فصل في رد دعوى المعترض إجماع الأمة على قبول البردة والرضا بها
] فصل قال المعترض: (وقد أجمعت1الأمة أنها لا تجمع2على ضلالة، وهذا يقول: اجتمعت وأجمعت.
فهذه البردة لها قدر ستمائة سنة تداولها علماء الأمة، وتشرحها هي والهمزية، ويتهادون شرحها بينهم بغالي الأثمان، وأبلغ من هذا كتبها بماء الذهب دائر الحجرة الشريفة، فلما3دخل هؤلاء المدينة المنوَّرة أيام توليهم عليها أرادوا حكها فلم يستطيعوا ذلك، فلزقوا عليها الورق.
ولست أحكي هذا عن غيري، فهلا4أنكرها عالم من علماء المسلمين، وما من علماء الأمة إلا منْ شاء الله من لا دخل المدينة المنوَّرة ورآها.
وليست خفية؛ بل هي أشهر من "قفا نبكِ"5وقد علم6حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما علم، أليس هم أعلى من الشهداء حالا بعد الموت؟ وقد أخبر الله أنهم: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 169 - 170] الآية [آل عمران -169، 170].
ألم يعلم هذا الرجل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في معراجه مرَّ بكليم الرحمن موسى بن عمران وهو يصلي في قبره، ومرة كما في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه في السماء السادسة، ونصحه واستنصحه وسقم عليه وعلى الأنبياء في السماوات، فردوا عليه ورحَّبوا به، وقد صلَّى بهم قبل في بيت المقدس1عند الصخرة عليه وعليهم2أفضل الصلاة والسلام، أفيظنهم هذا الرجل أمواتا في عالم العدم، أم3يريد أن يمنع عنهم4ما أعطاهم الله من الكرامة، ويقيسهم على نفسه التي قد5تراكمت عليها ظلمات الزيغ والأهواء بعضها فوق بعض، حيث يرى الحق في صورة الباطل؟ أو ليس هو -صلى الله عليه وسلم- أفضل أولي6العزم من الرسل؟ أليس الله قد أعطى من هو دونه7بالفضل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص؟ أليس هو يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله؟ أفيظن هذا الرجل أن هذه الأمور من عيسى عليه السلام من دون الله؟.
بل قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59] [آل عمران -59].
والجواب أن يقال: أما قوله: (إنَّ الشيخ يقول: اجتمعت1الأمة وأجمعت على ضلالة) : فهذا من أبلغ2الكذب وأعظم الإفك والافتراء، وقد نزَّه الله الشيخ وأمثاله من أهل العلم عن قول الزور وشهادته، وأظن هذا الغبي يشير إلى أن الأمة من روى البردة واستحسنها واعتقدها، مع أن الشيخ لم يتكلَّم فيهم، ولا بحث في حال من رَوَاها وقرَّرها، وإنَّما الكلام في نفس القول الذي اشتمل على الغلو والإطراء، ولم يتجاوز هذا شيخنا3ولم يبلغنا عنه حرف في تضليل من قرأها، وقد يقرؤها الإنسان ويتصفحها وهو منكر لما يجب إنكاره فيها، ثم لو فرض أن الشيخ ضلِّل هؤلاء أيقال: هم الأمة، أين أهل القرون الستة الأول4؟ أين من بعدهم من الأمة إلى عصر الشيخ؟ وغاية ما عندكم عد رجال قليلين رووها، أفتحصر الأمة في هذا [154] العدد اليسير الذين5لا يعرف أحد منهم بعلم سوى رجلين أو ثلاثة، وهم دون نظرائهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وهل شرحها من الأمة من يُعرف6له لسان صدق في المسلمين؟ ما أقبح الفرية! وما أشد جنايتها!!.
وأمَّا كتبها بماء الذهب: فمن كتبها ومن وضعها؟ أهم أهل العلم وسادات الورى؟ أم الملوك والسلاطين والوزراء، إن كان فعلهم حجَّة فقد
وضعوا القباب والمكوس، وبعضهم وضع مهور البغايا.
ليت1هذا خرس وستر على نفسه هذه الخزية الشنعاء، والقولة العمياء، ما أقبح الحَوْر بعد الكور.2
قال رجل من أهل البيت عند ربيعة بن عبد الرحمن: أرأيت إن غلب الجهال حتى صار الأمر إليهم، أهم الحُكَّام على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أولاد الأنبياء3وأما قوله: (فلما دخل هؤلاء المدينة المنورة أرادوا حكها فلم يستطيعوا ذلك فألزقوا عليها الورق).
فيقال له4هذا من مناقبهم وأدلة علمهم، فإن أهل العلم لا يختلفون أن هذا من البدع5التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة؟ بل قد ثبت6النهي عن ذلك7وقرر8الفقهاء المنع من الكتابة على القبور والقباب وعلى جدران المساجد ونحوها، ولم يكن أحد من أصحاب
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا خلفائه الراشدين1ولا أهل القرون المفضلة يفعل ذلك لا في حياته ولا بعد مماته بأبي هو وأمي، والخير في اتباع من سلف، والشر في ابتداع من خلف، وما تركه أهل العلم من أهل2القرون المفضَّلة وأئمة الهدى فلا شك في ذمه، وإلحاقه بشرِّ المحدثات، وطرائق أهل الضلالات، ولولا خوف الإطالة لذكرت من الأدلَّة والبراهين ما يقضي أن هذا من المحرمات والمنكرات التي تجب3إزالتها، ولو خلت عن الإطراء والغلو، فكيف وقد اشتملت على4ذلك.5
وأمَّا رؤية العلماء لها: فليست دليلا على إقرارهم، والأمر في هذا6إلى الملوك لا إليهم، وقد تأخَّر وضعها إلى القرن الحادي عشر الذي عفت آثار العلم فيه، وقلَّ من يعرفه ويدريه.
[