فصل بيان مقصود الشيخ لا يستقيم إسلام أحد إلا بمعادة المشركين
] فصل قال المعترض: (والمقصود هنا ذكر عبارات1لهذا المكفر بعينها؛ مما نقلناه من خطه بيده وجدناه عند أكابر دعاته ممن أدركناه؛ وذلك [أبعد]2عن دعوى الافتراء عليه ممن ينتمي إليه، وجعلت على نفسي عهدًا وميثاقًا محققًا أني لا أذكر عنه إلا ما تحقَّق كتحقيق الشمس عن الفيء، إذ المقصود من ذلك طلب الحق ودفع الباطل، حيث بقي على هذا التكفير أتباعه ونصروه، توضيحًا منا للحق، لأن " الدين النصيحة "). فالجواب أن يقال: قد صنع في أكثر العبارات التي نقلها ما صنعت اليهود من التحريف لألفاظها، وإسقاط بعضها وتغييره، فسرى هذا الداء إليه، كما ستقف إن شاء الله عليه.3
وإذا اجتمع الجهل والهوى، فقد استحكمت أسباب الهلاك والردى، وأحاطت بصاحبهما4موجبات الضلال والشقى.
وهذا العهد الذي جعله على نفسه، نقضه وغدر في أول عبارة1وما بعدها، و " «لكل غادر لواء يوم القيامة» "، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المعادين لأوليائه، الطالبين العنت للبرآء.
قال المعترض نقلًا عن الشيخ: (قال في المواضع التي تكلَّم بها2على السيرة - بعد كلام له سبق -: " فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحَّد الله تعالى وترك الشرك، إلا بعداوة [15] المشركين؛ والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22] الآية [المجادلة -22]. قال: فإذا فهمت ذلك فهما جيدًا عرفت أن كثيرًا ممن يدَّعون الدين لا يعرفونها، وإلا فما الذي حمل المسلمين3على الصبر على ذلك العذاب وإلا سر والضرب والهجرة إلى الحبشة " إلى آخر كلامه.
قال المعترض: فنقول أولًا: ينظر في هذا الكلام وتأصيله، فيقال: من هم هؤلاء الكفار أهل4الشرك الذين هم ككفار قريش والحبشة، الذين يجعلون الله ثالث ثلاثة وأشباههم كأهل الكتاب وعبدة الأوثان، الذين نهيت عن موادتهم وكفرت بها، وأُنزلَت عليهم الآية الكريمة لديك: أتُراهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم المتقدم ذكرهم، الذين قد عمروا المدارس في أقطارهم
وأمصارهم، ونصبوا القضاة، وشيدوا المنار1على مساجدهم لداعي الفلاح آناء الليل وأطراف النهار، ظاهرين مظهرين لذلك، قد بذلوا عليه الأموال والأنفس، يجاهدون عليه من أنكره من أهل الكتاب وغيرهم، حتى بنجد قد شيدوا منارها بعلمائها، ولا والله نعلم إلا ما شاء الله على مساجدها وأئمتها ومدارس قرائها2ومساقيها وسرجها أوقافًا إلا من هؤلاء الذين كفَّرهم هذا الرجل، ويسميهم بالكفار أهل الجاهلية).
والجواب أن يقال: لا بدَّ من ذكر كلام الشيخ ليتبين مراده، ويعرف ما في كلام هذا المعترض من التحريف والحذف لما يبين مراد الشيخ وموضوع كلامه.
قال الشيخ3(الموضع الثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم لما قام ينذرهم عن الشرك ويأمرهم بضده وهو التوحيد؛ لم يكرهوا ذلك واستحسنوه وحدَّثوا أنفسهم بالدخول فيه؛ إلى أن صرَّح بسب4دينهم، وتجهيل علمائهم، فحينئذٍ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا؛ ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يشتم عيسى وأمه ولا الملائكة ولا الصالحين؛ لكن لما ذكر أنهم لا يُدعون5ولا ينفعون ولا يضرون؛ جعلوا ذلك شتمًا، فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام [16]، ولو وحَّد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة
والبغضاء، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [المجادلة: 22]1الآية [المجادلة -22]. فإذا فهمت هذا فهمًا جيدًا عرفت أن كثيرًا من الذين يدَّعون الدين لا يعرفونها ولا يفهمونها، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والضرب والهجرة إلى الحبشة مع أنه صلى الله عليه وسلم أرحم الناس، ولو يجد لهم رخصة لأرخص لهم، كيف وقد أنزل الله عليه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10]2الآية [العنكبوت -10]. فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه إذا أوذي فكيف بغير ذلك؟).
انتهى كلام الشيخ رحمه الله.
وقد حذف منه المعترض أوله؛ لأن فيه التصريح بأن العداوة المطلوبة ذكر آلهتهم بأنهم لا يُدعون3ولا ينفعون ولا يضرون، وأن من لم يصرح بذلك (ويعاديهم، ويتبرَّأ منهم ويبغضهم)4ويعتقده ويدين به، لا يستقيم له إسلام، وهذا هو الحق؛ بل هو من مدلول كلمة الإخلاص؛ وهو حقيقة التوحيد، فلو وحَّد الله بعبادته ولم يشرك به، لكنه لم يأتِ5بهذا ولم يعتقده، لم ينتفع بتوحيده وعدم شركه، وهذا
حق لا شك فيه، والآيات تدل عليه، وتشهد له، وهذا المعنى دلَّت عليه كلمة الإخلاص تضمنًا؛ وهو ظاهر بحمد الله.
والمعترض حذفه عمدًا، وأخذ وسط العبارة، وقصده الترويج والتمويه، (وقد ورد حديث مرفوع: " «لا يستقيم إيمان عبد حتى تستقيم جوارحه»1")2وكذلك قول الشيخ في آخر كلامه: (فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه إذا أوذي فكيف بغير ذلك)؛ وأن هذا يدل على أن الكلام فيمن لم يصرح بعيب آلهتهم، وتسفيه أحلامهم، والتصريح لهم بذلك، وهو غاية العداوة والبغضاء، فحذف هذا المعترض أول الكلام وآخره ليروج ويلبس، وهذا من نوع التحريف والإلحاد ولي الألسن، وهو حرفة يهودية ورثها من ورثها.
وقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] [النحل -106]. والإكراه له صور3خاصة قولية لا فعلية4وما عداها فلا رخصة فيه، والآية عامة يدخل فيها دخولًا أوليًّا5من لم يعب دين المشركين،
وأن آلهتهم لا تنفع ولا تضر، لأنه إذا لم يصرِّح بذلك فهو كاتم لما تضمنته كلمة الإخلاص من النفي، ولا رخصة في الكتمان إلا بشرطه المتقدِّم؛ وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، والمعترض من الغافلين عن هذه1المباحث الدينية، أو ممن أضلَّه الله على علم، وقد غدر بميثاقه الذي جعله على نفسه بحذف أول العبارة وآخرها، لأنه تبديل وتغيير2لكلام الشيخ، وسيأتيك من أخواتها ما هو من أعجب العجاب، فالحمد لله على معرفة الحق والصواب.
واعلم أن هذا المعترض لم يتصور حقيقة الإسلام والتوحيد؛ بل ظن أنه مجرَّد قول بلا معرفة ولا اعتقاد3وإلا فالتصريح بالشهادتين والإتيان بهما ظاهرًا هو نفس التصريح بالعداوة والبغضاء، وما أحسن ما قيل: وكم من4عائب قولاً صحيحًا... وآفته من الفهم السقيم5(ولأجل عدم تصوره أنكر هذا، ورد إلحاق المشركين في هذه الأزمان بالمشركين الأولين، ومنع إعطاء النظير حكم نظيره، وإجراء الحكم مع علته، واعتقد أن من عبد الصالحين ودعاهم وتوكل عليهم وقرَّب لهم القرابين مسلم من هذه الأمة، لأنه يشهد أن لا إله إلا الله ويبني المساجد ويصلي، وأن ذلك يكفي في الحكم بالإسلام ولو فعل ما فعل من الشركيات، وحينئذٍ فالكلام مع هذا وأمثاله في بيان الشرك الذي حرَّمه
الله ورسوله، وحكم بأنه لا يغفر، وأن الجنة حرام على أهله، وفي بيان الإيمان والتوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وحرَّم أهله على النار، فإذا عرف هذا وتصوره تبيَّن له: أن الحكم يدور مع علَّته، وبطل اعتراضه من أصله، وانهدم بناؤه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72]1[المائدة -72]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106]2[يونس -106]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: 117] [المؤمنون -117]. وقال تعالى حاكيًا عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدت مع الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 97 - 98] [الشعراء -97 - 98]. ومعلوم أنهم ما سووهم بالله3في الخلق والرزق والتدبير، وإنما هو في المحبة والخضوع والتعظيم والخوف والرجاء، ونحو ذلك من العبادات.
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165]4[البقرة / 165].
وهذا حب عبادة وتأله وتعظيم؛ ولهذا1ونحوه كفَّرهم الله تعالى2وأباح دماءهم وأموالهم ونساءهم لعباده المؤمنين حتى يسْلموا، ويكون الدين كله لله، فالنزاع في هذا.
فمن عرف هذا الشرك وحقيقته، وعرف مسمى الدعاء لغة وشرعًا، وعرف أن تعليق الحكم في هذه الآيات على الشرك والدعاء يؤذن بالعلة3تبيَّن له الأمر، وزال عنه الإشكال، ومن يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل4فلا هادي له.
فمن عبد غير الله، وعدل بربه، وسوَّى بينه وبين غيره في خالص حقه: صدق عليه أنه مشرك ضال غير مسلم، دهان عفر المدارس، ونضب القضاة، وشيَّد المنار، ودعا بداعي الفلاح، لأنه لا يلتزمه، وبَذْلُ الأموالِ، والمنافسة على صورة العمل5مع ترك حقيقته لا تقتضي الإسلام؛ ولأهل الكتاب في عمارة البِيَعِ والكنائس والصوامع اجتهاد عظيم، ومحبة شديدة.
وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: 68]6[المائدة / 68].
قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 19]1[التوبة / 19]. وقد أجمع العلماء: أن2الإيمان الذي دلَّت عليه شهادة أن لا إِله إلا الله شرط في كل عمل، فالاحتجاج بهذه الأفعال - أعني بناء المساجد والمدارس ونصب القضاة - لا يصدر إلا عن جاهل أو ملبس.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: 16] [الشورى -16]. وأما يمينه الفاجرة على أنه لا يلم على المساجد والمدارس والمساقي3والسرج أوقافًا بنجد إلا من هؤلاء الذين كفرهم هذا الرجل يعني الشيخ.
فيقال له: أنت جعلت على نفسك عهدًا وميثاقًا أنك لا تحكي إلا ما ثبت عن هذا الرجل، وتحقَّق كتحقق الشمس عن الفيء، فأين تكفيره واحدًا من أهل الأوقاف، فضلًا عن سائرهم؟ وإذا انتزع الحياء والدين فلا تعجب مما صدر عن عادمهما4من الكذب، ونقض العهود، وموت القلوب.
ثم كيف يُتصوَّر أن عاقلًا يكفِّر جميع أهل الأوقاف نجد، وأعصارهم وأزمانهم متطاولة متعاقبة؟ فمنهم من وقفه متقدم على الشيخ [91]
بخمسة قرون أو ستة1كالوقف الذي ببلدة أُشيقر.
وهكذا بعده في كل عصر تحدث الأوقاف وتتجدد، فهل يقول: إن الشيخ كفر أولئك وجزم بكفرهم2من في قلبه أدنى خشية، أو له أدنى عقل ومعرفة؛ وقد صان الله الشيخ عن مثل هذه الجهالات والخرافات، ومن عرف الرجال بالعلم عرف حال الشيخ ورسوخه ومتانة علمه ودينه، وأنه يلحق بأكابر السلف وعلمائهم، وإن تأخَّر عصره، ومثل هذا الاعتراض حكايته تكفي عن رده.
[