(1)
" باب (2) ما تجوز به الطهارة (3) (من المياه (4)، وما لا تجوز) "
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234
الجزء: 1 - الصفحة: 65
تجوز طهارة الحدث، والنجس، بالماء المطلق 5 على أي صفة كان من أصل الخلقة 6. وحكي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص 7، وعبد اللَّه ابن (عمر) 8 رضي اللَّه عنهما أنهما قالا: (التيمم) 9 أعجب إلينا من التوضىء بماء البحر.
الجزء: 1 - الصفحة: 66
وعن سعيد بن المسيب 10 أنه قال: إذا ألجئت إليه فتوضأ به.
فأما (الماء) 11 الذي ينعقد منه الملح، كأعين الملح (التي) 12 ينبع منها الماء مالحًا، فإنه يجوز (الوضوء) 13 به 14.
وحكي عن القفال أنه (قال) 15: لا يجوز.
ولا يكره من ذلك إلّا ما قصد إلى تشميسه 16، وقيل: لا يكره،
الجزء: 1 - الصفحة: 67
وهو قول أبي حنيفة 17، وأحمد 18، ومالك 19.
الجزء: 1 - الصفحة: 68
ومن أصحابنا من قال: يختص النهي بماء مشمس (بتهامة والحجاز) 20.
(ومنهم من) 21 قال: يرجع إلى عدول أهل الطب، هل يورث البرص (أم لا)؟ 22.
(ومنهم من قال: يكره) 23 استعماله في البدن، ولا يكره (غسل) 24 الثوب (والإناء به، والمذهب: الأول) 25. = ممن يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عند هذه الأساطين، وأشار إلى مسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فما أخذت عنهم شيئًا، وان أحدًا منهم لو أؤتمن على بيت مال لكان أمينًا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، وقدم علينا ابن شهاب فكنا نزدحم على بابه.
وقد قال سفيان بن عيينة في تفسير حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة، أظنه مالك بن أنس".
وقال الشافعي، رضي اللَّه عنه: إذا جاءك الحديث عن مالك فشد به يديك، وقد توفي رحمه اللَّه في صبيحة أربع عشرة من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة في خلافة هارون الرشيد، ودفن في البقيع وكان يومذاك ابن خمس وثمانين سنة، "الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء" 10، 16، 18، 19، 23، 44، 45، وأنظر كتابنا "نظرية الغرر" 2/ 357 - 358.
الجزء: 1 - الصفحة: 69
(وحكى) 26 عن مجاهد 27: أنه كره الماء المسخن بالنار.
(وكره) 28 أحمد الماء (المسخن بالنجاسة) 29 30. (زاد في المعتمد في هذا الوجه: وأن يكون فى آنية الصفر والنحاس، وأن تكون مغطاة الرأس) 31.
وما عدا (الماء) 32 المطلق من المائعات كالخل، وماء الورد، والنبيذ، وما (اعتصر) 33 من شجر، أو ثمر، فلا تجوز به طهارة الحدث، ولا طهارة النجس 34 وهو قول مالك، غير أنه قال في السيف إذا أصابه دم يجزىء مسحه.
الجزء: 1 - الصفحة: 70
وقال الأصم 35 وابن أبي ليلى 36: يجوز رفع الحدث وإزالة النجس بسائر المائعات.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف 37: يجوز إزالة (النجاسة) 38 بكل مائع طاهر مزيل للعين، (و) 39 لا يجوز رفع الحدث إلا بالماء.
= ولو جاز بغير الماء لما كان في التعيين فائدة، "الاختيار لتعليل المختار" 1/ 35.
الجزء: 1 - الصفحة: 71
وأما النبيذ فنجس.
وقال أبو حنيفة 40: هو طاهر، وعنه 41 في جواز الطهارة به ثلاث روايات:
إحداها: نحو قولنا (وهي) 42 (أي أنه لا يرفع الحدث ولا الخبث) 43 قول أبي يوسف 44.45
الجزء: 1 - الصفحة: 72
والثانية: (أنه) (1) يتوضأ به، ويضيف (إليه) (2) التيمم، (وهو) 46 قول محمد 50.474849 = (2) أنه قيل لعبد اللَّه بن مسعود: هل كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة الجن فقال: ْ ليتني كنت، وسئل تلميذه علقمة: هل كان صاحبكم مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة الجن فقال: وددنا أنه كان، وهذا صريح في إبطال الحديث السابق، "صحيح مسلم" 4/ 169.
الجزء: 1 - الصفحة: 73
والثالثة: أنه يجوز التوضؤ بنبيذ التمر في السفر عند عدم الماء.
واختلف أصحابه في النبيذ الذي يجوز التوضؤ به.
فقال أبو طاهر الدباس 51: يجوز التوضؤ بالنبيذ النيء الحلو 52.
وقال أبو الحسن الكرخي 53: لا يجوز التوضؤ إلّا بالمطبوخ المشتد.
وفي الفتوحات المكية: الذي أقول به منع التطهر بالنبيذ لعدم صحة الخبر المروي فيه، ولو أن الحديث صح لم يكن نصًا في الوضوء به، فإن الوارد أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ثمرة طيبة وماء طهور" أي قليل الامتزاج والتغير عن وصف الماء، وذلك لأن اللَّه تعالى ما شرع لنا الطهارة عند فقد الماء إلا بالتيمم خاصةً 54.
الجزء: 1 - الصفحة: 74
فإن كان يحتاج في طهارته إلى خمسة أرطال، ومعه أقل من ذلك (فكمله) 55 بمائع لم يتغير به لقلته وتوضأ به، صحت طهارته في أظهر الوجهين.
وذكر أبو على الطبري في الإفصاح 56: أنه لا يصح.
فإن طرح في (ما) يكفيه 57 مائعًا ولم يتغير به لموافقته الماء في الطعم، واللون، والرائحة ففيه وجهان:
أظهرهما: أنه إن كانت الغلبة للماء، جازت الطهارة به، وإن لم تكن الغلبة له لم يجز 58.
والثاني: أنه يعتبر تغيره (بما) 59 يغير، فإن كان (قدرًا لو كان) 60 مخالفًا (للماء) 61 في صفاته غيّره، منع الطهارة به.
والشيخ أبو نصر 62 رحمه اللَّه قال: (يقدر) 63 من جهة العادة أن
الجزء: 1 - الصفحة: 75
لا يخالفه في صفة من صفاته.
قال الشيخ الإمام فخر الإسلام رحمه اللَّه تعالى وأيده اللَّه 64: ووجدت القاضي (أبا) 65 الطيب 66 رحمه اللَّه قد ذكر هذين الوجهين في الماء المستعمل، إذا طرح على ماء مطلق.
وإن طرح فيه تراب، فتغير به، جازت الطهارة به 67.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز 68.
ومنهم: من حكى فيه قولين 69.
وإن طرح في الماء ملح مائي، فتغير به، جاز الطهارة به.
وحكي عن صاحب التلخيص 70 أنه قال: يمنع من (التطهر) 71 به.
الجزء: 1 - الصفحة: 76
وإن تغير الماء بعود، أو دهن طيب، فقد نقل المزني أنه يجوز (الوضوء) 72 به.
ونقل البويطي: أنه لا يجوز 73.
وإن وقع في الماء (قليل) 74 كافور، (فتغير) 75 به ريحه، ففيه وجهان 76.
وإن تغير بمخالطة شيء سوى ذلك (مما يستغني الماء) 77 عنه، لم تجز الطهارة به، وبه قال مالك 78، وأحمد 79.
ومن أصحابنا 80 من حكى في الحنطة والشعير إذا طبخا في الماء، فتغير من غير انحلال أجزاء، وجهين:
الجزء: 1 - الصفحة: 77
قال 81 الإِمام أبو بكر: وهذا ليس بشيء، لأن التغير بذلك لا يكون إلا بانحلال أجزاء.
وقال أبو حنيفة 82 وأصحابه: تغير الماء بالطاهر لا يمنع الطهارة به، ما لم يطبخ به، أو يغلب على أجزائه، بأن يثخن إن كان رقيقًا، أو (فقال) 83 حل فيه (ماء) 84 إن كان مائعًا 85.
فإن وقع في الماء قطران فغيره، فقد قال الشافعي 86 (رحمه اللَّه)
الجزء: 1 - الصفحة: 78
في الأم 87: لا يجوز استعماله، وقال بعده بأسطر يجوز.
والمسألة على اختلاف (حالين) 88، لأن القطران على ضربين: ضرب فيه دهنية، (فلا يختلط بالماء، وضرب) 89 لا دهنية فيه فيختلط به.
وإن تغير (الماء بطول المكث لم يمنع من الطهارة به) 90.
وحكي عن ابن سيرين 91 أنه قال: يمنع.
و(لا يكره الاغتسال، والوضوء في ماء زمزم) 92.
وقال أحمد 93: يكره في احدى الروايتين عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 79
باب ما يفسد الماء من النجاسة وما لا يفسده
94 إذا وقعت في الماء الراكد نجاسة يدركها الطرف من (خمر) 95، أو بول، أو ميتة لها نفس سائلة وهو أقل من قلتين نجس، وإن كان قلتين فصاعدًا، فتغير (فيه) 96، أحد أوصافه، من طعم، أو لون، أو رائحة (نجس) 97، وإن لم يتغير لم ينجس 98.
الجزء: 1 - الصفحة: 80
والقلتان خمسمائة رطل بالبغدادي، (وهل ذلك تقريب أو تحديد؟ ) 99 فيه وجهان.
ومن أصحابنا من قال: القلتان خمسمائة منًا 100.
وقال أبو عبد اللَّه الزبيري 101: القلتان ثلاثمائة منًا، واختاره القفال، (وبقولنا) قال أحمد، وأبو ثور 102، واختاره المزني 103.
الجزء: 1 - الصفحة: 81
وحكي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما: أنه قدر الماء الكثير بأربعين قلة، وهو قول محمد بن المنكدر 104. ومنهم: من قدره بكُر 105، وهو قول ابن سيرين، ووكيع 106. والكُر (عندهم) 107 (أربعون) 108 قفيزًا 109، والقفيز اثنان وثلاثون رطلًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 82
وقال مالك 110: الاعتبار بتغير الماء بكل حال، وبه قال داود 111، ويروى عن عبد اللَّه بن عباس 112 رضي اللَّه عنه.
وقال أبو حنيفة 113 وأصحابه: كل موضع تيقنا وصول النجاسة
الجزء: 1 - الصفحة: 83
إليه، أو غلب على ظننا وصول النجاسة إليه، حكمنا بنجاسته، وجعل حركة الماء بوقوع النجاسة فيه، علام على وصولها (إلى) 114 حيث انتهت الحركة، وما لم تصل إليه طاهرة من غير نظر إلى كثرة ولا إلى تغيير.
وحكي عن داود (تفريع) 115 عجيب على هذا الأصل، (بدليل خبر) 116 حمله عليه ترك القياس فقال: إذا بال في ماء راكد ولم يتغير لم ينجس، ولا يجوز (له) 117 أن يتوضأ منه، ويجوز لغيره أن يتوضأ منه.
وإن بال في إناء، ثم طرحه فيه، ولم يتغير، لم ينجس، وجاز له ولغيره أن يتوضأ منه.
وإن كانت النجاسة مما لا يدركها الطرف، فظاهر ما نقله المزني أنه لا ينجس.
وفي البويطي (في الثوب) 118 أنه ينجس، أدركه الطرف أو لم يدركه، فحصل في الماء والثوب ست طرق 119:
الجزء: 1 - الصفحة: 84
أحدها: (أنه) 120 ينجس الماء والثوب.
والثاني: أنه لا ينجس الماء ولا الثوب، وهو قول أبي الطيب بن سلمة 121.
والثالث: فيه قولان.
والرابع: حمل النصين على ظاهر (هما) 122 (والفرق بينهما) 123.
والخامس: عكس ذلك، وهو أن ينجس الماء (ولا ينجس) 124 الثوب.
وقال أبو علي بن أبي هريرة 125: وينجس الثوب، وفي الماء قولان.
الجزء: 1 - الصفحة: 85
والشيخ الإمام أبو إسحاق 126 رحمه اللَّه: حصل من ذلك ثلاث طرق وهي: (الأولى) 127: في الماء والثوب جميعًا، وأسقط 128 ما زاد على ذلك، إذا (مات) 129 ما ليس له نفس سائلة من ذباب، أو زنبور في ماء قليل، أو طعام لم ينجسه في أحد القولين، وهو لأصح للناس 130.
الجزء: 1 - الصفحة: 86
ونجسه في الآخر، وهو قول محمد بن المنكدر، ويحيى بن أبي كثير 131 فإن كثر فيه ما غير الماء نجسه في أظهر الوجهين.
وما يعيش في الماء (مما) 132 لا يحل أكله كالضفدع، وغيره، إذا مات في الماء القليل نجسه.
وقال أبو حنيفة 133: لا ينجسه.
= الحيوان قد جمع فيها بين الحرارة والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، وهي أشياء متضادة، إذا تلاقت تفاسدت، ثم يرى أن اللَّه سبحانه وتعالى قد ألف بينها، وقهرها على الاجتماع، وجعل لها قوى الحيوان التي بها بقاؤها وصلاحها، لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والشفاء في جزأين من حيوان واحد، وأن الذي ألهم النحلة أن تتخذ البيت العجيب الصنعة، وأن تعسل فيه، وألهم الذرة أن تكتسب قوتها، وتدخره لأوان حاجتها إليه، هو الذي خلق الذبابة، وجعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحًا، وتؤخر جناحًا، لما أراد من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد والامتحان، الذي هو مضمار التكليف، وفي كل شيء عبرة وحكمة، وما يذكر إلا أولو الألباب، "معالم السنن" للخطابي على "مختصر سنن أبي داود" 5/ 341، 342.
الجزء: 1 - الصفحة: 87
فصل
إذا أراد تطهير الماء الذي حكمنا بنجاسته، فإنه إن كانت نجاسته (بالتغيّر) 134، وكان أكثر من قلتين، طهر بزوال التغيير بنفسه، أو بأخذ بعضه، وذلك في البئر إذا كان ينبع منها الماء، فإن نزح الماء منها، ونبع ما يبلغ قلتين، وزال التغير، طهرت البئر والماء، وإن لم يبلغ قلتين، طهر ما ورد عليه الماء من البئر، والماء (المستعمل) 135 في إزالة النجاسة، فيكون طاهرًا على مذهب الشافعي رحمه اللَّه، (و) 136 نجسًا على قول الأنماطي 137.
الجزء: 1 - الصفحة: 88
وقد ذكر أصحابنا فيه: إذا كان الثوب جميعه نجسًا فغسل نصفه، ثم غسل النصف الآخر لم يطهر، ونبع الماء (لشيء) 138 بعد شيء من البئر بمنزلته.
ويطهر أيضًا بأن يطرح عليه ماء آخر حتى يزول التغير.
وإن طرح فيه تراب أو جص، فزال التغير، طهر في أظهر القولين.
وذكر الشيخ أبو حامد (رحمه اللَّه) 139 في التعليق: أن القولين في التراب، وما سواه لا يظهر قولًا (واحدًا) 140 وليس بشيء.
= وكتب كتبه، وتفقه على ابن سريج، قال الثوري: هو أحد أجدادنا في سلسلة التفقه، توفي في بغداد 280 هـ، السبكي 2/ 52، والشيرازي 104، "والمجموع" 1/ 310.
الجزء: 1 - الصفحة: 89
وإن كان الماء أقل من قلتين، ولم يتغير، طهر بالمكاثرة (وإن لم يبلغ قلتين 141 إذا لم تكن عين النجاسة فيه قائمة.
ومن أصحابنا من قال: (لا يطهر) 142 بالمكاثرة من غير أن يبلغ قلتين، والمذهب الأول.
فإن كان (قلتان) 143 من الماء النجس في إناءين من غير تغيّر، فجمع بينهما في إناء واحد طهرتا 144.
وقال أصحاب أحمد 145: لا يحكم بالطهارة فيهما.
وحكم الماء في البئر حكم الماء في (الصنع في التطهير) 146 حكم الغدير الذي لا يتحرك أحد الطرفين في (تحريك الطرف الآخر) 147.
وقال أبو حنيفة: ماء البئر يخالف ماء الغدير، فإذا مات في البئر
الجزء: 1 - الصفحة: 90
فأرة، أو عصفور نزح منها عشرون دلوًا وطهرت 148. وإن وقع فيها (دمها) 149 نزح جميعها (وكذا) 150 إن وقع فيها بول، أو دم.
(وإن) 151 مات فيها هرة، أو دجاجة، نزح منها أربعون دلوًا، وطهر الباقي، وإن مات فيها شاة نزح جميعها.
فإن أراد الطهارة من الماء الذي وقعت فيه (نجاسة) 152، وحكم بطهارته، فإنه إن كان دون القلتين (وطهر) 153 بالمكاثرة، ولم يبلغ قلتين، لم تجز الطهارة به، وإن كان أكثر من قلتين، جاز الطهارة منه.
وقال أبو إسحاق، وابن القاص 154: إن كان فيه نجاسة جامدة،
الجزء: 1 - الصفحة: 91
لم يجز أن يتوضأ من موضع (يكون) 155 بينه وبين النجاسة أقل من قلتين، والمذهب الأول.
وإن كان الماء قلتين، (وفيه نجاسة جامدة) 156، فالمذهب أنه يجوز أن يغترف منه بإناء (و) 157 يتوضأ به.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز، فإن أخرج النجاسة منه، (جاز أن يتوضأ به) 158 وجهًا واحدًا (و) 159 إن كانت النجاسة في القلتين (مائعة) 160 وقد طهر الماء، جاز الطهارة بجميعه.
ومن أصحابنا من قال: يبقى فيه قدر النجاسة، وليس بشيء.
فأما الجاري إذا كان فيه النجاسة جارية، فإنه إن كان الماء الذي يحيط بالنجاسة (يبلغ) 161 قلتين، ولم يتغير فهو طاهر، وإن نقص عن قلتين، فهو نجس، ولا يجوز (التوضؤ منه) 162 حتى (يجتمع) 163 في موضع، ويبلغ قلتين وهو غير متغير.
الجزء: 1 - الصفحة: 92
وقال ابن القاص (للشافعي رضي اللَّه عنه قول) 164 في القديم: ان الماء الجاري لا ينجس إلّا بالتغيير وإن كان قليلًا.
وكذا حكم النجاسة الواقعة في النهر، والماء يجري عليها على ما ذكرناه.
وقال أبو إسحاق، وابن القاص، والقاضي أبو حامد 165: يجوز أن يتوضأ (من) 166 موضع يكون بينه وبين النجاسة قلتان في طول النهر.
ومن أصحابنا من قال: تعتبر القلتان في الماء الذي يلاقي جميعه النجاسة من الجاري، فأما إذا كانت النجاسة راسية في أسفل الماء وقراره (والماء) 167 يجرى عليها، فالذي (يلقاها) 168 الطبقة السفلى من الماء (وهي أقل من قلتين 169 فهي نجسة.
(وفي الطبقة العليا وجهان:
أحدهما: أنها طاهرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 93
والثاني: أنها نجسة) 170.
وإن كانت النجاسة طافية على رأس الماء (و) 171 الذي يلاقيها منه أقل من (قلتين) 172 فهو نجس، (وما) 173 في القرار فيه وجهان.
وقد ذكر الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه فيه: إذا تغير (أحد جانبي) 174 النهر، أن قياس المذهب أن ينجس ما يحاذيه من الجانب الآخر، وإن لم يتغير حتى ينفصل عن محاذاته فيطهر، ويجيء فيه تخريج (الوجه) 175 الآخر، فإنه مثله.
ذكر القاضي حسين 176 رحمه اللَّه: أنه إذا وقعت في قلتين من الماء نجاسة لا تخالف الماء في صفاته، فإنه (يعتبر) 177 بالنجاسة التي
الجزء: 1 - الصفحة: 94
تخالف الماء في الصفة، (فيقال) 178 هذا القدر من النجاسة، لو كان مخالفًا للماء في صفته، هل كان يطهر عليه قيقضى فيه بحكمه؟ .
(قال الإمام أبو بكر) 179: وهذا أشبه بما ذكرناه 180 من الطاهر الموافق للماء في صفاته فلا يتغير به.
وقد استبعد الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه وجود ذلك هناك، فالنجاسة بالاستبعاد أولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 95
فصل
أما الماء المستعمل (فإنه إن كان) 181 مستعملًا في رفع حدث، فهو طاهر.
وروى الحسن بن زياد 182 عن أبي حنيفة 183 أنه قال: هو نجس، وهو قول أبي يوسف.
الجزء: 1 - الصفحة: 96
ولا يجوز التطهر به (على) 184 المشهور من المذهب وهو قول أحمد 185، والمشهور عن أبي حنيفة، وقول محمد بن الحسن 186.
وحكى عيسى بن أبان 187 عن الشافعي رحمه اللَّه: (جواز) 188 التطهر به، وهو قول مالك 189، وداود.
فمن أصحابنا: من لم يثبت هذه الرواية مذهبًا له، فإذا قلنا: لا يجوز التوضؤ به، فهل تجوز إزالة النجاسة (به) 190؟ فيه وجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 97
أظهرهما: أنه لا يجوز.
فإن استعمل الماء في (نفل) 191 الطهارة كتجديد الوضوء جاز التوضؤ به في أظهر الوجهين.
ذكر بعض أصحابنا: أن الماء إذا انفصل من عضو إلى عضو، صار مستعملًا في طهارة الحدث، وفي غسل الجنابة وجهان:
أصحهما: أنه لا يصير مستعملًا حتى ينفصل من جميع البدن.
قال الشيخ الإمام فخر الإسلام أيده اللَّه 192: وعندي أنه لا اعتبار بالعضو والعضوين، ولا يختلف باختلاف الطهارتين، وإنما الاعتبار بالانفصال عن المحل، فإنه يصير مستعملًا (وإن) 193 كان في عضو واحد، ومثله في الجنابة، وما دام يجري متصلًا (با) 194 المحل فإنه لا يصير مستعملًا، غير أن أعضاء البدن يتصل بعضها ببعض، فينحدر الماء من عضو إلى عضو متصلًا.
فإن غسل رأسه مكان المسح، فهل يصير الماء مستعملًا؟
حكى أبو علي بن أبي هريرة فيه وجهين:
أصحهما: أنه يصير مستعملًا، ويستحب تجديد الوضوء، إذا كان قد صلى به فريضة.
الجزء: 1 - الصفحة: 98
وإن كان قد صلى به نافلة، فهل يستحب التجديد؟
حكى فيه بعض أصحابنا وجهين، (وبناه) 195 على (أن) 196 (الماء) المستعمل في نفل الطهارة، هل يصير مستعملًا أم لا؟ وفرع عليه تفصيلًا عجيبًا.
والصحيح في ذلك: (أن) 197 يكون قد فعل بالطهارة ما تراد له الطهارة (شرعًا فترتفع) 198 (كراهة) 199 التجديد.
فإن جمع الماء المستعمل حتى يبلغ قلتين زال حكم الاستعمال في أظهر الوجهين.
فأما الماء المستعمل في إزالة النجاسة، إذا لم يتغير، ففيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه طاهر، وهو قول أبي إسحاق.
والثاني: أنه نجس، وهو قول أبي القاسم الأنماطي، (وقول) 200 أبي حنيفة 201.
الجزء: 1 - الصفحة: 99
والثالث: أنه إن انفصل والمحل طاهر، فهو طاهر، وإن انفصل والمحل نجس، فهو نجس، وهو قول ابن القاص.
(فإذا) 202 قلنا: إنه طاهر، فهل يجوز الوضوء به؟ فيه وجهان.
الجزء: 1 - الصفحة: 100
باب الشك في نجاسة الماء والتحري فيه
إذا أكلت الهرة نجاسة، وولغت في ماء قليل ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه نجس 203. والثاني: أنها إن غابت ثم عادت وولغت فيه لم ينجس 204. والثالث: أنه لا ينجس بذلك بحال 205.
الجزء: 1 - الصفحة: 101
وإذا ورد على ماء، فأخبره رجل بنجاسه، قبل خبره ولم يجتهد 206، فإن أخبره رجل أن الكلب ولغ في هذا الإناء في وقت عينه دون الآخر، وقال آخر: بل ولغ في الإناء الآخر (في ذلك الوقت) 207 بعينه، دون هذا الإناء (ذاته) 208، (فإنه) 209 يبني على القولين بتعارض البينتين.
فإن (قلنا) 210 إنهما يسقطان، سقط خبرهما، وتوضأ بما شاء منهما، وإن قلنا إنهما يستعملان، أراقهما، أو صب أحدهما في الآخر، وتيمم.
ذكر في "الحاوي": أنه إذا أخبره رجل، أن هذا الكلب ولغ في هذا الإناء في وقت عينه، وقال آخر: هذا الكلب في ذلك الوقت لم يكن في ذلك المكان، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه طاهر لتعارض الخبرين وسقوطهما.
= صحيح، "الجامع الصحيح" للترمذي 1/ 54، والنسائي وغيرهم، "سنن النسائي" 1/ 48، 49، قال البغوي في شرح السنة: يحتمل أنه شبهها بالمماليك من خدم البيت الذين يطوفون على بيته للخدمة، كقوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾.
الجزء: 1 - الصفحة: 102
والثاني: أنه نجس، لأن الكلاب تشتبه، وهذا (الوجه) 211 ليس بشيء.
فإن اشتبه عليه ماء طاهر، وماء نجس، تحرى (فيهما) 212 فما (3) أداء اجتهاده إلى طهارته توضأ به 213.
وقال المزني وأبو ثور: (لا يتحرى) 214 في الأواني، ويتيمم، ويصلي، وبه قال أحمد 215، واختلفت الرواية عنه في (وجوب) 216 إراقتهما قبل التيمم 217.
الجزء: 1 - الصفحة: 103
وقال عبد الملك بن الماجشون 218: لا يتحرى في الأواني، ولكنه يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يتوضأ بالآخر، ويعيد الصلاة التي صلاها.
وقال محمد بن مسلمة 219: يتوضأ، بأحدهما (ويصلي) 220، ثم يغسل ما أصابه من الماء الأول، ويتوضأ بالآخر، ويعيد الصلاة 221.
وقال غيرهما من أصحاب مالك: مثل قولنا 222.
وقال أبو حنيفة: إن كان عدد الطاهر أكثر، جاز التحري، وإن لم يكن كذلك لم يجز.
= الأولى: لا يجوز، لأن معه ماء طاهرًا بيقين، فلم يجز له التيمم مع وجوده، فإن خلطهما، أو أراقهما جاز له التيمم، لأنه لم يبق معه ماء طاهر.
الثانية: يجوز التيمم قبل ذلك، وهو الصحيح عندهم، لأنه غير قادر على استعمال الطاهر، "المغني" لابن قدامة 1/ 46.
الجزء: 1 - الصفحة: 104
فإن توضأ بأحد الإناءين من غير تحرٍ، ثم بان (له) 223 أنه الطاهر، وأن الآخر نجس، لم تصح طهارته، في اختيار الشيخ الإمام أبي إسحاق رحمه اللَّه.
واختار الشيخ أبو نصر بن الصباغ رحمه اللَّه: أنه تصح طهارته.
فإن انقلب أحد الإناءين قبل التحري، فهل يجوز التحري في الآخر؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يجوز، (وما) 224 الذي يصنع؟ فيه وجهان:
قال أبو علي الطبري: يتوضأ به 225.
وقال القاضي أبو حامد: يتيمم 226.
فإن اشتبه عليه إناءان، وهناك إناء ثالث طاهر، فهل يجوز له التحري (فيهما) 227؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يجوز، واختاره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه.
وإن اشتبه عليه ماء مستعمل، وماء مطلق، فهل يجوز له التحري؟ فيه وجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 105
أحدهما: يتحرى 228.
والثاني: لا يتحرى 229، ويتوضأ بكل واحد منهما.
ومن أصحابنا: من بنى جواز التحري بين الماء المستعمل والمطلق، على زوال حكم الاستعمال ببلوغ القلتين فيه.
فإن قلنا: لا يزول، لم يجز التحري، وهذا (عندي بناء) 230 فاسد.
فإن اشتبه عليه ماء، وبول، أو ماء، وماء ورد، لم يتحر بينهما، وأراق الماء والبول، وتيمم، وتوضأ بالماء، وماء الورد.
وقال أبو زيد المالقي: يتحرى فيهما.
وذكر في "الحاوي": أنه إذا اشتبه الماء، وماء الورد (واحتاج) 231 إلى الشرب، (تحرى) 232 بينهما لأجل الشرب، فيجتهد أيهما (ماء الورد) 233 ليشربه، فيخرج (الآخر) 234 بالاجتهاد أن يكون (ماء
الجزء: 1 - الصفحة: 106
الورد) 235 وهذا (عندي بناء) 236 فاسد، لأن الشرب لا يحتاج (فيه) 237 إلى التحري، فيشرب ما شاء منهما، ويتوضأ بالآخر ويتيمم.
وقال أبو حنيفة: إن كان عدد الطاهر المطهر أكثر، جاز التحري، كما يجوز في المياه.
وإن اشتبه عليه طعام طاهر، وطعام نجس، تحرى بينهما.
وذكر الشيخ أبو حامد: إن ذلك ينبني على الوجهين في اشتباه الإِناءين.
وهناك ثالث: ظاهر في جواز التحري.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهذا لا معنى له، إلّا أن يعتبر في التحري الضرورة، (وها هنا لا يلزمه أكل واحد منهما، وهذا الذي ذكره فيه نظر) 238.
واختلف في الماء لحاجته إليه في الطهارة للصلاة.
فإن اشتبه عليه إناءان فتحرى فيهما، فأداه اجتهاده إلى طهارة أحدهما فتوضأ به وصلى.
ولم يرق الآخر حتي حضرت الصلاة الثانية أعاد الاجتهاد.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه ذلك، فإن أعاد الإجتهاد، وأداه (اجتهاده) 239 إلى طهارة (الثاني) 240 لا نجاسة الأول.
الجزء: 1 - الصفحة: 107
فالمنصوص أنه يتركهما ويتيمم، ويعيد كل صلاة صلاها بالتيمم في أحد الوجوه، مع بقاء (شيء من) 241 الإناء الأول.
وفي الثاني: لا يعيد.
وفي الثالث: وهو قول أبي الطيب بن سلمة: أنه إن كان قد بقي من الإِناء الأول شيء، أعاد الصلاة وإن لم يبق منه شيء، لم يعد.
وقال أبو العباس بن سريج 242: يتوضأ بالثاني ولا يتيمم، ويغسل ما أصابه من الماء الأول، ولا يعيد الصلاة.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه فقال: هل يعتبر في التحري نوع دليل، أم يكفي (مجرد) 243 الظن؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يكفيه ظن يقع له من غير أمارة، وهذا ليس بشيء (يذكر) 244.
الجزء: 1 - الصفحة: 108
فإن اشتبه إناءان على أعمى، فهل يجوز له التحري؟ فيه قولان 245: فإن قلنا: يتحرى، فتحرى، (فلم) 246 يقع له الطاهر منهما، فهل يجوز له التقليد؟ (فيه وجهان) 247. أظهرهما: أنه يجوز 248. فإن اختلف اجتهاد رجلين في إناءين، توضأ كل واحد منهما بما أداه اجتهاد إلى طهارته، ولم يأتم أحدهما بالآخر 249. وقال أبو ثور: يجوز أن يأتم (به) 250.
الجزء: 1 - الصفحة: 109
باب الآنية
كل بهيمة نجست بالموت، طهر جلدها بالدباغ، وذلك ما عدا الكلب، والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدها 251. قال أبو يوسف 252، وداود رحمها اللَّه: يطهر جلد الكلب والخنزير أيضًا بالدباغ.
الجزء: 1 - الصفحة: 110
وقال أبو حنيفة 253 رحمه اللَّه: يطهر جلد الكلب بالدباغ، ولا يطهر جلد الخنزير.
وقال أبو ثور رحمه اللَّه: يطهر جلد ما يؤكل بالدباغ (دون ما لا يؤكل وهو قول الأوزاعي.
وقال الزهري: لا أعرف الدباغ) 254.
ويُستمتع بجلود الميتات من غير دباغ.
وقال أحمد 255 رحمه اللَّه: لا يطهر شيء من جلود الميتات بالدباغ، ويروى ذلك عن مالك 256.
وهل يجب غسله بعد الدباغ بالماء؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: لا يطهر حتى يغسل بالماء.
وقال ابن القاص: لا يحتاج إلى غسل، (فإن) 257 دبغ الجلد بشيء نجس، فلا بد من غسله وجهًا واحدًا ويطهر، ويحكي فيه وجه آخر: أنه لا يطهر، وليس بشيء.
الجزء: 1 - الصفحة: 111
ولا يندبغ بالتجفيف (في) 258 الشمس.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يصير مدبوغًا 259.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: سمعت بعض أصحابه يقول: (إنما) 260 يطهر إذا عملت الشمس فيه عمل الدباغ.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهذا يرفع الخلاف، لأنه يعلم (أنها) 261 لا تعمل عمله.
وفي جواز بيع الجلد بعد الدباغ قولان:
أصحهما: وهو قوله الجديد أنه يجوز، وهو قول أبي حنيفة 262، وقوله القديم: لا يجور وهو قول مالك) 263.
وفي جواز أكله 264 إذا كان من (حيوان) مأكول قولان:
قال في القديم: لا يجوز 265.
وقال في الجديد: يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 112
وإن كان من حيوان لا يؤكل، لم يحل أكله قولًا واحدًا.
وحكى الشيخ أبو حاتم القزويني 266 عن القاضي أبي القاسم بن كج 267:
أنه على القولين.
فأما الشعر، والصوف، والوبر، (فيحل) 268 (بالحياة) 269، وينجس بالموت على المنصوص للشافعي رحمه اللَّه في عامة كتبه، = وهو تمام حديث ابن عباس فإنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" قالوا: إنها ميتة قال: "إنما حرم أكلها" رواه البخاري، أنظر "فتح الباري" 12/ 80، ومسلم 4/ 53.
الجزء: 1 - الصفحة: 113
فعلى هذا إذا دبغ جلد (الميتة) 270 وعليه شعر، فهل يطهر (الشعر) 271؟ فيه قولان:
أصحهما: أنه لا يطهر.
فإن (نتف) 272 شعر المأكول في حال حياته، كان طاهرًا.
وحكي فيه وجه (آخر) 273: أنه ينجس وليس بشيء.
وأما شعر الآدمي فطاهر 274 إذا قلنا: لا ينجس بالموت في أصح القولين: وإن قلنا: إنه ينجس بالموت.
فقد روى إبراهيم البلدي 275 عن المزني رحمه اللَّه عن الشافعي رضي اللَّه عنه: أن الشافعي رحمه اللَّه رجع عن تنجيس شعر الآدمي.
الجزء: 1 - الصفحة: 114
فمن أصحابنا: من جعل ذلك خاصًا في حق الآدمي كرامة له.
ومنهم: من جعله رجوعًا عن تنجيس جميع الشعور، فجعل في الشعور قولًا آخر، أنها لا تنجس بالموت.
(وأما) 276 شعر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن قلنا: شعر غيره نجس، ففي شعره -صلى اللَّه عليه وسلم- وجهان:
قال أبو جعفر الترمذي 277: هو طاهر 278.
وقال غيره: هو نجس.
= المزني عن الشافعي أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي.
والرجل معروف الإسم بين المتقدمين لا ينبغي إنكاره، غير أن ترجمته عزيزة، "طبقات الشافعية الكبرى" 2/ 26.
الجزء: 1 - الصفحة: 115
وروى عن عطاء 279، والحسن البصري 280: أن الشعر ينجس بالموت، ويطهر بالغسل بعده.
وقال أبو حنيفة 281 ومالك 282، وأحمد 283: لا حياة في الشعر، ولا ينجس بالموت في الحيوان، واختاره المزني.
فأما العظم، والظفر، والظلف، والقرن، ففيه طريقان:
أحدهما: أن (فيها حياة) 284 (و 285 تنجس بالموت قولًا واحدًا،
الجزء: 1 - الصفحة: 116
وبه قال مالك 286، وأحمد 287، واختاره المزني.
والثاني: (أن) 288 حكمه حكم الشعر، وهو قول أبي حنيفة 289، والثوري 290.
وحكي عن إبراهيم النخعي 291 أنه قال: طهارة العاج خَرْطُهُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 117
وحكي عن الليث بن سعد 292: (أنه إذا طبخ) 293 العظم حتى خرج دهنه طهر.
إذا وجد شعرًا، ولم يدر أنه شعر حيوان مكول، أو غير مأكول، من أصحابنا: من حكي فيه وجهين، وبناهما على أن حكم الأشياء (هو) 294 في الأصل الحظر، أو الإِباحة، وهذا بناء فاسد، والحكم في ذلك: أنه إذا كان ذلك في محل الشك، فلا يجوز الانتفاع به وجهًا واحدًا.
فأما اللبن في ضرع الشاة الميتة، فإنه نجس، وبه قال مالك 295، وأحمد 296.
وقال أبو حنيفة 297 رحمه اللَّه: هو طاهر، يحل شربه وهو قول داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 118
والبيضة في جوف الدجاجة الميتة، إذا كان قد تصلب قشرها (طاهرة) 298 يحل أكلها.
وحكى ابن المنذر 299 عن علي 300 رضي اللَّه عنه أنه قال: لا يحل أكلها بحال، وحكي عن ذلك عن مالك 301. = وهذه الآية خرجت مخرج الامتنان، والمنة في موضع النعمة تدل على الطهارة، وبه نتبين أنه لم يخالطه النجس، إذ لا خلوص مع النجاسة خلافًا لأبي يوسف ومحمد، وحجتهما: أن اللبن وإن كان طاهرًا في نفسه، لكنه صار نجسًا لمجاورة النجس.
الجزء: 1 - الصفحة: 119
(ويحكى) 302 ذلك وجهًا لبعض أصحابنا، (ويحكى فيها) 303 وجه ثالث: (أنها) 304 لا تنجس بحال، وإن لم يتصلب قشرها، وهو قول أبي حنيفة.
فإن ذبح ما لا يؤكل (لحمه) 305 نجس (بذبحه) 306 (كما) 307 ينجس بموته 308.
وقال أبو حنيفة 309 ومالك: يطهر بالذبح إلّا الخنزير والآدمي.
الجزء: 1 - الصفحة: 120
فصل
يحرم استعمال أواني الذهب والفضة.
وقال في القديم: النهي عن ذلك على سبيل الكراهة 310.
وقال داود: محرم الشرب خاصةً.
وفي جواز اتخاذها لا للاستعمال قولان:
أصحهما: أنه لا يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 121
ومن أصحابنا من حكى: (أن) 311 تحريمها لعينها 312، لا لمعنى يعقل، وفرّع عليه وليس بشيء.
وفي استعمال الأواني المتخذة من الجواهر المثمنة، كالياقوت، ونحوه: قولان:
أظهرهما: أنه يجوز 313.
وفرّع (بعض) 314 أصحابنا على هذه الأواني المتخذة من الطيب، كالعود المرتفع، والكافور المصاعد، والعنبر، (وفي جواز) 315 استعماله قولان:
واختلف أصحابنا في التضبيب بالفضة 316.
الجزء: 1 - الصفحة: 122
فمنهم (من قال) 317: إن كان قليلًا (في موضع حاجة) 318 وإن قام غيره مقامه، لم يكره 319، وإن كان في غير موضع حاجة، كره، وإن كان كثيرًا في غير موضع حاجة، حرم، وإن كان (كثيرًا في موضع) 320 حاجة، كره.
ومن أصحابنا من قال: لا يحرم التضبيب بالفضة، قل أو كثر وهو قول أبي حنيفة 321.
وقال أبو إسحاق: يحرم التضبيب به في موضع الشرب من الإناء، ولا يحرم في غيره 322. = وإن اضطر إليه جاز، لما روي: أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفًا من ورق، فانتن عليه، فأمره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يتخذ أنفًا من ذهب، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم بإسناد جيد، قال الترمذي وغيره: هو حديث حسن، "سنن أبي داود" 2/ 409، وانظر "المجموع" للنووي 1/ 316.
الجزء: 1 - الصفحة: 123
وفي استعمال أواني المشركين وثيابهم من غير غسل إذا كانوا (ممن يتديّن) 323 باستعمال النجاسة، وجهان:
أحدهما: يجوز 324:
والثاني: لا يجوز 325، وكان الوجهان في طين الطرقات.
وقال أحمد 326، وداود: (لا) 327 يجوز استعمالها إلَّا بعد الغسل بكل حال.
= الأول: إن كان قليلًا للحاجة لم يكره، وإن كان للزينة كره، وإن كان كثيرًا للزينة حرم، وإن كان للحاجة كره.
الثاني: إن كان في موضع الاستعمال كموضع فم الشارب، حرم، وإلا فلا.
الثالث: يكره ولا يحرم بحال، وهو رأي أبي علي الطبري.
الرابع: يحرم بكل حال لما ذكرناه عن ابن عمر وعائشة رضي اللَّه عنهم، "مجموع" 1/ 320.
الجزء: 1 - الصفحة: 124
باب السواك
السواك سنةٌ مؤكدة 328.
وحكي عن داود أنه قال: (هو) 329 واجب، ولا يمنع تركه صحة الصلاة.
وقال إِسحاق 330: إِن تركه عامدًا بطلت صلاته.
الجزء: 1 - الصفحة: 125
ولا يكره إلّا في حالة واحدة، وهي في حق الصائم بعد الزوال 331.
وقال أبو حنيفة 332: لا يكره في الصوم أيضًا.
= حنبل رضي اللَّه عنه يصلي، فقال بيده هكذا -يشير بأصبعه- فلما سلم، قلت يا أبا عبد اللَّه؟ ما قلت في صلاتك؟ قال: كنت على طهارة، فجاء إبليس فقال: إنك على غير طهارة، فقلت: شاهدين عدلين، ولد سنة 166 هـ، ومات سنة 243 هـ بنيسابور، "طبقات الحنابلة" 1/ 109.
الجزء: 1 - الصفحة: 126
ويستحب أن يقص الشارب، ويقلم الأظافر، ويغسل البراجم، وينتف الإبط، ويحلق العانة 333، ويجب الختان 334.
وقال أبو حنيفة: الختان مستحب.
= لما رواه عمار بن ياسر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الفطرة عشرة: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، والانتضاح بالماء، والختان، والاستحداد" رواه أحمد بن حنبل، وأبو داود، "مختصر سنن أبي داود" 1/ 43، وابن ماجة بإسناد ضعيف، ولكن يحصل الاحتجاج بالمتن، لأنه رواه مسلم في "صحيحه" من طريق عائشة رضي اللَّه عنها، قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار وغسل البراجم، ونتف الإِبط، وحلق العانة، وانتفاض الماء"، "صحيح مسلم" 3/ 147.
الجزء: 1 - الصفحة: 127
باب نية (1) الطهارة
لا تجب النية في طهارة النجس، (وحكي فيها) 336 وجه آخر: أنها تفتقر إلى النية، وليس بمذهبه، ولا تصح طهارة الحدث بغير نية، وبه قال مالك 337، وأحمد 338، وداود، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة 339، والثوري: لا تجب النية في الطهارة بالماء، وتجب في التيمم.335
الجزء: 1 - الصفحة: 128
وقال الحسن بن صالح بن حي 340: يصح التيمم أيضًا نية.
وعن الأوزاعي 341: روايتان.
إحداهما: كقول الحسن.
والثانية: . كقول أبي حنيفة.
(فأما وقت) 342 النية للإجزاء، والصحة ففيه ثلاثة أوجه: = للمرغنيانى 1/ 90 بهامش "فتح القدير" لأن التراب ملوث، والماء مطهر فافتقر إلى النية، والتراب ما جعل مطهرًا إلا بشرطين: الأول: بشرط عدم الماء، والثاني: بشرط أن يكون التيمم للصلاة، لأن قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، بناء على قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، والمراد به فاغسلوا للصلاة، فكذا قوله: فتيمموا للصلاة، فكما يفيد الطهارة حال وجود الماء، فكذا لا يفيدها حال عدم النية، "البابرتي على الهداية" 1/ 90.
الجزء: 1 - الصفحة: 129
أحدها: أنه إذا نوى عند غسل (أول جزء من) 343 وجهه أجزأه، ولا يضره إذا عزبت 344 بعد ذلك.
وإن نوى عند المضمضة، والاستنشاق من غير أن يغسل جزءًا من وجهه، وعزبت نيته عند غسل وجهه، لم يجزه، وهو قول أبي العباس بن سريج، واختاره (الشيخ الإمام أبو إسحاق) 345 رحمه اللَّه.
والثاني: أنه إذا نوى عند المضمضة والاستنشاق، أجزأه، وإن لم يغسل جزءًا من وجهه، وعزبت النية عنده، وهو قول أبي إسحاق، واختاره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه، ولا يجزئه (إذا نوى عند غسل كفيه ثم عزبت بعد ذلك.
والثالث: وهو قول أبي الطيب بن سلمة) 346: أنه إذا نوى عند غسل كفيه في أول الطهارة أجزأه، وإن عزبت بعده، وله وجه جيد.
فأما صفة النية: فأن ينوي رفع الحدث (أو الطهارة عن الحدث) 347 فإن نوى رفع حدث بعينه، ارتفع جميع الأحداث في أظهر الوجوه.
الجزء: 1 - الصفحة: 130
والثاني: أنه لا يرتفع حدثه.
والثالث: أنه إن نوى (رفع) 348 (أول) 349 الأحداث، لم يرتفع حدثه، وإن نوى رفع آخرها، ارتفع جميعها، وذكر هذا الوجه بالعكس من ذلك.
وإن نوى رفع حدث (وكان) 350 لا يرفع غيره، حكي فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يرتفع حدثه.
والثاني: يرتفع، وينبغي أن يكون الوجهان على الوجه الأول في المسألة قبلها.
فإن نوى رفع حدث الغائط ("وبان" أن حدثه كان) 351 بولًا، صحت طهارته.
وذكر فيه وجه آخر: أنه لا يصح، وليس بشيء.
فإن اجتمع عليه الحدث الأكبر والأصغر، فنوى رفع (الحدثين) 352 مطلقًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 131
فقد ذكر بعض أصحابنا: أنا إذا قلنا: يدخل الوضوء في الغسل، أجزأه (لهما) 353 وإن قلنا: لا يدخل، لم يصح لواحد منهما.
(قال الإمام أبو بكر) 354: وعندي، أنه يجب أن يصح للغسل من الجنابة على الوجهين جميعًا.
وإن نوى بطهارته استباحة الصلاة، ارتفع حدثه، وإن نوى استباحة صلاة بعينها، وأن لا يصلي غيرها، صحت طهارته لجميع الصلوات في أصح الوجوه.
والثاني: أنه لا تصح طهارته.
والثالث: أنها تصح (للصلاة) 355 التي عينها دون غيرها.
وإن نوى الوضوء، أو الطهارة مطلقًا لم تصح طهارته في أصح الوجهين.
وإن نوى الطهارة لما يستحب له الطهارة، صحت طهارته في (أصح) 356 الوجهين، واختاره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه.
والثاني: لا يصح، واختاره القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه، وهو قول مالك 357.
الجزء: 1 - الصفحة: 132
وفيه وجه ثالث: أنه إن كان ذلك (مما) 358 يستحب له الطهارة لأجل الحدث كقراءة القرآن، واللبث في المسجد، وسماع الحديث، ونحو ذلك، ارتفع حدثه، وإن كان مما يستحب له الطهارة لا لأجل الحدث كتجديد الوضوء، وغسل الجمعة، (لم يرتفع) 359 حدثه بنيته، وله وجه جيد.
فإن توضأ الكافر، أو اغتسل عن الجنابة ثم أسلم، لم (يعتد) 360 بذلك.
وقال أبو حنيفة 361: يصح، ويصلي به، وهو وجه لأصحابنا.
فإن تيمم في حال صغره لصلاة الوقت ثم بلغ.
ذكر بعض أصحابنا: أنه لا يجوز أن يصلي به الفرض، وفي هذا نظر.
وإن أسلم الكافر قبل أن يغتسل عن الجنابة، لزمه الغسل، وقيل: إنه يسقط عنه فرض الغسل، وليس بشيء.
فإن نوى بغسل أعضائه الطهارة للصلاة، والتبرد، والتنظف، أجزأه.
وقيل فيه وجه آخر: أنه لا يجزئه، وليس بشيء.
الجزء: 1 - الصفحة: 133
فإن فرق النية على أعضاء (الطهارة) 362، صحت طهارته في أصح الوجهين، وإن نوى إبطال الطهارة في أثنائها، لم يبطل ما تقدم منها في أصح الوجهين، (كما) 363 لا يبطل بذلك بعد الفراغ منها.
الجزء: 1 - الصفحة: 134
باب صفة الوضوء
364 إذا أمر غيره (حتى وضأه) 365 ونوى هو، أجزأه 366. وحكي عن داود أنه قال: لا يجزئه حتى يغسل (أعضاءه بنفسه) 367.
الجزء: 1 - الصفحة: 135
ويستحب أن يسمي اللَّه عز وجل على (وضوئه) 368.
وقال أحمد 369: التسمية واجبة على الطهارة، غير أنه إذا تركها ناسيًا، لم تبطل طهارته.
وقال أهل الظاهر: تبطل بكل حال.
ثم يغسل كفيه ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء، إن كان على شك من نجاستهما 370 فإن غمس يده في الإِناء، لم يفسد الماء.
ومن أصحابنا من قال: غسل الكفين قبل إدخالهما الإِناء مستحب بكل حال، وإن تيقن طهارة يده، والمذهب الأول.
وقال داود: إذا قام من نوم الليل، لم يجز له أن يغمس يده في الإِناء حتى (يغسلها) 371، وليس ذلك واجبًا، حتى لو صب الماء على يده، وتوضأ به، جاز وإن لم يغسل يده.
الجزء: 1 - الصفحة: 136
وقال أحمد 372 في إحدى الروايتين: إذا قام من نوم الليل، وجب عليه غسل كفيه، فإن غمس يده في الماء قبل الغسل أراقه، وحكي ذلك عن الحسن البصري.
الجزء: 1 - الصفحة: 137
فصل
ثم يتمضمض 373، ويستنشق 374 ثلاثًا، وذلك سنة 375، وبه قال مالك 376 والزهري 377.
الجزء: 1 - الصفحة: 138
وقال أحمد 378: هما واجبان في الطهارتين.
وقال أبو ثور: الاستنشاق واجب في الطهارتين دون المضمضة.
وقال أبو حنيفة 379، والثوري، ومحمد وأبو يوسف: هما واجبتان في الغسل دون الوضوء.
(وهل) 380 الأفضل، الجمع بينهما (أم) 381 الفصْلُ؟ فيه قولان: قال في "الأم" 382: يجمع بينهما.
وقال في البويطي 383: يفصل، وفي كيفية الجمع والفصل، طريقان: = العزيز: لا أعلم أحدًا أعلم بسنة ماضية منه، وقال أيوب: ما رأيت أحدًا أعلم من الزهري، فقال له صخر بن جويرية: ولا الحسن؟ قال: ما رأيت أعلم من الزهري، وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب، قيل له ثم من؟ قال: ابن شهاب، وسئل ابن عيينة: أيهما أفقه، أو أعلم؟ إبراهيم النخعي أو الزهري؟ قال لا أبا لك، الزهري، مات سنة 124 هـ وهو ابن 72 سنة، "الشيرازي": 63، 64.
الجزء: 1 - الصفحة: 139
أحدهما: أنه على القول الأول، يجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثًا ويستنشق منها ثلاثًا وعلى القول 384 الثاني: يفصل بينهما بغرفتين، يتمضمض بإحداها (ثلاثًا) 385 ويستنشق (بالأخرى) 386 ثلاثًا.
والطريق الثاني: أنه يجمع بينهما على القول الأول ثلاث غرفات، وعلى القول الثاني، يفصل بينهما بست غرفات، والفصل أبلغ.
ولا يغسل العين، وقيل: يستحب غسلها، وليس بمذهب 387. = عن جده قال: "رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يفصل بين المضمضة والاستنشاق" ولأن الفصل أبلغ في النظافة، فكان أولى، "السنن الكبرى" للبيهقي 1/ 51.
الجزء: 1 - الصفحة: 140
فصل
388 ثم يغسل وجهه 389 ثلاثًا 390، والوجه: ما بين منابت شعر الرأس المعتاد إلى منتهى اللحية 391 والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، وفي موضع التحذيف: وهو ما بين ابتداء (العذار) 392 (والنزعة) 393 داخلًا إلى الجبين من جانبي الوجه يؤخذ عنه الشعر يفعله الأشراف وجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 141
أظهرهما: وهو قول أبي إسحاق: أنه من الرأس.
والثاني: وهو قول أبي العباس: أنه من الوجه، وخرج بعضهم على قول أبي العباس في الصدغين، أنهما من الوجه.
وحكي عن أبي (الفياض) 394 وهو قول جمهور البصريين: أن ما استعلى من الصدغين من الرأس وما انحدر عن الأذنين (من) 395 الوجه، وهذا ظاهر الفساد.
وقال الزهري: الأذنان من الوجه، فإن كانت له لحية كثة، لم يلزمه إيصال الماء إلى البشرة تحتها.
ويستحب له تخليلها، ويجب إفاضة الماء على جميعها.
وقال أبو حنيفة 396 في إحدى الروايتين عنه: يجب عليه مسح الشعر المحاذي لمحل الفرض.
وفي الرواية الثانية: يمسح ربعه وهو قول أبي (يوسف) 397.
الجزء: 1 - الصفحة: 142
وعنه رواية أخرى: أنه يسقط الفرض عن البشرة، ولا يتعلق بشعر اللحية، ويروى ذلك شاذًا عن أبي حنيفة.
ويجب غسل ما بين العذار والأذن من البياض.
وقال أبو يوسف: لا يجب غسله على الملتحي.
وقال مالك 398: لا يجب غسله بحال.
وحد الوجه بالعذار، فإن خرجت اللحية عن حد الوجه طولًا وعرضًا، لم يجب غسل ما خرج منها عن حد الوجه، في أحد القولين، وهو قول أبي حنيفة 400 واختيار المزني.
والثاني: أنه يجب إفاضة الماء عليه، وهو قول مالك 401 وهو الأصح.
فإن أفاض الماء على لحيته، أو مسح شعره، ثم ذهب الشعر، لم يجب غسل ما تحته.399
الجزء: 1 - الصفحة: 143
وقال ابن جرير الطبري 402: يجب غسله.
الجزء: 1 - الصفحة: 144
فصل
ثم يغسل يديه ثلاثًا مع المرفقين 403. وقال زفر 404 وأبو بكر بن داود: لا يجب غسل المرفقين، فإن
الجزء: 1 - الصفحة: 145
خلق له يدان على منكب، (إحداهما) 405 ناقصة، فالتامة هي الأصيلة، والناقصة خلقة زائدة، فما حاذى منها محل الفرض وجب غسله.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب غسلها بحال.
فإن طالت أظافيره 406 وخرجت على رؤوس الأصابع، وجب غسلها قولًا واحدًا.
ومن أصحابنا من قال: هي بمنزلة اللحية إذا طالت، وليس بصحيح.
= من القول السيء فيه، ومات زفر رحمه اللَّه سنة 158 هـ ابن ثمان وأربعين سنة، "الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء" 173، 174.
الجزء: 1 - الصفحة: 146
وإذا كان أقطع اليد من فوق المرفق، فلا فرض عليه في اليد.
قال الشافعي رحمة اللَّه عليه: استحب أن يمس ما بقي من العضد ماء، (فظاهر) 407 (هذا) 408 أن ذلك مستحب للأقطع خاصة.
ومن أصحابنا من قال: بل ذلك مستحب (لكل واحد) 409، لأنه من جملة الإسباغ.
الجزء: 1 - الصفحة: 147
فصل
ثم (يمسح) 410 رأسه 411، والواجب منه، ما يقع عليه (اسم المسح) 412 وإن قل.
وقال ابن القاص: لا يجزئه أقل من ثلاث شعرات.
وقال مالك 413: يجب مسح جميع الرأس.
الجزء: 1 - الصفحة: 148
وحكي عن محمد بن مسلمة أنه قال: إن ترك قدر الثلاث جاز.
وقال غيره من أصحابه: إن ترك (قدرًا) 414 يسيرًا بغير قصد جاز.
وعن أحمد 415: روايتان.
إحداهما: أنه يجب مسح جميعه، وهو اختيار المزني.
والثانية: (أنه) 416 يجب مسح أكثره، فإن ترك الثالث منه، جاز.
وعن أبي حنيفة: ثلاث روايات 417.
أظهرها: أنه (يمسح) 418 ربع الرأس 419. = مثل قول القائل: أخذت بثوبه، وبعضده، ولا معنى لإنكار هذا في كلام العرب، أعني كون الباء مبعضة وهو قول الكوفيين من النحوين.
فمن رآها زائدة، أوجب مسح الرأس كله، ومعنى الزائدة ههنا كونها مؤكدة، ومن رآها مبعضة، أوجب مسح بعضه، وقد احتج من رجح هذا المفهوم بحديث المغيرة "أن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ فمسح بناصيته، وعلى العمامة" أخرجه مسلم، وإن سلمنا أن الباء زائدة، بقي ها هنا أيضًا.
احتمال آخر، وهو هل الراجب، الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ ، "بداية المجتهد" لابن رشد 1/ 12، 13.
الجزء: 1 - الصفحة: 149
والثانية: أنه يجب مسح الناصية 420.
والثالثة: أنه يمسح قدر ثلاث أصابع بثلاث أصابع 421، فإن كان له شعر (قد) 422 نزل عن (منبته) 423، ولم ينزل عن حد الرأس، فمسح أطرافه أجزأه.
وقيل: (لا يجزئه) 424، وليس بشيء.
والسنة: أن يمسح جميع رأسه (ثلاثًا) 425.
وقال أبو حنيفة 426، وأحمد 427، ومالك 428، وأبو ثور: لا يستحب التكرار فيه بماء جديد، وإنما يمسح مرة واحدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 150
وقال ابن سيرين: يمسح مرتين.
ويستحب لمن على رأسه عمامة لا يريد نزعها، أن يمسح بناصيته، ويتمم المسح على العمامة 429، فإن اقتصر على مسح العمامة لم يجزه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك 430.
وقال أحمد 431، والثوري، وداود: يجزىء المسح على العمامة، واعتبر أحمد أن يكون قد تعمم على طهر.
وشرط بعض أصحابه: أن تكون تحت الحنك.
فإن مسح جميع رأسه، كان ما زاد على ما يقع عليه الإسم مستحبًا.
وفيه وجه آخر: أن الجميع واجب.
الجزء: 1 - الصفحة: 151
فصل
ثم يمسح أذنيه ظاهرهما، وباطنهما بماء جديد ثلاثًا 432. وهو قول أبي ثور.
وقال مالك 433: الأذنان من الرأس، غير أنه يستحب أن يأخذ لهما ماءً جديدًا.
وقال أحمد 434: هما من الرأس، فيمسحان مع الرأس على رواية الاستيعاب، ويجزىء مسحهما بما مسح به الرأس.
الجزء: 1 - الصفحة: 152
وروي عن أبي حنيفة 435 وأصحابه: أنهما يمسحان بما مسح به الرأس.
وذهب الشعبي 436، والحسن بن صالح: إلى أن ما أقبل منهما على الوجه، من الوجه فيغسل معه، وما أدبر منهما عنه، يمسح مع الرأس.
ويحكي عن أبي العباس بن (سريج) 437: أنه (كان) 438 يغسلهما مع الوجه، ويمسحهما مع الرأس ثلاثًا احتياطًا.
وقال إسحاق: مسح الأذنين واجب.
= أقبل منه وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه مرة واحدة" وروى ابن عباس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مسح رأسه وأذنيه، وظاهرهما، وباطنهما.
"المغني" لابن قدامة المقدسي 1/ 97.
الجزء: 1 - الصفحة: 153
فصل
ثم يغسل (رجليه) 439 مع الكعبين ثلاثًا 440. والكعبان 441: هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق، والقدم 442.
الجزء: 1 - الصفحة: 154
وذهبت الإمامية من الشيعة: إلى أن الواجب هو المسح على (ظهر) 443 القدمين، والأصابع إلى الكعبين، والكعب عندهم في ظهر القدم، والغسل عندهم غير جائز.
وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين المسح والغسل.
وقال ابن جرير (الطبري) 444؛ هو مخير بينهما.
ويستحب البداءة باليمنى من اليدين والرجلين.
وقالت الشيعة: يجب ذلك.
فإن شك بعد الفراغ من الطهارة، هل مسح رأسه، أو لم يمسحه، (فالذي) 445 ذكره الشيخ أبو حامد: أنه لا يؤثر ذلك.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز له الدخول في الصلاة مع الشك في تيمم الطهارة فيمسح رأسه، ويغسل رجليه، واختاره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه.
ويجب الترتيب في الوضوء على ما ذكرناه 446. = وقال: أقيموا صفوفكم، فلقد رأيت الرجل منا يلصق كعبه بكعب صاحبه، ومنكبه بمنكبه" حديث حسن رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما بأسانيد جيدة، "البيهقي" 1/ 76.
الجزء: 1 - الصفحة: 155
وحكى ابن القاص قولًا آخر: أنه (قال 447) إذا نسي ذلك صح وضوءه، والمذهب الأول، وبه قال أحمد 448، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة 449، وأصحابه، ومالك 450: لا يجب الترتيب في الوضوء، وهو قول داود، والزهري، واختيار المزني.
فإن صب أربعة الماء على أعضائه الأربعة في حال واحدة، لم يجزه من ذلك إلا غسل الوجه، وقيل: يجزئه، وليس بشيء.
فإن اغتسل ينوي رفع الحدث من غير جنابة، ولم تترتب أعضاءه، لم يجز، في أصح الوجهين إلا غسل الوجه.
وبنى بعض أصحابنا: هذين الوجهين على أن الحدث يعم جميع البدن، أو (يختص بالأعضاء) 451 الأربعة، وحكى في ذلك وجهين، وهذا بناء فاسد، وإن كان المذهب أن الحدث يعم جميع البدن.
ويجب الترتيب في الأعضاء المسنونة، في أصح الوجهين، لحصول السنة (به) 452، والتفريق الكثير من غير عذر، وهو (بقدر ما = إيجاب الترتيب، ولأنها عبادة تشتمل على أفعال متغايرة، يرتبط بعضها ببعض، فوجب فيها الترتيب، كالصلاة والحج، "المهذب" للشيرازي 1/ 26.
الجزء: 1 - الصفحة: 156
يجف الماء) 453 عن العضو في الزمان المعتدل، لا يبطل الطهارة 454 في أصح القولين، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه.
وقال في القديم: تبطل الطهارة، وهو قول مالك 455، والليث بن سعد.
والتفريق لعذر لا يبطل.
وقال مالك: أن كان للعجز عن الماء أبطل، وإن كان لنسيان (لم) 456 يبطل.
(ورجح) 457 بعض أصحابه: في التفاحش إلى العرف.
وقال أحمد 458: التفريق يبطل الوضوء دون الغسل.
الجزء: 1 - الصفحة: 157
فإذا قلنا إنه يبني على الطهارة، فهل يلزمه تجديد النية على ما يغسله في البناء؟ فيه وجهان.
وتفريق التيمم كتفريق الوضوء.
ومن أصحابنا من قال: تفريق التيمم يبطله قولًا واحدًا، وليس بشيء.
الجزء: 1 - الصفحة: 158
باب المسح على الخفين
يجوز المسح على الخفين في الوضوء 459.
وقالت الخوارج والإمامية: لا يجوز ذلك، وهو قول أبي بكر بن داود 460، (وخالف أباه) 461 في ذلك.
وهو مؤقت بيوم وليلة في
الجزء: 1 - الصفحة: 159
الحضر، وثلاثة أيام ولياليهن في السفر على قوله الجديد، وبه قال أبو حنيفة 462، وأحمد 463.
وقال في القديم: هو غير مؤقت، ورجع عنه، وهو قول مالك 464 في السفر.
واختلفت الرواية عنه في الحضر.
(فأشهر) 465 الروايتين: (أنه) 466 يمسح من غير (توقيت) 467.
والثانية: أنه لا يمسح بحال.
وقال داود: يمسح المقيم خمس صلوات، والمسافر خمس عشرة صلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 160
وابتداء المدة من (حين) 468 يحدث بعد لبس الخف، إلى مثل ذلك الوقت في الحضر، وإلى مثله (من) 469 اليوم الرابع في السفر، وهو قول أبي حنيفة 470.
وقال أحمد 471، وأبو ثور، وداود: ابتداء المدة من حين يمسح على الخف.
وحكي عن الحسن البصري أنه قال: ابتداء المدة من حين اللبس.
الجزء: 1 - الصفحة: 161
فصل
إذا مسح في الحضر، ثم سافر، أتم مسح مقيم، وبه قال أحمد 472.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا مسح أحد الخفين في الحضر، ثم سافر، ومسح الخف الآخر، فإنه يتم مسح مسافر، وهذا فاسد.
وقال أبو حنيفة: يتم مسح مسافر.
وإن أحدث في الحضر، ودخل عليه وقت الصلاة، فلم يمسح حتى خرج الوقت، ثم سافر ومسح، مسح (مَسْحَ) 473 مسافر، في أصح الوجهين وهو قول أبي علي بن أبي هريرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 162
وقال أبو إسحاق: يتم مسح مقيم.
وإن سافر قبل خروج الوقت، ومسح في السفر، مسَح مسْح مسافر.
وحكي (عن) 474 المزني رحمه اللَّه رواية غير معروفة: أنه يتم.
مسح مقيم.
وإن مسح في السفر، ثم أقام، أتم مسح مقيم.
وقال المزني رحمه اللَّه: إذا مسح في السفر يومًا وليلة، ثم أقام، مسح ثُلْثَ يومين وليلتين، وذلك ثلثا يوم وليلة.
فإن شك هل بدأ بالمسح في الحضر، أو في السفر، بنى الأمر على أنه بدأ به في الحضر، ليغسل الرجل بعد يوم وليلة، فإن بنى الأمر على أنه مسح في السفر، ومسح في اليوم الثاني، ثم بان له أنه كان قد بدأ بالمسح في السفر، فإن صلاته بالمسح في اليوم الثاني لا تصح مع الشك، ومسحه صحيح على ما ذكره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه، فيصلي به بعد (التبيين) 475.
وقال غيره: لا يصح مسحه (مع) الشك، وهو اختيار الشيخ الإمام أبي إسحاق رحمه اللَّه.
الجزء: 1 - الصفحة: 163
فصل
ويجوز المسح على كل خف صحيح، يمكن متابعة المشي عليه، فأما الخف المخرق، فلا يصح المسح عليه في أصح القولين.
وقال في القديم: إِن كان الخرق لا يمنع متابعة المشي عليه، لم يمنع المسح، وبقوله الجديد، قال أحمد 476، والطحاوي 477.
الجزء: 1 - الصفحة: 164
وقال مالك 478: إن كان الخرق يسيرًا، لم يمنع، وإن كان فاحشًا منع، وبه قال (سفيان) الثوري.
وقال أبو حنيفة 479: إن كان الخرق قدر ثلاثة أصابع منع، وإن كان أقل من ذلك لم يمنع، وروي ذلك عن الحسن البصري.
وإن لبس جوربًا صفيقًا لا يشف (ومنعلًا) 480 يمكن متابعة المشي عليه، جاز المسح عليه، وبه قال أبو حنيفة 481. = و"الشروط الأوسط"، و"مختصر الشروط" في خمسة أجزاء محفوظة في مكتبة شيخ الإسلام فيض اللَّه، وغيرها من الكتب، توفي 321 هـ ودفن بالقرافة وخبره مشهور بها، "الحاوي في سيرة الإمام أبي جعفر الطحاوي": 4، 5، 13، 33، 40، 43، 44، "الجواهر المضية" 1/ 102، "اففهرست" لابن النديم: 207، "ابن خلكان" 1/ 53، و"عبر الذهبي" 2/ 186.
الجزء: 1 - الصفحة: 165
وقال أحمد، وأبو يوسف، ومحمد، وداود 482: يجوز المسح على جورب وإن لم يكن له نعل.
فإن لبس خفًا ضيقًا: فقد قال عامة أصحابنا لا يجوز المسح عليه.
قال القاضي حسين رحمه اللَّه: (يحتمل) 484 أن يقال: يجوز المسح عليه.483485486
الجزء: 1 - الصفحة: 166
فصل
لا يجوز المسح على (الجرموق) 487، وهو خف يلبس فوق (خف) وهما صحيحان في أحد القولين، وهو أشهر الروايتين عن مالك 488.
الجزء: 1 - الصفحة: 167
والثاني: يجوز المسح عليه، وهو قول أبي حنيفة 489، وأحمد 490، (وهو) 491 اختيار المزني 492 رحمه اللَّه، فإن قلنا بالأول، فأدخل يده في ساق الجرموق، ومسح على الخف تحته أجزأه على ظاهر المذهب.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجزئه وهو قول الشيخ أبي حامد، والأول اختيار القاضي أبي الطيب رحمه اللَّه وإن قلنا بالقول الثاني، فلم يمسح على الجرموق (و) 493 أدخل يده في ساقه، ومسح على الخف أجزأه في أظهر الوجهين.
وإن لبس الجرموقين ومسح عليهما، وقلنا: بجواز ذلك، ثم نزعهما، ففيه ثلاثة طرق.
أحدها: أن الجرموق كالخف (المنفرد) 494، فإذا نزعه، اقتصر على مسح الخف في أحد القولين، واستأنف الوضوء، ومسح على الخف في القول الآخر.
والطريق الثاني: أن الجرموق مع الخف، كالخف فوق اللفافة،
الجزء: 1 - الصفحة: 168
فيلزمه نزع الخف إذا نزعه، ويقتصر على غسل (الرجل) في أحد القولين، ويستأنف الوضوء في القول الآخر.
والطريق الثالث: أن نزع الجرموق لا يؤثر، كالظهارة مع البطانة.
فإن نزع أحد الجرموقين، بطل المسح في الجرموق الآخر، ("ولزمه" 495 نزعه، ويكون كما لو نزعها على ما تقدم.
وقال زفر: لا يبطل المسح في الجرموق الآخر) 496، فيمسح على الخف الذي نزع عنه الجرموق وحده.
فإن لبس خفًا مغصوبًا، جاز له المسح عليه.
وقال ابن القاص: لا يجوز.
وإن كان في سفر معصية، فهل يجوز له أن يمسح يومًا وليلة؟ فيه وجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 169
فصل
ولا يجوز المسح على الخف حتى يلبسه على طهارة كاملة، فإن غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف، لم يجز له أن يمسح حتى يخلع الذي لبسه أولًا، ويعيد لبسه، وبه قال مالك 497 وأحمد 498. وقال أبو حنيفة 499: يجوز المسح عليه، وبه قال داود، (واختاره) 500 المزني، غير أن أبا حنيفة، لا يعتبر الطهارة في ابتداء
الجزء: 1 - الصفحة: 170
اللبس بحال، حتى لو لبس الخف على حدث، ثم توضأ وغسل، (رجليه) 501 في الخفين، ثم أحدث، جاز له المسح، ويعتبر أن يرد الحدث بعد اللبس على طهارة كاملة.
فإن لبس الخفين على طهارة 502، ثم أحدث، ومسح عليهما، ثم لبس الجرموقين، ثم أحدث وقلنا: (بجواز) 503 المسح على الجرموقين لم يجز (المسح) 504 عليهما في أحد الوجهين.
وفي الثاني: يجوز.
إذا توضأت المستحاضة، ولبست الخفين، (وأحدثت) 505 حدثًا غير الاستحاضة، جاز لها أن تمسح على الخف (للفريضة) 506، وما شاءت من النوافل.
وقال زفر 507: لها أن تصلي به ما يصلي الطاهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 171
وحكى القفال في جواز صلاتها بالمسح على الخف قولين: وبناهما على أن (طهارتها) 508 هل ترفع الحدث، أم لا؟ وهذا فاسد في الأصل والبناء.
فإن تيمم، ولبس الخف، ثم وجد الماء.
قال أبو العباس: يجوز له المسح لفريضة، وما شاء من النوافل.
وقال سائر أصحابنا: لا يجوز له المسح.
الجزء: 1 - الصفحة: 172
فصل
السنة: أن يمسح (أعلى) 509 الخف، وأسفله، فيضع كفه اليسرى 510 تحت عقب الخف، واليمنى على أطراف الأصابع، ثم يمر اليمنى إلى ساقه، واليسرى إلى رؤوس الأصابع 511، وهو قول الزهري ومالك 512.
الجزء: 1 - الصفحة: 173
وقال أبو حنيفة 513، والثوري، وأحمد 514، وداود: لا مدخل لأسفل الخف في المسح.
وأما عقب الخف، فمن أصحابنا من قال: يمسحه قولًا واحدًا، ومنهم من قال: فيه قولان، أصحهما: أنه يمسحه.
(قال) 515: فإن اقتصر على مسح أعلى الخف، أجزأه، وإن اقتصر على مسح أسفله، لم يجزئه على المنصوص.
وقال أبو إسحاق: القياس أن يجزئه.
وحكي عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه كان يخرج ذلك على قولين:
الجزء: 1 - الصفحة: 174
أحدهما: لا يجزئه، وهو قول أبي حنيفة 516، وأبي العباس بن (سريج) 517.
والثاني: يجزئه، وهو قول أبي إسحاق.
فأما الاقتصار على العقب، فإن قلنا: إن مسحه سنة، جاز الاقتصار عليه.
وإن قلنا: (إن مسحه) 518 ليس بسنَّة، ففي الاقتصار عليه وجهان.
قال (الإمام أبو بكر) 519: وعندي، أنه يجب أن يكون الأمر بالعكس من ذلك، فإن قلنا: إنه ليس بسنة، لم يجز الاقتصار عليه وجهًا واحدًا.
وإن قلنا: إنه سنة، ففي الاقتصار عليه وجهان.
ويجزئه من مسح الأعلى، ما يقع عليه الاسم، وبه قال الثوري، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة 520: يجب مسح قدر ثلاثة أصابع بثلاث أصابع 521.
وقال زفر 522: إن مسح قدر ثلاث أصابع بأصبع واحدة أجزأه.
الجزء: 1 - الصفحة: 175
وقال أحمد 523: يجب مسح أكثر الخف.
وقال مالك 524: يلزمه مسح جميع محل الفرض.
الجزء: 1 - الصفحة: 176
فصل
إذا نزع الخفين بطل المسح، واقتصر على غسل الرجلين في أصح القولين، وهو قول أبي حنيفة 525 (واختاره) 526 المزني.
والقول الثاني: أنه يستأنف الوضوء، وبه قال أحمد 527، والقولان أصلان (بأنفسهما) 528 على الصحيح من المذهب.
ومن أصحابنا: من بناهما على القولين في تفريق الوضوء.
الجزء: 1 - الصفحة: 177
وقال مالك 529: إن كان قد تطاول الفصل، لزمه استئناف الطهارة، وإن لم يتطاول، غسل الرجلين.
وقال الحسن البصري، وداود: يصلي بطهارة المسح، إلى أن يحدث، واختلفا:
فقال الحسن: لا يجب عليه نزع الخفين.
وقال داود: يجب عليه نزعهما، ثم يصلي إلى أن يحدث، ولا يصلي قبل نزع الخفين.
فإن خلع أحد الخفين، فإنه يبطل حكم المسح في الآخر، فينزع الخف (الآخر) 530 ويغسل الرجلين.
وحكي عن أصبغ 531 من أصحاب مالك أنه قال 532: لا يلزمه ذلك، بل يمسح على الخف الآخر، ويغسل الرجل.
فإن مسح على الخف، ثم أزال رجله عن موضع القدم، (ولم
الجزء: 1 - الصفحة: 178
تبرز) 533 عن الكعبين، لم يبطل المسح على قوله القديم.
وقال في الجديد: يبطل المسح، وهو قول أبي حنيفة 534، ومالك: 535 وأحمد 536، وهو الأصح.
الجزء: 1 - الصفحة: 179
باب الأحداث
537 (والأحداث) 538 الموجبة للطهارة أربعة 539: أحدها: الخارج من السبيلين نادرًا كان، أو معتادًا 540، وبه قال
الجزء: 1 - الصفحة: 180
أبو حنيفة 541 وأصحابه، وأحمد 542.
وقال مالك 543: لا وضوء (فيما) 544 يخرج نادرًا كالحصا، والدود، (والمذي) 545 الدائم، ودم الاستحاضة.
وقال داود: لا يجب الوضوء بالدود، والدم.
(و) 546 الريح الخارجة من الذكر، أو المقبل توجب (الطهارة).
وقال أبو حنيفة 548: لا توجب.
فإن أطلعت دودة رأسها من أحد السبيلين، ولم تنفصل حتى رجعت.
انتقض طهره، في أظهر الوجهين فإن انسد المخرج المعتاد،547
الجزء: 1 - الصفحة: 181
وانفتح دون المعدة، مخرج يخرج منه البول، والغائط، انتقض الوضوء (بالخارج) 549 منه 550، وإن انفتح فوق المعدة، لم ينتقض وضوءه في أحد القولين، وهو اختيار المزني 551، وإن لم (ينسد) 552 المخرج المعتاد، وانفتح دون المعدة (مخرج) 553، لم ينتقض الوضوء بالخارج منه، في أظهر الوجهين، وإن انفتح فوق المعدة، لم ينتقض الوضوء بالخارج منه (وجهًا واحدًا) 554. ومن أصحابنا من بنى (ذلك) 555 عليه إذا انسد المخرج المعتاد وانفتح فوق المعدة، وقلنا: بأحد القولين، أن الوضوء ينتقض فها هنا وجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 182
فصل
والثاني: زوال العقل، بجنون، أو إغماء، أو نوم.
النوم: حدث في الجملة.
وحكي عن أبي موسى الأشعري 556 رضي اللَّه عنه: أنه كان يقول: النوم ليس بحدث بحال، وروي (مثله) 557 عن عمرو بن
الجزء: 1 - الصفحة: 183
دينار 558، وأبي (مجلز) 559، وهو قول الإمامية.
فإن نام جالسًا متمكنًا بمحل الحدث من الأرض، لم ينتقض طهره (على) 560 المنصوص في عامة كتبه، وفيه قول آخر: أنه ينتقض طهره، وهو اختيار.
المزني رحمه اللَّه، وهو قول (أبي) 561 إسحاق، فيكون النوم حدثًا بكل حال.
فإن نام قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا في الصلاة، انتقض طهره في أصح القولين.
وقال في القديم: لا ينتقض.
وقال أبو حنيفة 562: إذا نام على هيئة من هيئات الصلاة في حال
الجزء: 1 - الصفحة: 184
الاختيار من قيام، أو قعود أو ركوع، أو سجود 563.
وإن كان خارج الصلاة، لم ينتقض طهره، وبه قال داود 564.
وقال مالك 567: النوم ينقض الوضوء، إلا أن يكون يسيرًا في حال الجلوس.
وحكي عن أحمد أنه قال 568: النوم اليسير في حال القيام، (والقعود) 569، والركوع، والسجود، لا ينقض.565566
الجزء: 1 - الصفحة: 185
فصل
والثالث: اللمس بين الرجل والمرأة من غير حائل، فينقض طهر (اللامس) 570 وهو قول الزهري.
وقال أبو حنيفة وأصحابه 571: إن ذلك لا ينقض الطهارة، وبه قال عطاء، وطاووس 572. وروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما، غير أن أبا حنيفة، وأبا يوسف قالا: إذا وضع الفرج على الفرج مع الانتشار انتقض
الجزء: 1 - الصفحة: 186
الطهر 573، (وخالفهما) 574 في ذلك محمد بن الحسن 575.
وقال مالك 576، وأحمد 577: إن (لمس) 578 بشهوة انتقض طهره.
وقال داود: إن قصد اللمس انتقض طهره، وخالفه ابنه فقال: ينقض بكل حال.
فأما لمس الشعر، فلا ينقض، وحكي فيه وجه آخر: أنه ينقض وليس بمذهب.
وقال مالك 579: إن لمسه بشهوة انتقض طهره، وكذا قال في اللمس من وراء حائل بشهوة، والملموس: لا ينقض طهره في (أظهر) 580 القولين 581.
الجزء: 1 - الصفحة: 187
ولمس ذوات المحارم، لا ينقض الطهر في أظهر القولين، وكذا لمس الصغيرة (التي لا تقصد) 582 بالشهوة، فيه وجهان 583. فأما لمس المرأة (المسنه) 584، فمن أصحابنا من قال: (ينقض الطهر) 585 ومنهم من قال: يجري مجرى لمس الصغيرة التي لا تشتهي.
ولمس الأمرد لا ينقض الطهر.
وحكي عن أبي سعيد الاصطخري 586: أنه ينقض، وليس بمذهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 188
فصل
والرابع: مس الفرج ببطن الكف، فإنه ينقض الطهر 587، وبه قال مالك 588، وأحمد 589، والمزني.
الجزء: 1 - الصفحة: 189
وقال أبو حنيفة وأصحابه 590: لا ينقض بحال.
وعن مالك رواية أخرى 591: أنه يعتبر فيه الشهوة.
وإن مسه بظهر كفه، أو ساعده (لم) 592 ينقض طهره 593.
ويروى عن عطاء: أنه ينقض الطهر، وهو إحدى الروايتين عن أحمد 594.
ويروى عن مالك 595: وإن مس ذكره بما بين الأصابع لم ينقض طهره في أظهر الوجهين.
وإن مس ذكرًا مقطوعًا 596، انتقض طهره في أظهر الوجهين، وإن
الجزء: 1 - الصفحة: 190
مسه ببطن أصبع زائدة على كفه انتقض طهره (في أظهر الوجهين) 597.
وقال أبو علي في الإفصاح: يحتمل أن لا ينقض.
وإن مس ذكره بيد شلاء 598، فقد ذكر فيه وجهان.
والصحيح: أنه ينتقض طهره.
وإن مس الدبر 599 انتقض طهره.
وحكى ابن القاص قولًا آخر: أنه لا ينتقض، وليس بمشهور، وهو قول مالك 600، وداود.
وإن انسد المخرج المعتاد، وانفتح مخرج آخر، وقلنا: ينتقض الوضوء بالخارج منه فهل ينتقض بمسه؟ فيه وجهان:
وإن مس فرج غيره من صغير، أو كبير، حي، أو ميت، انتقض طهره.
وحكي عن داود أنه قال: (مس) 601 فرج غيره لا ينتقض الطهر.
= 1/ 61، و"فتح المعين" بشرح "قرة العين" 1/ 61، و"إعانة الطالبين" 1/ 61.
الجزء: 1 - الصفحة: 191
وحكي عن مالك 602 أنه قال: لا ينقض الطهر بمس فرج الصغير.
وقال إسحاق (في) 603 من مس فرج الميت: لا ينقض، وقد خرج فيه (وجه) 604 لبعض أصحابنا.
وقال مالك 605: مس المرأة فرجها لا ينقض طهرها، وحكي عن بعض أصحابه: إذا كان بشهوة نقض.
(فإن خلق لرجل ذكران يبول منهما جميعًا، فمس أحدهما).
ذكر بعض أصحابنا: أنه ينتقض وضوؤه، وإن أولج أحدهما في فرج، وجب عليه الغسل، وفي هذا نظر، لأن اللَّه تعالى أجرى العادة أن يكون للواحد ذكر واحد، (والآخر) 606 زائد لا محالة، فيقضى له بحكم المشكل.
ومس فرج البهيمة لا ينقض الطهر.
وحكى ابن عبد الحكم قولًا آخر عن الشافعي رحمه اللَّه: أنه ينقض 607 (الوضوء) 608، وبه قال الليث، وليس بمذهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 192
وحكي عن عطاء: نقض الطهر بمس فرج بهيمة مأكولة.
فإن مس العانة 609، والأنثيين، لم ينتقض طهره.
وحكى عن عروة أنه قال: ينتقض طهره.
فإن مس بذكره دبر غيره.
فقد قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: الذي يقتضيه المذهب، أن لا ينتقض طهره، والذي يقتضيه التعليل أن ينتقض.
وقد ذكر الشيخ الإمام (أبو أسحاق) 610 رحمه اللَّه في الخلاف: ما يوافق ما يقتضيه المذهب، وما سوى ما ذكرناه لا ينقض الطهر، (كالخارج) 611 من غير السبيلين من قيء 612، أو رعاف، وهو قول مالك 613، وداود.
وقال أبو حنيفة: كل نجاسة خارجة من البدن، فإنها تنقض الطهر، كالدم إذا سال، والقيء إذا ملأ الفم 614، وبه قال أحمد 615.
الجزء: 1 - الصفحة: 193
وعن أحمد رواية أخرى: أنه إن قطر الدم قطرة لم ينقض.
وعنه رواية أخرى: أنه إن (خرج) 616 منه قدر ما يعفى عنه، وهو شبر (في شبر) لم ينقض.
عن ابن أبي ليلى: أنه ينقض قليله وكثيره.
وروي عن زفر، وعطاء: وأكل شيء من اللحوم لا ينقض الطهر.
وحكي عن عمر بن عبد العزيز 617، والحسن البصري، والزهري: أنهم كانوا يتوضأون مما مست النار 618. = كثيرها، لقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث فاطمة بنت حبيش: "إنه دم عرق فتوضئي لكل صلاة"، رواه الترمذي 1/ 217، والقليل من هذه الأشياء لا تنقض الوضوء، لمفهوم قول ابن عباس في الدم: إذا كان فاحشًا فعليه الإعادة، قال أحمد: عدة من الصحابة تكلموا فيه، وابن عمر عصر بثرة، فخرج الدم، فصلى، ولم يتوضأ، وابن أبي أوفى عصر دملًا، وذكر غيرهما، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعًا، "كشاف القناع" 1/ 124.
الجزء: 1 - الصفحة: 194
وقال أحمد: أكل لحم الجزور ينقض الطهر 619، وحكاه ابن (القاص) 620 عن الشافعي رحمه اللَّه في القديم 621 والقهقهة لا تنقض الطهر، وهو قول مالك (4)، وأحمد (5). وقال أبو حنيفة: القهقهة في غير صلاة الجنازة، والعيد من (الصلوات) 622 تنقض الطهر وهو قول الثوري، والنخعي 623.
الجزء: 1 - الصفحة: 195
وعن الأوزاعي: روايتان 624.
ويستحب أن يتوضأ من القهقهة، والكلام القبيح، لآثار رويت فيه 625.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: والأشبه من ذلك أن (يكونوا) 626 أرادوا به غسل اليد (والفم) 627.
والشيخ الإمام أبو إسحاق رحمه اللَّه اختار الأول، وهو الأصح.
= وصلاة الجنازة: ليست بصلاة مطلقة، وكذلك سجدة التلاوة، "مبسوط" 1/ 278. ويقول البابرتي: فلا يتعدى إلى صلاة الجنازة: وسجدة التلاوة، وصلاة الصبي، وصلاة الباني بعد الوضوء على إحدى الروايتين، وصلاة النائم، فإن الوضوء لا يفسد في جميع ذلك، "فتح القدير" 1/ 35. ولذلك فرواية القفال (صلاة العيد) غير صحيحة، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 196
فصل
إذا تيقن الطهارة، وشك في الحدث، بنى على يقين الطهارة، ويستحب له أن (يتوضأ) 628. وقال مالك: يجب عليه أن (يتوضأ) (2). وقال الحسن البصري: إن (طرأ) 629 عليه الشك في الحدث وهو في الصلاة أتمها، وبنى على اليقين، وإن طرأ عليه ذلك قبل التلبس بها، لزمه الوضوء، (وإن) 630 تيقن حدثًا وطهارة، وشك في السابق منهما، نظر فيما كان (قبلهما) 631 عليه، فإن كان محدثًا، فهو الآن
الجزء: 1 - الصفحة: 197
متطهر، وإن كان متطهرًا، فهو الآن (محدث) 632.
ومن أصحابنا من قال: يجب عليه الوضوء بكل حال.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهو الأصح لتساوي حالهما، وذكر فيه وجه آخر: أنه يتمسك بالأصل فإن كان محدثًا، فهو محدث، وإن كان متطهرًا، (فهو متطهر) 633، وليس بشيء.
الجزء: 1 - الصفحة: 198
فصل
يحرم على المحدث مس المصحف 634، وحمله على غير طهارة، وهو قول مالك 635. وقال أبو حنيفة: يجوز له حمله (في غلافه) 636 و (بعلاقته) 637
الجزء: 1 - الصفحة: 199
على غير طهارة، (وهو قول مالك) 638، ولا يجوز له (مس أوراقه) 639، وبه قال أحمد 640، وحكاه ابن المنذر عن الحكم 641، وعطاء.
وقال الخراسانيون من أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز له مس موضع الكتابة، ويجوز (له) 642 مس ما سوى ذلك 643.
وقال داود: كل ذلك جائز 644.
إذا وضع الورق بين يدين، وكتب القرآن فيه وهو محدث، جاز.
الجزء: 1 - الصفحة: 200
وحكي فيه وجه آخر: أنه لا يجوز، (وليس بصحيح) 645
(فإن حمل صندوق المتاع، وفيه مصحف جاز، وحكي فيه وجه آخر: أنه لا يجوز، وليس بصحيح) 646.
وفي (حمل) 647 الصبيان الألواح التي يكتبون عليها القرآن على غير طهارة، وجهان 648.
وفي حمل الدراهم الآحادية، والثياب المطرزة بآيات من القرآن، (وكتب الفقه، وفيها آيات من القرآن) 649 غير طهارة وجهان:
أصحهما: جواز ذلك.
وقيل في تفسير القرآن: إنه إن كان القرآن أكثر، حرم حمله، وإن كان التفسير أكثر، فعلى الوجهين، ولا اعتبار بالكثرة عندي في ذلك، وإنما الاعتبار بالمقصود، وقيل: إن كان قد كتب القرآن في سطر بخط غليظ، وتفسيره تحته، في سطر، لم يجز حمله، وإن لم يتميز عنه في الخط كره، وهذا لا معنى له، (فإنه) 650 إن لم يكن قد ترك من القرآن شيئًا في نظمه، فهو مصحف أبدع فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 201
(وإن) 651 كان على موضع من بدنه نجاسة، وهو على طهارة، فمس المصحف بغيره جاز.
وقال أبو القاسم الصيمري 652 من أصحابنا: لا يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 202
باب الاستطابة
يحرم استقبال القبلة واستدبارها لقضاء الحاجة في الصحراء 653، ويجوز في البنيان 654، وله قال مالك 655، وأحمد 656 في إحدى الروايتين
الجزء: 1 - الصفحة: 203
عنه، وروي ذلك عن العباس 657 وعبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه (عنهم) 658.
وقال داود: يجوز الاستقبال، والاستدبار في المكانين.
وقال أبو حنيفة 659، والثوري: لا يجوز الاستقبال في المكانين، وعنه في الاستدبار، روايتان:
إحداهما: (يجوز) 660.
والثانية: (لا يجوز) 661 فيهما.
= القبلة، ولا يستدبرها لغائط، ولا بول"، سنن البيهقي 1/ 91، و"مسند الشافعي": 338، أما دليل جواز ذلك في البنيان، فلما روت عائشة رضي اللَّه عنها، أن أناسًا كانوا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أو قد فعلوها، حولوا بمقعدتي إلى القبلة" رواه أبو داود أيضًا 2/ 22.
الجزء: 1 - الصفحة: 204
وروي مثل ذلك: عن أحمد 662.
وروي عن أبي أيوب الأنصاري 663: (المنع) 664 منهما في المكانين جميعًا، وهو قول النخعي.
وحكي (عن) 665 بعض أصحاب مالك: أنه ذكر في الجماع مستقبل القبلة، اختلافًا بين أصحاب مالك.
فقال (ابن) 666 القاسم 667: لا بأس به.
الجزء: 1 - الصفحة: 205
وقال ابن حبيب 668: يكره 669.
وعندي: أنه لا يتصور هذا الحكم في الجماع.
والاستنجاء واجب، من البول، والغائط، وبه قال أحمد 670، وداود، ومالك 671 في إحدى الروايتين عنه.
وقال أبو حنيفة 672: الاستنجاء غير واجب، وهو الرواية الثانية عن مالك، ويحكى عن المزنى، وقدّر أبو حنيفة النجاسة التي تصيب الثوب، والبدن، في (العضو) 673 بقدر الدرهم (البغلي) 674 اعتبارًا (بمحل) 675 النجو عندهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 206
فإن خرجت منه بعرة يابسة، (أو حصاة) 676، أو دودة لا رطوبة معها، لم يجب منها الاستنجاء في أصح القولين.
فإن (توضأ) 677 قبل أن يستنجي صح وضوؤه، ويستنجي بعده بالحجر.
وإن تيمم قبل أن يستنجي، لم يصح تيممه في أصح القولين.
والقول الثاني: أنه يصح (حكاه الربيع) 678.
وقال أبو إسحاق: هذا من كيسه 679.
وإن كان على بدنه نجاسة في غير محل النجو، فتيمم قبل غسلها، لم يصح تيممه في أصح الوجهين.
وقال أبو علي في الإفصاح: يصح قولًا واحدًا.
وإذا أراد الاستنجاء من الغائط، ولم يجاوز الموضع المعتاد، فالأفضل أن يجمع بين الماء والحجر 680، فإن اقتصر على أحدهما، فالماء أولى، وإن اقتصر على الحجر، جاز، ويلزمه فيه الإِنقاء، حتى
الجزء: 1 - الصفحة: 207
لا يبقى إلّا أثر لاصق، لا يزيله إلّا الماء (واستيفاء ثلاث) 681 مسحات، وبه قال أحمد 682.
وقال داود: الواجب، الإنقاء دون العدد.
وأبو حنيفة يقول: الاستنجاء مستحب، ولا يستحب فيه (العدد) 683.
وفي كيفية الاستنجاء وجهان:
قال أبو علي بن أبي هريرة 684: يضع حجرًا على مقدم الصفحة اليمنى، (ويمره) 685 إلى مؤخرها، ثم يديره إلى الصفحة اليسرى، ويمره عليها إلى الموضع الذي بدأ منه، ويأخذ الثاني، فيمره من مقدم الصفحة اليسرى، ويمره إلى مؤخرها، ويديرها إلى (اليمنى) 686 على ما ذكرناه، ويأخذ الثالث فيمره على الصفحتين، والمسربة.
وقال أبو إسحاق: يأخذ حجرين للصفحتين، وحجرًا للمسربة، والأول أصح.
وإن كان يستنجي من البول، أمسك ذكره بيساره، ومسحه على الحجر.
الجزء: 1 - الصفحة: 208
وحكي عن بعض أصحابنا: أنه يأخذ ذكره بيمينه، والحجر بيساره فيمسحه به.
قال الشافعي رحمه اللَّه: (الثيب) 687، والبكر سواء، وهذا صحيح.
والواجب: أن تغسل ما يظهر من فرجها عند جلوسها، وذلك دون البكارة.
وحكي عن بعض أصحابنا أنه قال 688: الثيب تغسل باطن فرجها، فلا يصح أن تستنجي بالحجر، (وهذا) 689 خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه.
وذكر في الخنثى المشكل: أنه لا يجوز أن يستنجي بالحجر.
(وقال الإِمام أبو بكر) 690: وعندي: أن هذا (ينبني) 691 على الوجهين فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 209
إذا انفتح مخرج (آخر) 692 مع بقاء المخرج المعتاد، فإن هذا الفرج الزائد، الذي يخرج عنه بول، يكون دون هذا الذي انفتح ويخرج منه الخارج.
الجزء: 1 - الصفحة: 210
فصل
ويجوز الاستنجاء بالحجر، وما يقوم مقامه، وهو كل جامد طاهر (منقي) 693 لا حرمة له، ليس بجزء من حيوان.
فإن استنجى بشيء نجس لم يصح، ولزمه أن يستنجي بعده بالماء، ولا يجزئه الحجر، وفيه وجه آخر: أنه يجزئه الحجر بعده.
وقال أبو حنيفة 694: يصح الاستنجاء بالجامد النجس.
ومن أصحابنا من قال في الحجر المستعمل بعد الإنقاء (لاستيفاء) 695 العدد: أنه لا يجوز الاستنجاء به، كالماء المستعمل، وليس بشيء.
الجزء: 1 - الصفحة: 211
ولا يصح الاستنجاء بالطعام، والعظام، وما له حرمة 696.
وقال مالك 697: إذا كان ظاهرًا، جاز الاستنجاء به.
وقال أبو حنيفة 698: يصح الاستنجاء بالعظم.
فإن استنجى بجزء من حيوان، كذنب حمار، لم يصح في أحد الوجهين، واختاره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه.
والثاني: يصح واختاره في الحاوي.
وحكي عن أبي علي بن خيران 699: أنه أجاز أن يستنجي بكف
الجزء: 1 - الصفحة: 212
نفسه، كما يجوز أن يستنجي بكف غيره، وإن استنجى بجلد مذكى غير مذبوح، لم يصح في أظهر القولين.
فإن جاوز الخارج، الموضع المعتاد، إلى باطن الألية (أجزأه فيه إلّا الماء.
ومن أصحابنا من قال: يجوز الحجر في أظهر القولين) 700.
والثاني: لا يجزىء فيه إلّا الماء.
وإن خرج إلى ظاهر الألية (لم يجزئه) 701 إلّا الماء.
ومن أصحابنا من قال 702: يجوز أن يستعمل في ظاهر الألية الماء، وفي الباطن الحجر.
(فأما البول فقد) 703 قال أبو إسحاق المروزي: إذا جاوز المخرج (المعتاد) 704 لم يجز فيه إلّا الماء.
ومن أصحابنا من قال: هو بمنزلة الغائط.
فإذا لم يجاوز الحشفة، كان فيه قولان.
الجزء: 1 - الصفحة: 213
وإن كان الخارج نادرًا، كالدم، فهل يجزىء فيه الحجر؟ فيه قولان 705. فإن انسد المخرج المعتاد، وانفتح مخرج (آخر) 706، (و) 707 قلنا: ينتقض الوضوء بالخارج منه، فهل يجزىء فيه الحجر؟ فيه وجهان.
الجزء: 1 - الصفحة: 214
باب ما يوجب الغسل
708 والذي يوجب الغسل: إيلاج 709 الحشفة في الفرج، وإنزال
الجزء: 1 - الصفحة: 215
المني 710 والحيض، والنفاس.
فالإيلاج: يوجب الغسل، وإن لم يتصل به إنزال 711.
وقال داود: لا يوجب الغسل بحال، وروي ذلك عن أُبي بن كعب في آخرين من الصحابة رضي اللَّه عنهم.
وقيل: إنهم (رجعوا عن) 712 ذلك.
ولا فرق بين فرج الآدمية، والبهيمة.
وقال أبو حنيفة 713: لا يجب الغسل بالإيلاج في فرج البهيمة، والميتة.
= والفرج: سواء كان قبلًا، أو دبرًا، ولو من ميت، أو بهيمة، وإن لم يشته، ولا حصل إنزال، ولا قصد، ولا انتشار ولا اختيار، أو بحائل غليظ، "نهاية المحتاج" للرملي 1/ 212، "حاشية الشبراملسي" عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 216
إذا لف على ذكره خرقة، وأولجه في الفرج، حتى جاوز حد الختان، وجب الغسل عليهما في أحد الوجهين.
والثاني: أنه لا غسل فيه.
وكان أبو الفياض 714 يقول: إن كانت الخرقة خفيفة، وجب الغسل، وإن كانت صفيقة تمنع وصول اللذة، لم يجب، والأول: أصح.
فإن كان مقطوع الذكر من حد الختان، تعلق الغسل (بالإيلاج) 715 جميع ما بقي.
وفيه وجه آخر: أنه إذا غيب من الباقي بقدر الحشفة، وجب الغسل.
وإنزال المني، يوجب الغسل، بدفق، وغير دفق.
الجزء: 1 - الصفحة: 217
وقال أبو حنيفة 716، ومالك 717، وأحمد 718: إذا خرج المني بغير دفق وشهوة، لم يوجب الغسل.
ولا يجب الغسل بالمني من غير خروج من الذكر.
وقال أحمد 719: إذا انتقل المني من الظهر إلى الاحليل، وجب الغسل، وإن لم يخرج.
إذا استدخلت المرأة المني، ثم خرج، لم يجب عليها الغسل.
وحكي عن الحسن البصري أنه قال: يجب عليها بخروجه الغسل.
والمذي: ماء رقيق، لزج، يخرج بأدنى شهوة، (ولا يوجب) الغسل 720.
وقال أحمد 721 في إحدى الروايتين: إنه يجب عليه غسل الذكر، والأنثيين من المذي.
وقال مالك 722: يغسل الذكر منه.
الجزء: 1 - الصفحة: 218
فإن خرج منه، ما يشبه المني، ويشبه المذي، ولم (يتميز له) 723 وجب منه الوضوء.
وقيل: يخير، بين أن يجعله منيًا، فيغتسل منه، وبين أن يجعله مذيًا فيتوضأ منه، ويغسل الثوب منه.
وقال الشيخ الإمام أبو إسحاق: رحمه اللَّه يجب أن يتوضأ (مرتبًا) 724، ويغسل سائر بدنه، ويغسل الثوب منه احتياطًا، والأول أظهر، رجع إليه القفال بعد ما كان يقول بغيره.
فإن اغتسل، ثم خرج منه مني، وجب عليه أن يغتسل ثانيًا، سواء خرج قبل البول، أو بعده.
وقال مالك 725، وأحمد 726، وأبو يوسف 727: يجزئه الغسل الأول بكل حال.
وقال الأوزاعي: إن خرج منه قبل البول، فلا غسل عليه.
وقال أبو حنيفة 728: إن خرج قبل البول، فعليه الغسل، لأنه بقية
الجزء: 1 - الصفحة: 219
مني خرج (منه) 729 بدفق، وشهوة، وإن خرج بعد البول، فلا غسل.
وعن مالك 730: في وجوب الوضوء من هذا المني روايتان.
والحيض، والنفاس، يوجبان الغسل، فإن ولدت المرأة، ولم ترَ نفاسًا، فلا غسل عليها في أصح الوجهين.
فإن أسلم، ولم يكن قد وجب عليه غسل في حال الشرك، فلا غسل عليه، ويستحب أن يغتسل.
وقال مالك وأحمد: يجب عليه الغسل بالإسلام.
وحكى أبو ثور عن الشافعي رحمه اللَّه: (أنه) 733 يجوز للحائض، أن تقرأ، وهو قول مالك في إحدى الروايتين 734.
وقال مالك أيضًا: يقرأ الجنب آيات يسيرة.731732
الجزء: 1 - الصفحة: 220
وأنكر أصحابنا: ما ذكر من الرواية عن (الشافعي) 735 رحمه اللَّه.
وحكي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: يقرأ ورده وهو جنب.
وحكي عن سعيد بن المسيب: (أنه) 736 سئل، (أيقرأ) 737 الجنب؟ قال: نعم، أليس هو في جوفه، وهو قول داود، واختاره ابن المنذر.
وقال أبو حنيفة 738، وأحمد 739، يقرأ ما دون الآية.
وعن الأوزاعي أنه قال: يقرأ آية النزول، والركوب، كقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ 740، و ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ 741.
ويحرم بالجنابة: اللبث في المسجد، ولا يحرم العبور، وبه قال عطاء.
وقال أبو حنيفة 742، ومالك 743: لا يجوز له العبور.
الجزء: 1 - الصفحة: 221
وقال أحمد 744: إذا توضأ يجوز له (اللبث فيه) 745.
وقال داود: يجوز له اللبث من غير وضوء، واختاره ابن المنذر.
وأما الحائض: فظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه، أنه لا يجوز لها العبور.
وقال أبو إسحاق: إن أمنت (تلويث المسجد) 746 بالاستيثاق في الشد، جاز لها العبور، وكلام الشافعي رحمه اللَّه محمول عليه، إذا لم تأمن (تلويث) 747 المسجد.
الجزء: 1 - الصفحة: 222
باب صفة الغسل
إذا أراد الغسل من الجنابة، فإنه يسمي اللَّه عز وجل، وينوي الغسل من الجنابة، أو الغسل لأمر لا يستباح إلّا بالغسل، كقراءة القرآن، ويغسل كفيه ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء، ثم يغسل ما على فرجه من أذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل أصابعه (العشر) 748 في الماء، فيغرف غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ويمر يديه على ما يقدر عليه من بدنه، ثم يتحول من مكانه فيغسل قدميه.
والواجب من ذلك: النية 749، وإيصال الماء إلى جميع الشعر، والبشرة، وغسل نجاسته إن كانت عليه، وما سوى ذلك منه.
الجزء: 1 - الصفحة: 223
وحكي عن مالك أنه قال 750: إمرار اليد إلى حيث تناله من بدنه واجب، وهو اختيار المزني.
وحكي عن داود أنه قال: يجب عليه الوضوء، والغسل جميعًا عن الجنابة المجردة، بأن ينظر بشهوة، فينزل المني.
فأما إذا وجد منه جنابة، وحدث، فمنصوص الشافعي 751 رحمه اللَّه، (أنه) يدخل الوضوء في الغسل، فيجزئه الغسل لهما، وهو قول مالك 752.
وفيه وجه آخر: أنه يلزمه أن يتوضأ، ويغتسل.
وفيه وجه ثالث: أنه يقتصر على الغسل، غير أنه يلزمه أن ينوي الحدث، والجنابة.
فإن غسل أعضاء وضوئه من الجنابة، ثم أحدث، لزمه الوضوء مرتبًا.
وذكر في الحاوي وجهًا آخر: أنه (مخير) 753، بين أن يتوضأ، وبين أن يغتسل في جميع بدنه غسلًا واحدًا، فيجزئه عن الجنابة والحدث، وهل يلزمه أن يرتب أعضاء وضوئه، فيه وجهان.
الجزء: 1 - الصفحة: 224
فإن أجتمع على المرأة جنابة، وحيض، كفاها لهما غسل واحد 754.
وحكي عن داود: أنها تحتاج إلى غسلين.
وغسل المرأة كغسل الرجل، إلّا أن الغالب كثرة شعرها، فتحتاج أن تغمره بالماء.
فإن كان يصل إلى جميعه من غير نقض، لم يلزمه نقضه 755.
وقال النخعي: يلزمها نقضه بكل حال.
وحكي عن أحمد أنه قال 756: الحاثض تنقض شعرها، وفي
الجزء: 1 - الصفحة: 225
الجنابة (لا تنقضه) 757.
وبأي موضع بدا من بدنه في غسله، جاز.
وحكي عن إسحاق: (ابن راهوية) 758 أنه قال: يبدأ بأعالي بدنه.
وإن اغتسل الجنب، وعلى موضع من بدنه نجاسة، فاستهلكها الماء في غسله، هل يرتفع حدثه بتلك الغسلة عن ذلك المحل؟ فيه وجهان 759.
فإن انغمس في ماء يبلغ قلتين ينوي به غسل الجنابة، لم يصر مستعملًا، وإن كان أقل من قلتين، صار مستعملًا، وصح غسله في أحد الوجهين 760.
فإن اغترف الماء بيده من الإناء ليغسلها، لم يصر مستعملًا في أصح الوجهين.
وقيل: يصبر مستعملًا.
= لأن المقصود هو إيصال الماء إلى أصول الشعر، فإذا لم يصل الماء، عندئذٍ يتعين نقض ضفائرها، واللَّه أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 226
فإن غمس يده، أو (غيرها) 761 من الأعضاء في الإناء قبل غسلها لم ينجس الماء.
وقال أبو يوسف: إذا أدخل يده، لم ينجس الماء، وإن أدخل غيرها من الأعضاء، ينجس.
ويجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة في الإناء 762.
وحكي عن أحمد أنه قال 763: لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة إذا خلت به.
وفي رواية أخرى: أنه يكره.764765
الجزء: 1 - الصفحة: 227
ويستحب أن لا ينقص في وضوئه عن مد، وفي غسله (من) 766 صاع، فإن كفاه أقل من ذلك، أجزأه 767. وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال 768: لا يمكن المغتسل أن يعمم جميع بدنه بأقل من صاع، ولا المتوضىء أن يسبغ بأقل من مد، وهذا فاسد.
الجزء: 1 - الصفحة: 228
باب التيمّم
769 يجوز التيمم عن الحدث الأصغر، والأكبر 770.
الجزء: 1 - الصفحة: 229
وروي عن عمر 771، وعبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنهما أنهما قالا: لا يجوز للجنب أن يتيمم.
وقيل: إنهما رجعا عن ذلك 772.
وحكي عن النخعي: أن الجنب يؤخر الصلاة، حتى يجد الماء، رواه ابن المنذر.
ولا يجوز التيمم عن النجاسة.
وقال أحمد 773: يجوز.
والتيمم: مسح الوجه، واليدين مع المرفقين بالتراب بضربتين، أو أكثر، وهو قول أبي حنيفة 774، ومالك 775.
وحكي عن الشافعي رحمه اللَّه أنه قال في القديم 776: إن التيمم
الجزء: 1 - الصفحة: 230
في الوجه والكفين، وليس بمشهور عنه، وهو قول أحمد 777، وداود، وهو رواية عن مالك 778.
وعندهم: يقتصر فيهما على ضربة واحدة 779.
وعندنا: يحتاج إلى ضربتين.
وقال الزهري: يمسح اليد إلى الإبط.
وحكي عن ابن سيرين أنه قال: لا يجزئه أقل من ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين.
= المرفقين، فإن حصل استيعاب الوجه، واليدين بالضربتين، وإلا وجبت الزيادة حتى يحصل الاستيعاب، أما قول الشافعي: ان التيمم يكفي فيه مسح الوجه والكفين، فأنكره الشيخ أبو حامد، والماوردي، وقالوا: لم يذكره الشافعي في القديم، أما نقل أبي ثور عن الشافعي، وهو من خواص أصحاب الشافعي وثقاتهم وأئمتهم، فنقله عنه مقبول، وإذا لم يوجد هذا النقل في القديم، حمل على أنه سمعه منه مشافهة "المجموع" 2/ 229.
الجزء: 1 - الصفحة: 231
ولا يصح التيمم إلّا بتراب طاهر، له غبار يعلق باليد 780، وبه قال أحمد، وداود 781.
وقال أبو حنيفة 782، ومالك 783: يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، ولا يعتبر أن يعلق باليد غبار، حتى قال مالك: يصح التيمم بالثلج.
وحكي (عنه) 784 أنه قال: يصح التيمم بكل ما كان متصلًا بالأرض من النبات.
وقال أبو يوسف: يجوز التيمم بالتراب، والرمل، وهو قول الشافعي رحمه اللَّه في القديم.
وحكي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: لا يجوز التيمم
الجزء: 1 - الصفحة: 232
إلّا بتراب عذب، تراب الحرث، وبه قال إسحاق: فإن ضرب يده على ثيابه، فعلق بها غبار، فتيمم به صح تيممه 785.
وقال أبو موسى: لا يصح، وحكي أيضًا عن مالك 786.
وحكي عن داود: أن التراب إن كان (قد) تغير بالنجاسة، لم يجز التيمم به، وإن لم يتغير، جاز.
ولا يجوز التيمم (بتراب) 787 خالطة دقيق، أو جص، وحكي فيه وجه آخر: أنه يجوز إذا كان التراب غالبًا 788.
ولا يصح التيمم بتراب مستعمل في التيمم 789.
وقال أصحاب أبي حنيفة 790: يجوز وهو وجه لبعض أصحابنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 233
وما تناثر من العضو مستعمل.
ومن أصحابنا من قال: المستعمل ما بقي على العضو، دون ما تناثر عنه.
فإن أحرق الطين الخراساني، فتيمم بمدقوقة، صح في أحد الوجهين.
الجزء: 1 - الصفحة: 234
فصل
ولا يصح التيمم إلّا بالنية، فينوي استباحة الصلاة، فإن نوى به رفع الحدث، لم يصح تيممه في أصح الوجهين 791.
وحكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة 792: أن التيمم يرفع الحدث.
ولا بد في استباحة الفريضة من نية التيمم للفرض، وهو قول
الجزء: 1 - الصفحة: 235
مالك 793، وأحمد، وهل يفتقر إلى تعيين الفرض (من) 794 ظهر أو عصر؟ فيه وجهان:
وحكي فيه قول آخر: أنه يستبيح الفريضة بنية التيمم للصلاة المطلقة، والنافلة، حكاه الشيخ الإمام أبو إسحاق، عن أبي حاتم القزويني، عن أبي يعقوب (الأبيوردي) 795 عن الإملاء.
فإن تيمم للفريضة، يعتقد أنه محدث، فذكر أنه كان جنبًا، صح تيممه.
وقال مالك: لا يصح تيممه، وبه قال أحمد.
وحكى (ابن) 796 القصار 797 عن مالك: أنه يصح تيممه، وموضع
الجزء: 1 - الصفحة: 236
الخلاف: أن يكون ذاكرًا للجنابة والحدث، فينوي استباحة الصلاة من الحدث، وفي ذلك عن مالك، روايتان.
وإن تيمم للفرض، استباح به النفل قبل الفرض، (وبعده، وفيه قول آخر: أنه لا يجوز أن يصلي به النفل قبل الفرض) 798 ويجوز بعده، وبه قال مالك 799، وأحمد 800.
وإن تيمم للنفل، جاز أن يصلي به على الجنازة، نص عليه في البويطي.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجوز، مخرج من الجمع بين (الصلاتين) 801 على جنازتين بتيمم واحد.
وإن (نوى التيمم) 802 لمس المصحف، أو لقراءة القرآن، أو للوطء، استباح ما نواه، وهل يستبيح به النفل؟ فيه وجهان 803.
فإن شك، هل عليه فائتة، أم لا، فتيمم ينوي الفائتة، ثم = على أبي بكر الأبهري، ويقول الشيرازي: له كتاب في مسائل الخلاف كبير، لا أعرف لهم كتابًا في الخلاف أحسن منه، "طبقات الفقهاء" للشيرازي: 168.
الجزء: 1 - الصفحة: 237
تذكر، أنهما عليه، فقد قيل: إنه لا يجوز أن يصليها به، وفي هذا عندي نظر.
فإن تيمم لفوائت، جاز (له) 804 أن يصلي واحدة منها في أصح الوجهين 805.
فإذا أراد التيمم، سمي اللَّه عز وجل، (ونوى) 806، وضرب يديه على التراب 807، فإن كان التراب ناعمًا كفاه وضع اليد، ومسح من وجهه البشرة الظاهرة، وظاهر الشعر على الصحيح من المذهب.
ومن أصحابنا من قال 808: يجب إيصال التراب إلى باطن (الشعور) 809 الأربعة 810، كما يجب في الوضوء، ثم يضرب ضربة أخرى، فيمسح يديه، فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور أصابع
الجزء: 1 - الصفحة: 238
يده اليمنى، ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع، جعل أطراف أصابعه على حرف الذراع، ثم يمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى باطن الذراع، ويمره عليه ويرفع إبهامه، فإذا بلغ الكوع، أمرَّ باطن إبهام يده اليسرى على ظاهر إبهام يده اليمنى، ثم يمسح بكفه اليمنى، يده اليسرى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى.
وحكى الحسن بن زياد 811 عن أبي حنيفة 812: أنه إذا مسح أكثر وجهه، وأكثر (يديه) 813 أجزأه، فإن أمر غيره حتى يممه ونوى هو، أجزأه 814.
وقال ابن القاص في التلخيص: لا يجزئه، قلته 815 (تخريجًا) 816.
الجزء: 1 - الصفحة: 239
وإن سفت الريح على وجهه (ترابًا عمه) 817، فأمرَّ يده على وجهه، لم يجزه، وبه قال ابن (القاص) 818، وأبو علي الطبري.
وقال القاضي أبو حامد: هذا إذا لم (يصمد) 819 للريح، (فأما) 820 إذا (صمد) 821 للريح، ونوى، أجزأه 822. = هذا، لأن عادته في كتابه التلخيص: أن يذكر المسائل التي نص عليها الشافعي، ويقول عقبة: قاله نصًا، وإذا قال شيئًا غير منصوص، وقد خرجه هو قال: قلته تخريجًا، وهذه المسألة خرجها من التي بعدها، وهي مسألة الريح، "المجموع" 2/ 256.
الجزء: 1 - الصفحة: 240
(والتكرار) 823 في التيمم غير مستحب، فأما إذا أراد تجديد التيمم لنافلة بعد الفريضة: ذكر القفال: أن ذلك لا يتصوّر بحكم العدم، ويتصوّر في الجريح، فيستحب التجديد في المغسول، وهل يستحب في التيمم للنافلة؟ فيه وجهان، وينبغي أن يستحب التجديد بحكم (العدم للنافلة، والنافلة) 824 أيضًا.
= والثاني: يصح وهو قول القاضي أبي حامد، واختيار الشيخ أبي حامد الأسفراييني، وصورة المسألة: إذا قصد، ثم وقع عليه التراب، فلو وقع عليه، ثم قصد، لم يجزه بلا خلاف، "المجموع" 2/ 256.
الجزء: 1 - الصفحة: 241
فصل
ولا يصح التيمم للمكتوبة، قبل دخول وقتها، وبه قال مالك 825، وأحمد 826، وداود، وقال أبو حنيفة 827: يجوز ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 242
ومن أصحابنا من قال: إذا لم ينعقد تيممه للفرض قبل دخول الوقت، فهل ينعقد للنفل؟ فيه وجهان، بناء على من أحرم بالظهر قبل الزوال لم ينعقد (الفرض) 828، وهل تنعقد نافلة؟ فيه قولان، وهذا خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه في البويطي.
فإن تيمم للصلاة على الميت قبل غسله، فهل يصح (تيممه)؟ 829 فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يصح.
ولا يجوز التيمم، إلا للعادم للماء، أو الخائف من استعماله.
وقال أبو حنيفة 830: يجوز التيمم، مع وجود الماء لصلاة الجنازة، والعيد، (عند) 831 خوف (فوتهما) 832. فإن تيمم في أول الوقت، فهل يجوز له تأخير الصلاة إلى آخر الوقت ليصليها به، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، وهو قول أبي العباس، وأبي سعيد.
فإن تيمم قبل دخول الوقت لفائته، فلم يصلها حتى دخل وقت الحاضرة، فهل يجوز له فعل الحاضرة أم لا؟
قال ابن الحداد: يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 243
وقال غيره: لا يجوز.
ويجوز أن يتيمم في أول الوقت.
وحكي عن الزهري أنه قال: لا يجوز أن يتيمم حتى يخاف فوت الوقت.
قال الشافعي رحمه اللَّه: وإذا تيمم لنافلة في الوقت الذي نهي عن الصلاة فيه، لم يجزه ذلك، يريد (به) 833 أنه لا يصلي به نافلة بعد خروج الوقت، فجعله كالتيمم للفرض قبل دخول وقته.
ومن أصحابنا: من بنى صحة تيممه فيه على (انعقاد نفله) 834، وهذا خلاف النص.
ولا يجوز للعادم للماء التيمم، إلّا بعد طلبه في مواضع الطلب في العادة 835.
الجزء: 1 - الصفحة: 244
وقال أبو حنيفة 836: (إذا) 837 كان مسافرًا، ولم يعلم بقربه ماء، جاز له التيمم، إلّا أن يطلع عليه ركب.
فإن (بيع) 838 منه الماء بثمن مثله، وهو واجد للثمن، غير محتاج إليه، لزمه ابتياعه.
قال أبو إسحاق: يعتبر ثمن مثله في موضعه في العرف الجاري، في عامة الأحوال.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: (يحتمل) 839 عندي: أنه إذا كان ما طلب منه في ثمنه، هو ثمن مثله في ذلك الوقت، مع ذلك العارض، لزمه الابتياع به، ولا يجوز له التيمم، وهذا صحيح يقتضيه المعقول، والأصول.
ومن أصحابنا من قال: ليس للماء ثمن، وثمنه أجرة نقله إلى ذلك الموضع، وليس بشيء.
وذكر أيضًا: أنه إذا طلب منه زيادة على ثمن المثل، يعتبر أن (يزيد على ما يُعَدُّ غلا في العادة) 840، فأما إذا كان يسيرًا، بحيث لو اشترى به وكيله (سامحه) 841 ورضي به، لزمه، وإن كان لا يرضى به،
الجزء: 1 - الصفحة: 245
لم يلزمه، وهذا لا يجيء على مذهب الشافعي رحمه اللَّه وإنما هو (ميل) 842 إلى قول مالك، (فإنه قال) 843: إذا طلب منه زيادة لا (يجحف) 844 لزمه أن يشتري، وإن بذل له الماء بثمن مثله في ذمته، وهو غير واجد للثمن في موضعه، ووجد في موضع آخر.
ذكر الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: أنه يلزمه.
وذكر (أقضى القضاة) 845 الماوردي: أنه لا يلزمه.
(قال الشيخ الإمام أيده اللَّه) 846: وهذا عندي (أصح) 847.
الجزء: 1 - الصفحة: 246
فإن كان عنده بئر، وليس معه حبل، ولا دلو، ووجدهما على غيره بثمن المثل، أو أجرة المثل، لزمه الطهارة.
وإن أعير منه دلو، أو حبل، وكان ثمنه بقدر ثمن الماء، لزمه قبول العارية، (وإن كان ثمنه أكثر فهل يلزمه قبول العارية؟ ) 848 فيه وجهان:
أصحهما عندي: وجوب القبول.
وإن لم يمكنه استقاء الماء، إلّا أن يدلي ثوبًا تنقص قيمته إذا ابتل، فإن كان نقصانه لا يزيد على ثمن الماء، لزمه أن يستقي به، وإن زاد، لم يلزمه.
وإن كان معه ثوب إذا شقه نصفين، وصل إلى الماء، ولكنه ينقص قيمته بالشق.
فقد ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا كان النقصان، لا يزيد على أجرة الرشا، لزمه فعل ذلك، وإن كان يزيد، لم يلزمه، فاعتبر الأجرة، وفيما ذكرته قبله عن أصحابنا، اعتبار الثمن.
وقد ذكروا أيضًا: أن الرشا إذا بذل له بثمن مثله، لزمه قبوله، وربما كان بينهما تفاوت.
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) 849: (والصواب) 850، أن يقال: ينظر إلى أكثر ذلك إذا لم (ينفق) 851، فإذا كان النقص لا يزيد على
الجزء: 1 - الصفحة: 247
أكثر (واحد منهما، وإن زاد على الأجرتين) 852، لزمه احتماله.
فإن كان معه ماء طاهر، وماء نجس، (وخاف) 853 العطش.
قال في الحاوي: لا يتيمم، ويستعمل الطاهر، ويشرب النجس إذا كان قد دخل عليه وقت الصلاة.
قال الإمام أبو بكر 854: وهذا فيه نظر، لأن (ما يحتاج) 855 إليه للعطش، لا يتعلق به فرض الطهارة، فيشرب الطاهر ويتيمم، ولا يشرب النجس.
فإن لم يكن على ثقة من وجود الماء في آخر الوقت، ولا على (يأس) 856 من وجوده، فالأفضل أن يصلي بالتيمم في أول الوقت، في أصح القولين، وهو اختيار المزني.
والثاني: أن التأخير أفضل.857
الجزء: 1 - الصفحة: 248
وعن أبي حنيفة (6): روايتان كالقولين.
وقال الثوري: التأخير أفضل بكل حال، وبه قال أحمد 858.
وقال مالك 859: يتيمم المريض، والمسافر في وسط الوقت، (لا يؤخره) 860 جدًا، ولا يعجله.
وحكي عن علي رضي اللَّه عنه أنه قال في الجنب لا يجد الماء: يتلوم 861 (ما بينه) 862 وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء، وإلّا يتيمم.
وهكذا حكم تأخير الصلاة عن أول الوقت لأجل الجماعة على ما ذكرناه.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا كان على علم من وجود الماء في آخر الوقت، ففي جواز التيمم في أول الوقت قولان، وليس بصحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 249
فإن تيمم، ثم علم أن في (رحله) 863 ماء، لزمه إعادة الصلاة، وهو قول أبي يوسف 864، وأحمد 865.
وعن مالك 866: روايتان.
قال أبو إسحاق: يشبه أن يكون الشافعي رحمه اللَّه، أجاب بذلك على قوله القديم، إذا نسي القراءة في الصلاة.
وقال غيره: يحتمل أن يكون: أراد مالكًا أو أحمد 867.
ومن أصحابنا من حكى (طريقة) 868 أخرى عن أبي علي بن أبي هريرة، وأبي الفياض: أنه اختلاف الرواية، لاختلاف الحال، (فأوجب) 869 الإعادة إذا كان رحله صغيرًا يمكن الإحاطة به، وحيث قال: (في رحله ماء، قال: لا يعيد) 870 إذا كان رحله (كبيرًا) 871 لا يمكن الإحاطة به.
الجزء: 1 - الصفحة: 250
والطريقة الأولى: هي الصحيحة.
وإن كان في رحله ماء، فأفضل رحله، (فطلبه فلم) 872 يجده فتيمم وصلى، لم يلزمه الإِعادة في أحد الوجهين.
قال الشافعي رحمه اللَّه: إذا تيمم، ثم بان بقربه بئر، حيث يلزمه (الطلب) 873، فعليه الإِعادة، نص عليه في البويطي.
وقال في الأم 874: لا إعادة عليه، (وظاهره) 875 قولان:
ومن أصحابنا: من جعل ذلك على حالين، فحيث قال: (لا إعادة) 876 عليه إذا كانت خفية، وحيث قال: يعيد، إذا كان عليها علم ظاهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 251
فصل
إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لجميع الأعضاء، لزمه استعماله في أصح القولين 877، ويتيمم بعد استعماله لما بقي، في وجهه، ويديه، وبه قال مَعْمَرْ 878. والقول الثاني: أنه يقتصر على التيمم، وبه قال أبو حنيفة 879،
الجزء: 1 - الصفحة: 252
ومالك 880، وداود 881، وهو اختيار المزني.
وعن أحمد 882: روايتان كالقولين.
وقال عطاء، والحسن البصري: إذا وجد من الماء ما يكفيه لوجهه، ويديه، غسلهما به، وأغناه عن التيمم.
وقال عطاء: قصده (إذا كان معه) 883 ما يكفي (وجهه) 884 غسله، ومسح يديه بالتراب، وأجزأه.
فإن كان جنبًا فتيمم لعدم الماء وصلى فريضة، ثم أحدث، ووجد من الماء ما يكفيه لأعضاء وضوئه، فإن قلنا: يلزمه استعماله في الابتداء، بطل تيممه، ولزمه استعماله، والتيمم بعده لما بقي، وإن قلنا: لا يلزمه استعماله، فقد قال أبو العباس بن سريج: إن توضأ (به) 885 ارتفع حدثه، وعاد إلى ما كان قبله من حكم التيمم، فيصلي النفل، ولا يصلي فريضة، وهذا وضوء يستبيح به النفل دون الفرض.
الجزء: 1 - الصفحة: 253
(فإن ترك) 886 استعمال هذا الماء، وتيمم للفرض صح تيممه، واستباح به (فريضة وما شاء) 887 من النوافل.
وإن تيمم للنفل فقد قيل: يصح تيممه.
قال القاضي (أبو الطيب) 888 رحمه اللَّه: وهذا ليس بصحيح، بل يجب أن يقال: لا يصح تيممه للنفل، وهذا من الغريب.
فإن لم يجد ماء، ووجد ترابًا لا يكفي وجهه، (ويديه) 889، ففي وجوب استعماله القولان.
وقيل: يجب استعماله قولًا واحدًا.
فإن اغتسل الجنب في جميع بدنه إلًا عضوًا منه لم يجد له ماء، فتيمم عنه ثم أحدث، ثم تيمم ثانيًا ليصلي، فوجد ما يكفي (لذلك) 890 العضو، بني على القولين فيه، إذا لم يجد ابتداء غير ذلك القدر، فإن قلنا: لا يلزمه استعماله غسل به العضو الذي بقي، وتيممه صحيح، وإن قلنا: (لا) 891 يلزمه استعماله، بطل تيممه هاهنا.
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) 892: وعندي: أنه يلزمه استعماله في
الجزء: 1 - الصفحة: 254
العضو الباقي من الجنابة -قولًا واحدًا- لأنه يُتِمُّ به غسله، ولا يؤثر في تيمم حصل بحكم الحدث 893.
فإن عدم المحدث الماء في السفر، فتيمم، ثم أصابته جنابة، ووجد من الماء ما يكفي أعضاء الوضوء، فإن قلنا: لا يدخل الحدث في الجنابة، لزمه أن يتوضأ به عن الحدث، وتيمم عن الجنابة، (ويقدم أيهما شاء) 894. وإن قلنا: إن الحدث يدخل في الجنابة، سقط حكمه، وكان في استعمال ما وجده من الماء عن الجنابة قولان، فإن قلنا: يلزمه استعماله، قدمه على التيمم.
إذا اجتمع ميت، وحي على بدنه نجاسة، والماء مباح يكفي أحدهما، فالميت أحق به في ظاهر المذهب.
وقيل: استعماله في النجاسة أولى.
وإن اجتمع حائض، وجنب، والماء يكفي أحدهما 895.
قال أبو إسحاق: الجنب أولى.
وقيل: (الحائض) 896 أولى.
وإن اجتمع جنب، ومحدث، والماء يكفي المحدث، ويفضل
الجزء: 1 - الصفحة: 255
منه ما لا يكفي الجنب، ويكفي الجنب ولا يفضل (منه) 897 شيء، فالجنب أولى، وقيل: المحدث أولى، وقيل: هما سواء فيه.
فإن لم يجد ماءً، ولا ترابًا، صلى على حسب حاله وأعاد إذا قدر 898، وبه قال أبو يوسف، ومحمد 899، وأحمد 900، في أصح الروايتين عنه في الإِعادة.
وحكي (عن) 901 الشافعي رحمه اللَّه في القديم: أن الفعل في الوقت مستحب.
الجزء: 1 - الصفحة: 256
وقال أبو حنيفة 902، والثوري: لا يجوز أن يصلي في الوقت، ولكنه يقضي إذا قدر.
وقال مالك 903، وداود: لا يصلي في الوقت، ولا يلزمه القضاء إذا قدر.
وأما الخائف من استعمال الماء، فإنه إذا كان يخاف الزيادة في المرض، أو إبطاء البرء، فقد اختلف نص الشافعي رحمه اللَّه فيه، واختلف أصحابنا فيه على طرق 904:
فمنهم من قال: لا يجوز له التيمم قولًا واحدًا، وهو قول أحمد 905.
ومنهم من قال: يجوز قولًا واحدًا، وهو قول أبي العباس، وأبي سعيد الاصطخري.
ومنهم من قال: فيه قولان، وهو أصح الطرق، وهو قول أبي إِسحاق وعامه أصحابنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 257
وأصح القولين: جواز التيمم، وهو قول أبي حنيفة 906، ومالك 907.
فإن كان (به) 908 مرض لا يلحقه معه ضرر من (استعمال) 909 الماء كالصداع، والحمى، لم يجز له التيمم.
وقال داود: يجوز، ويحكى ذلك عن مالك.
وحكي في الحاوي عن عطاء، والحسن 911 البصري: أنه لا يجوز التيمم للمرض إلّا عند عدم الماء.
فإن خاف من استعمال الماء (شينا) 912 في المحل.
قال (أبو العباس) 913: لا يختلف مذهب الشافعي رحمه اللَّه: أنه لا يجوز له التيمم.910
الجزء: 1 - الصفحة: 258
وقال غيره: إن كان (الشين) 914 كأثر الجدري، والجراحة، لم يجز له التيمم، وإن كان يشوه خلقه، ويسود كثيرًا من وجهه، كان على القولين 915.
وإن كان في بعض بدنه قرح يخاف من استعمال الماء فيه، غسل الصحيح، وتيمم عن الجريح.
وقال أبو إسحاق: يحتمل قولًا آخر، أنه يقتصر على التيمم، كما لو وجد من الماء ما يكفي بعض الأعضاء 916.
وقال أبو حنيفة 917: إن كان أكثر بدنه صحيحًا، اقتصر على غسل الصحيح، وإن كان الأكثر جريحًا، اقتصر على التيمم.
وإن كان في بعض بدنه قرح وهو جنب، غسل الصحيح، وتيمم عن الجريح، وبدأ بأيهما شاء.
ومن أصحابنا من قال: الأولى أن يبدأ بالغسل 918.
الجزء: 1 - الصفحة: 259
وحكي وجه عن بعض أصحابنا الخراسانيين 919: أنه لا يصح التيمم قبل الغسل وليس بشيء.
فأما المحدث إذا كان في وجهه جرح، وفي يده جرح، وفي رجله جرح غسل الصحيح من وجهه، وتيمم عن الجريح فيه في وجهه ويديه، (ثم يغسل الصحيح من يده) 920 ويتيمم عن الجريح منها في وجهه ويديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل الصحيح من رجله، ويتيمم عن الجريح منها في وجهه ويديه 921.
قال ابن الحداد 922:
فإن حضر (وقت) 923 صلاة أخرى فإنه يعيد التيمم دون الغسل.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهذا يحتاج إلى تفصيل.
فإن كان الجرح في رجله، أعاد التيمم وأجزأه، وإن كان في
الجزء: 1 - الصفحة: 260
وجهه، (أو يديه) 924، فينبغي على الأصل الذي (قدمناه) 925 أن يعيد التيمم وما بعده من الغسل ليحصل الترتيب.
(قال الشيخ الإمام أيده اللَّه تعالى) 926: وعندي، أن ما ذكره ابن الحداد أصح.
قال الشافعي رحمه اللَّه: ولو ألصق على موضع التيمم لصوقًا، ونزع اللصوق وأعاد 927.
واختلف أصحابنا في صورة ذلك.
فمنهم من قال: صورته: أن يكون القرح على موضع التيمم، لصوقًا، ونزع اللصوق وأعاد.
واختلف أصحابنا في صورة ذلك.
فمنهم من قال: صورته: أن يكون القرح على موضع التيمم، وقد ألصق عليه لصوقًا يمنع وصول التراب إليه، ولا يخاف من نزعه الضرر، وإنما يخاف من إمرار الماء عليه، فإنه يلزمه نزعه، وغسل الصحيح منه، وإمرار التراب على القرح في التيمم عنه، ولا إعادة عليه في الصلاة.
وقوله أعاد: أراد إعادة اللصوق بعد التيمم.
ومنهم من قال: صورة ذلك، أن يخاف من نزع اللصوق الضرر،
الجزء: 1 - الصفحة: 261
فيمسح بالتراب على اللصوق ويغسل الصحيح، ويعيد الصلاة قولًا واحدًا 928.
قال الماوردي: هذا التصوير يبعد، لأنه قال: نزع اللصوق.
وإذا كان يخاف الضرر من نزعه، أو من استعمال التراب فيه، (لم) 929 يلزمه نزعه.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: يحتمل أن يكون أراد نزع اللصوق، إذا (برىء) 930 وأعاد الصلاة التي صلاها بالمسح.
الجزء: 1 - الصفحة: 262
فصل
ولا يجوز أن يصلي بتيمم أكثر من فريضة، وما شاء من النوافل 931، وهو قول مالك 932، واختلف أصحابه في الجمع بين فوائت (بتيمم) 933 واحد.
وقال أبو حنيفة 934: يجوز أن يصلي بتيمم ما شاء من الفرائض، وبه قال الثوري، وداود، واختاره المزني 935.
الجزء: 1 - الصفحة: 263
وقال أحمد 936، وأبو ثور: يتيمم لوقت كل فريضة، ولا فرق عندنا بين (المنذورة) 937، والفائتة 938.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: في الجمع بين الفائتة، والمنذورة جوابين، بناء على أن مطلق النذر ماذا يقتضي، فإن قلنا: أقل ما يتقرب به وهو ركعة حملًا على النفل، جاز له الجمع بين (المنذورتين) 939، والمنذورة والفائتة، وهذا فاسد.
فإن أراد أن يجمع بين فريضتين في وقت الأولى منهما، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز بسبب (تخلل) 940 الطلب.
والثاني: يجوز.
= فريضة طلبًا للماء، وتيممًا بعد الطلب الأول، لقوله عز وجل: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ وقول ابن عباس: لا تصلى المكتوبة إلا بتيمم.
وعلى ذلك فرحم اللَّه القفال، من أين جاء بهذا الرأي من غير كتب الشافعية؟ واللَّه أعلم، "مختصر المزني": 7، وفي "المهذب"، يقول مثل القفال "مهذب" 1/ 43، و"مجموع" 2/ 324.
الجزء: 1 - الصفحة: 264
فإن نسي صلاة من خمس صلوات (ولم يعرف عينها، صلى خمس صلوات بتيمم واحد) 941.
وقيل: يحتاج أن يتيمم لكل صلاة.
فإن نسي صلاتين من صلوات اليوم والليلة، ولم يعرف (عينها) 942 فقد ذكر ابن القاص 943: أنه يلزمه أن يتيمم لكل صلاة.
وقيل: إن شاء زاد في عدد الصلوات، فصلى ثمان صلوات بتيممين، فيتيمم، ويصلي الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، ثم يتيمم ويصلي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وإن شاء صلى خمس صلوات بخمس تيممات 944.
فإن نسي صلاتين من صلوات يومين وليلتين 945، فإن كانتا مختلفتين فعلى ما ذكرناه فيه إذا كانتا (من) 946 يوم وليلة، وإن كانتا متفقتين 947، كعصرين، أو ظهرين، صلى خمس صلوات بتيمم، وخمسة بتيمم على المذهب الصحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 265
ويجوز أن يصلي بتيمم واحد على جنائز إذا لم يتعين عليه، وإن كانت قد تعينت عليه ففيه وجهان: أظهرهما: أنه يجوز، وهو قول أبي إسحاق وأبي العباس، واختيار القاضي أبي الطيب رحمه اللَّه.
الجزء: 1 - الصفحة: 266
فصل
إذا رأى المتيمم الماء قبل الشروع في الصلاة بطل تيممه 948. وحكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن 949 أنه قال: لا يبطل تيممه، وإن رآه بعد الفراغ من الصلاة وكان في السفر، لم يلزمه الإعادة 950.
الجزء: 1 - الصفحة: 267
وحكي عن طاوس أنه قال: يتوضأ ويعيد ما صلى بالتيمم.
وحكي عن الحسن البصري، ومالك: أنه يعيد إذا كان الوقت باقيًا.
وإن كان في الحضر، وتيمم لعدم الماء، كالمحبوس في (بيت) 951 لا ماء فيه، ولا يجد من يناوله الماء فتيمم وصلى، ثم قدر على الماء، وجب عليه الإِعادة 952، وهو قول أبى حنيفة 953 حكاه الطحاوي، وبه قال أبو يوسف ومحمد 954.
وقال زفر 955: لا يتيمم، ولا يصلي حتى يجد الماء، وهي رواية شاذة عن أبي حنيفة.
= متصل، فلم يسقط معه فرض الإعادة، كما لو صلى بنجاسة نسيها، وإن كان في سفر قصر، ففيه قولان: أشهرهما: أنه لا تلزمه الإعادة، لأنه موضع يعدم فيه الماء غالبًا، فأشبه السفر الطويل، "المهذب" للشيرازي 1/ 43.
الجزء: 1 - الصفحة: 268
وقال مالك 956: يتيمم (ولا) 957 يصلي ولا يعيد، وبه قال الثوري، واختاره المزني والطحاوي.
وإن كان في سفر قصير لم يجب عليه الإعادة فيما صلى بالتيمم على أحد القولين.
وإن كان في سفر معصية، فصلى بالتيمم، ففي وجوب الإعادة وجهان.
وإن كان معه ماء، فأراقه بعد دخول الوقت، وتيمم وصلى، ففي الإعادة وجهان: 958
وكم يعيد من الصلوات؟ فيه وجهان:
أحدهما: صلاة (الوقت) 959.
والثاني: يعيد ما يصلي بالوضوء الواحد غالبًا وليس بشيء 960.
الجزء: 1 - الصفحة: 269
وإن وهب الماء بعد دخول وقت الصلاة، (فقد) 961 ذكر القاضي حسين في صحة الهبة وجهين، وليس بشيء.
وإن رأى الماء في أثناء الصلاة، فإن كان في الحضر، بطلت صلاته 962. وإن كان في السفر، لم تبطل، وبه قال مالك 963، وداود، وهو رواية عن أحمد 964.
وهل يجوز له الخروج منها؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أن (الأفضل) 965 له الخروج.
والثاني: أنه لا يجوز له الخروج منها 966. = والثاني: يجب إعادة ما يؤديه غالبًا بوضوئه، ويقول إمام الحرمين عن هذا الوجه: هذا الوجه عندي في حكم الغفلة والغلط، والثالث: تجب إعادة كل ما صلاه بالتيمم إلى أن أحدث، والنووي رحمه اللَّه: يضعف الوجهين الأخيرين، لأنه يلزم قائلها أن يقول من توضأ، ثم أحدث من غير ضرورة وتيمم أعاد، "المجموع" 2/ 341.
الجزء: 1 - الصفحة: 270
ومن أصحابنا من قال: الخروج منها مكروه (لا يختلف) 967 المذهب فيه، وإنما الوجهان في جعل الصلاة نافلة يسلم من ركعتين، وهذا خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه.
وقال أبو حنيفة 968: يبطل 969 تيممه، وهو رواية عن أحمد 970، واختيار المزني، إلّا أن عند أبي حنيفة 971: لا يبطل برؤية الماء في صلاة الجنازة، والعيد، ولا برؤية سؤر الحمار والبغل.
فإن رأى الماء في أثناء الصلاة، فلما فرغ منها، فني الماء، لم يصل النافلة بتيممه.
وقيل: يصلي النافلة بذلك التيمم.
فإن رأى الماء في نافلته، وكان قد نوى عددًا، أتمه، وإن كان قد أطلق النية، أتم ركعتين، نص عليه الشافعي رحمه اللَّه 972. = والوضوء للخروج من خلاف العلماء في بطلانها، والثاني: يجوز الخروج منها لكن الأفضل الاستمرار في الصلاة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، والثالث: يحرم الخروج من الصلاة للآية وهذا ضعيف، "المجموع" 2/ 344.
الجزء: 1 - الصفحة: 271
وحكي عن القفال أنه قال: إذا كان قد نوى ركعتين، فله أن يصلي ما شاء بالتيمم بعد رؤية الماء.
وقال غيره: إذا كان قد أطلق النية، فله أن يصلي ما شاء بعد رؤية الماء 973 وإن (تيمم لشدة) 974 البرد في الحضر، وجبت عليه الإعادة، وإن كان في السفر، ففي وجوب الإعادة قولان:
قال ابن القاص في (التلخيص) 975: إذا وجد الماء في صلاته، ونوى المقام مع وجود الماء، بطل تيممه وصلاته، وإذا نوى المقام مع (عدم) 976 الماء، مضى في صلاته، وأعاد (تغليبًا لحكم الإقامة) 977.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وفي هذا نظر، وقد ذكر في الحاوي نظير ما قاله.
الجزء: 1 - الصفحة: 272
فصل
إِذا احتاج إِلى وضع الجبيرة على عضو، ولحقه الضرر من حلها، وكان قد وضعها على طهر ومسح عليها، مسح على جميعها في أظهر الوجهين.
وهل يجب ضم التيمم إليه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يضم إِليه التيمم، ويصلي ما شاء من الفرائض.
والثاني: يضم إِليه التيمم، فيتيمم لكل فريضة.
ذكر في الحاوي: أن الجبيرة إذا كانت على عضو التيمم، لم يحتج إلى التيمم مع المسح عليها، وإن كانت على غيره، فعلى (قولين) 978، وهذا فاسد.
وهل يجب عليه الإعادة بعد البرء؟ على قولين:
أحدهما: لا يعيد، وهو قول أبي حنيفة 979، واختيار المزني.
الجزء: 1 - الصفحة: 273
وإن كان قد وضع الجبيرة على غير طهر، وخاف من نزعها، مسح عليها، وأعاد قولًا واحدًا.
وقيل: فيه قولان، وليس بشيء.
وقال أحمد 980 في (إحدى) 981 الروايتين: لا يعتبر الطهارة في وضعها، ولا يصلي ولا يعيد وبه قال مالك 982.
الجزء: 1 - الصفحة: 274
باب الحيض
983 الحيض (يحرم) 984 الوطء 985، فإن وطئها مع العلم بالتحريم، وجب عليه على قوله القديم، في إقبال الدم دينار، وفي إدباره نصف دينار 986. وحكى بعض أصحابنا الخراسانيين: أنه يجب عليه عتق رقبة، وحكاه في الحاوي عن سعيد بن جبير 987.
الجزء: 1 - الصفحة: 275
وقال أحمد: هو مخير بين دينار، ونصف دينار 988.
وحكي عن الحسن البصري، وعطاء، أنه يجب عليه كفارة الفطر في رمضان.
وقال في الجديد: لا شيء عليه سوى الاستغفار، والتوبة، وهو الصحيح، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والمباشرة بين السرة، والركبه محرمة، نص عليه في "الأم"، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأبو يوسف 989.
وقال أحمد، وداود: ما دون الفرج مباح، وهو قول أبي إسحاق، وأبي علي بن أبي هريرة، (وقول) 990 محمد بن الحسن، وقول بعض أصحاب مالك.
وحكى أبو الفياض من أصحابنا وجهًا ثالثًا: أنه إن كان يأمن أن = الكوفي التابعي، قال سفيان الثوري: خذوا التفسير عن أربعة: عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، قال قتادة: أعلم التابعين أربعة: أعلمهم بالمناسك عطاء بن أبي رباح، وأعلمهم بالتفسير: سعيد بن جبير، وأعلمهم بالسير: عكرمة، وأعلمهم بالحلال والحرام: الحسن البصري، قتله الحجاج بواسط شهيدًا سنة خمس أو أربع وتسعين عن تسع وخمسين سنة، "مفتاح السعادة ومصباح السيادة" 2/ 74، 22.
الجزء: 1 - الصفحة: 276
تغلبه نفسه، وشهوته على الوطء في الفرج، جاز له أن يستمتع بها فيما دونه، وإن لم يأمن أن تغلبه الشهوة فيطأ في الفرج، حرم عليه الاستمتاع بما دونه إلا من وراء الإزار.
ووطء المستحاضة في غير أيام الحيض مباح.
وقال أحمد: لا يجوز إلا أن يخاف العنت 991.
فإذا طهرت من الحيض، لم يحل له وطؤها حتى تغتسل، وبه قال مالك وأحمد، وأبو ثور 992.
وقال أبو حنيفة: إذا انقطع دمها لأكثر الحيض، حل وطؤها قبل الغسل، وإن انقطع لما دون الأكثر، لم يحل وطؤها، حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة 993.
الجزء: 1 - الصفحة: 277
وقال داود: (إذا غسلت) 994 فرجها من الدم بعد انقطاعه، حل وطؤها.
وحكى عن طاوس، ومجاهد: أنها إذا توضأت، حل وطؤها.
فإن لم تجد ماء (تيممت) 995 وحل وطؤها.
قال مكحول 996: لا يحل وطؤها بالتيمم.
وقال أبو حنيفة: لا يحل وطؤها بالتيمم حتى تصلي (به) 997، فإن صلت بالتيمم فريضة، لم يحرم وطؤها في أظهر الوجهين.
إذا أراد الرجل أن يأتي امرأته، فذكرت أنها حائض.
قال القاضي حسين: إن كانت فاسقة، لم يقبل قولها، وإن كانت عفيفة، قبل قولها، وامتنع من وطئها، وهذا فيه (نظر بل) 998 يجب أن = الطاهرات حكمًا، لأن الشرع إذا حكم عليها بوجوب الصلاة، دل أنه حكم بطهارتها، "حاشية البابرتي على الهداية" 1/ 119.
الجزء: 1 - الصفحة: 278
يعتبر في ذلك إمكان صدقها في قبول قولها، كما اعتبر ذلك في انقضاء عدتها، ولم يعتبر العدالة، والفسق.
فإن تيممت فوطئها، ذكر في الحاوي في جواز وطئها ثانيًا (بذلك التيمم) 999 وجهين:
أحدهما: يحل له.
والثاني: لا يحل وهو فاسد.
فإن تيممت عن حدث الحيض في وقت صلاة (فدخل) 1000 عليها وقت صلاة أخرى ففيه وجهان:
أحدهما: أن تيممها يبطل بخروج الوقت.
والثاني: ذكره (أقضى القضاة الماوردي) 1001: أنه لا يبطل، وهو الأصح.
الجزء: 1 - الصفحة: 279
فصل
أقل سن تحيض فيه المرأة، تسع سنين، فإن قيل: فقد قال الشافعي رحمه اللَّه في اللعان: ولو جاء (بحمل) 1002 وزوجها صبي له دون العشر، لم يلزمه، لأن العلم (محيط) 1003 أن لا يولد لمثله، فإن كان له عشرًا فأكثر، (وكان) 1004 يمكن أن يولد له، كان له.
وأجاب الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه: بأنه لا فرق بين الغلام والجارية.
وأراد به، إذا جاءت به لأقل من تسع، ومدة الحمل، وذلك دون العشر.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: تسع سنين، ومدة الحمل، قريب من عشر.
الجزء: 1 - الصفحة: 280
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهذا خلاف ما قال الشافعي رحمه اللَّه، ولا يجب ان يعتبر الغلام بالجارية، لأن الحيض قد يعجلها لشدة الحر، ولهذا اختص (بنساء تهامة) 1005، وكلام الشافعي رحمه اللَّه، يدل على أنه يعتبر (الوجوه) 1006 في الغلام، فيجوز أن يكون (الوجوه) 1007 فيه مخالفًا (للوجوه) 1008 في الجارية.
وأقل الحيض يوم، وقال في موضع آخر: يوم وليلة، فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، ومنهم من قال قولًا واحدًا: يوم (وليلة وهو قول أحمد) 1009، ومنهم من قال قولًا واحدًا: يوم وهو قول داود.
وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام.
وقال أبو يوسف: أقله يومان وأكثر الثالث.
وقال مالك: ليس لأقله حد، ويجوز أن يكون ساعة.
وأكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وبه قال مالك، وأحمد في إحدى الروايتين، وأبو يوسف وداود قال في الرواية الأخرى سبعة عشر يومًا.
وأقل طهر فاصل بين (الحيضين) 1010 خمسة عشر يومًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 281
وحكي عن يحيى بن أكثم 1011 أنه قال: أقل الطهر تسعة عشر يومًا، لأن أكثر الحيض عنده عشرة أيام.
وحكي عن عبد الملك بن حبيب من أصحاب مالك أنه قال: أقل (الطهر) 1012 (عشرة) 1013 أيام.
وحكي عن مالك أنه قال: (لا أعلم بين) 1014 الحيضتين وقتًا يعتمد (عليه) 1015.
وروى ابن القاسم عنه أنه قال: ما يعلم (النساء) 1016 أن مثله يكون طهرًا، أن الخمسة، والسبعة، لا يكون طهرًا.
وقال محمد بن مسلمة: مثل قولنا، وهو من (متأخري) (3) أصحابه.1017
الجزء: 1 - الصفحة: 282
وحكي عن مالك أيضًا: أقل الطهر خمسة أيام.
وفي الدم الذي تراه الحامل قولان:
أحدهما: أنه حيض، وهو قول مالك.
والثاني: أنه ليس بحيض، وهو قول أبي حنيفة ومحمد.
وفي أول زمان ارتفاعه، وجهان:
أحدهما: أنه يرتفع بنفس العلوق.
والثاني: من وقت حركة الحمل.
وإذا لم يجاوز الدم خمسة عشر يومًا، فكله حيض، وإن كان صفرة، أو كدرة.
وقال أبو سعيد الاصطخري: الصفرة، والكدرة (في غير وقت) 1018 العادة، لا يكون حيضًا.
وقال أبو ثور: إن تقدم الصفرة، والكدرة، دم أسود، كانت حيضًا تبعًا له.
وقال أبو يوسف: الصفرة حيض، والكدرة إن تقدمها دم أسود (فهي) 1019 حيض.
وقال داود: (لا تكون الصفرة والكدرة) 1020 حيضًا بحال.
الجزء: 1 - الصفحة: 283
وإن جاوز الدم خمسة عشر يومًا، فقد اختلط الحيض بالاستحاضة، فيحتاج إلى (تمييز) أحدهما عن الآخر.
فإن كانت مبتدأة غير (مميزة وهي) 1022 التي بدأ بها الدم، واستمر على صفة واحدة حتى عبر الخمسة عشر يومًا، ففيها قولان:
أصحهما: أنها ترد إلى غالب عادات النساء، وهي الست، والسبع، وبه قال الثوري.
وهي رواية عن أحمد 1023. وإلى أي عادة ترد؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها ترد إلى غالب عادة النساء.
والثاني: إلى غالب عادة لداتها، ونساء بلدها، وهو رواية عن مالك.
والقول الثاني: أنها تحيض أقل الحيض، وهو رواية عن أحمد، وقول زفر.
وقال أبو حنيفة: تحيض أكثر الحيض عشرة أيام.
وقال مالك: (تقعد) 1024 عادة لداتها، وستطهر بعد ذلك بثلاثة أيام، ما لم يجاوز مجموع ذلك خمسة عشر يومًا، وعنه رواية أخرى:1021
الجزء: 1 - الصفحة: 284
أنها تجلس ما دام الدم إلى أن يبلغ خمسة عشر يومًا، وهذه الرواية أيضًا في المعتادة التي لا تمييز لها، وهو رواية عن أحمد.
وقال أبو يوسف: تأخذ في الصوم، والصلاة بالأقل، وفي وطء الزوج بالأكثر، فأما في الشهر الثاني وما بعده، إذا جاوز الدم الست، أو السبع، اغتسلت وصلت، وصامت، ولا تقضي الصلاة، ولا تقضي الصوم بعد خمسة عشر يومًا.
وهل تقضي ما صامت بعد الست، والسبع؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنها لا تقضي.
وإن كانت مبتدأة مميزة 1025 -وهي التي بدأ بها الدم (وعبر الخمسة عشر) 1026 وهو في بعض الأيام بصفة دم الحيض، وهو (المحتدم القاني) 1027 الذي يضرب إلى السواد، وفي بعضها أحمر مشرق، أو أصفر- فإنها ترد إلى السواد، بشرط أن لا ينقص السواد عن يوم وليلة،
الجزء: 1 - الصفحة: 285
ولا يزيد على خمسة عشر يومًا، وبه قال مالك من غير اعتبار ما ذكر من الانتظار 1028.
وكان المغيرة من أصحابه يحكي: أنها تغتسل، وتصلي، وتصوم، ولكن لا يطؤها الزوج.
وقال أبو حنيفة: التمييز لا يعمل به فى الحيض.
وإن رأت خمسة أيام دمًا أحمر، أو أصفر، ثم رأت خمسة أيام دمًا أسود، ثم أحمر إلى آخر الشهر، فالحيض هو الأسود.
وقيل: إنه لا تمييز لها.
وقيل: حيضها العشرة الأولى وليس (بشيء) 1029.
وإن رأت خمسة أيام دمًا أحمر، ثم أسود إلى آخر الشهر، فليس لها تمييز، فيكون على القولين في المبتدأة غير المميزة.
وقيل: تحيض من أول الدم الأسود، إما يومًا وليلة، أو ستًا أو سبعًا.
وإن رأت ستة عشر يومًا دمًا أحمر، ثم أسود، وجاوز خمسة عشر يومًا (فلا) 1030 تمييز لها.
الجزء: 1 - الصفحة: 286
وقال أبو العباس: تحيض من أول الأحمر، (يومًا) 1031 وليلة، ثم تحيض من أول الأسود (يومًا) (2) وليلة في أحد القولين.
وحكي فيه وجه آخر: أن الدم الثاني لا يكون استحاضة، لأن الاستحاضة ما كان في أثر حيض وليس بشيء.
فإن كانت معتادة غير مميزة، وهي أن تكون عادتها أن تحيض في كل شهر خمسة أيام فاستحيضت، وجاوز خمسة عشر يومًا، وهو على صفة واحدة (فحيضتها) 1032 أيام عادتها 1033 وبه قال أبو حنيفة، وإن كانت عادتها أن تحيض الخمسة الثانية من الشهر، فرأت الدم في أيام عادتها وخمسة قبلها، وخمسة بعدها، كان الجميع حيضًا.
وقال أبو حنيفة: الخمسة التي بعدها تكون حيضًا (والتي قبلها لا تكون حيضًا) 1034 إلّا أن (يتكرر) فإن كانت عادتها أن تحيض الخمسة الثانية من الشهر، فرأت الخمسة الأولى، واستمر دمها، فحيضها الخمسة المعتادة في أصح الوجهين.
الجزء: 1 - الصفحة: 287
والثاني: أن حيضها الخمسة الأولى.
وإن كانت عادتها أن تحيض من أول كل شهر خمسة أيام، فرأتها، وطهرت خمسة عشر (يومًا) 1035، ثم رأت الدم، وجاوز خمسة عشر يومًا، فإن حيضها على عادتها في أول الشهر (الثاني) 1036 في أصح الوجهين.
وقيل: إنها تحيض حيضة أخرى من أول الدم الثاني وليس بشيء.
وإن كانت معتادة مميزة، بأن ترى الدم في بعض الأيام بصفة دم الحيض ولها عادة، أت تحيض أيامًا معلومة من الشهر، فإنها ترد إلى التمييز في أظهر الوجهين.
وقال أبو علي بن خيران: نقدم العادة على التمييز.
وقال مالك: الاعتبار بالتمييز دون العادة، فإن لم يكن لها تمييز (استنظرت) 1037 بعد زمان العادة بثلاثة أيام إلى أن تجاوز خمسة عشر يومًا.
وتثبت العادة بمرة واحدة على أصح الوجهين 1038.
الجزء: 1 - الصفحة: 288
وقال أبو حنيفة: لا تثبت إلّا بمرتين.
وإن كانت ناسية للعادة غير مميزة ولم تذكر وقت عادتها، ولا عددها، وهي المتحيرة ففيها قولان:
أحدهما: إنها كالمبتدأة التي لا تمييز لها، وفيها قولان:
والقول الثاني وهو الصحيح المنصوص عليه في الحيض: أنه ليس لها حيض بيقين، ولا طهر بيقين، فتغتسل لكل صلاة، ولا يطؤها الزوج بحال، ولا تقضي الصلاة، هذه طريقة الشيخ أبي حامد، والقاضي أبي الطيب، وغيرهما من أصحابنا ببغداد.
وذكر في الحاوي: طريقة لأبي العباس بن سريج في استعمال اليقين في الصلاة كما يستعمل في الصوم، فتغتسل في أول وقت الظهر وتصليها فيه، ثم تغتسل في أول وقت العصر وتصليها فيه، ثم تغتسل (في أول المغرب) 1039 وتصليها في أول وقتها، ثم تتوضأ وتعيد الظهر (ثم) تتوضأ وتعيد العصر، فإذا (دخل) 1040 وقت العشاء، اغتسلت وصلتها في أول وقتها، فإذا طلع الفجر اغتسلت وصلت الصبح في أول وقتها، ثم تتوضأ وتقضي المغرب، ثم تتوضأ وتقضي العشاء، فإذا طلعت الشمس اغتسلت، وقضت الصبح (فتصلي) 1041 عشر صلوات = تثبت في حق المبتدأة بمرة، ولا تثبت في حق المعتادة إلا بمرتين، وهذا الوجه غريب، "المجموع" 2/ 427.
الجزء: 1 - الصفحة: 289
بست اغتسالات، وقد أسقطت الفرض بيقين، وهذا صحيح.
وأما الصيام فقد ذكر أبو علي في الإِفصاح: أنها إذا صامت رمضان مع الناس، قضت خمسة عشر يومًا، بصوم شهر آخر، وتبعه الشيخ أبو حامد، وغيره.
وقال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: وهموا في ذلك، إنما يصح (لها) 1042 من رمضان أربعة عشر يومًا، إذا كان تامًا، فإذا صامت شهرًا آخر تامًا حصل لها أربعة عشر يومًا، وبقي عليها يومان.
وكيفية القضاء في ذلك: أنها إذا أرادت قضاء يوم، فإنها تضيف إلى أكثر الحيض يومين، فيكون سبعة عشر يومًا، وتصوم يومين في أولها، ويومين في آخرها "السادس عشر" والسابع عشر، فيسلم لها (يومان) 1043 بيقين، (وكلما زاد في الواجب عليها يوم) 1044، زادت في الصوم يومين، يومًا في أول المدة، ويومًا في آخرها، وزادت في المدة يومًا، وعلى هذا: ذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه بعد ما ذكر هذا.
قال أبو بكر بن الحداد: إذا كان عليها صوم يوم، قضته بثلاثة أيام من سبعة عشر يومًا، فتصوم الأول، والسابع عشر، وتترك الثاني، والسادس عشر، وتصوم يومًا فيما بين الثاني، والسادس عشر، وقد صح لها يوم بيقين.
الجزء: 1 - الصفحة: 290
فإن أرادت أن تقضي صوم يومين، قضتها بصيام ستة أيام من ثمانية عشر يومًا، يومين في أولها، ويومين في آخرها، ويومين فيما بين ذلك، (ولا تحتاج أن تترك شيئًا) 1045.
ذكر في الحاوي: أنها تمنع من حمل المصحف، واللبث في المسجد، (وقراءة) 1046 القرآن في غير الصلاة، والتطوع (بالصلاة) 1047، والصوم، وذكر في وطء الزوج، والسنن الراتبة وجهين:
أحدهما: يحرم عليها.
والثاني: لا يمنع 1048.
الجزء: 1 - الصفحة: 291
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) 1049: وعندي: أنه لا وجه لإباحة الوطء (وبقية الأحكام) 1050، وينبغي أن يجوز لها، تبعًا للفرض في طهارته.
الجزء: 1 - الصفحة: 292
فصل في التلفيق
إذا رأت يومًا دمًا، ويومًا نقاء ولم تجاوز الخمسة عشر (يومًا) 1051، فقد نص الشافعي رحمه اللَّه: أن الجميع حيض، وهو قول أبي حنيفة.
وفيه قول آخر: أنه يلفق النقاء إلى النقاء (فيجعل) 1052 طهرًا، وهو قول مالك، وإن عبر الخمسة عشر (يومًا) 1053، فقد اختلط الحيض بالاستحاضة.
وقال ابن بنت الشافعي 1054 رحمه اللَّه: النقاء في السادس عشر يفصل بين الحيض، والاستحاضة، والمذهب الأول.
الجزء: 1 - الصفحة: 293
وإن كانت معتادة، (وكانت) 1055 عادتها أن تحيض من أول الشهر خمسة أيام، فإن قلنا: (لا تلفق) 1056، (فالخمسة) 1057 كلها حيض، وإن قلنا: تلفق، حصل لها ثلاثة أيام حيض.
ومن أصحابنا من قال: تلفق لها خمسة أيام (من) 1058 خمسة عشر يومًا، وعلى هذا، إذ كانت عادتها زيادة على (ما ذكرناه) 1059.
فإن رأت نصف يوم دمًا، ونصف يوم نقاء، ولم يجاوز الخمسة عشر بني على القولين في التلفيق.
وقيل: لا يثبت لها حكم التلفيق، حتى يتقدمه أقل الحيض متصلًا.
وقيل: يعتبر أن يتقدم أقل الحيض متصلًا، ويتعقبه أقل الحيض متصلًا، والمذهب الأول.
قال أبو العباس: لا يجب عليها الغسل في اليوم الأول من الشهر = عثمان بن شافع، أحد أجداد الشافعي، ويعرف أحمد هذا بابن بنت الشافعي، وهو سبطه وابن عمه، كان واسع العلم جليلًا، فاضلًا، لم يكن في آل الشافعي بعد الإمام أجل منه، لم يطلع على تاريخ وفاته، الحسيني: 40.
الجزء: 1 - الصفحة: 294
على القول الذي (يقول) 1060 لا يلفق، وإن قلنا: يلفق، وجب عليها (الغسل، إذا) 1061 رأت النقاء في اليوم الأول.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وعندي: أن الذي يجيء على هذا القول، أن لا يجب الغسل أيضًا، وإنما يتصور ذلك في اليوم الثاني، وما بعده.
قلت: ما ذكره صحيح في اليوم الأول، وقوله: إنه (لا يتصور) 1062 في (اليوم الأول من الشهر) 1063 الثاني وما بعده ليس بصحيح، بل ينبغي أن يجب الغسل عليها بعد ذلك على القولين، لأن ما تقدم قد ثبت كونه حيضًا، فإن لفقنا، فهو طهر بعد حيض، وإن لم نلفق، فالظاهر بقاء الطهر.
وإن رأت ساعة دمًا، وساعة نقاء، ولم يجاوز الشمسة عشر، وبلغ بمجموعه أقل الحيض، فقد قال أبو العباس، وأبو إسحاق، فيه القولان في التلفيق، وإن لم يبلغ بمجموعة أقل الحيض، بأن رأت ساعة دمًا، ثم رأت ساعة في الخامس عشر دمًا، فقد قال أبو العباس: إذا قلنا: لا يلفق، احتمل وجهين:
أحدهما: أنه يكون حيضًا.
والثاني: أنه لا يكون حيضًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 295
فإن كانت عادتها، أن تحيض في (أول) 1064 كل شهر خمسة أيام، فرأت في بعض (الشهور) 1065 اليوم الأول نقاء، والثاني دمًا، وعلى هذا، ولم يجاوز الخمسة عشر، وقلنا: لا يلفق، كان لها ثلاثة عشر يومًا حيضًا، وإن قلنا: يلفق، لها سبعة أيام، وإن جاوز خمسة عشر يومًا، وقلنا: يلّفق، ففي زمانه وجهان:
أحدهما: من زمان العادة، (فيلفق) 1066 لها يومان.
والوجه الثاني: (أنه يلفق) 1067 لها من زمان الإِمكان، فيتلفق لها خمسة أيام من عشرة (أيام) 1068 وإن قلنا: لا يلفق، فهل الاعتبار بزمان العادة، أو بعدها؟ قال أبو العباس: فيه قولان، يعني وجهان.
والوجه الثاني: أن الاعتبار بعدد العادة، فيكون حيضها خمسة أيام، أولها: الثاني، وآخرها السادس، والأول أظهر.
(فيتحصل) 1069 في قدر حيضها ثلاثة أوجه، وفي وقته أربعة أوجه.
قال أبو العباس: لو كانت المسالة بحالها، غير أنها حاضت قبل عادتها يومًا، ورأت اليوم الأول من الشهر نقاء، وعلى هذا، وجاوز الأكثر.
الجزء: 1 - الصفحة: 296
فإن قلنا: يلفق لها (من) 1070 زمان العادة، حصل لها من الحيض يومان.
وإن قلنا: من زمان الإِمكان.
قال أبو العباس: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون أول حيضها اليوم الذي سبق عادتها، واحتمل أن يكون أوله الثاني من الشهر.
قال: والأول أظهر على هذا الوجه.
فإن قلنا: يحتسب من الثاني من الشهر، تلفق لها خمسة أيام من عشرة، وإن قلنا: لا يلفق، بني على الوجهين، في أن الاعتبار بزمان العادة، أو عددها، فإن قلنا: بزمان العادة، حصل لها ثلاثة أيام، وإن قلنا: بعددها، حصل لها خمسة أيام، فحصل في قدر الحيض ثلاثة أوجه، وفي موضعه.
الجزء: 1 - الصفحة: 297
فصل
الدم الذي يخرج بعد الولد، نفاس 1071، والذي يخرج معه، فيه وجهان: أحدهما: أنه نفاس 1072. فإن رأت قبل الولادة خمسة أيام دمًا، ثم ولدت، ورأت الدم، ففي الذي قبل الولادة وجهان: أحدهما: أنه حيض، إذا قلنا: إن الحامل تحيض 1073.
الجزء: 1 - الصفحة: 298
وأكثر (النفاس) 1074 ستون يومًا، وغالبه أربعون يومًا، وهو إحدى الروايتين عن مالك.
والثانية: أنه يرجع إلى العادة، وأقصى ما تجلس إليه المرأة 1075.
وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري أنه قال: خمسون يومًا.
(وحكي في الحاوي عن الليث بن سعد أنه قال: من الناس من قال: سبعون يومًا) 1076.
وقال أبو حنيفة: أكثره، أربعون يومًا، وهو اختيار المزني، وأحمد.
فإن ولدت (توأمين) 1077 بينهما (زمان) 1078، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها 1079: أنه يعتبر من الأول، ابتداء المدة، وهو قول أبي إسحاق، وأبي حنيفة، وأبي يوسف.
والثاني: أنه يعتبر ابتداء المدة من الثاني، وهو قول محمد، وزفر.
= يتوالى حيض ونفاس من غير طهر، كما لا يجوز أن يتوالى حيضتان من غير طهر، "المهذب مع المجموع" 2/ 522.
الجزء: 1 - الصفحة: 299
والثالث: أنه يعتبر ابتداؤها من الأول، ثم تستأنف المدة من الثاني 1080. فإن رأت 1081 ساعة دمًا، ثم طهرت خمسة عشر يومًا، ثم رأت 1082 يومًا وليلة دمًا، ففيه وجهان:
أحدهما: أن الثاني حيض، وما بينهما طهر، وهو قول محمد وأبي يوسف 1083.
والثاني: أن الجميع نفاس 1084، وفيما بينهما القولان في التلفيق، وهو قول أبي حنيفة، واختبار القاضي أبي الطيب رحمه اللَّه.
فإن رأت ساعة دمًا، وخمسة عشر يومًا طهرًا، ثم رأت بعض يوم وليلة دمًا، وانقطع، فالأول نفاس، ومن قال في المسألة قبلها: إن الثاني نفاس، فها هنا أولى، وفيما بينهما القولان في التلفيق، ومن قال: إن الثاني حيض، يقول ها هنا: إنه دم فساد.
فإن رأت يومًا وليلة دمًا، ثم طهرت ثلاثة عشر يومًا ونصفًا، ثم رأت الدم نصف يوم، فإنه يضم إلى الأول (لامكان) 1085 حمله على الصحة.
وحكي عن أحمد أنه قال: الدم الأول نفاس، والثاني مشكوك فيه، تصوم، وتصلي، ولا يأتيها زوجها، وتقضي الصوم، والطواف.
الجزء: 1 - الصفحة: 300
فإن جاوز الدم، الستين (ردت) 1086 إلى أقل النفاس في أحد القولين، وفي الثاني، إلى غالب العادة.
وقال المزني رحمه اللَّه: لا ينقص عن أربعين.
ومن أصحابنا من قال: يجعل ما زاد على الستين حيضًا، وهذا مبني عليه.
إذا رأت قبل الولادة، خمسة أيام دمًا، ثم ولدت ورأت دم النفاس، وقلنا: إن الحامل تحيض، هل يكون ذلك حيضًا؟ فيه وجهان.
الجزء: 1 - الصفحة: 301
فصل
يجب على المستحاضة، أن تغسل الدم، وتعصب الفرج، وتستوثق بالشد (والتلجم) 1087، وتتوضأ لكل فريضة، وبه قال الثوري 1088.
الجزء: 1 - الصفحة: 302
وقال أبو حنيفة، وأحمد: تتوضأ (لوقت كل فريضة) 1089.
وقال الأوزاعي، والليث بن سعد: تجمع (بطهارتها) 1090 بين الظهر، والعصر، ولا تتوضأ قبل دخول الوقت.
وقال أبو حنيفة: يجوز إذا لم يكن ذلك وقت صلاة 1091، فإن توضأت في أول الوقت، وأخرت فعل الصلاة (لغير) 1092 غرض أبي آخر الوقت، قال أبو العباس: فيها وجهان:
أحدهما: أن صلاتها تبطل.
والثاني: أنها صحيحة.
وإن أخرت الصلاة حتى خرج الوقت.
قال أبو العباس: لا تصح صلاتها بتلك الطهارة.
ومن أصحابنا من خالف (أبا) 1093 العباس بن سريج في ذلك وقال: (فإن) 1094 هذا يؤدي إلى أن تصير طهارتها مقدرة بوقت الصلاة، وذلك مذهب أبي حنيفة.
الجزء: 1 - الصفحة: 303
وذكر الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: أن نظير هذه المسألة: (إذا) 1095 تيمم لفائتة قبل دخول وقت الحاضرة، ثم دخل وقتها، هل يجوز أن يصليها؟ (فيه) 1096 وجهان:
(قال الشيخ الإمام أيده اللَّه) 1097: وعندي، أن هذه المسألة ليست بنظير المستحاضة، لأن الوجهين هناك في فعل (الحاضرة) 1098 بذلك التيمم الذي وقع للفائتة، وفعل الفائتة هناك جائز وجهًا واحدًا، وها هنا الوجهان، في فعل الصلاة التي توضأت لها، وبطلان طهارتها بخروج الوقت، وينبغي أن يبنى ذلك على تأخير الصلاة عن أول الوقت إلى آخره من غير غرض.
فإن قلنا: يجوز، فها هنا وجهان:
أحدهما: أنها لا تبطل بخروج الوقت، فيجوز لها أن تصلي بها الصلاة التي توضأت لها، وهل يجوز (لها) 1099 أن تصلي الصلاة الثانية؟ على الوجهين في (المتيمم) 1100 للفائتة قبل دخول وقت الحاضرة.
فإن انقطع دمها في أثناء الصلاة، بطلت صلاتها في أصح الوجهين.
الجزء: 1 - الصفحة: 304
فإن قلنا: إنها تبطل (وانقطع) 1101 دمها، ثم عاد قبل الفراغ من الصلاة، فهل تبطل صلاتها؟ فيه وجهان.
فإن انقطع دمها قبل الشروع في الصلاة، وجب عليها تجديد (الطهارة) 1102 فإن لم تفعل، وشرعت في الصلاة، وعاد الدم بعد الفراغ من الصلاة، وجب عليها إعادتها، وإن عاد قبل الفراغ من الصلاة، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه لا تصح صلاتها.
وإن كان دم الاستحاضة يجري مرة، ويمسك أخرى، فإن كان زمان إمساك يتسع لفعل الطهارة والصلاة، لم يجز لها أن تصلي في حال جريانه، ولزمها أن تنتظر حال إمساكه ما لم يفت الوقت، وإن كان زمان إمساكه (لا يتسع) 1103 لفعل الطهارة والصلاة، كان لها أن تتوضأ، وتصلي في حال جريانه، إذا عرفت ذلك بحال انقطاعه وتكرره.
فإن توضأت في حال جريان الدم، ثم انقطع، ودخلت في الصلاة، واتصل (انقطاعه) 1104، بطلت صلاتها وجهًا واحدًا.
وحكي في تعليق الشيخ أبي حامد عن أبي العباس في ذلك وجهان، كابتداء انقطاع الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 305
باب إزالة النجاسة
1105
البول، والغائط، نجس، وبه قال أبو يوسف، وأبو حنيفة.
وقال الزهري، ومالك، وأحمد، وزفر: بول ما يؤكل لحمه، ورجيعه، طاهر، ووافقهم أبو حنيفة في ذرق الطير، والعصفور من ذلك 1106.
وقال الليث بن سعد، ومحمد بن الحسن: أبوال ما يؤكل لحمه طاهر، وأرواثها نجسة.
الجزء: 1 - الصفحة: 306
وقال النخعي: أبوال جميع البهائم الطاهرة، (طاهرة) 1107.
وقال داود: بول الصبي ما لم يأكل الطعام طاهر.
وأما مني الآدمي فطاهر 1108، وبه قال أحمد في أصح الروايتين عنه، وفي مني غيره ثلاثة أوجه:
أحدهما: وهو ظاهر المذهب، أن الجميع طاهر إلَّا مني الكلب، والخنزير، وما تولد منهما، أو من إحدهما.
والثاني: أن الجميع نجس.
والثالث: أن مني ما يؤكل طاهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 307
وقال أبو حنيفة ومالك: المني جميعه نجس من الآدمي، = وعند ذلك يبدو له السبب في ذلك، وقد أقرها عليه.
وعلى هذا: لو كان المني ظاهرًا، لمنعها من إتلاف الماء لغير حاجة، لأنه سرف، لأن السرف صرف الشيء في غير حاجة.
وفي مسلم عن عائشة: "أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا انظر إلى أثر الغسل منه"، "صحيح مسلم" 3/ 197، ويقول الكمال بن الهمام: فإن حمل على حقيقته من أنه فعله بنفسه، فظاهر، أو على مجازه، وهو أمره بذلك، فهو نوع علمه.
وأما حديث: إنما يغسل الثوب من خمس، فرواه الدارقطني عن عمار بن ياسر قال: أتى علي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنا على بئر أدلو ماء في ركوه، قال: يا عمار ما تصنع؟ قلت: يا رسول اللَّه بأبي وأمي، أغسل ثوبي من نخامة أصابته، فقال: يا عمار: إنما يغسل الثوب من خمس: من الغائط، والبول، والقيء، والدم، والمني، يا عمار: أما نخامتك، ودمع عينك، والماء الذي في ركوتك إلا سواء، انظر "فتح القدير" 1/ 136، ويقول الكمال: وهذا الحديث ضعيف، وأنا لم أعثر عليه في سنن الدارقطني.
الشافعية: فقد استدلوا بما روي عن عائشة رضي اللَّه عنها: "أنها كانت تحت المني من ثوب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يصلي"، "مختصر سنن أبي داود" 1/ 222، والموجود فيصلي فيه، ولو كان نجسًا لما انعقدت معه الصلاة، ولأنه مبتدأ خلق بشر، فكان طاهرًا كالطين، وفي مسلم 3/ 196 "لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فركًا فيصلي فيه"، واحتج أصحاب الشافعي بحديث فركه، ولو كان نجسًا لم يكف فركه، كالدم، والمذي، وغيرهما، وهذا القدر كاف، وهو الذي اعتمده النووي في طهارته.
وأما قول عائشة: "إنما كان يجزيك" فهو وإن كان ظاهره الوجوب، فجوابه من وجهين: أحدهما: حمله على الاستحباب، لأنها احتجت بالفرك، فلو وجب الغسل، لكان كلامها حجة عليها، لأنها وإنما أرادت الإنكار عليه في غسل كل الثوب، فقالت: غسل كل الثوب بدعة منكرة، وإنما يجزيك في تحصيل الأفضل والأكمل كذا وكذا، "المجموع" 2/ 561، 562.
الجزء: 1 - الصفحة: 308
(وغيره) 1109، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، إلّا أن مالكًا قال: رطبًا، (ويابسًا) 1110، (وأبو حنيفة، وأحمد قالا في مني الآدمي: يغسل رطبًا ويفرك يابسًا) 1111.
وحكى الطحاوي عن الحسن بن صالح بن حي أنه قال: لا يعيد الصلاة من المني في الثوب، ويعيدها من المني في البدن وإن قل.
وأما الدم، فنجس 1112.
وفي دم السمك وجهان:
أحدهما: أنه طاهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 309
وقال أبو حنيفة: دم القمل، والبراغيث، والبق، طاهر 1113 وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
والقيء نجس، والرطوبة التي تخرج من المعدة نجسة.
ويحكى عن أبي حنيفة وأحمد ومحمد أنهما قالا: هي طاهرة.
(وماء القروح) 1114: إن كان له رائحة، فهو نجس، وإن لم يكن له رائحة، فهو طاهر:
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان 1115.
وفي العلقة وجهان:
وقال أبو إسحاق: هي نجسة 1116.
الجزء: 1 - الصفحة: 310
وقال أبو بكر الصيرفي 1117: هي طاهرة.
والميتة سوى السمك، والجراد، نجسة.
وقال مالك: ما ليس له نفس سائلة، لا ينجس بالموت، وهو قول أبي حنيفة، وداود.
وحكى القفال: القولين اللذين يذكرهما أصحابنا في نجاسة ما يموت منه في نجاسته بالموت.
وفرّع عليه: أنا إذا قلنا: لا ينجس بالموت، جاز أكله، وحكي أنه سئل الشيخ أبو زيد 1118 عن المني فقال: طاهر، فقيل: أيؤكل؟ فقال: إن اشتهيت فكل.
(قال الشيخ الإمام أيده اللَّه) 1119: وهذا عندي لا يجيء على أصل الشافعي رحمه اللَّه.
وفي الحية، والوزغ، هل لهما (نفس) 1120 سائلة؟ اختلاف بين أصحابنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 311
قال الداركي 1121، والشيخ أبو حامد: لهما نفس سائلة.
(قال أبو الفياض، وأبو القاسم الصيمري: ليس لهما نفس سائلة) 1122.
وفي الآدمي قولان:
أصحهما: أنه لا ينجس بالموت 1123.
وقال أبو حنيفة: ينجس بالموت، غير أنه يطهر بالغسل.
وحكي في الحاوي: في نجاسة الضفدع بالموت وجهان:
أحدهما: ينجس، فعلى هذا في نجاسة الماء القليل، به وجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 312
والخمر نجسة، والنبيذ نجس 1124.
وقال داود: الخمر طاهرة وإن حرم شربها، وروى الطحاوي عن الليث بن سعد مثل ذلك.
وقال أبو حنيفة: النبيذ طاهر 1125.
والكلب، والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما، نجس 1126، وما سواهما، طاهر السؤر 1127 والذات.
وقال مالك وداود: الكلب، والخنزير أيضًا طاهر السؤر والذات، غير أنه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب تعبدًا، وإن كان ما فيه يحل أكله وشربه.
فإن ولغ الخنزير في إناء فيه لبن، أو خل، ففي وجوب غسله روايتان.
الجزء: 1 - الصفحة: 313
وحكي في الحاوي في وجوب إراقته، والمنع (من) 1128 الانتفاع به لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أنه يحرم الانتفاع به، ولا يجب إراقته، والأصح وجوب الإِراقة.
وقال الثوري والأوزاعي: سؤر ما لا يؤكل لحمه نجس سوى الآدمي.
وقال أبو حنيفة: الأسآر أربعة أضرب، ضرب نجس، وهو سؤر الكلب، والخنزير، وسائر السباع، فإنها نجسة عنده.
وضرب مكروه: وهو حشرات الأرض وجوارح الطير، والهرة.
وضرب مشكوك فيه: وهو سؤر الحمار، والبغل.
وضرب طاهر غير مكروه: وهو سؤر ما يؤكل (لحمه) 1129.
وقال أحمد: كل حيوان يؤكل لحمه فسؤره طاهر، وكذلك الهرة، وحشرات الأرض، وعنه في السباع روايتان، وكذا عنه في الحمار، والبغل روايتان:
أصحهما: أنه نجس.
والثانية: أنه مشكوك فيه.
ولبن ما لا يؤكل لحمه نجس على المنصوص.
وقال أبو سعيد الإِصطخري: هو طاهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 314
ورطوبة فرج المرأة، على المنصوص نجسة 1130. ومن أصحابنا 1131 من قال: هي طاهرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 315
فصل
وتطهر الخمرة إذا استحالت خلًا بنفسها 1132، وإن خللت بما طُرِحَ يها من ملح، أو خل، لم تطهر، وإن نقلت من الظل إلى الشمس حتى تخللت، طهرت في أحد الوجهين، ولا يجوز إمساكها لتخلل، فإن أمسكها حتى صارت خلًا، طهرت في أحد الوجهين.
وقال أبو حنيفة: تطهر بالتخليل، وكذلك سائر النجاسات عنده، تطهر بالاستحالة.
وفي دخان النجاسة وجهان:
أحدهما: أنه نجس، فعلى هذا حكي في العفو عنه وجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 316
أحدهما: يعفي عنه.
وقال (أبو الحسن) ابن المرزبان 1133 من أصحابنا: إذا عمل الآجر من طين فيه سرجين فغسل، طهر ظاهره.
ومن أصحابنا من خرج فيه قولًا من قوله القديم في الشمس: أنها تطهر الأرض النجسة وليس بشيء، واختار الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه، قول ابن المرزبان.
ويجوز إمساك ظروف الخمر، والانتفاع بها.
وحكي عن أحمد في إحدى الروايتين عنه: أنه يجب كسر دنانها، وشق أزقاقها.
ويجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، إحداهن بالتراب 1134.
ومن أصحاب مالك من يقول: العدد مستحب.
وعن مالك رواية أخرى: أنه يغسل ثماني غسلات.
الجزء: 1 - الصفحة: 317
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يغسل حتى يغلب على الظن طهارته، والعدد لا يعتبر.
وإن جعل مكان التراب غيره، من جص، أو أشنان ففيه قولان:
أظهرهما: أنه يجزىء، وفي موضع القولين وجهان:
أحدهما: أن القولين مع عدم التراب، فأما مع وجوده، فلا يجوز قولًا واحدًا.
والثاني: أن القولين في جميع الأحوال.
فإن قلنا: إن غير التراب، لا يقوم مقام التراب في الإِناء، ففي الثوب وجهان، ذكر ذلك في الحاوي، وذكر في قدر التراب وجهين:
أحدهما: ما يقع عليه الاسم.
والثاني: ما يستوعب محل الولوغ.
فإن غسل مكان التراب غسله ثامنة بالماء، لم يجزه في أحد الوجهين.
فإن ولغ في إناء كلبان، أو أكثر، كفي في غسله سبع مرات.
ومن أصحابنا من قال: يغسل لكل كلب سبع غسلات.
وحكي في الحاوي وجهًا ثالثًا: أن الولوغ إن تكرر من كلب واحد، كفاه سبع مرات، وإن كان من كلاب، وجب لكل كلب سبع مرات، وهذا ظاهر الفساد.
فإن أصاب الثوب من ماء الغسلات، كفاه في غسله مرة واحدة في أحد الوجهين.
والثاني: أنه يغسل بقدر ما يقي على المحل من الغسل.
الجزء: 1 - الصفحة: 318
فإن جمع ماء الغسلات في إناء، كان طاهرًا في أحد الوجهين 1135.
والثاني: أنه نجس اعتبارًا بالمحل 1136.
فإن وقع الإِناء الذي ولغ (الكلب فيه) 1137 في ماء يبلغ (قلتين) 1138، لم ينجس الماء، وهل يطهر الإِناء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يطهر، ويُعَدُّ ذلك غَسْلَةً واحدة.
وحكم سائر أعضاء الكلب في العدد حكم فيه.
وقال مالك وداود: لا يجب الغسل من غير الولوغ بحال.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أن بول الكلب إذا لم يزل عن المحل إلَّا بمرتين، فهل يكفيه بعد ذلك خمس غسلات؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكفيه.
والثاني: أنه يستأنف الغسل سبعًا.
فإن أدخل الكلب رأسه في إناء فيه ماء 1139، وأخرجه، و (لم) 1140
الجزء: 1 - الصفحة: 319
يعلم، هل ولغ فيه أم لا؟ وكان على فمه رطوبة، نجس الماء في أظهر الوجهين 1141.
الجزء: 1 - الصفحة: 320
فصل
ويجزىء في بول الصبي الذي لم يطعم الطعام النضح، هو أن يبله (بالماء) 1142، وإن لم (ينزل) 1143 عنه، ويغسل من بول الجارية، فيصب عليه الماء حتى ينزل عنه 1144، وبه قال أحمد 1147.11451146
الجزء: 1 - الصفحة: 321
وقال الأوزاعي: يطهر (بولهما) 1148 جميعًا بالرش عليه.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجب (عليه) 1149 غسل بول الصبي أيضًا.
وأما سائر النجاسات سوى ما ذكرناه، فالواجب فيها أن تكاثر بالماء حتى تستهلك به، وتزول صفاتها، ولا (يتغير) 1150 الماء بها، فإن حصل ذلك بمرة واحدة، أجزأ، ويستحب أن يغسل ثلاثًا.
وقال أحمد: يجب غسل سائر النجاسات سبعًا، إلَّا الأرض إذا أصابتها نجاسة 1151، واختلف أصحابه في ضم التراب إليه.
فإن كانت النجاسة في الثوب خمرًا، فغسلها، وبقيت رائحتها، طهر في أحد القولين.
= -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله" أخرجه مسلم والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه، "مختصر سنن أبي داود" 1/ 223.
الجزء: 1 - الصفحة: 322
(وفي الثاني) 1152: لا يطهر وهو الأصح.
ولا يعتبر الحت، والقرص في غسل (الثوب من الدم) 1153، وغيره، إذا زال وإن بقي الأثر.
وقال داود: يجب الحت، والقرص في غسل الدم من (الثوب) 1154.
وذكر في الحاوي: أن الخمر في الثوب لا تطهر حتى تزول الرائحة، وفي الأرض لا يعتبر ذلك، وليس بشيء.
وذكر أيضًا: أنه إذا بل خضابًا ببول، أو خمر، أو دم، وخضب به شعره، أو (يديه) 1155، وغسله فبقي اللون، فإن كان لون النجاسة 1156، لم يطهر، وإن كان لون الخضاب 1157 ففيه وجهان.
فإن قلنا: إنه نجس (وكان) 1158 الخضاب في شعره، لم يلزمه حلقه وصلي، فإذا (انفصل) 1159 الخضاب أعاده، وإن كان في
الجزء: 1 - الصفحة: 323
(يديه) 1160، وكان لا ينفصل كالوشم، وخاف التلف من إزالته، وكان هو الذي فعله، ففيه وجهان:
(قال الشيخ الإِمام) 1161: وهذا تفريع عجيب، واعتبار زوال اللون لا معنى له.
وقد نص الشافعي رحمه اللَّه في موضع آخر، على أنه يطهر بالغسل، وإن لم يزل اللون، ولأنه عرض فلا تحله النجاسة 1162.
قال ابن القاص: لو أن ثوبًا كله نجس، غسل بعضه في جفنة، ثم عاد إلى الباقي، فغسله، لم يطهر حتى يغسل الثوب كله دفعة 1163 قلته، تخريجًا، وذكر فيه وجه آخر: أنه يطهر.
فإن صب الماء على الثوب النجس، وعصر في إِجانة، وهو متغير ثم صب عليه ماء آخر، وعصر فخرج غير متغير، ثم جمع بين الماءين، فزال التغير، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه نجس.
والثاني: أنه (يطهر وليس) 1164 بشيء.
الجزء: 1 - الصفحة: 324
فإن غمس الثوب النجس في إناء فيه ماء قليل، نجس الماء (ولم يطهر) 1165 الثوب.
وقيل: إن قصد بغمسه إزالة النجاسة طهر، وليس بشيء.
فإن وضع الثوب النجس في إجانة، وصب عليه الماء حتى غمره، واستهلك النجاسة ولم يعصره، طهر في أظهر الوجهين.
فإن كان في إناء (قليل بول) 1166 فكاثره بالماء حتى (استهلكه) 1167، طهر في أظهر الوجهين.
والثاني: لا يطهر (حتى يريق) 1168 (ما فيه) 1169 ثم يغسله.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: إذا (سقى سكينًا) 1170 بماء نجس، ثم غسله، طهر ظاهره دون باطنه، (والحد في تطهيره أن يسقيه) 1171 بماء طاهر مرة أخرى.
(قال الشيخ الإمام) 1172: وهذا بعيد.
الجزء: 1 - الصفحة: 325
ومجرد الغسل (يكفي في تطهيره) 1173، كالذهب، والفضة، وزبر الحديد.
وذكر أيضًا: (أنه إذا) 1174 طبخ اللحم بماء نجس، فإنه ينجس ظاهره، وباطنه، والطريق في "تطهيره) 1175 أن يغليه مرة أخرى في ماء طاهر، وهذا أيضًا فيه نظر، لأنه يمكن عصره، ثم مكاثرته بالماء، كالبساط الصفيق النجس.
وذكر أيضًا: إذا ابتلعت البهيمة حبات من طعام، وألقتها في الحال، وكانت الصلوبة بحالها، بحيث إذا زرعت نبتت، فإنها تغسل وتطهر، وإن كانت صلابتها قد ذهبت، بحيث إذا زرعت لم تنبت، لم تطهر بالغسل، فيه نظر، (لأنها) 1176 بمنزلة ما يطبخ في 1177 ماء نجس.
فإن كانت النجاسة على الأرض، وكانت عذرة، وجب إزالتها، ثم غسل موضعها، وإن كانت (بولًا) 1178 أجزأ فيه المكاثرة حتى تستهلكه، لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر في بول الأعرابي بذنوب من ماء، وذلك تقريب على سبيل المكاثرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 326
وقال أبو سعيد الإصطخري: بل هو تقدير، فيجب في بول الاثنين ذنوبان، والمذهب الأول 1179.
وقال أبو حنيفة: إن كانت الأرض رخوة ينزل الماء فيها، كفى صب الماء عليها، وإن كانت صلبة، وجب حفرها ونقل التراب (النجس عنها) 1180.
فإن أصاب الأرض نجاسة في موضع ضاح 1181، فطلعت (عليها) 1182 الشمس، وهبت عليها الرياح، حتى ذهب أثرها، فقد قال في القديم، تطهر، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد.
فتجوز الصلاة عليها، ولا يجوز التيمم بترابها 1183.
وقال في "الأم": لا تطهر، وهو الأصح، وهو قول مالك، وأحمد.
الجزء: 1 - الصفحة: 327
وإن أصاب أسفل الخف نجاسة 1184، لم يجز فيه إلَّا الماء على قوله الجديد، وبه قال مالك في العذرة، والبول.
وفي أرواث الدواب روايتان:
إحداهما: تغسل.
والثانية: تمسح.
وقال في القديم: إذا دلكه بالأرض، كان عفوًا 1185.
وقال أبو حنيفة: إن كان يابسًا، جاز الاقتصار فيه على الدلك، وإن كان رطبًا، لم يجز 1186. = ﴿طَيِّبًا﴾ أي: الطاهر، فلا يتأدى التيمم بما ثبتت طهارته بخبر الواحد، "مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر" و"المنتقى عليه" 1/ 59.
الجزء: 1 - الصفحة: 328
حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء تأليف سيف الدين أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي القفال حققه وعلق عليه الدكتور ياسين أحمد إبراهيم درادكه الأستاذ المساعد في كلية الشريعة - الجامعة الأردنية الجزء الثاني دار الباز مكتبة الرسالة الحديثة
الجزء: 2 - الصفحة: 1
حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى 1988 الناشر: مكتبة الرسالة الحديثة تلفون: 639957 - ص. ب: 6600 المملكة الأردنية الهاشمية - عمان التوزيع: دار الباز عبّاس أحمد الباز المروة - مكة المكرمة
الجزء: 2 - الصفحة: 2
حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء
الجزء: 2 - الصفحة: 3
الجزء: 2 - الصفحة: 4
كتاب الصلاة
الجزء: 2 - الصفحة: 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الجزء: 2 - الصفحة: 6