فصل في احتجاج المعترض بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية على أن عباد القبور وغيرهم خطؤهم مغفور لهم
] فصل قال المعترض: (وقال أيضًا في "الفرقان" بعد كلام له سبق: "فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلِّل غيره ويكفِّره، فإذا كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين، فليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا ولا عاصيًا؛ بل1عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وفي كتاب الله في دعاء الرسول والمؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] [البقرة / 286]. وفي الصحيح: "إنَّ الله تعالى قال قد فعلت").
اهـ. والجواب أن يقال: هذه الطامة أكبر من أختها، فإنها تقتضي أن عبَّاد القبور والأوثان الذين كفَّرهم شيخنا رحمه الله مسلمون مؤمنون، مغفور لهم خطؤهم ونسيانهم، هذا معتقد المعترض، ولذلك ساق كلام أبي العباس محتجَّا به على ضلالته.
وهذا في الحقيقة تسجيل منه على أن كل من كَفَّر عُبَّاد القبور والصالحين بعبادتهم غير الله، وإشراكهم في خالص حقه، فقد كَفَّر مسلمًا
على خطأ مغفور له والمكفرون بمثل هذه الأشياء كافة أهل العلم من أهل الْإِسلام؛ بل وجميع الرسل يكفرون بهذا، وقد حكى الْإِجماع غير واحد [218] على كُفْرِ هذا الصنف.
قال شيخ الْإِسلام أبو العباس، فيما نقله عنه أكابر أصحابه وأعيان أهل مذهبه1(من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكَّل عليهم كفر إجماعًا).
قال شارحه: لأنه فعل عابدي2الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3] [الزمر / 3]. وذكره ابن حجر الشافعي في "الإعلام بقواطع الإسلام" راضيًا به مقررًا له.
وأبواب الردَّة يستفتحها الفقهاء بذكر الشرك في الربوبية والإلهية.
إذا عرفت هذا: عرفت أن هذا المعترض خرج عن إجماع المسلمين بحكمه بإسلام هؤلاء المشركين، وأنه خطَّأ أهل الْإِسلام كافة، بل لازمه أنه خطَّأ من كفَّرهم من سائر رسل الله الكرام، والنزاع بيننا وبين هذا وأمثاله إنما هو في عبادة الأولياء والصالحين الذي عدلوا بربهم وسووا به غيره3في خالص حقه، وشبهوا عباده به4في استحقاق الِإلهية
والعبادة، وكل هذه العبارات التي يحتج بها من كلام أهل العلم خارجة عن محل النزاع، أجنبية عنه، وهذا الشيخ الذي يشير إليه1هذا بالردّ قد شرح كتابه بزعمه، وأثنى عليه ومدَحَه2؛ ليروج بذلك باطله، ويتمكَّن من الْإِقامة بين أظهر المسلمين، فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين الذنوب.
[