وسيأتيك أن أصل الشرك، وسبب حدوثه دعاء الموتى وخطابهم بالحوائج.
وأمَّا الذي حدَّثه عثمان بن حنيف: فلم يخاطبه، ولم يثبت ذلك في حديث الأعمى، أعني مخاطبته صلى الله عليه وسلم والذي رواه من أهل السنن المعتبرة لم يثبت مخاطبته الرسول؛ بل هي ساقطة في الأصول المحرَّرة، ومسألة السؤال به أو بحقِّه غير مسألته نفسه ودعائه.
وأمَّا كون أعمال أمته تُعرض عليه: فليس فيه ما يستدل به على سؤاله ودعائه مع الله وطلب الحوائج منه، ومن زعم ذلك فقد قال بتجهيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، ومن بعدهم من التابعين وعلماء المدينة1كالفقهاء السبعة، ومن بعدهم كابن شهاب2وربيعة3ويحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، وأهل المذاهب المقلدة كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وسفيان، وداود بن علي، وأمثالهم ونظرائهم من أهل العلم الذين منعوا من دعائه، والدعاء عنده، وقد ثبت أن عمل المسلم يعرض على والديه4ولا قائل بدعائهما وطلبهما.
وأمَّا قول المعترض: (إن أعمال أمته تعرض عليه في قبره).
فقد ورد1أن أعمال أمته تعرض على أقاربهم2؛ ولم يأتِ ما يدل على أن العرض في القبر بل الجزم بهذا3والقول به يحتاج لدليل، وقد ثبت أن " «نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة».4
والواجب أن يؤمن المؤمن بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتعدى ذلك إلاَّ بتوقيف.
وأعجب منه قول المعترض: (وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلاً ونائلاً)، فهذه العبارة تطلعك على قطرة5من بحر جهالته، وذرَّة من قناطير غباوته، كل المسلمين والمؤمنين ينكرون القول أنه ليس بأكرم الخلق، والذي لا ينكر6كونه أكرم الخلق، لا أنه ليس بأكرم الخلق، فتأمَّله فإنه نص خطه7بيده.
وأما قوله: (واغوثاه من الجهل وطمس القلوب).
فأقول: يا لله للمسلمين من ضال جاهل، يسمي تجريد التوحيد وإفراد
الله بالدعاء جهلا وطمسًا للقلوب، ويستغيث استغاثة محق مغلوب، وكون [129]، المطلوب شفاعته صلى الله عليه وسلم لا يبيح ذلك دعاءه وإفراده باللياذ والعياذ، والقول بأنه يعلم الغيب، وأن الدنيا والآخرة من1جُوده2بل هذا يشبه غلو أهل الكتاب في أنبيائهم.
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: 171] [النساء 171]. فرحم الله امرأ وقف عند حدود الله، ولم يتعدَّاها، ولم يتجاوزها إلى سواها.
[