الكلام على مدلول شهادتي الإخلاص
] قال المعترض: (وقال أيضا لما6سئل عما يقاتل الناس عليه وعما يكفر به، فقال عن خطه بيده: لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم وهو الشهادتان).
انتهى نقل المعترض.
ثم قال بعده: (فهذا شأنه؛ يحكى الإجماع من نفسه لنفسه، ومن هو7الذي أنكر الشهادتين شهادتي الإخلاص من هذه الأمة حتى يقاتل عليهما، فإذا كانت الأمة من حيث الجملة حين يعرب مولودها أول ما تلقنه شهادتي الإخلاص قبل أن يلقنوه بأمه وأبيه، وإذا احتضر ميتهم أجلسوا عنده أعقل أهله وأبرهم به يلقنه بذلك بسهالة؛ لأنهم قد علموا من
[59] علم نبيهم صلى الله عليه وسلم أن: " «من كان آخر كلامه1لا إله إلا الله دخل الجنة» ". وأيضا يلقنوه في قبره، حتى جاءهم فنهاهم، وعد ذلك من الشرك.
وقال: فكيف2يدعى الميت؟ وينادى في قبره3وهو لا يسمع ولا يبصر؟ ويقول الله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: 80] [النمل / 80]، حتى منعوا الناس عن4ذلك، وعن الدعاء بعد الصلاة5بالأدب المبرح6وعن القراءة على القبر، ولسنا بصدد7هذا في هذا الموضع، وقد أوفينا عليه في "التبصرة" و "غسل الدرن " بما فيه كفاية من الأحاديث والآيات وأقوال العلماء الأعلام8وإنما صددنا هنا لتكفيراته، فإذا كان أمر الأمة جميعها كذلك، فماذا يقاتل عليه من إنكار9شهادتي الإخلاص؟.
وأطال بما حاصله: أنهم لا ينكرون شهادتي الإخلاص).
فالجواب أن يقال: هذا الرجل من أبعد الخلق عن الفقه عن الله.
ورسوله ومعرفة مراده؛ وحقائق أحكامه، ومن أجهل خلق الله بأقوال أهل العلم ومدارك الأحكام، وكل من عقل عن الله يعلم علما ضروريا أن المقصود من الشهادتين ما دلتا عليه1من الحقيقة والمعنى، وما اشتملتا عليه من العلم والعمل، وأما مجرد اللفظ من غير علم بمعناهما2ولا اعتقاد لحقيقتهما3فهذا لا يفيد العبد شيئا، ولا يخلصه من شعب الشرك وفروعه.
قال الله تعالى4﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19] [محمد / 19]، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] [الزخرف / 86]. فالإيمان بمعناهما5والانقياد له لا يتصور ولا يتحقق إلا بعد العلم، والحكم6على الشيء فرع عن تصوره؛ فإذا لم يعلم ولم يتصور، فهو كالهاذي وكالنائم وأمثالهما ممن لا يعقل ما يقول، بل لو حصل له العلم وفاته الصدق لم يكن شاهدا بل هو كاذب، وإن أتى بهما صورة.
قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1] [المنافقون / 1]. فكذبهم في قيلهم، ورد شهادتهم وشهد على كذبهم؛ وأكد الحكم
" بإن " المؤكدة ولام التعليق1فهل يقول عاقل: إنهم يشهدون بكلمتي الإخلاص، ويعترفون بها؟.
وهل هذا القول إلا رد لكتاب الله وخروج2عن سبيل المؤمنين؟ فإنهم مجمعون3على اعتبار ما دلت عليه الشهادتان من المعنى المراد، وأنه هو المقصود.
ولم يقل أحد أن الإيمان مجرد اللفظ من غير عقيدة القلب وعلمه وتصديقه، ومن غير عمل بمدلول الشهادتين، وما سمعت أن أحدا قاله إلا طائفة من المتكلمين من الكرامية4نازعوا الجهمية في قولهم: إن [60]، الإيمان، هو التصديق فقط.
وقابلوا قولهم بأنه مجرد الإقرار فقط.
والقولان مردودان عند الأمة، ولكنهما أحسن وأقرب إلى قول أهل العلم مما أتى به هذا المفتري، من عدم اعتبار العلم والمعنى، ومن قرأ القرآن أو سمعه وهو عربي اللسان يعلم5أن قتال6المشركين معلل بنفس الشرك معلق عليه.
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36] [التوبة / 36]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72]7[المائدة / 72].
وقال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 1]- إلى قوله - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5]1[التوبة1-5]. ونحو ذلك من الآيات الدالة على تعليق الحكم على نفس الشرك، وفي الحديث: " «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله2حرم ماله ودمه» "3وفي الحديث الآخر: " «من بدل دينه فاقتلوه» "4وكلام الفقهاء5في باب حكم المرتد، وقولهم: فمن6أشرك بالته... إلى آخر كلامهم.
وحكى شيخ الإسلام ابن تيمية7الإجماع على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويعبدهم ويتوكل عليهم وقد مر ذلك، فكل ما ذكر من الإتيان بلفظ الشهادة8والتلقين لا يفيد شيئا مع عدم العلم.
[