حياة الأنبياء والشهداء بعد موتهم لا تدل على أنهم بقصدون للدعاء والاستغاثة
] وأما قوله: (وقد علم الله من حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما علم...) إلخ كلامه: فحاصل هذه الدعوى أن الأنبياء أحياء، وأنهم أعلى من الشهداء حالا بعد الموت، وهذا حق لا ريب فيه، ولا ينازع فيه مسلم، والأمر أبلغ
من ذلك وأرفع، ولكن هذا لا لدل على صحة دعوى هذا1الرجل: من أنهم يقصدون للدعاء والاستعانة والاستغاثة، فإن فضلهم وحياتهم وكرامتهم ونبوتهم ورسالتهم لا تقضي صرف حق الله إليهم، وتنزيلهم منزلته تعالى في القصد والدعاء، والخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، ولا يوجب ذلك صرف الوجوه إليهم بشيء من المطالب والمقاصد التي [151] بيده تعالى، ومنه عطاؤها وقسمها ومنعها، وتدبيرها وتيسيرها.
وقد قال تعالى2﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144] [آل عمران -144]. قال بعض الأفاضل: نزَّل استعظام موته منزلة جعله إلها، ولذلك قال: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144]3[آل عمران -144]. وقال تعالى: ﴿قُلْ4إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: 21] [الجن -21]. وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56] [القصص -56]. وقد قال لابنته5وبضعته: " «يا فاطمة بنت محمد6لا أغني عنك
من الله شيئا» "1أفيظن هذا الغبي أن الرسالة والنبوة والكرامة والحياة البززخية أو الدنيوية توجب صرف القلوب إلى غير الله، وقصد من سواه، واتِّخاذ الأنداد والشفعاء2؟ وقد ذكر الله هذا عن المشركين وقرَّر كفر فاعله، وأخبر أنهم لا يملكون3لهم ضرًّا ولا نفعا، ولا4موتا ولا حياة ولا نشورا.
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 80] [آل عمران -80]. فأخبر تعالى أن قصدهم5بالعبادات، والالتفات إليهم بالتألهات اتخاذ6لهم أربابا، وأنه كفر بعد الإسلام.
ودندنة7هذا المعترض بذكر الحياة ونفي الموت عنهم، وأن عيسى أعطي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، وأنَّ نبينا أفضل منه؛ كل هذا دندنة8حول دعائهم مع الله، وأنهم يقصدون لتلك المطالب، وقد علم أنَّ النزاع بيننا وبينه في دعائهم للشدائد، ونسبة علم الغيب إليهم، وأن الدنيا والآخرة من
جوده1-صلى الله عليه وسلم- ومن فيض كرمه، هذا محل النزاع، فأخذ الغبي يستدل على ذلك بما لهم من الكرامة2والحياة التي هي فوق حياة الشهداء، وأن عيسى يحيي الموتى ونبينا -صلى الله عليه وسلم- أفضل منه، وقصده أنه يدعى لمثل ذلك، وما هو أبلغ منه، والنصارى احتجُّوا على دعاء عيسى وعبادته وإلهيته بهذه الحجج [الداحضة]3وأمثالها، فنعوذ بالله من الخسران.
صار قصارى أمر هذا الرجل وغاية دينه، أن يحتج بالمعجزات والكرامات على دعاء غير الله، اللهمَّ4مقلِّب القلوب ومصرفها صرِّف قلوبنا إلى طاعتك وتوحيدك والإيمان بك وبرسلك.
وأما قوله: (أفيظنهم هذا الرجل أمواتا).
فعبارة جاهل لا يفرّق بين حياة الأنبياء والشهداء بعد الموت، وحياتهم في الدنيا، فظن الغبي أنها هي الحياة الدنيوية؛ (ولذلك نفى الموت، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] [الزمر -30]. [156] والحياة)5البرزخية تجامع الموت ولا تنافيه كحال الشهداء.
وقد تقدم أنَّ هذا الرجل أشبه برجال6الجاهلية الأولى، لم7
يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء.1
وأمَّا ما رصف به الشيخ وحكم عليه به من تراكم الزيغ والأهواء ورؤية الحق في صورة الباطل: فالحكم بينه وبينه في هذا ونحوه إلى الله تعالى2إِن يومَ الفصل ميقاتهم3أجمَعين [للدخان - 40]. وإنَّما أردنا بيان ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من التوحيد والهدى، وكشف ضلال أهل الزيغ والردى، وأما المقاصة فلسنا بصددها، وإن كان قد أذن لمن شاء أن ينتصر فيها.
[