مقدمة الطبعة الثانية
الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعلى آله، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وجزى اللَّه علماءنا خيرًا عن الإِسلام وأهله لما قدموه وبذلوه.
وبعد: فهذا كتاب (حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء) للشاشي القفال، حققت نسبته إلى صاحبه، وحققت ألفاظه ومعانيه، وحملت عبأه ما يزيد على ثلاث عشرة سنة، قمت فيه بنسخه بنفسي، ثم قارنته بالنسخ الأخرى وحدي، ثم قمت بشرحه، والتعليق عليه، وكان الكتاب يلازمني في كل وقت، وفي كل حال، من حل، وترحال وفي أثناء إجازتي بدون راتب للعمل في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، كنت أعكف عليه في بيتي ثلاثة أيام من كل أسبوع، لأن الأستاذ في الجامعة يعطي يومًا للراحة من كل أسبوع، وأستفيد من يومي الخميس، والجمعة
الجزء: 1 - الصفحة: 7
كعطلة رسمية للدولة، وبقية الأيام أستأنف العمل بعد الظهر بما يتسع لي من وقت إلى الفجر.
ثم يسر اللَّه لي إجازة تفرغ علمي من الجامعة الأردنية مدة سنة كاملة، أمضيت أيامها بعمل مستمر بدون كلل ولا ملل، ولست أبالغ إذا قلت: إن معدل اشتغالي بتحقيق هذا الكتاب في اليوم والليلة يزيد على عشر ساعات، جعل اللَّه ذلك في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا أقصد في ذلك إلا وجهه الكريم، وهو القادر على الجزاء.
أخي القارىء الكريم: عندما حققت الأجزاء الثلاثة الأولى، جعلت لها فهارس شاملة، وذكرت مراجع التحقيق خشية أن يحال بيني وبين إكمال الكتاب بحدوث عارض، أو بوقوع الأجل المحتوم، وعندما يسر اللَّه لي إكمال الكتاب، حذفت منه الفهارس، والمراجع، وزدت فيه، وأنقصت منه، وهذا شأن كل كاتب كما يقول الأصفهاني: (إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر).
والكتاب بين يديك أيها القارىء الكريم، فهو كتاب مقارن بين آراء أعلام الفقه الإِسلامي ومذاهبه، إذ يذكرها مجردة بدون ذكر الدليل، مما اضطرني لذكر أدلتهم النقلية، والعقلية، للأجزاء الخمسة الأخيرة، وأذكر مراجع الأدلة من كتب السنة النبوية المطهرة، وكتب الفقه المعتمدة، وكل ذلك أبينه في الهامش.
وكتاب (حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء) للشاشي القفال، يحقق، وينشر على الناس بكامله لأول مرة بعد تسعة قرون كاملة، ينشره من نذر نفسه لخدمة العلم، الفقير إلى اللَّه تعالى، من لم يجمعه
الجزء: 1 - الصفحة: 8
بك زمان، ولا مكان، ولا دم، وإنما جمعه بك الإسلام، يخرجه من الظلام إلى النور في آلاف من النسخ، مصححة، مطبوعة، ميسرة سهلة للقارىء، بدلًا من نسخ مخطوطة، معدودة، معيبة غير ميسرة، دلالة على أن العمل الصالح يمكث في الأرض أبدًا، ومهما طال غيابه، واحتجابه عن الناس، فإن نوره يبقى مشعًا عليهم، وأما الزبد فيذهب جفاء.
وإذا كان القفال قد صنف هذا الكتاب، مبتغيًا الأجر والثواب، كما يقول: "استخرت اللَّه تعالى في كتاب جامع لأقاويل العلماء، تقربًا إلى اللَّه تعالى، وينتفع به كل ناظر فيه، فأرزق الأجر فيه، والثواب عليه إن شاء اللَّه تعالى" فإني لأرجو من اللَّه سبحانه وتعالى أن يذكرك القارىء الكريم ويذكرني بصالح الدعاء، وأن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، فأجده في صحائف أعمالي، وأن يغفر لي ولوالدي ذنوبنا جميعًا، وأن ينزع من قلبي، وقلوب المسلمين العداوة، والبغضاء، والحسد، وأن يرزق من قرأ فيه، أو اطلع على جهدي في التحقيق، خير الدنيا والآخرة، وجزيل المغفرة، إنه الهادي إلى سبيل الرشاد، وهو الغفار الرحيم وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين آمين.
ذو القعدة 3/ 1407 هـ.
الموافق 28/ 6/ 1987.
المحقق
الأستاذ المساعد: الدكتور ياسين أحمد إبراهيم درادكه
الجامعة الأردنية - كلية الشريعة
الجزء: 1 - الصفحة: 9
عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه، قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنما الأعمالُ بالنيّات، وإنما لكل امريء ما نوى، فَمَن كانَتْ هجرته إلى اللَّه ورَسوله فهجرَتُه إلى اللَّه ورَسولهِ، ومَنْ كانتْ هجرتُه لدنيا يُصيبها، أو امرأةٍ ينكحِها فهَجرَته إلى ما هاجر إليه".
حديث صحيح متُفَّق على صحته
الجزء: 1 - الصفحة: 10
لقد عبّر الجاحظ في كتابه (الحيوان) عن صعوبة إعادة النص، إذ يرى أن مشقة الكتابة الجديدة أيسر وأسهل من التصحيح والتنقيح، فقال: (لربما أراد مؤلف أن يصحح تصحيحًا أو كلمة ساقطة فيكون إنشاء عشر ورقات من حُرّ اللفظ، وشريف المعاني، أيسر عليه من إتمام ذلك النص، حتى يرده إلى موضعه من إتصال الكلام).
الجزء: 1 - الصفحة: 11
الجزء: 1 - الصفحة: 12
تقديم
مَنْ يُرِدِ اللَّهُ به خَيرًا يُفقِّهْه في الديِّن.
الحمد للَّه نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلّا هالك، فصلوات اللَّه وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن من خير ما يُقدِّم الإنسان لأمته، أن ينشر ما طواه الزمن من تراث علمي، كان لها في زمن من الأزمنة ركنًا من أركان نهضتها، وثمرة من ثمار حياتها وثقافتها، ومظهرًا من مظامر حضارتها وفخرها وعزتها.
الجزء: 1 - الصفحة: 13
وخير ما يحييه ويبعثه من جديد بعد ما طواه الزمن، ما كان متصلًا بحياتها اليومية في معرفة ما يحل لها وما يحرم عليها، وما يأمرها به من جهاد في سبيل اللَّه إذا اعتُديَ عليها، وما كان متصلًا بعبادتها، وبحياتها السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، وذلك هو "الفقه".
والفقه الإِسلامي: هو العامل الأساسي الذي ساهم في بناء المجتمع الإِسلامي وتكوين حضارته، واتساع عمرانه، وامتداد سلطانه إلى جميع الشعوب التي انضوت تحت راية الإِسلام، التي أخذت بما قرر الفقه الإِسلامي عليهم من أحكام فساهموا فيه، وظهر منهم الفقهاء الذين شيدوا بناء الفقه، كأمثال: الطبري، والغزالي، والكمال بن الهمام وغيرهم، ومنهم القفال الشاشي الكبير والقفال الصغير، وفخر الإِسلام الشاشي صاحب الحلية وغيرهم، وذلك لأن الفقه يقوم على العدالة، ويشرع الحقوق ويصونها، ويلائم الفطرة السليمة، ويساير التطور لكل زمان ومكان -بفضل مرونة النصوص التي استقى الفقه منها- ويكفل الحرية لكتابه فلا يخضع لرغبة السلاطين والأمراء، أو لشهوات الكتاب، لأنه متمسك بالأصول والقواعد العادلة المستمدة من شرع ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42) ومن قول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- الأمين، الذي لا ينطق عن الهوى كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3).
وفي الفقه الإِسلامي ثروة ضخمة من التشريعات العديدة، التي تتناول الفرد والمجتمع والدولة، والعلاقات الدولية بين الأمم جميعًا، ولن يستطيع أن يقف على مبلغ هذه الثروة من قَصَر نفسه على مذهب واحد من مذاهب الفقه لا يعدوه إلى غيره، والملتزم لمذهب معين يجد من الواجب عليه أن لا يتجاوزه إلى غيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 14
والدراسة المقارنة بين المذاهب، تساعدنا على التحرر من ربقة التقليد في الأصول والفروع الذي أخذ منا بالخناق، وتجعلنا نعرف يقينًا أن اللَّه لم يخص بالحق كله فقيهًا، أو مذهبًا واحدًا بعينه.
والدراسة المقارنة ترسم لنا لوحة أمينة صادقة لجهود العقل الإِنساني، ولتطور الفكر فيما يتصل بالتشريع والتقنين، ليتناسب مع ما يجد للناس من مشاكل الحياة اليومية العملية وأحوالها العديدة المختلفة.
والفقه الإِسلامي يعتبر ضربًا فريدًا بين التشريعات والقوانين التي عرفها العالم حتى الآن، سواء من ناحية الأسس التي قام عليها، والمقاصد والغايات التي استهدفها، والأحكام والحلول التي جاء بها على مر العصور.
وبما أنني مختص في دراسة الفقه المقارن، رأيت أن أحقق مخطوطًا فقهيًا، مقارنًا شاملًا لكل أبواب الفقه، فوقع اختياري على هذا المخطوط الجيد، الذي وجدت كثيرًا من كتّاب الفقه المقارن قد أخذ عنه واستفاد منه.
هذا وبما أنني اقتصرت في التحقيق على قسم العبادات فقط، لذا أقدم مقدمة بسيطة عن قسم العبادات، لأن هذا القسم هو الذي يُنظِّم علاقة الفرد بخالقه، ولأن الغرض الأساسي من وجود الإنسان، أن يعبد اللَّه ويخلفه وينصره، ويعمر أرضه، كما نبه اللَّه تعالى بآيات في مواضع مختلفة منها، قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)، وقوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (النور: 55)، وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد:
الجزء: 1 - الصفحة: 15
25)، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ (الصف: 14)، وقوله: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61) كلُّ ذلكَ إشارة إلى توليتهم أمورًا لم يستصلح لها إلّا الإِنسان، كما نبّه اللَّه تعالى بقوله للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30).
هذا ولما كان الإِنسان إنما يصير إنسانًا بالعقل، فلو تصورناه مجردًا عن العقل لخرج عن كونه إنسانًا، ولم يكن إذا تخطينا الشبح الماثل، إلَّا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة، والعقل لن يكمل، بل لا يكون عقلًا إلَّا بعد اهتدائه بالشرع، ولذلك نُفي العقل عن الكفار لما تعروا عن الهداية بالشرع، والاهتداء بالشرع هو عبادة اللَّه تعالى، فالإِنسان إذًا في الحقيقة هو الذي لعبد اللَّه، ومن أجل العبادة خُلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (الذاريات: 56 - 57)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: 5)، فكل ما أوجد لفعل، فعند ما لم يوجد منه ذلك الفعل كان في حكم المعدوم، ولذلك كثيرًا ما يسلب عن الشيء اسمه إذا أوجد فعله ناقصًا، لقولهم: (فلان لا عين له أو لا أذن له) إذا بطل فعل عينه وأذنه، وإن كان شبحهما باقيًا، وعلى هذا قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ (البقرة: 171)، فيمن لم ينتفع بهذه الأعضاء.
فالإِنسان يحصل له من الِإنسانية، بقدر ما يحصل له من العبادة التي لأجلها خلق - فمن قام بالعبادة حق القيام، فقد استكمل الإنسانية، ومن رفضها فقد انسلخ من الإِنسانية، فصار حيوانًا، أو دون الحيوان، كما قال سبحانه وتعالى في وصف الكفار: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: 44)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾، (الأنفال: 22) فلم يرض اللَّه تعالى أن يجعلهم أنعامًا ودوابَّ حتى جعلهم أضلَّ منها،
الجزء: 1 - الصفحة: 16
وجعلهم من أشرارها وأخرج كلامهم عن جملة البيان، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (الأنفال: 35)، تنبيهًا على أنهم كالطيور التي تمكوا وتصدي (أي تصفق وتصفر).
ولذا فإن اللَّه سبحانه وتعالى نبه بنكتة لطيفة، على أن الإنسان لا يكون إنسانًا إلّا بالدين، ولا ذا بيان إلّا بقدرته على الإتيان بالحقائق الدينية، فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 55)، فابتدأ سبحانه بتعليم القرآن، ثم بخلق الإنسان، ثم بتعليم البيان، ولم يدخل الواو فيما بينها، وسبب ذلك أنه لم يعد الإنسان إنسانًا ما لم يتخصص بالقرآن، فابتدأ بالقرآن، ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ تنبيهًا على أن بتعليم القرآن جعله إنسانًا على الحقيقة، ثم قال: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ تنبيهًا على أن البيانَ الحقيقيّ بالإنسان يحصل بعد معرفة القرآن.
هذا وأرجو اللَّه سبحانه وتعالى، أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن أجده فى صحيفة أعمالي - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ - وأنْ يَغفرَ لي ولِمَنْ يقرأه، وأن يغفر لصاحبه: فخر الإسلام القفال الشَّاشي، إنه سميع مجيب، واللَّه الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
الجزء: 1 - الصفحة: 17
الجزء: 1 - الصفحة: 18
القفال الشاشي
(1)
اسمه ونسبه
: هو أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر، الشاشي الأصل، الملقب بفخر الإِسلام، نسبة إلى شاش: مدينة وراء نهر سيحون، خرج منها جماعة من العلماء 2.1
الجزء: 1 - الصفحة: 19
ولادته ووفاته
: ولد بميّا فارقين في شهر المحرم، سنة تسع وعشرين وأربعمائة (1) ومات أبو بكر رحمه اللَّه يوم السبت الخامس والعشرين (2) من شوال، سنة سبع وخمسمائة، ودفن مع شيخه أبي إسحاق في قبر واحد بباب برز (3)، وقال ابن خلكان: دفن إلى جانبه (4).
نشأته وحياته
: نشأ الفقيه الشافعي في ميّافارقين، وتفقه على أبي عبد اللَّه محمد ابن بنان الكازروني 7، صاحب الإِبانة، وعلى القاضي أبي منصور الطوسي 8، صاحب أبي محمد الجويني 9، إلى أن عزل أبو منصور3456
الجزء: 1 - الصفحة: 20
عن قضاء ميّافارقين، ورجع إلى طوس، ورحل فخر الإسلام إلى العراق قبل وفاة الكازروني، ودخل بغداد ولازم الشيخ أبا اسحاق الشيرازي، صاحب التنبيه والمهذب وصار معيد درسه.
كانت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، ومركز العلم وموطن العلماء، يتوافدون إليها من كل الجهات، ويؤمها الطلاب من كل حدب وصوب، قاصدين طلب العلم، ومنتفعين من مكتباتها، ثم يعودون إلى بلادهم، أو يرتحلون إلى بلد آخر فيه العلماء، ولذا فإن طالب العلم ينتقل من مدينة إلى أخرى حيث توجد العلماء، ولذا فإن العصور السابقة كان العلم يقترن مع الترحال حيث تواجد العلماء، كما هو الشأن في وقتنا الحاضر، فإن طلابنا وأبناءنا يذهبون إلى أوروبا وأمريكا والقاهرة، حيث تتوفر فيها العلماء والمكتبات.
والقفال كبقية العلماء، فقد ارتحل إلى بغداد، وتفقه على يد أبي إسحاق الشيرازي وتفقه أيضًا على أبي نصر بن الصباغ 10 وقرأ كتابه (الشامل) في الفقه عليه، ثم شرحه في عشرين مجلدًا، وسماه (الشافي) ومات وقد بقي منه نحو الخمس 11.
والإمام فخر الإِسلام قد جد واجتهد، حتى صار الإِمام المشار إليه = على أبي يعقوب الأبيوردي، ثم رحل إلى نيسابور، فلازم أبا الطيب الصعلوكي، ثم رحل إلى مرو لقصد القفَّال، فلازمه حتى صار بارعًا في جميع العلوم، ثم عاد إلى نيسابور وجلس للتدريس والفتوى، وكان إمامًا في التفسير والحديث والأدب، وكان الأئمة يعظمونه، يقول القشيري صاحب الرسالة: إن المحققين من أصحابنا يعتقدون في الشيخ أبي محمد من الكمال، أنه لو جاز أن يبعث اللَّه نبيًا لما كان إلا هو، توفي بنيسابور سنة 438 هـ. انظر: "طبقات الشافعية للحسيني": 144 - 145، والسبكي: 5/ 73، و"مفتاح السعادة ومصباح السيادة": 2/ 184، و"النجوم الزاهرة": 5/ 42، و"العبر": 3/ 188.
الجزء: 1 - الصفحة: 21
وسمع الحديث من الشيخ محمد بن بنان الكازروني بميافارقين 12، وأبي إِسحاق الشيرازي، وأبي جعفر بن محمد بن أحمد بن المسلمة 13، وأبي بكر الخطيب 14، وأبي الغنائم بن المأمون 15، وأبي يعلى بن الفراء 16 وغيرهم ببغداد، وهياج بن محمد الحطيني بمكة 17.
الجزء: 1 - الصفحة: 22
وأما من روى عنه من العلماء فهم: أبو معمر الأزجي 18، وأبو بكر بن النقور 19 وشهدة الكاتبة 20، وأبو طاهر السلفي 21، وأبو طالب = لأصحابه عدة دروس، وكان يزور قبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كل سنة مرة من مكة، يمشي ذاهبًا وراجعًا، مات شهيدًا في وقعة وقعت بين أهل السنة والرافضة، فأحضره أمير مكة بن أبي هاشم، وضربه ضربًا شديدًا، وقد نيف على الثمانين سنة، فلما وصل إلى منزله مات في سنة 472 هـ. الأسنوي 1/ 427 - 428.
الجزء: 1 - الصفحة: 23
ابن العجمي 22، وغيرهم.
وفي بغداد، كان فخر الإسلام رحمه اللَّه، يدرس في مدرسة لطيفة بناها لنفسه في (قراج ظفر)، فلما بنى تاج الملك أبو الغنائم 23 مدرسة بباب برز، رتبه مدرسًا فيها سنة أربع وخمسمائة إلى حين وفاته سنة خمسمائة وسبع 24.
والمدرسة النظامية التي بناها تاج الملك قد تولى التدريس بها قبله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو نصر بن الصباغ صاحب الشامل، وأبو سعد المتولي 25 صاحب تتمة الإبانة، وأبو حامد الغزالي 26، ويقول
الجزء: 1 - الصفحة: 24
ابن خلكان: وحكى لي بعض المشايخ من علماء المذهب أنه يوم ذكر الدرس، وضع منديله على عينيه، وبكى كثيرًا وهو جالس على السدة التي جرت عادةً المدرسين بالجلوس عليها، وأنشد:
خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن العناء تفرُّدي بالسؤددِ
وجعل فخر الإسلام يردد هذا البيت ويبكي، وهذا إنصاف منه، واعتراف لمن تقدمه بالفضل والرجحان عليه 27.
قال أبو القاسم الزنجاني 28: كان أبو بكر الشاشي يتفقه معنا، وكان يسمى الجنيد 29 لدينه وورعه وعلمه وزهده.
= الرياض شرح شفاء القاضي عياض" في ترجمته ما نصه: صاحب المؤلفات الجليلة الذي على كاهله فقه الشافعي، ولد بطوس سنة 450 هـ، وصار مدرسًا بالمدرسة النظامية في بغداد، وأقام بدمشق عشر سنين، وتعلم على يد إمام الحرمين، والنصر المقدسي، وتوفي سنة 505 هـ، عن خمس وخمسين سنة، ودفن بطوس، قال ابن تيمية بضاعته في الحديث مزجاة، ولذا أكثر من إيراد الموضوعات في كتبه، وأثر فيها من مقالات الفلاسفة، حتى قال صاحبه أبو بكر ابن العربي مع شدة تعظيمه له: شيخنا أبو حامد دخل الفلسفة، ثم أراد أن يخرج منها فما قدر، هذا وقد توفي وكتاب صحيح البخاري على صدره، انظر "التاج المكلل" 388، 389/ "ومفتاح السعادة ومصباح السيادة" 2/ 332، 350.
الجزء: 1 - الصفحة: 25
ومدحه تلميذه أبو المجد معدان بن كثير البالسي 30 بقصيدة يقول فيها:
يا كعبة الفضل افتنا لِمَ لمْ يجبْ ... شرعًا على قصادك الإِحرامُ
ولما تضمخ زائريك بطيب ما ... تلقيه وهو على الحجيج حرامُ
وفخر الإِسلام رحمه اللَّه له شعر حسن، ومنه:
لو قيل لي، وهجر الصيف متقد ... وفي فؤادي جوى للحر يضطرمُ
أهم أحبُّ إليك اليوم تشهدهم ... أم شربة من زلال الماء قلت: هم 31 = من نهاوند ومولده ومنشؤه ووفاته ببغداد، كان إمامًا عالمًا مبرزًا في العلم والعمل، شيخ الزهاد والسالكين، تفقه على أبي ثور أحد أصحاب الشافعي ببغداد، وكان يفتي على مذهب الشافعي قال ذات يوم: ما أخرج اللَّه إلى الأرض علمًا، وجعل لخلقه إليه سبيلًا، إلا جعل لي فيه حظًا ونصيبًا.
توفي رحمه اللَّه يوم السبت في شوال سنة ثمان وتسعين ومائتين، وعده العلماء شيخ مذهب التصوف لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة، ولكونه مصونًا من العقائد الذميمة، سالمًا من كل ما يوجب اعتراض الشرع، "طبقات الشافعية" لهداية اللَّه الحسيني 39، "ووفيات الأعيان" 1/ 323، وانظر "ضبط الأعلام" لأحمد بن تيمور باشا: 32.
الجزء: 1 - الصفحة: 26
ومن شعره أيضًا: تعلَّم يا فتى والعود رطب ... وطينك لين والطبع قابلْ فحسبك يا فتى شرفًا وفخرًا ... سكوت الحاضرين وأنت قائل 32 ووقع بين فخر الإسلام وبين القاضي الدامغاني 33، فأنشأ فيه الشاشي: حجاب وإعجاب وفرط تصلف ... ومدُّ يد نحو العُلى بتكلُّف ولو كان هذا من وراء كفاءة ... لهان، ولكن من وراء تكلف
الجزء: 1 - الصفحة: 27
بلده
: هو من مَيّافارقين بفتح أوله وتشديد ثانيه، ثم فاء وبعد الألف راء وقاف مكسورة وياء ونون، قال بعض الشعراء: فإن يكُ في كيل اليمامة عسرة ... فما كيل ميّافارقين بأعسْرا وقال كثير: مشاهد لم يعف التنائي قديمها ... وأخرى بميّافارقين فموْزنُ وهي أشهر مدينة بديار بكر، قالوا: سميت بميتابنت، لأنها أول من بناها، ومفارفين، هو الخلاف بالفارسية يقال له بارجين، لأنها كانت أحسنت خندمهّا، فسميت بذلك، وفتحها هرقل صاحب عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه، وأعادها إلى مملكة الروم، وملكها بأسرها ثماني سنين آخرها سنة 18 هـ، وبعد أن فتحت الشام، وجاء طاعون عمواس، ومات أبو عبيدة ابن الجراح، أنفذ عمر رضي اللَّه عنه عياض بن غنم بجيش كثيف إلى أرض الجزيرة، فجعل يفتحها موضعًا موضعًا، وقيل: إنها فتحت صلحًا على خمسين ألف دينار، على كل محتلم أربعة دنانير، وقيل: دينارين وقفيز حنطة ومدّ زيت، ومدّ خل، ومدّ عسل، وأن يضاف كل من اجتاز بها من المسلمين ثلاثة أيام، وقرر أخذ العشر من أموالهم، وكان ذلك بعد أخذ آمد، قال: وكان المسلمون لما نزلوا عليها نزلوا بمرج هناك على عين ماء، فنصبوا رماحهم هناك بالمرج، فسمي ذلك الموضع عين البيضة إلى الآن 34. شاش: بالشين المعجمة، قرية بالري، وهي التي خرج منها العلماء ونسب إليها خلق من الرواة والفصحاء، فهي بما وراء النهر، ثم
الجزء: 1 - الصفحة: 28
ما وراء نهر سيحون، متاخمة لبلاد الترك وأهلها شافعية المذهب، والسبب في ذلك أبو بكر محمد بن إسماعيل القفال الشاشي، قال أبو الربيع يذكر الشاش: الشاش بالصيف جَنّة ... ومن أذى الحر جُنَّة لكنَّني يعتريني ... بها لدى البرد جِنَّة وليس بخراسان وما وراء النهر إقليم على مقداره من المساحة أكثر منابر منها، ولا أوفر قرى وعمارة، فحدّ منها ينتهي إلى وادي الشاش الذي يقع في بحيرة خوارزم، والحد الآخر بقلاص، والشاش في أرض سهلة، وهي أكبر ثغرة في وجه الترك، وعامة دورهم يجري فيها الماء، وكلها مستترة بالخضرة، من أنزه بلاد ما وراء النهر (1).
المنتسبون للقفال أو للشاشي
: وينتسب إِلى القفال أو إلى شاش علماء لهم مكانة علمية منهم: 1 - القفال الكبير الشاشي: هو محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي أحد أئمة الإِسلام، قال العبادي: القفال الشاشي، أفصح الأصحاب قلمًا، وأثبتهم في دقائق العلوم قدمًا، وأسرعهم بيانًا وأثبتهم جنانًا، وأعلاهم إسنادًا، وأرفعهم عمادًا 36، وقال السمعاني: ولد بالشاش، وهي مدينة ما وراء النهر، سنة إحدى وسبعين ومائتين، وتوفي بها في ذي الحجة35
الجزء: 1 - الصفحة: 29
سنة خمس وستين وثلاثمائة، وفي كتاب الذيل أنه توفي سنة ست وستين.
وقال الشيخ أبو إسحاق: إنه يأخذ عن ابن سريج، وإنه توفي سنة ست وثلاثين، وذكر الحاكم: أنه توفي في ذي الحجة سنة خمس وستين، وقال ابن عساكر في "تاريخه": بلغني أنه كان مائلًا عن الاعتدال، قائلًا في أول أمره بالاعتزال، ثم رجع إلى مذهب الأشعري.
ومن تصانيفه: كتاب "أدب القضاة"، ومنها "محاسن الشريعة"، موضح لمعان ومناسبات لطيفة، ومشتمل على مسائل غريبة، وهما قليلا الوجود، ويقول الأسنوي: وعندي بكل منها نسخة 37.
2 - أحمد بن محمد بن أحمد الشاشي:
هو ابن فخر الإسلام الشاشي، وكان أحمد قد أفتى في حياة والده وحدّث، توفي يوم الجمعة العاشر من رجب سنة 529 هـ 38.
3 - أحمد بن عبد اللَّه بن محمد الشاشي:
أبو نصر حفيد فخر الإِسلام أبو بكر الشاشي، تفقه على ابن الخل شارح "التنبيه" للشيرازي، وسمع وحدث بيسير، مات يوم الجمعة ثامن عشر شوال سنة 576 هـ 39.
4 - عبد اللَّه بن محمد بن أحمد الشاشي:
هو ابن فخر الإِسلام الشاشي، ولد سنة 481 هـ وتوفي ببغداد في
الجزء: 1 - الصفحة: 30
شهر المحرم سنة 528 هـ، ودفن إلى جانب والده، قاله التغليسي، ويقال: له أخ يسمى بأبي حفص عمر، تفقه على الشيخ أبي إسحاق، وسمع الحديث وتوفي سنة 550 هـ 40. 5 - عمر بن محمد بن موسى الشاشي: أبو حفص نزيل قاشان، ولد في حدود الخمسين وأربعمائة، وتفقه بمرو على الإمام أبي فضل اليمنى، وسمع بها الحديث من جماعة، وورد بغداد حاجًا، فسمع بها أيضًا من المتولي وغيره، وبالكوفة من ابن النقار، وكان يصوم أكثر أوقاته، ويديم التلاوة، ومات بقاشان في أول يوم من شهر رمضان سنة 527 هـ 41. 6 - محمد بن علي بن حامد الشاشي: أبو بكر الشاشي، شيخ الشافعية، صاحب الطريقة المشهورة في الجدل، تفقه في بلاده على الإمام أبي بكر السنجي، ثم استوطن غزنة، وهي أوائل الهند، فأقبلوا عليه وأكرموه، واستفادوا منه، وصنف تصانيف كثيرة، ثم استدعاه نظام الملك إلى هراة، فشق على أهل غزنة مفارقته، ولكن لم يجدوا بدًا من ذلك، فجهزوه، وولاه تدريس النظامية، فأقام بها مدة، ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، وتوفي سنة 485 هـ 42. 7 - محمد بن عمر بن محمد الشاشي: أبو عبد اللَّه الشاشي، كان فقيهًا عالمًا، تفقه على البغوي،
الجزء: 1 - الصفحة: 31
وحدث عنه "بالأربعين الصغرى" له، وتوفي في شعبان سنة 556 هـ، وله بضع وسبعون سنة 43. 8 - أبو الليث الشاشي: هو نصر بن حاتم بن بكر الشاشي، من أوائل أصحاب ابن سريج وأفاضلهم، أخذ عنه جماعة منهم: القفال في أوائل أمره، سمع وحدث، ذكر الحاكم: كتبنا عنه سنة تسع وثلاثين وثلائمائة، ولم يؤرخ وفاته 44. 9 - إسحاق بن إبراهيم الشاشي: أبو يعقوب الخراساني الشاشي، فقيه الحنفية في زمانه، نسبته إلى الشاش، انتقل منها إلى مصر، وولي القضاء في بعض أعمالها، وتوفي بها، له كتاب أصول يعرف بأصول الشاشي وتوفي سنة 335 هـ 45، 10 - عمر بن أحمد بن الحسين الشاشي: أبو حفص أخو الإمام فخر الإِسلام أبي بكر محمد، تفقه هو أيضًا على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وسمع من أبي الحسين بن المهتدي وغيره، توفي سنة 550 46.
الجزء: 1 - الصفحة: 32
11 - علي بن الحاجب بن جنيد الشاشي: أبو الحسن أحد الرحالين في طلب العلم إلى خراسان، والعراق، والحجاز، والجزيرة والشام، روى عن يونس بن عبد الأعلى، وعلي بن خشرم، وروى عنه أبو بكر بن الجعابي، ومحمد بن المظفر وغيرهما، وتوفي بالشاش سنة 314 هـ 47. 12 - المؤمل بن مسرور الشاشي: ابن أبي سهل بن مأمول الشاشي، الشيخ الصالح أبو الرجاء الخمركي المأموني، من أهل الشاش، ولادته فيما يظن ابن السمعاني قبل الأربعين والأربعمائة، وسكن مرو إلى حين وفاته، وتفقه على أبي الخطاب الطبري ببخارى، وعلى فقيه الشاش أبي بكر محمد بن علي الشاشي بفزنة، توفي بمرو ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة 517 هـ، وكان من الصالحين أرباب العبادات والمجاهدات 48. 13 - عبد الجبار الشاشي: عبد الجبار بن محمد بن ثابت بن أحمد أبو أحمد الشاشي الخرقي من أهل مرو ولد في 28 ربيع الأول سنة 477 هـ، كان فقيهًا فاضلًا، قرأ المذهب على إبراهيم المروروذي، ثم اشتغل بالحساب والمقدمات، توفي بمرو 553 هـ 49.
الجزء: 1 - الصفحة: 33
14 - القاسم بن محمد بن علي الشاشي: صاحب التقريب، الإِمام الجليل أحد أئمة الدنب، ولد الإِمام الجليل القفال الكبير، ذكره العبادي في الطبقات 50. 15 - محمد بن إسماعيل بن عبيد اللَّه بن ودعة القفال: أبو عبد اللَّه، قال ابن النجار كان فقيهًا فاضلًا، حسن المعرفة بالمذهب والخلاف، مليح الكلام في النظر والجدل، ورتب معيدًا بالمدرسة النظامية، وخرج إلى البلاد، ووصل دمشق مريضًا، وأقام بها أيامًا، وتوفي وكان قد صنف كتابًا مليحًا في اللعب بالبندق، وقسمه على تقسيم كتب الفقه على ألسنة الرماة، فجاء حسنًا في فنه، وأظنه قصد الإِمام الناصر لدين اللَّه، مات 585 هـ، وكان شابًا وكان والده حيًا 51. 16 - القفال الصغير المروزي: هو عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه، الإِمام الزاهد الجليل، أحد أئمة الدنيا، والقفال المروزي أكثر ذكرًا في كتب الفقه، والقفال الكبير أكثر ذكرًا في كتب الأصول والتفسير وغيرهما، فإذا أطلقت كلمة (القفال) يراد الصغير، وإذا أريد الكبير قيد بكلمة الشاشي، شيخ الخراسانيين، كان نقي القريحة، ثاقب الفهم، عظيم المحل، كبير الشأن، عميقًا في علومه غواصًا على المعاني، دقيق النظر، عديم
الجزء: 1 - الصفحة: 34
النظير، بطلًا لا يصطلى له بنار، تفقه على أبي زيد المروزي، قيل: إنه كان قفالًا، وابتدأ التعلم وهو ابن ثلاثين سنة، يقال إنه صنع قفلًا وزنه أربع حبات من حديد، وكان مصابًا بإحدى عينيه، وكان يغلب عليه البكاء في أثناء الدرس لغلبة الحال، مات في سنة سبع عشرة وأربعمائة وهو ابن تسعين سنة (1). 17 - إبراهيم الطيان القفال: هو أبو إسحاق الطيان، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني القفال صاحب إبراهيم بن خورشيد، توفي في صفر عام 481 هـ (2). 18 - محمد بن أحمد القفال: هو محمد بن أحمد بن محمد أبو نصر القفال ابن بنت أبي بكر الأكفاني، سمع أبا محمد الجوهري، وأبا الحسين بن الآبنوسي، وكان سبب موته أنه وقع من سطح داره فمات ودفن بمقابر الشهداء (3).
مكانة القفال الشاشي العلمية
: تفقه القفال الشاشي على مذهب الإِمام الشافعي على يد الكازروني، والشيخ أبي نصر، وعلى القاضي أبي منصور الطوسي، وصار إمامًا في الفقه الشافعي كما يقول السبكي 55، وكان صاحب525354
الجزء: 1 - الصفحة: 35
مدرسة مستقلة، ثم رئيسًا للنظامية بعد شيخه أبي إسحاق الشيرازي، وكان عالمًا باختلافات الفقهاء، حتى وضع كتاب الحلية للمستظهر باللَّه 56، وعرف القفال بصاحب الحلية، ويبدو هذا واضحًا من مقدمة كتابه "حلية العلماء في مذاهب الفقهاء" فقال أما بعد: فإنه لما انتهت الإِمامة المعظمة، والخلافة المكرمة إلى سيدنا، ومولانا أمير المؤمنين المستظهر باللَّه أعز اللَّه أنصاره، ذي الهمة العليا في أمر الدين والدنيا، استخرت اللَّه تعالى في كتاب جامع لأقاويل العلماء، تقربًا إلى اللَّه تعالى في إطلاعه عليه، رجاء أن يكون ما يصدر عنه، غير خارج من مذهب من المذاهب، وينتفع به كل ناظر فيه، فأرزق الأجر فيه، والثواب عليه إن شاء اللَّه تعالى.
وعلم الشرع منقسم: فمتفق عليه، ومختلف فيه، والاختلاف منتشر جدًا، ومن شأن المجتهد أن يكون عارفًا بمذاهب العلماء، وذكرت فيه مذهب صاحب كل مقالة، وطريقته في مذهبه، كالقولين للشافعي رحمه اللَّه، والروايتين، والروايات لمن سواه، وذكرت طريقته في مذهبه واختلاف أصحاب كل واحد منهم فيما فرّعوه على أصله من المتأخرين والمتقدمين، وما انفرد به الواحد منهم باختيار عن صاحب المذهب، واللَّه الموفق لحسن القصد فيه، وهو حسبي ونعم الوكيل 57.
الجزء: 1 - الصفحة: 36
وهذا الكتاب يدل على غزارة علمه، لأنه صور المسألة، وأظهر جميع الأقوال فيها، للموافق لمذهبه، وللمختلف عن مذهبه، وكيف وأنه المتبحر في فقه الشافعي رحمه اللَّه.
حيث شرح الشامل للشيخ أبي نصر بن الصباغ، وألف الكتب في المذهب، واشتغل القفال بالحديث، فسمعه من العلماء في ميّافارقين، وبغداد، وآمد، ومكة، وحدث بها.
مصنفات القفال الشاشي
: كان فخر الإسلام أبو بكر الشاشي ذا شخصية علمية، فألف في الفقه كتبًا متعددة، ولعله ألف في غير الفقه كتبًا لم يصلنا منها شيء، ومن الكتب التي وصلت إلينا: 1 - المستظهري الذي صنفه للمستظهر باللَّه، وهو المسمى حلية العلماء 58. 2 - المعتمد وهو كالشرح له 59. 3 - الترغيب في المذهب 60. 4 - الشافي في شرح مختصر المزني 61.
الجزء: 1 - الصفحة: 37
5 - العمدة: المختصر المشهور (1).
6 - الشافي في شرح الشامل لأبي نصر بن الصباغ (2)، وكان بقي من إكماله نحو الخمس، هذا في سنة أربع وتسعين وأربعمائة، كذا ذكر ابن الصلاح، ولعله شرح مختصر المزني.
7 - وتصنيفه في المسألة السريجية.
أهمية كتاب "حلية العلماء" في الفقه الإِسلامي:
الناظر في كتاب "حلية العلماء" في مذاهب الفقهاء، يجد أنه من أجَلِّ كتب السادة الشافعية من حيث الموضوع وتلخيص الأقوال الفقهية للمذاهب الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وأحيانًا يأتي بأقوال الشيعة، والظاهرية.
أما من حيث الترتيب والتبويب، فقد جاء وفق ما بوبه فقهاء الشافعية في كتبهم، وبالتحديد فإنه جرى مجرى شيخه أبي إسحاق الشيرازي في كتابه "المهذب"، من حيث وضع العناوين لكل كتاب، وباب، وفصل.
وأما مقدمته فقد ذكر الغاية من تأليف كتابه بأنه ألفه للمستظهر باللَّه حتى يطلع على آراء العلماء في المسألة الواحدة، ويخرج حكمه موافقًا لقول من أقوالهم فقال: أما بعد: لما انتهت الإِمامة المعظمة، والخلافة المكرمة إلى سيدنا ومولانا المستظهر باللَّه أعز اللَّه أنصاره، ذي الهمة العليا في أمر الدين والدنيا، استخرت اللَّه تعالى في كتاب جامع لأقاويل6263
الجزء: 1 - الصفحة: 38
العلماء تقربًا إلى اللَّه تعالى في اطلاعه عليه، رجاء أن يكون ما يصدر عنه غير خارج عن مذهب من المذاهب، وينتفع به كل ناظر فيه، فأُرزق الأجر والثواب عليه إن شاء اللَّه تعالى 64. ثم عقد فصلًا في التقليد، وأنه لا يجوز للعالم تقليد العالم بالاجتهاد، وذكر رأي محمد بن الحسن الشيباني من فقهاء الحنفية، بأن العالم يجوز له أن يقلد من هو أعلم منه، وأن فرض العامي التقليد في أحكام الشرع، وله أن يقلد الأورع من أهل الاجتهاد في العلم، ثم بيان أحكام تقليده إذا وجد أكثر من مجتهد، ثم بين حكم تقليد العالم فيما ثبت من أقواله 65. أما من الناحية الموضوعية، فقد جمع أقوال أئمة المذاهب الأربعة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وبعض أقوال الظاهرية، والشيعة، في كتابه القيم، وكما يبدو من كلامه في المقدمة، أنه قد اطلع على ما كتبه الفقهاء الأربعة، من المصادر الفقهية العامة، "كالأم" و"الإملاء" للإمام الشافعي رحمه اللَّه، و"الحاوي" للماوردي، و"الموطأ" للإمام مالك، "والأمالي" عن أبي يوسف، و"المختصر الأوسط" من الحج للشافعي، و"المختصر" للشافعي رحمه اللَّه، و"مختصر البويطي" و"الجامع" لأبي حامد، و"الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير" لمحمد بن الحسن الشيباني، و"التعليق" للشيخ أبي حامد، و"المجرد" للقاضي أبي الطيب، و"الإِفصاح" لأبي علي الطبري، و"التلخيص" لابن القاص، فجمع بين هذه المصادر وصاغ عبارته بأسلوب رصين، وعبارة قوية، إلا أن القفال الشاشي قد تأثر كثيرًا
الجزء: 1 - الصفحة: 39
بكتاب شيخه أبي إسحاق الشيرازي "المهذب".
ولذا فإنني إذا أردت تصحيح العبارة الخاصة بفقه السادة الشافعية، عدت إلى المهذب فأجدها بنصها أو بتصرف، أو بتلخيص، وقد يشير إليه أحيانًا، وكان يعتمد أيضًا على المصادر التي أشرت اليها، لأنه كان يشير اليها وينقل منها.
أهداف المصنف وخطته
: كان القفال رحمه اللَّه، يعدد الأقوال في المسألة الواحدة عند جميع الأئمة الأربعة، ثم يأتي بأقوال العلماء في المذهب الواحد، سواء كانت المسألة جزئية أو كلية، ويبين ما فيها من الوجهين أو القولين، ويذكر كل قول وينسبه إلى صاحبه دون تعليل، وأحيانًا نراه يرجح بين الأقوال، والغالب أنه يسكت عن الترجيح، وأحيانًا نراه يقول: وليس بشيء (1).
مقارنته مع المذاهب
: كانت مقارنته مع المذاهب الأخرى في المسائل الفقهية الجزئية والفرعية، يسودها التسامح والاحترام لأئمة المذاهب، ويأتي بأقوى الآراء عندهم لا بأضعفها.
أمانته العلمية
: لقد تتبعت كتابه فوجدت آراء الأئمة الثلاثة التي كان يدونها صحيحة، كان ينقلها بأمانة نقل العالم المعتد بشخصيته العلمية، مشيرًا إلى ذلك، وينسب كل نقل إلى قائله، إلّا في بعض المسائل منها:66
الجزء: 1 - الصفحة: 40
أولًا: وفي استعمال أواني المشركين وثيابهم من غير غسل، إذا كانوا ممن يتدين باستعمال النجاسة وجهان:
أحدهما: يجوز.
والثاني: لا يجوز، وكذا الوجهان في طين الطرقات.
وقال أحمد وداود: لا يجوز استعمال إلا بعد الغسل بكل حال 67.
وهذا الرأي غير وارد عن أحمد، والوارد: أنه يجوز للمسلم أن يستعير من الكافر أوانيه وثيابه المجهولة، ويحكم بطهارتها، وأنها متى حصلت في أيدينا، لم يجب علينا تطهير ما لم نعلم نجاسته منها، لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه توضؤوا من مزادة مشركة ولأن الأصل الطهارة 68.
ثانيًا: في الماء المستعمل.
قال: وحكى عيسى بن أبان عن الشافعي رحمه اللَّه جواز التطهر به، وهو قول مالك وداود 69.
وعند مالك: أن الماء اليسير -الذي هو قدر آنية الغسل فأقل، - المستعمل في حدث، يكره استعماله في حدث بشروط ثلاثة:
1 - أن يكون يسيرًا.
2 - أن يكون استعمل في رفع حدث لا حكم خبث.
الجزء: 1 - الصفحة: 41
3 - أن يكون الاستعمال الثاني في رفع حدث، والحاصل عندهم: أن الماء المستعمل في حكم خبث لا يكره له استعماله، وأن الماء المستعمل في حدث لا يكره استعماله في حكم خبث 70. ثالثًا: أما ما جاء في التيمم، قال الشاشي: وقال أبو حنيفة: يجوز أن يصلي بتيمم ما شاء من الفرائض، وبه قال الثوري وداود، واختاره المزني 71. والوارد في مختصر المزني: ولا يجمع، بتيمم صلاتي فرض، بل يجدد لكل فريضة طلبًا للماء وتيممًا بعد الطلب الأول، لقوله، عز وجل: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ وقول ابن عباس: (لا تصلى المكتوبة إلا بتيمم) 72. وكان القفال رحمه اللَّه، أمينًا في نقله من المصادر التي ذكرتها سابقًا، وكان يوردها في كلامه، وكان يذكر أسماء المؤلفين كثيرًا، وأحيانًا يذكر اسم الكتاب فقط فيقول: قال ابن القاص في التلخيص، وذكر في الحاوي كذا (8)، وحكى في الحاوي كذا 74 وقال الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه في التعليق كذا 75، وقال أبو إسحاق المروزي كذا 76،73
الجزء: 1 - الصفحة: 42
وقال محمد بن الحسن في الجامع الصغير (1)، وقال أبو علي في الإِفصاح (2)، وغير ذلك من الكتب الكثيرة، والمراجع الثمينة التي يتمنى الباحث أن تظهر للوجود، وما زالت مخطوطة في دور الكتب لم ترَ النور بعد، أو أن بعضها قد فقدت مع ما فقد من تراث الإسلام وذخائره، في أيام التاريخ الأسود، التي حلت في دار الإسلام، بهجمات التتر والفتن الداخلية.
مكانة الكتاب التشريعية وفائدة نشره
: إن الناظر في كتاب "حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء" يكاد لا يجد لها مثيلًا بين كتب الفقه الإِسلامي المقارنة المعروفة، فالحلية ليست موجزة إيجازًا شديدًا "كرُحمة الأمة في اختلاف الأئمة" لأبي عبيد اللَّه محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي من علماء القرن الثامن الهجري، "والميزان الكبرى" للشعراني الشافعي من علماء القرن العاشر الهجري، و"كالإفصاح" لابن أبي هبيرة الحنبلي، وليست مطولة جدًا، ككتاب "المغني" لابن قدامة المقدسي، بل هي وسط بين هذا وذاك، وهي سهلة العبارة قريبة المنال، وتعتبر مرجعًا هامًا للناظر في كتب الفقه، ومن يريد المقارنة بين المذاهب فإنه يجد طلبته في "الحلية"، وقد فصل جميع الأقوال والأراء، وبحق بعد اطلاعي على ما كتب في الفقه المقارن لم أجد للحلية مثيلًا، وقد أعانني هذا المخطوط في كتابة رسالتي (الدكتوراه نظرية الغرر في الشريعة الإِسلامية) فكانت الحلية تضع لي الأساس في المقارنة والإِطار العام، وبعد هذا أرجع إلى7778
الجزء: 1 - الصفحة: 43
كتب المذاهب، ولا أخرج عن مقارنة القفال لأنه قد وضع جميع الأقوال.
والحلية تتصل اتصالًا ظاهرًا بكتاب "المهذب" للشيرازي، وكتاب "الحاوي" للماوردي، وكتابي الشيخ أبي نصر "الشامل" و"الكامل"، و"الجامع الصغير" و"الكبير" من كتب الحنفية: وقد رأيت كثيرًا من مسائله، قد نقلها الإِمام النووي رحمه اللَّه في كتابه "المجموع" شرح "المهذب"، ولا عجب في هذا، فإن القفال تلميذ أبي إسحاق الشيرازي، والنووي شارح "للمهذب"، وكثيرًا ما نجده يقول: قال القفال في الحلية "قال ثقة: ولغ الكلب في هذا الإِناء في وقت بعينه، وقال آخر: كان هذا الكلب في ذلك الوقت في مكان آخر، فوجهان محكيان في "المستظهري" وغيره، أصحهما أنه طاهر للتعارض كما سبق والثاني: نجس لأن الكلاب تشتبه، وقال صاحب "المستظهري" وهذا الوجه ليس بشيء 79.
وأرى بعض الأحيان، أنه ينقل عن المعتمد للشاشي شرح الحلية فيقول: والشاشي في كتابه المعتمد 80 وقال: قال الإمام وهو اختيار القفال الشاشي 81 وهكذا قول القفال 82 وخلاف القفال والجمهور 83 ويقول: وممن صححه الشاشي في كتابه "المعتمد" "والمستظهري" 84
الجزء: 1 - الصفحة: 44
ورجحه صاحب "المستظهري" 85 قال: الخامسة: إذا اشتبه الماءان فتوضأ بأحدهما من غير اجتهاد، وقلنا: بالمذهب إنه لا يجوز من غير اجتهاد، فبان الذي توضأ به طاهر، فقد حكى الشاشي في كتابيه "المستظهري" ثم (المعتمد) أنه لا يصح وضوءه، في اختيار الشيخ أبي إسحاق المصنف لأنه متلاعب، فهو كالمصلي إلى جهة بغير اجتهاد، فإنه لا تصح صلاته بالاتفاق، وإن وافق القبلة، وكذا من صلى شاكًا في دخول الوقت بلا اجتهاد، فوافقه، لا تصح صلاته 86. وأما صلته بالحاوي، فأمر كثير لا نستطيع إحصاء ما نقله عن الحاوي منها، وذكر في الحاوي أنه إذا أطلع النجدي وقد جد التهامي لم يضم إليه، وإن أطلع النجدي قبل بدو الصلاح في التهامي ضم إليه، وإن أطلع بعد بدو الصلاح في التهامي، وقبل جداده، ففيه وجهان، وفي نفس الصفحة وذكر في الحاوي: أنه يجب زيادة على نصف العشر وإن قل، ويتوقف فيما زاد وليس بشيء 87. وأما صلته بالمهذب فهي صلة التلميذ البار بأستاذه، فقد رتب القفال كتابه وفق ترتيب المهذب، من حيث الأبواب، والفصول، إلّا أنه أراه تارةً يقدم تفصيل فرع على فرع، مع ملاحظة أن الشيرازي يكتفي بآراء الشافعية، والقفال يأتي بجميع آراء العلماء في المسألة، ولذا اعتذر عن ذكر نماذج من كتاب الحلية موافقًا للمذهب لكثرتها كما قلت سابقًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 45
وكتاب الحلية بحق هو حلقة هامة في سلسلة كتب الفقه الإسلامي، فهو واسطة العقد بين كتب السادة الشافعية مما يسبقه وما كتب بعده من كتب الشافعية، ولذا أرى أنه يستوفي آراء الشافعية في المسألة، ويكتفي أن يظهر آراء بقية بذكر أسمائهم فقط فيقول: وقال الحسن وابن سيرين، وقال أبو ثور، وقال عطاء، وقال مالك، وقال أبو يوسف، وقال أحمد، وقال أبو حنيفة، وعنه رواية أخرى إن كانت رواية ثانية لما ذكرتهم، وما ذكرته في صفحة واحدة (1). أما فقهاء الشافعية فأذكر لك مسألة واحدة، قال القفال: (فأما آخر وقت التكبير، فقد نقل المزني رحمه اللَّه، أنه يكبر إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة، وقال في رواية البويطي: إلى أن يفتتح الصلاة، وقال في القديم: إلى أن ينصرف الإِمام من الصلاة، وحكى الشيخ أبو حامد: والخطبتين، فمن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال على ظاهر النقل، ومنهم من قال: المسألة على قول واحد، أنه يكبر إلى أن يفتتح الإِمام الصلاة، وهل يسن التكبير المقيد في عيد الفطر؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه لا يستحب، وقيل: فيه قولان، قوله الجديد: إنه لا يستحب (2).
مخطوطات الكتاب
: وكتاب "حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء" الذي نقوم بتحقيقه، كتبه فخر الإِسلام أبو بكر الشاشي للخليفة العباسي المستظهر باللَّه حتى سمي باسمه (المستظهري)، ويظهر أن النسخ الأصلية قد8889
الجزء: 1 - الصفحة: 46
فقدت مع ما فقد من تراث الإسلام، وإنني أعتمد في التحقيق على ثلاث نسخ.
إحداها في دار الكتب المصرية بالقاهرة، أطلقت عليها
نسخة (ب)،
والثانية في مكتبة أحمد الثالث تحت رقم (877) وأطلقت عليها نسخة (جـ). والثالثة في مكتبة أحمد الثالث تحت رقم 1048 وأطلقت عليها نسخة (أ) وهي الأصل، ولذا فإني أقدم تعريفًا لكل نسخة مع بيان الوصف الحالي لها.
دراسة النسخة الأصلية (أ)
:
هذه النسخة مكونة من جزأين، مكتوب عنها في فهرس المخطوطات لمكتبة أحمد الثالث، الجزء الأول من نسخة أخرى كتب سنة (864 هـ) بخط محمد بن محمد الشافعي الحموي، ويبتديء بأول الكتاب وينتهي بآخر كتاب الغصب، ويتلوه في الذي يليه كتاب الشفعة، وعدد أوراقه (288) ورقة بقياس 18 - 27 سم، وفي كل صفحة (19) سطرًا، وهذه النسخة ما زالت في مكتبة أحمد الثالث، وصورت من قبل معهد المخطوطات العربية بواسطة ميكروفيلم ومحفوظ فيه، وقد حصلت على نسخة من (الميكروفيلم)، وكبرته واعتمدت عليه، وهو موجود تحت رقم 154 فقه شافعي.
والجزء الثاني من النسخة السابقة كتب سنة 864 هـ: بخط محمد كاتب الجزء الأول ويبتدىء الجزء الثاني بالشفعة، وينتهي بآخر الكتاب والجزءان في مكتبة أحمد الثالث رقم (1048).
وهذه النسخة قد اعتمدت عليها، لأنها كتبت بخط جيد ومشكولة، وعدد أسطر صفحاتها (19) سطرًا، وكلمات السطر قليلة
الجزء: 1 - الصفحة: 47
جدًا، إذ عدد كلمات السطر من (8 - 11) كلمة.
ولذا فإن هذه النسخة جيدة بشكل عام، وتميل النفس إلى الاعتماد عليها، كما أنني لاحظت بين سطورها بعض الكلمات التي قد شطبت، وكتب فوقها غير الكلمة المشطوبة، مما يدل على أنها قوبلت بنسخة أخرى، كما وجدت على الهامش تصحيحات وتصويبات مع استدراك النقص فيها.
وهذه النسخة التي بين أيدينا، لم تنج من العفن والرطوبة التي أتت على كثير من الصفحات، مما سبب في تآكل بعض الكلمات، والتي أكملتها من النسختين الأخيرتين ب، جـ.
هذا وقد قمت بإحصاء للقسم الذي حققته من كتاب "حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء"، وهو قسم العبادات حتى وقفت عند كتاب البيع، وبلغ عدد ما حققته (200) ورقة، فوجدت فيها الملاحظات التالية:
أولًا: وجدت ورقة 27 بوجهيها (أ، ب) قد أخرت إلى صفحة ما بعد ورقة 46، ثم وجدت ورقة 47 بوجهيها، قد أخرت إلى ما بعد ورقة (49)، ثم وجدت أن ورقة (50) غير موجودة نهائيًا.
ثانيًا: وجدت في ورقة (80) وجه (ب) نقصًا مقدار ثلاث صفحات، أكملته من النسختين ب، جـ وفي صفحة (83) وجه (أ) وجدت نقصًا مقدار سطر ونصف السطر، أكملته تارة من (ب)، وتارة من (جـ)، ثم وجدت نقصًا مقداره ثلاث صفحات، أكملته من النسختين (ب، جـ)، وفي صفحة (101 أ) نقص سطر، وفي (101 ب) نقص ثلاثة أسطر، أكملته من (ب، جـ)، وفي صفحة (107 أ) نقص نصف سطر أكملته من (ب، ب)، وفي (107 ب) نقص سطر أكمل من (ب، جـ)، وفي صفحة (108 ب) نقص ثلاثة أسطر أكملن من (ب، جـ)، وفي (113 أ) يوجد تكرار مقدار عشرة أسطر، وفي
الجزء: 1 - الصفحة: 48
ورقة (124) وجه (ب) نقص ثلاثة أسطر أكملن من النسخة (ب)، وفي صفحة (127 ب) وجد نقص مقداره سطر واحد أكمل من النسخة (ب)، وفي ورقة (135 ب) يوجد تقديم وتأخير في الكلام، كما أنه يوجد في نفس الورقة نقص أكمل من النسخة (ب)، وفي ورقة (141 أ) يوجد نقص سطر أكمل من النسخة (ب)، وكذلك (141 ب) يوجد نقص سطر أكمل من (ب، جـ)، وفي (142) وجه (ب) يوجد نقص سطر أكمل من (ب)، وفي ورقة (145 وجه أ) يوجد نقص سطر أكمل من (ب، جـ)، وفي ورقة (152 أ) يوجد نقص سطر أكمل من (ب، جـ)، وفي (154) وجه (ب) يوجد نقص نصف سطر، وفي (158 أ) نقص نصف سطر أكمل من (ب، جـ)، وفي ورقة (160 أ) توجد عبارة محشوة في الكلام وهي: (إذا رأوا سوادًا فظنوهم عدوًا فصلوا صلاة شدة الخرف ثم بان لهم أنه لم يكن عدوًا) وموجودة في ورقة (91 ب)، والغريب أن هذه العبارة موجودة في (أ، ب، جـ) مما يوحي أن النسخة الأصلية غير موجودة، وكم لاقيت من تعب حتى وضعت العبارة في موضعها، وفي ورقة (91 ب) يوجد نقص أكمل من (جـ)، وفي ورقة (178) وجه (ب) يوجد نقص صفحتين أكملا من (ب، جـ)، وفي (187 أ) نقص سطر ونصف.
نسخة ب
- وهي نسخة موجودة في دار الكتب المصرية تحت رقم (265) فقه شافعي، وعدد أوراقها (291) ورقة ومسطرتها (17 في 26) سم كتبت سنة (645 هـ)، وهي أقدم نسخة من حيث الكتابة، ولكن يوجد فيها انقطاع كثير، ومن الصعوبة بمكان، حتى استطعت تصحيحها على النسختين (أ، ب).
وهذه النسخة صورت من قبل معهد المخطوطات العربية في ميكروفيلم، واستطعت الحصول على نسخة من الميكروفيلم، واعتمدت عليه، وهو موجود تحت رقم (152) فقه شافعي.
الجزء: 1 - الصفحة: 49
وهذه النسخة في بدايتها، لم تنج من عوادي الزمن وحوادث الأيام أيضًا، ففي مقدمة القفال رحمه اللَّه، خروم كثيرة أكملتها من مقدمة في نسخة (أ، جـ)، ولم يذكر اسم الناسخ عليها.
وهذه النسخة جيدة أيضًا، مكتوبة بخط غير منقوط، ولكنه مقروء لأنني اعتدت القراءة من المخطوطات الفقهية في دار الكتب المصرية، أثناء كتابة رسالة الدكتوراه، إلّا أن فيها سقطًا كثيرًا جدًا، وقد يسقط منها كلمة أو كلمتان، وأحيانًا سقط سطر وسطران ونصف سطر، وفي بعض الأحيان بضعة أسطر، وبعد المقابلة وجدت أن هذه النسخة وهي أقدم النسخ كتابة، لم ينقل عنها أية نسخة من النسختين، ولعلهما من نسخ غيرها.
وهذه النسخة عليها كثير من الملاحظات الهامة:
أولًا: في ورقة (93) وجه (ب) قفز الكاتب إلى ورقة (95) وجه (أ).
ثانيًا: وفي ورقة (104) وجه (ب) قفز إلى ورقة (234) وجه (أ).
ثالثًا: وفي ورقة (242) وجه (ب) قفز إلى (244) وجه (أ).
رابعًا: وفي ورقة (256) وهو نهاية قسم العبادات، توجد زيادة غير موجودة في (أ، جـ)، وهو عبارة عن إشعار نهاية قسم العبادات، ويعتقد أن هذه من الناسخ.
خامسًا: انقطع الكلام في ورقة (56)، ونقل من مكان إلى مكان، والموجود في ذلك المكان باب الصلح، والحوالة، وفي ورقة (62) وجه (ب) صدقة الزرع.
الجزء: 1 - الصفحة: 50
وفي ورقة (78) وجه (ب) الشفعة، وفي ورقة (74) الغصب، ووجدت صدقة الزرع في (92 أ) وصلاة الجمعة (166) ثم أتم الكلام.
وقد استفدت من هذه النسخة كثيرًا، واعتمدت عليها في كثير من المسائل، وأثناء المقابلة مع النسخة الأصلية (أ)، أجد بعض الكلمات سقطت من (أ) وموجودة في (ب) أو ساقطة من (ب)، وموجودة في (أ، جـ)، أو بعض الاصطلاحات والعبارات التي وردت في نسخة (أ) خطأ أو يغلب على الظن فيها الخطأ، أو لا تتفق مع سياق النص أو معنى النص، ثم أضع العبارة المأخوذة من نسخة (ب) أو اللفظ المأخوذ من نسخة (ب) بين قوسين هكذا () ثم أشير إلى ذلك ما يقابله من النسخة (أ).
قابلت بين النصين بواسطة القارئة بشكل كامل ودقيق، وأثبت الفرق بينهما، فإن حصل اختلاف بين النسخة الأصلية (أ) والنسخة (ب)، أثبت الفرق في الهامش، ثم بعد المقارنة مع النسخة (جـ) أثبت الكلمة الصحيحة في المتن وأضعها بين قوسين () وأشير إلى النسختين الباقيتين مثبتًا الاختلاف، أو النسخة المخالفة وأذكر النسخة الموافقة.
وإن كان المعنى متقاربًا، أضع عبارة الأصل بين قوسين هكذا () وأضع العبارتين أو العبارة المتقاربة من النسختين بين قوسين، ليكون أمام القارىء وجهتان محتملتان مع ترجيح الأولى.
وإذا كانت عبارة الأصل (أ) صحيحة، ولكن يوجد في نسخة (ب) لفظ أو عبارة أخرى تدل على معنى صحيح آخر، فإني أذكره غالبًا في الهامش، وأقول في نسخة (أ) كذا، وفي نسخة (ب) كذا، أو في (ب، جـ) كذا، وهكذا.
وقد استفدت من هذه النسخة، إذ أنني أكملت ما كان ناقصًا من
الجزء: 1 - الصفحة: 51
النسخة الأصلية (أ) كالكلمة والكلمتين أو العبارة أو السطر والسطرين وأحيانًا كما ذكرت في النسخة الأصلية سقوط ثلاث صفحات أو أقل من ذلك، وأضع ذلك ضمن قوسين () وأشرت إلى ذلك في الهامش.
النسخة جـ
- هذه النسخة كتبت سنة (837 هـ) بقلم تعليق حسن، بخط محمد بن إبراهيم ببغداد، في مكتبة أحمد الثالث في تركيا (877 هـ)، وقد حصلت على نسخة (ميكروفيلم) بواسطة ابن عم لي الدكتور أحمد علي درادكه، إذ كان طالبًا في جامعة استنبول (الدكتوراه) (زراعة)، وهذه النسخة مسجلة بمكتبة أحمد الثالث تحت رقم (877 هـ)، وعدد أوراقها (200) ورقة، ومسطرتها (18 في 28) سم، والنسخة بشكل عام جيدة، وليس فيها ما يشينها، وفي أولها دائرة فيها: (الحمد للَّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه).
وقد استفدت من هذه النسخة، إذ أنني أكملت ما نقص من النسخة الأصلية، ووضعت ما اعتقدت أنه صواب من النسخ الثلاث في المتن بين قوسين هكذا ()، وأشرت في الهامش إلى ذلك، ووضعت ذلك أيضاً بين قوسين هكذا ()، وكذلك إذا وجدت فيها نقصًا أشير في الهامش إلى هذا النقص بين قوسين هكذا () إلا أنني لم ألاحظ أن النسخة الأصلية (أ) منقولة عن النسخة (ب)، التي هي أقدم النسخ، وكذلك فإن النسخة (جـ) غير منقولة عن النسخة -ب-، لأنني وجدت بعض الصفحات قد سقطت، من (أ)، ومثبتة في (ب) و (جـ) أو ساقطة من -ب- ومثبتة في -أ، جـ- أو من - جـ ومثبتة في أ، ب. أما الكلمة والكلمتان فأمر كثير بين النسخ الثلاث، أما سقوط الحرف أو زيادة كلمة، لا تؤثر ولا تضر في المعنى، مثل رحمه اللَّه، أو رضي اللَّه عنه، أو غفر اللَّه له، فلم أثبت ذلك الفرق.
الجزء: 1 - الصفحة: 52
اصطلاحات فخر الإسلام أبو بكر الشاشي في "الحلية"
:
كان المصنف رحمه اللَّه، يشير إلى كثبر من المصادر والمراجع، فيذكر بعضها، أو أنه يذكر بعض أسماء أصحابها باختصار، دون ذكر اسم أب المؤلف أو كنيته، ولذا فإني أستعرض بعضها.
أولًا: يردد كثيرًا اسم أبي إسحاق، ويطلقه على ثلاث أشخاص مفرقًا بينهم بما يلي:
1 - إذا قال (الشيخ أبو إسحاق) أو يقول (الإمام أبو إسحاق) فيقصد من ذلك الشيخ الشيرازي، صاحب كتاب "المهذب" و (التنبيه)، و"طبقات الفقهاء" المتوفى سنة 478 هـ.
2 - إذا قال (الأستاذ: أبو إسحاق) فيقصد إبراهيم بن محمد الإسفراييني المتوفى سنة 418 هـ.
3 - إذا قال (أبو إسحاق) دون تقييد: فيقصد أبو إسحاق المروزي المتوفى سنة 340 هـ.
ثانيًا: الشيخ أبو حامد: يقصد في ذلك أحمد بن محمد بن أحمد الإسفراييني المتوفى سنة 406 هـ.
وإذا قال (القاضي أبو حامد): يقصد أحمد بن عامر بن بشر المروروذي المتوفى سنة 362 هـ، لكنهما يأتيان مقيدين بالقاضي والشيخ، فلا يلتبسان.
ثالثًا: إذا قال (أبو العباس): يعني أحمد بن عمر بن سريج المتوفى سنة 306 هـ، وإذا أراد ابن القاص قيده.
رابعًا: (القفال) يعني القفال الكبير الشاشي محمد بن علي بن إسماعيل المتوفى سنة 365 هـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 53
خامسًا: إذ قال "أبو بكر الشاشي" يقصد شيخ الشافعية، صاحب الطريقة المشهورة في الجدل، محمد بن علي بن حامد المتوفى سنة 485 هـ.
سادسًا: إذا قال (أبو علي في الإفصاح): يقصد الحسن بن القاسم الطبري المتوفى سنة 350 هـ وفيه أبو علي بن أبي هريرة، وأبو علي بن خيران، والثلاثة يأتون موصوفين.
وحيث يطلق "أبا سعيد" من الفقهاء فهو الاصطخري.
وحيث يطلق "أبا القاسم" فإنه يشمل أربعة، أولهم الأنماطي، ثم الداركي، ثم ابن كج، والصيمري، ويأتون موصوفين.
وحيث يطلق "أبا الطيب" فإنه يشمل القاضي أبو الطيب الطبري، وأبو الطيب بن سلمة ويأتيان موصوفين.
وحيث يقول "عطاء": فهو عطاء بن أبي رباح.
سابعًا: يشير إلى الاختلاف في الحكم في المذهب الشافعي بعبارات منها:
لفظة (قولين) دلالة على أن اختلاف الشافعي رحمه اللَّه، ثم قد يكون القولان قديمين، وقد يكونان جديدين، أو قديمًا وجديدًا، وقد يقولهما في وقت، وقد يقولهما في وقتين، وقد يرجح أحدهما، وقد لا يرجح.
أما لفظة (وجهين) أو أكثر، فإنه يدل على اختلاف الأصحاب، وهم من بلغوا مرتبة الاجتهاد في مذهب الشافعي، فإنهم يخرجون الأوجه على أصوله، ويستنبطونها من قواعده، ويجتهدون في بعضها، وإن لم يأخذوه من أصله.
الجزء: 1 - الصفحة: 54
ثامنًا: طريقة العراق، وهي إحدى طريقتين للمذهب الشافعي في القرن الرابع والخامس الهجريين بزعامة أبي حامد الإسفراييني 406 هـ.
والطريقة الثانية: هي طريقة فقهاء خراسان، بزعامة القفال المروزي 417 هـ، ثم جمع بين الطريقتين أبو علي السنجي (430 هـ)، تلميذ القفال الشاشي الكبير، لأنه درس على الشيخ أبي حامد الإسفراييني.
تاسعًا: القديم والجديد، فالجديد هو الصحيح وعليه العمل، لأن القديم مرجوع عنه، وحيث يقول الجديد، فالقديم خلافه، أو القديم، أو في قول قديم، فالجديد خلافه.
عاشرًا: وحيث يقول: الأظهر أو المشهور فمن القولين أو الأقوال، فإن قوي الخلاف، قال الأظهر، وإلا فالمشهور، وحيث يقول: الأصح أو الصحيح، فمن الوجهين أو الأوجه، فإن قوي الخلاف قال الأصح، والا فالصحيح، وحيث يقول: المذهب، فمن الطريقين أو الطرق، وحيث يقول: النص، فهو نص الشافعي رحمه اللَّه، وحيث يقول: قيل كذا، فهو وجه ضعيف، والصحيح أو الأصح خلافه.
وحيث يقول: في قول كذا، فالراجح خلافه.
عملي في التحقيق
: 1 - ضبط المفردات اللغوية، والاصطلاحات الفقهية، وذلك بالرجوع إلى معاجم اللغة، "كالمصباح المنير"، و"القاموس المحيط"، وكتب الاصطلاحات، ككتاب "التعريفات" للجرجاني، وتعليقات النووي على "التنبيه"، وأضع في الهامش معنى الكلمات اللغوية، وتعريف الاصطلاحات الفقهية.
الجزء: 1 - الصفحة: 55
2 - ضبط النصّ، بعد مقارنة النسخ بعضها مع بعض، ثم دراسة النص مع ما يتناسب من حيث المعنى اللغوي والفقهي، وبما يناسب الأحكام الشرعية الصحيحة، وذلك بالاعتماد على كتب الفقهاء، وبالمقارنة مع الكتب التي أقتبس منها بعض النصوص، "كالمهذب" و"التنبيه" للشيرازي، "والأم" للإمام الشافعي رحمه اللَّه، و"مختصر المزني"، وكتب المذهب الحنفي والمذهب المالكي والحنبلي.
3 - علقت على النص في كثير من المسائل التي تحتاج إلى تعليق، كشرح مسالة مبهمة، وإظهار الوجه الثاني أو القول الثاني، أو الطريق الثاني أو الأول.
. . إلخ، وأظهرت بعض الأقوال للمذاهب الأخرى، مع ذكر المراجع من كتبهم.
4 - إستدللت كثيرًا من الأحاديث على النص، كدليل للرأي الذي يقول به القفال الشاشي، وأكثر ما استدللت بالأحاديث على مذهب الشافعي، باعتبار أن مذهب القفال هو مذهب الشافعي، وبعد استدلالي بالأحاديث خرَّجْتُ معظمها من كتب الأحاديث المعتمدة 90.
وسبب اقتصاري بوضع الأدلة على مذهب الشافعي، لأن المؤلف شافعي المذهب كما قلت، ولأنني لو وضعت الأدلة للمذاهب كلها، لخرج هذا الكتاب في أربع مجلدات على الأقل، ولخرج الكتاب بكامله في المستقبل إن شاء اللَّه بما لا يقل عن ستة عشر مجلدا، وهذا لزوم ما لا يلزم، إذ التحقيق هو ضبط النص وإخراج الكتاب على وجه أقرب ما يكون أنه النص الذي كتبه المؤلف.
الجزء: 1 - الصفحة: 56
5 - ولما كانت الغاية من تحقيق النصوص، إنما هي إخراجها صحيحة سليمة، نستطيع قراءتها بسهولة، ونستوعب مادتها في يسر، لذلك بذلت الجهد في إخراج النص صحيحًا سليمًا، وخدمته بالتعليق والشرح، على الرغم من كبر حجمه، وصعوبة مادته، وقد راعيت ما تستوجبه إعادة النص إلى وضعه الأول من حيطة وحذر، ودقة وأمانة، مع صحة المعنى، وفهم العبارة، وكانت خبرتي في تدريس الفقه في المعاهد الشرعية، وكلية الشريعة في عَمَّان مدة تزيد على عشر سنوات معينًا في ذلك.
وبذلت الوسع لتحقيق النصوص التي اقتبسها المصنف من كتب سابقيه، حتى إنني رجعت إلى "المهذب" ربع العبادات، وشرحه "المجموع" للنووي، و"مختصر" المزني، و"التنبيه" للشيرازي، وكتاب "الأم" و"المبسوط" للسرخسي، و"بدائع الصنائع"، و"المغني" لابن قدامة، و"كشاف القناع" و"المحلى" لابن حزم، و"حاشية الدسوقي" على "الشرح الكبير"، و"بداية المجتهد"، و"الشرح الكبير" و"الشرح الصغير" للدردير، وباقي الكتب فيما تحتاجه المسألة.
وتلاحظ في قسم الطهارات أني ما وضعت عبارة له إلا بعد الرجوع إلى جميع كتب المذهب، حتى إنني أجد العبارة أو معناها وأعزو ذلك إلى المصدر.
أما بقية الكتب التي أشار إليها، واعتمد عليها، قد فقدت، أو لا يزال بعضها مخطوطًا في دور الكتب، أو صورت ووضع لها ميكروفيلم، ووضعت في الملاجىء، خوفًا عليها من الغارات اليهودية الغازية المعتدية الصائلة، وقد اغتنمت فرصة غياب الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه ولذا لم أستطع الرجوع إليها.
أما ما هو موجود، فقد رجعت إليها "كالمهذب" و"الأم" وغيرها.
. .
الجزء: 1 - الصفحة: 57
6 - ترجمت لجميع الأعلام، الواردة في المخطوطة، وبذلت جهدًا كبيرًا في معرفة المقصود في النص، لأن المصنف كان يكتفي بذكر اللقب، أو بذكر الكتاب بقوله: صاحب كتاب كذا، وقد ترجمت لحياتهم، بذكر زمن ولادتهم ووفاتهم مع ذكر أثره العلمي، وشيوخهم وتلاميذهم، وبعض من أخبارهم، وذكرت المصادر التي رجعت إليها، لمن يريد التوسع في ذلك، "كطبقات الشافعية الكبرى" للسبكي، و"طبقات الشافعية" للشيرازي، و"طبقات الشافعية" للأسنوي، و"مفتاح السعادة" لطاش كبرى زاده، و"تذكرة الحفاظ" للذهبي، و"العبر في خبر من غبر" للذهبي، و" وفيات الأعيان" لابن خلكان، و"البدر الطالع"، و"شذرات الذهب" و"طبقات الشافعية" للحسيني و"طبقات الفقهاء" الشافعية للعبادي، و"التاج المكلل" و"تبيين كذب المفتري" و"طبقات المفتري" و"طبقات الحنابلة" و"اللكنوي"، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي، وغيرها مما هو مبين في الفهرس.
7 - أتممت النقص في المخطوطة الأصلية (أ) من النسختين ب، جـ، وهو سقوط بعض الصفحات أو الكلمات أو حذف بعض الكلمات، ووضعت بعض الفصول التي لم تذكرها النسخة الأصلية، ووضعت ذلك كله بين قوسين هكذا ().
8 - كتبت الكلمات على حسب قواعد الإملاء المعروفة، والنطق السائد في اللغة المشتركة وأعجمت ما أهمله الناسخ، مثل الجنايز، وكذى وهذى.
. . فكتبتها جنائز، وكذا وهذا وقد أهملت كثيرًا من النقط في حروف المضارعة (النون والياء والتاء) ولم أذكرها في الهامش خشية الإطالة، فصححتها دون ذكرها.
9 - قمت بعمل الفهارس المختلفة المثبتة في نهاية هذا الكتاب.
الجزء: 1 - الصفحة: 58
10 - وبعد: فهذا المجهود الذي قمت به في إخراج كتاب "حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء"، وفي دراسة حياة مؤلفه، والعناية بدراسة كتابه هذا، أقدمه إلى القارىء المعني بدراسة الفقه المقارن بين المذاهب الإسلامية.
هذا ولا أدعي أني عملت الكمال في هذا، فهي خطوة أدعو اللَّه أن يوفقني في متابعة تحقيق بقية الكتاب، وما عملنا هذا إلا خدمة للفقه الإسلامي دستور الحياة، وكان عملي هذا في زمن غياب الإسلام، وأخذ القوانين الغربية والشرقية، وأقول كما يقول الشاعر:
أمة قد فتّ في ساعدها ... بغضها الأهلى وحب الغرباء
هذا وأرجو اللَّه أن يكون عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ذنوبي وذنوب من يقرأ فيه، وأن لا يكون آخر عملي وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الدكتور ياسين أحمد إبراهيم درادكه
كلية الشريعة - الجامعة الأردنية
الجزء: 1 - الصفحة: 59
الجزء: 1 - الصفحة: 60
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ربّ يسر (وبه نستعين) 91. (قال الشيخ) 92 الإمام (الأوحد) 93، (فخر الإسلام وجماله) 94 أبو بكر بن أحمد الحسين الشاشي رحمه اللَّه، تعالى قدره: الحمد للَّه الذى (أيد الإسلام) 95 فى كل عصر بإمام، وأقامه مقام نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حفظ شرعه، ونصرة دينه، وإمضاء حكمه، وصلواته على سيدنا محمد سيد (المرسلين) 96 وآله الطيبين الطاهرين.
الجزء: 1 - الصفحة: 61
أما بعد: فإنه لما انتهت الإمامة (المعظمة) 97، والخلافة المكرمة إلى سيدنا ومولانا (أمير المؤمنين) 98، المستظهر باللَّه، أعز اللَّه (أنصاره) 99، ذي الهمة العليا في أمر الدين والدنيا، استخرت اللَّه (تعالى في) 100 كتاب جامع لأقاويل العلماء، تقربًا إلى اللَّه تعالى في إطلاعه عليه، (رجاء أن) 101 يكون ما يصدر عنه غير خارج عن مذهب من المذاهب، وينتفع به كل ناظر فيه، فأرزق الأجر فيه، والثواب عليه إن شاء اللَّه تعالى.
وعلم الشرع منقسم: فمتفق عليه، ومختلف فيه، والإختلاف منتشر جدًا، ومن شأن المجتهد أن يكون عارفًا بمذاهب العلماء،
فذكرت مذهب صاحب كل مقالة، وطريقته في مذهبه، كالقولين للشافعي رحمه اللَّه، والروايتين والروايات لمن سواه، وذكرت (طريقته في مذهبه) 102، واختلاف أصحاب كل واحد منهم فيما (فرعوه) 103 على أصله من المتأخرين والمتقدمين، وما انفرد به الواحد منهم، باختيار عن صاحب المذهب واللَّه الموفق لحسن القصد فيه، وهو حسبي ونعم الوكيل.
الجزء: 1 - الصفحة: 62
فصل
لا يجوز للعالم تقليد العالم.
ومن (أصحابنا من قال) 104: إذا خاف المجتهد فوت العبادة المؤقتة إذا اشتغل بالاجتهاد، جاز له تقليد من يعرف ذلك.
وقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه.
وفرض العامي: التقليد في أحكام الشرع، ويقلد الأعلم الأروع من أهل (الاجتهاد) 105 في العلم.
وقيل: يقلد من شاء منهم.
فإن اختلف عليه اجتهاد اثنين:
الجزء: 1 - الصفحة: 63
فظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه: (أنه يقلد آمنهما) 106 عنده، فإن استويا في ذلك، أخذ بقول أيهما شاء.
وقيل: يلزمه الأخذ (بالأشق) 107 من قولهما.
وقيل: يأخذ بالأخف.
وفي تقليد الميت من العلماء (فيما ثبت من قوله وجهان) 108:
أظهرهما: جوازه.
الجزء: 1 - الصفحة: 64