الكلام في تكفير أهل الأحداث
] وأما قول المعترض: لما رأى في هذه الأمة من الأحداث التي لا تزال موجودة فيها تقل وتكثر، ولا تزال علماؤها تجدد لها دينها من الباب الواسع، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتحاشى عن الدخول عليها من الباب الضيق وهو تكفيرها الذي حذَّر عنه نبيها...) إلى آخر عبارته.
فالجواب أن يقال: قضية هذا الكلام أن الشيخ إنَّما كفر وقاتل وأخذ الأموال بأحداث لا تزال موجودة في الأمة تقلّ وتكثر، وأنها لا يكفر بها أحد، وأن تكفير الصحابة3لمن كفَّروه من أهل الردة على اختلافهم، وتكفير علي للغلاة، وتكفيره4للسحرة وقتلهم، وتكفير من بعدهم
للقدرية ونحوهم، وتكفير من بعد أولئك للجهمية، وقتلهم للجعد بن درهم وجهم بن صفوان ومن على رأيهم، وقتلهم للزنادقة، وهكذا في كل قرن وعصر من أهل العلم والفقه والحديث طائفة قائمة تكفر من كفَّره الله ورسوله، وقام الدليل على كفره لا يتحاشون عن ذلك؛ بل يرونه من واجبات الدين وقواعد الإسلام وفي الحديث: " «من بدل دينه فاقتلوه» ".1، [11] وبعض العلماء يرى أنَّ هذا والجهاد2عليه ركن لا يتم الإسلام بدونه.
وقد سلك سبيلهم الأئمة الأربعة المقلَّدون، وأتباعهم في كل عصر ومصر، وكفروا طوائف من أهل الأحداث، كالقرامطة والباطنيه، وكفَّروا العبيديين ملوك مصر وقاتلوهم، وهم يبنون المساجد، ويصلون ويؤذون، ويدَّعون نصرة أهل البيت، وصنَّف ابن الجوزي كتابًا سمَّاه: النصر على مصر)3ذكر فيه وجوبَ قتالِهم، وردَّتِهم.
وقد عقد الفقهاء في كل كتاب من كتب الفقه المصنفة على مذاهبهم، أبوابًا مستقلة4في حكم أهل الأحداث التي توجب الردَّة، وسماه: باب5الردَّة، وأكثرهم عرَّفوا المرتد: بأنه الذي يكفر بعد إسلامه، وذكروا أشياء دون ما نحن فيه من المكفرات حكموا بكفر فاعلها، وإن صَلَّى وصام، وزعم أنه مسلم.
وقال الشيخ عثمان الحنبلي صاحب " حاشية المنتهى " في عقيدته: (تتمة: الإسلام: الإتيان بالشهادتين مع اعتقادهما والتزام الأركان الخمسة إذا تعينت وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما1جاء به: (ومن جحد ما لا يتم الإسلام بدونه، أو جحد حكمًا ظاهرًا، أجمع2على تحريمه أو حله)3إجماعًا قطعيًّا، أو ثبت جزمًا كتحريم لحم الخنزير، أو حل خبز4ونحوهما كَفرَ، أو فعل كبيرة، وهي ما فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو داوم على صغيرة، - وهي ما عدا ذلك - فَسَقَ).
انتهى.
وهذا يعرفه صغار الطلبة فضلًا عن العلماء الممارسين.
وهذا الأحمق يَعُدُّ هذا بابًا ضيقًا، ويسفه رأي الأئمة وعلماء الأمة ويجهلهم، وهو يزعم أنه ينصرهم.
وما أحسن ما قيل: لأن يعادي المرء عاقلاً خير له... من أن يكون له صديق5أحمق والباب الذي يسع كل أحد هو الباب الشرعي، الذي عليه الداعي النبوي.
وأما إهمال الجهاد، وعدم تكفير المرتدين، ومن عدل بربه، واتخذ معه الأنداد والآلهة، فهذا إنما يسلكه من لم يؤمن بالله ورسوله، ولم يُعْنهم أمره، ولم يسلك صراطه، ولم يقدر الله ورسوله.1
حق قدره، بل ولا قدَّر علماء الأمة وأئمتها حق قدرهم، وهذا هو الحرج والضيق.
[12]، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125] [الأنعام -125]. والجهاد للمارقين والمرتدين وتكفيرهم داخل في مسمى الإسلام، بل هو من أركانه العشرة، كما نصَّ عليه بعض المحقِّقين، وفي الحديث: " «وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» "2فلا ينشرح له ويراه حقُّا وواسعًا إلا صدر من أراد الله هدايته وتوفيقه، ويراه ضيقًا حرجًا من أراد الله أن يضله ويخزيه بين عباده المؤمنين.
هكذا يقرِّر الكلام هنا والقول في هذا الموضع، لا ما زعمه من خسف الله قلبه، فعكس القضية، وراغم الأدلة الشرعية، والقوانين المحمَّدية، فبعدًا لقوم لا يؤمنون.
وأما قوله: (أن تكفيرها حذر منه نبيها صلى الله عليه وسلم غاية التحذير).
فيقال: إن زعمت أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر عن تكفير من أتى ما يوجب الكفر ويقتضيه ممن بدَّل3دينه، فهذا مكابرة وجحد للضروريات
والحسيَّات، وقائله إلى أن يعالج عقله أحوج منه إلى تلاوة الآيات والأحاديث، وحكاية الإجماع، وفعل الأمة طبقة طبقة وقرنًا قرنًا.
وإن أراد أن النهي1عن تكفير عموم الأمة وجميعها: فهذا لم يقله أحد، ولم نسمع به عن2مارق ولا مبتدع، وهل يقول هذا من له عقل يدرك به ويعرف ما في الأمة من العلم والإيمان والدين؛ وأما بعض الأمة فلا مانع من تكفير من قام الدليل على كفره كبني حنيفة، وسائر أهل الردَّة في زمن أبي بكر، وغلاة القدرية والمارقين الذين مرقوا في زمن علي رضي الله عنه وغلوا فيه، وهكذا الحال في كل وقت وزمان، ولولا ذلك لبطل الجهاد وترك الكلام في أهل الردة وأحكامهم، وفي ضمن هذا القول ما تقدم من تسفيه جميع الأمة، وتجهيل علمائها الذين كفَّروا بكثير من الأحداث والمكفِّرات، وفيه: (أنهم لم يسلكوا الطريق الواسع، ولم يفهموا الحديث عن نبيهم).
وبالجملة: فهذا المعترض مموَّه بلفظ الأمة مُلَبِّس.
قال تعالى في ذم هذا الصنف من الناس: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42] [البقرة -42]. وهذا من أعظم اللبس والخلط والتمويه، والأمة تطلق ويُراد بها عموم أهل الدعوة، ويدخل فيها من لم يستجب لله ورسوله، وتطلق أيضًا [13]، ويُراد بها أهل الاستجابة المنقادين لما جاءت به الرسل، ومن لم يُفَصّل ويضع النصوص مواضعها فهو من الجاهلين الملبسين، بل هو ممن صدَّ
عن سبيل الله وصدف1عن آياته.
قال تعالى: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: 157] [الأنعام -157]. [