المدح والذم الشرعيين يتوجهان إلى الإيمان والكفر لا إلى سكنى الأرض أو الانتساب إلى قوم
] وقوله: (وقد أثبت فيهم النبي4صلى الله عليه وسلم الجفا).
فيقال: عيب بني حنيفة أكبر من الجفاء وأغلظ5وأما الجفاء فلم
[149]، يرد فيهم لفظة واحدة، وإنما ورد في أهل الوبر والشعر، كقوله صلى الله عليه وسلم: " «الغلظة في الفدادين أهل الوبر والشعر» "1وقال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 97] [التوبة -97]. ومع هذا فقد أثنى الله تعالى على من آمن بالله واليوم الآخر منهم واستثناهم من العموم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: 99] [التوبة -99]. فمن آمن بالله ورسوله2وكذَّب مسيلمة، ولم يؤمن به، فهو من المؤمنين.
وقد ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا3وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ.4
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72]5[التوبة: 72] وأما قول الصدّيق6فإن.
فالمراد به من آمن بمسيلمة وأدركه منهم،
كما وقع من ابن النواحة1وأما من بعدهم من نسلهم وذراريهم المؤمنين فلا يتوجه إليهم ذم ولا عيب، والصدّيق أجلّ من أن يعيب من لم يؤمن بمسيلمة ولم يشهد عصره، وآباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلافهم2كانوا على جاهلية وشرك وعبادة للأصنام والأحجار وغيرها، ولا يتوجَّه عيب أحد منهم بأسلافه، وقد يُخرج الله من أصلاب المشركين والكفار من هو من خواص أوليائه وأصفيائه، ولما استأذن ملك الجبال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطبق عليهم الأخشبين- لما رجمه أهل الطائف- ودعا بدعائه المشهور وهو قوله: " «اللهمَّ إليك أشكو ضعف قوَّتي وقلَّة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهَّمني؟ أو إلى قريب»3ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٍ4عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك5أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى، أعوذ بنور وجهك أن ينزل بي سخطك، أو يحلّ عليّ غضبك) فاستأذنه المَلَك عند ذلك6فقال: ( «بل أتأنى بهم لعلَّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئاً» )7
إذا عرفت هذا فشيخنا ليس من بني حنيفة أصلاً، والقصد بيان كلام الصديق وما أريد به.
وأما قوله: (وقد وجد منهم مائة وستون رجلاً بمسجدهم بالكوفة يقرءون كلام مسيلمة).
فهذا كذب.
القصة ليست كذلك؟ (بل هم بضعة عشر رجلا، لم 155، يقرءوا قرآنه)1وإنَّما تكلَّموا في نبوَّته وجَوَّزُوهَا، وهذا الرجل بضاعته الكذب على الله وعلى خلقه، فنعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء.
ثم لو فرض أن من بني حنيفة عالماً يدعو إلى الله، فما وجه عيبه وذمه بقومه، وقد خالفهم في الإيمان والدين؟ وسلمان الفارسي وصهيب الرومي، وبلال بن2رباح رضي الله عنهم من أفضل الناس، وأسلافهم من شرّ الناس؟ بل3والرسل أفضل الخلق وأكرمهم على الله، والمكذبون لهم من قومهم أكثر من المستجيبين، وابن نوح على أبيه السلام لم ينتفع بإيمان أبيه ورسالته، ولم ينل بذلك ما يوجب سعادته وفلاحه، وهذا المعترض جاهلي الدين والمعرفة4والمذهب.
[