فصل فيه جواب المعترض بأن الشيخ لم يكفر بلازم قوله أو مذهبه
] فصل قال المعترض: (قال أبو الوفاء بن عقيل: "نعوذ بالله أن نلزم إنسانًا بلازم قول وهو يفر منه".
انتهى.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: 115] [النساء / 115] وقال في الآية الأخرى1﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا2الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ3الْهُدَى﴾ [محمد: 32] [محمد / 32] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: 25] [محمد / 25] وقد مر التنبيه على ذلك.
فهذا كتاب الله4ينطق بالحق وكلام علماء الأمة أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والجواب أن يقال: هذا الكلام معناه: أنَّ الشيخ كفَّر باللازم، وهذا تناقض منه، فقد تقدم
له أنَّ الشيخ كفَّر بنفس الأفعال الصادرة ممن يدعو الصالحين، ويستغيث بهم ويسألهم1فزعمه أنه يكفِّر باللازم نقض2لما تقدَّم. ويقال: أي إنسان كفَّره الشيخ بلازم مذهبه؟ وفي أي مسألة؟ هذا لا يعرف عن الشيخ، ولا صدر منه قط في حق واحد، فإيراده عبارة ابن عقيل هنا تكثُّر بما لا يجدي، وتشبع بما ليس له، وهو كلابس ثوبي زور.3
وأما قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: 115] [النساء / 115] وما بعدها من الآيات، فهو الحق الذي لا ريب فيه، والهدى الذي لا ضلال يعتريه، والشأن كل الشأن في فهم خطابه وما دل عليه، وما انطوى عليه من الأحكام والدلالات، ليس المعنى ما زعمه هذا من أنه لا يكفر أحد حتى يتبين له الإيمان ويختار الكفر، بل المراد عند أهل العلم بالتأويل أن من تبين له ما جاء به الرسول من الحجة والبيان، ثم عاند وأصر وشاق الرسول، ولو ظنَّ إصابة نفسه، كالخوارج، متوعد بهذا الوعيد العظيم في هذه الآيات الكريمات، وليس المراد أنه لا يكفر إلا هذا الصنف من الناس، وقد تقدم من الآيات الدالة على تكفير من زين له سوء عمله فراه حسنًا، ومن ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه محسن.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36] الآية [الزخرف / 36].
وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره حال المقلدين لرؤساء الكفر من عامتهم وضعفائهم وجزموا بكفرهم، كما دلَّت عليه الآيات المحكمات.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 31] الآيات [سبأ / 31]. وكذلك آية الحجر1وغيرها من الآيات الدالة على تكفير الأتباع على ما هم فيه من الكفريات والضلالات.
(وتقدم أن أكثر النصارى وجمهورهم والمجوس ونحوهم لم يتبين لهم كفرهم؛ لكن تبين2لهم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم جاء بخلافه؛ وأنه كفَّرهم واستباح دماءهم وأموالهم وذراريهم. وعلى زعم هذا الرجل ليسوا بكفار؛ لأنه حصر الكفر في صنف واحد).3
وقد تقدم هذا ولكنه يكرر فنكرر الجواب، (ولولا ظهور هذه المسألة لذكرت من الآيات والأحاديث، وكلام المفسرين)4وكلام الفقهاء في تقسيم الكفار إلى أقسام -ما يثلج الصدر5وتقر به العين،
ولكن أردت الاختصار في النقل، وأرشدت الطالب، فمن أراد الوقوف على ذلك فهو سهل بحمد الله تعالى.
وفي كلام شمس الدِّين ابن القيم، الذي قرره في طبقات المكلفين1وما ذكره في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية2على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: 39]3الآيتين [النور / 39]. ما يكفي المؤمن المسترشد، والله الهادي والموفق.
وبهذا تعلم أن هذا المعترض من أبعد الناس عن فهم كلام الله ورسوله وكلام أهل العلم.
[