1 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 3 - الصفحة: 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = إلَّا اللَّه.
. . " وذكر فيها الحج، وروى مسلم بإسناده، عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: (خطبنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا أيها الناس: قد فرض اللَّه عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول اللَّه، فسكت حتى قالها ثلاثًا فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" مسلم 9/ 100، 101.
وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع فى العمر مرة واحدة.
فضائل الحج: أسوق بعض الأدلة على فضائل الحج منها:
- قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
- وعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: "سئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان باللَّه ورسوله، قل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور" رواه البخاري ومسلم، "فتح الباري" 4/ 124.
- وعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: "سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه" رواه البخاري ومسلم، "فتح الباري" 4/ 125. وعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: "قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور، ليس له جزاء إلا الجنة" رواه البخاري، و"مسلم" 9/ 118، والمبرور: الحج الذي لا معصية فيه.
- وعن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: "قلت يا رسول اللَّه، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل من الجهاد حج مبرور" رواه البخاري، "فتح الباري" 9/ 125.
- وعن عائشة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "وما من يوم أكثر من أن يعتق اللَّه فيه عبدًا يوم عرفة" رواه مسلم، "مسلم" 9/ 117.
- وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة -أو حجة معي-" رواه البخاري ومسلم، "فتح الباري" 4/ 353.
الجزء: 3 - الصفحة: 229
الحج ركن من أركان الإِسلام، وفي العمرة قولان 2. قال في الجديد: هي واجبة (وهو) 3 قول الثوري وأحمد 4. وقال في القديم: ليست واجبة، وهو قول أبي حنيفة ومالك 5.
الجزء: 3 - الصفحة: 230
ولا تجب في العمر إلَّا حجة واحدة وعمرة واحدة 6. = بوقت، وتتأدى بنية غيرها كما في فأنت الحج، وهذه أمارة النفلية، "الهداية" مع البابرتي و"فتح القدير" 2/ 306، وقالت المالكية: العمرة سنة كفاية، وهي أفضل من الوتر" الشرح الكبير للدردير: أنظر "الدسوقي على الشرح الكبير" 2/ 2.
الجزء: 3 - الصفحة: 231
وحكي عن بعض الناس: أنه قال: يجب في كل سنة مرة، ولا يثبت ذلك وهو خلاف النص.
ومن حج حجة الإِسلام (واعتمر) 7 وأراد دخول الحرم للتجارة، أو زيارة، لم يجز إلَّا بإحرام لحجة أو عمرة في أشهر القولين 8.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز لمن وراء الميقات أن يدخل الحرم إلَّا محرمًا، سواء كان لقتال أو لغيره، ومن دون الميقات، يجوز له أن يدخل بغير إحرام.
وقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما: لا يدخل أحد الحرم إلَّا محرمًا، ورخص للحطابين، فأما البريد.
فمن أصحابنا من قال: إنه مثل الحطابين.
ومنهم من قال: فيه وجهان:
ولا يجب الحج والعمرة إلَّا على مسلم بالغ، عاقل، حر، مستطيع = الحجة، ويؤيد هذا ما ثبت عن ابن عباس قال: "واللَّه ما أعمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن وإن دينهم كانوا يقولون: إذا عفا الوبر وبرأ المدبر، ودخل صفر، فقد حلت العمرة لمن اعتمر، فكانوا يحرمون العمرة، حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم" هذا حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح بلفظه، ورواه البخاري في صحيحه مختصرًا فذكر بعضه، أنظر "سنن أبي داود" 1/ 458.
الجزء: 3 - الصفحة: 232
(فأما) 9 الكافر فلا يجب عليه 10 إلَّا أن يكون مرتدًا، فتوجد الإستطاعة في حقه في حال الردة، فيجب عليه، فإذا أسلم فعليه.
وقال أبو حنيفة: إذا ارتد عن الإسلام، يطل ما كان قد فعله من حجة الإسلام، (فإذا) 11 عاد إلى الإِسلام، اعتبرت الاستطاعة في وجوبها بعد ذلك.
فإن أحرم ثم ارتد، لم يبطل إحرامه في أحد الوجهين، فإذا أسلم بنى عليه.
والصبي لا يجب عليه الحج، ويصح إحرامه به بإذن وليه إذا كان يعقل ويميز، ولا يصح بغير إذنه في أصح الوجهين 12.
الجزء: 3 - الصفحة: 233
وما يجب عليه من كفارة بارتكاب محظور في مال وليه 13 في أحد القولين، وبقولنا قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه بالحج 14.
فإن كان لا يعقل ولا يميز أحرم عنه وليه، فإن أحرمت عنه أمه، صح في قول أبي سعيد الإِصطخري، وعلى قول غيره لا يصح، (وإن) 15 أحرم عنه أخوه، أو عمه بغير إذن وليه، لم يصح في أحد الوجهين.
وما لا يقدر الصبي أن يفعله، فعله وليه عنه، فيرمي عنه، ويطوف به، فإن لم يكن الولي قد طاف عن نفسه فطاف به، (فهل) 16 يقع عنه؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يقع عن الصبي.
والثاني: أنه يقع عنه.
فإن وطيء في الحج، وقلنا: يفسد إحرامه، فهل يجب القضاء؟ فيه قولان:
- فإن قلنا: يجب القضاء، فهل يصح قضاؤه قبل بلوغه؟ فيه قولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 234
أحدهما: لا يصح، وهو قول مالك وأحمد، والشيخ أبو حامد في ذلك وجهين:
فأما النفقة، في زاد على نفقة الحضر، فيه قولان:
أحدهما: في ماله.
والثاني: في مال الولي، فإن قلنا: يجب عليه القضاء عند الإِفساد، فهل يجزيه عن حجة الإِسلام؟ ينظر فيه، فإن كان على صفة لو صحت لاجزائه عن حجة الإِسلام وقد بلغ فيها، أجزأه القضاء (عنهما) 17 وذلك بأن يكون قد بلغ قبل الوقوف، وإن كان قد بلغ بعد الوقوف، فلو صحت، لم تجزه عن حجة الإِسلام، فلا يجزيه القضاء عنها.
وأما المجنون، فلا يجب عليه ولا يصح منه ولا عنه 18، والمغمى عليه لا يصح منه ولا يحرم عنه غيره، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يحرم عنه رفيقه، فيصير محرمًا بإحرامه استحسانًا 19.
فإن أذن المولى لعبده في القران والتمتع، وقلنا: يملك المال، فهل يكفر بالهدي؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب الهدي في مال السيد.
الجزء: 3 - الصفحة: 235
والثاني: يجب عليه الصوم إذا كان عليه دين لا يفضل عنه ما يمكنه الحج به، لم يجب عليه (الحج) 20 حالًا (كان) 21 أو مؤجلًا.
وحكي في "الحاوي": أن الدين المؤجل إذا كان يحل بعد عوده، هل يمنع وجوبه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه يمنع.
فإن وجد الزاد والراحلة لذهابه، ولم يجد لرجوعه، ولم يكن له أهل في البلد، ففي وجوب الحج عليه وجهان:
فإن كان معه مال يحتاج إليه في بضاعته يتجر بها ليحصل له بها ما يقوم به، أو ضيعة تقوم غلتها بكفايته، ففيه وجهان:
أحدهما: يلزمه بيعها، وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: لا يلزمه بيعها، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، وهو قول أبي العباس بن سريج، وهو الأظهر.
فإن (لزمته) 22 في الطريق خفارة 23، لم يجب عليه الحج.
وقال مالك: إذا كانت يسيرة (لا تجحف) 24 وأمن الغدر لزمه.
فإن احتاج إلى المسكن ليسكنه، لم يلزمه بيعه في الحج.
الجزء: 3 - الصفحة: 236
وذكر الشيخ أبو حامد: أنه يلزمه بيعه للحج.
فإن كان معه (مال) 25 يكفيه للحج، أو لثمن مسكن (وهو) 26 محتاج إليه، فله أن يشتري به مسكنًا يسكنه، ويؤخر الحج على الوجه الأول، وعلى الوجه الثاني يلزمه صرفه في الحج.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: لا يبيع المسكن ولا يشتري مسكنًا إذا كان معه شيء من النقود (بل) 27 يصرفه في الحج.
فإن لم يجد زادًا ولا راحلة، وقدر على المشي، وله صنعة يكتسب بها ما يكفيه لنفقته، أستحب له أن يحج، وإن كان يحتاج إلى مسألة الناس، كره له الحج.
وقال مالك: يجب عليه أن يحج بالكسب.
فإن استؤجر للخدمة في طريق الحج وحج أجزأه، وكذا إذا غضب مالًا وحج به، أو حمولة وحج عليها.
وحكي عن أحمد أنه قال: لا يجزئه في جميع ذلك.
وإن لم يكن له طريق إلَّا في البحر:
(فقد قال في "الأم": لا يجب عليه.
وقال في "الإملاء": إن كان أكثر معاشه في البحر) 28، لزمه.
الجزء: 3 - الصفحة: 237
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان 29.
ومنهم من قال: إن كان الغالب منه السلامة، لزمه، وإن لم يكن الغالب منه السلامة، لم يلزمه، وهو قول أبي حنيفة، وقول أبي إسحاق المروزي وظاهر قوله في "الأم".
ومنهم من قال: إن كان له عادة بركوبه، لزمه، وإن لم يكن له عادة بركوبه، لم يلزمه 30.
وقيل: فيه طريقة أخرى، إنه إن كان الغالب منه الهلاك، لم يلزمه، وإن كان الغالب منه السلامة، ففيه قولان:
وأما المرأة فلا يجب عليها الحج حتى يكون معها من تأمن معه على نفسها من محرم، أو زوج أو نساء ثقات، أو امرأة واحدة.
وروى الكرابيسي: أنه إذا كان الطريق آمنًا، جاز من غير نساء، وهو الصحيح 31.
الجزء: 3 - الصفحة: 238
وقال أبو حنيفة: لا يجب عليها الحج إلَّا بشرط المحرم، أو الزوج 32، واختلف (أصحابه) 33 في تخلية الطريق، وإمكان المسير، وهل هو شرط في الوجوب أم لا؟
وقال أحمد: تخلية الطريق، وإمكان المسير شرط في الأداء دون الوجوب.
فإن كان له إلى مكة طريقان: أحدهما أقرب، فيه عدو، والبعيد لا عدو فيه، لزمه قصد الأبعد.
وقيل: لا يجب (قصده) 34.
والمستطيع بغيره اثنان:
أحدهما: أن يكون عاجزًا عن الحج بنفسه لزمانه، أو مرض ميئوس منه ومعه مال يدفعه إلى من يحج عنه، فإنه يلزمه الحج إذا وجد من (يستأجره) 35 على فعله فإن لم يفعل استقر فرضه في ذمته، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد.
= لترين الظعينة، ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا اللَّه تعالى، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا اللَّه" هذا اللفظ رواية البخاري مختصرًا، وهو بعض من حديث طويل، "فتح الباري" 7/ 423.
الجزء: 3 - الصفحة: 239
وقال مالك: ولا يجب عليه الحج بذلك، وإنما يجب (عليه الحج) 36 إذا كان مستطيعًا بنفسه خاصة.
(وإذا) 37 استأجر من يحج عنه، فحج عنه، وقع الحج عن المحجوج عنه.
وقال أبو حنيفة: يقع عن الحاج، (وللمحجوج) 38 عنه ثواب النفقة في إحدى الروايتين، وهي رواية محمد عنه، غير أنه يضيف التلبية إليه، ورواية الأصل (مثل) 39 قولنا.
(وإذا) 40 وجد الأعمى من يقوده، ويهديه الطريق، لزمه الحج بنفسه ولا يجوز له الاستنابة فيه، وبه قال أحمد، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: في أصح الروايتين عنه، يجوز الاستنابة (فيه) 41.
والثاني من المستطيع بغيره: أن يكون عاجزًا عن الحج بنفسه ولا مال له، وله ولد يطيعه إذا أمره بالحج عنه، وكان الولد مستطيعًا في نفسه، وجب عليه الحج بسببه، وإن كان ولده غير مستطيع في نفسه بالزاد والراحلة، فهل يجب على الأب الحج بطاعته؟ فيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 240
أظهرهما: أنه لا يجب 42.
والاعتبار في الطاعة، بطاعة من يطيعه لو أمره بالحج، وثقته بإجابته له إلى ذلك، ولا يقف على بذل (المطيع) 43.
وذكر فيه وجه آخر: أنه لا يجب عليه باعتقاده ما لم يبذله له.
وقال أصحاب أبي حنيفة: الذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة أنه لا يجب عليه الحج ببذل الطاعة، وبه قال أحمد.
ولا فرق في وجوب الحج بطاعة من يثق بطاعته، بين أن يكون ولدًا، وبين أن يكون أجنبيًا في أصح الوجهين 44.
فإن بذل له ولده مالًا، يدفعه إلى من يحج عنه، ولم يبذل له الحج بنفسه، فهل يلزمه قبوله؟ فيه وجهان في الصحيح إذا (بذل) 45 له ولده المال للحج بنفسه.
وحكي في "الحاوي" وجهًا آخر: أنه إن كان الباذل للمال له أجنبيًا، لم يجب عليه قبوله للحج به، وإن كان ولدًا، لزمه قبوله والحج به.
الجزء: 3 - الصفحة: 241
وإن كان له ولد يطيعه في الحج عنه غير أنه لم يعلم بحاله، هل يجب عليه الحج به؟
ذكر في التعليق: أنه بمنزلة أن يكون له مال (لا يعلم) 46 به، بأن يموت موروثه.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: ولم يذكر حكمه.
قال: وعندي: أن هذا يجري مجرى من نسي الماء في رحله (أو لم) 48 يعلم بكونه في رحله، هل يسقط الفرض عنه؟ فيه قولان:
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) (3): وأقرب من هذا في البناء عندي، إذا ورث مالًا ولم يعلم هل يجب عليه الزكاة فيه لما مضى من الأحوال بعد موته؟ فيه قولان كالضال والمغصوب، فإن امتنع الأب من الإِذن لولده في الحج، هل يقوم الحاكم مقامه في الإِذن عنه؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يقوم مقامه.
وهل يجب الحج على الولد ببذل الطاعة عن أبيه؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يجب عليه (الحج) 49 وإن وجب على الأب بسببه.47
الجزء: 3 - الصفحة: 242
فصل
والمستحب لمن وجب عليه الحج، أن يبادر إِلى فعله 50، فإن أخره جاز، وبه قال محمد بن الحسن 51. وقال مالك وأحمد وأبو يوسف: يجب على الفور، وكان أبو الحسن الكرخي يقول: مذهب أبي حنيفة أنه على الفور 52. فإن مات قبل فعل الحج، فهل يأثم؟
الجزء: 3 - الصفحة: 243
من أصحابنا من قال: إن ظهر له أمارات العجز أثم بالتأخير، وإن مات فجاة قبل أن يظهر له أمارات العجز، لم يأثم.
ومنهم من قال: يأثم أيضًا، وقد اختلفوا في وقت الإِثم.
فقال أبو إسحاق: يأثم في السنة التي فاته الحج بالتأخير عنها.
وقال غيره: تبين أنه يمضي بالتأخير عن السنة الأولى في الإِمكان.
وبنى القاضي حسين على ذلك: سقوط شهادته (ونقض) 53 الحكم، وذلك بناء فاسد، لأنه مختلف فيه.
ومن وجب عليه الحج (فلم يحج) 54 حتى مات قبل التمكن من الأداء، سقط عنه فرضه.
وقال أبو يحيى البلخي: يجب عليه القضاء، وأظهر له أبو إسحاق نص الشافعي رحمه اللَّه فرجع عنه.
وإن مات بعد التمكن، وجب قضاؤه من رأس ماله 55.
وقال أبو حنيفة: يسقط بالموت، إلَّا أن يوصي به، فيحج عنه من ثلثه، وبه قال مالك، ويجوز (النيابة) 56 في حج الفرض في موضعين:
الجزء: 3 - الصفحة: 244
في حق الميت 57، وفي حق من لا يقدر على الثبوت على الراحلة 58، وفي حج التطوع قولان:
أصحهما: أنه لا يجوز النيابة فيه.
والثاني: يجوز، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، فإن قلنا: لا تجوز الاستنابة فاستأجر من حج عنه، وإلَّا (فالإجارة) 59 فاسدة، فإذا حج وقع الحج عن نفسه، وهل يستحق أجرة المثل؟ فيه قولان 60:
وأما الصحيح الذي يقدر على الثبوت على الراحلة، فلا يجوز له الاستنابة في الحج 61.
وقال أبو حنيفة: يجوز له ذلك في حج التطوع.
الجزء: 3 - الصفحة: 245
وأما المريض، فإن لم يكن ميؤسًا منه، لم يجز له أن يستنيب فيه، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز له ذلك (وكذا المحبوس) 62، ويكون الأمر موقوفًا، فإن (برأ من مرضه) 63 وخلي سبيله، وجب عليه فعله، وإن مات، أجزأه.
فإن استناب من يحج عنه ومات منه، أو صار مأيوسًا منه، فهل يجزئه عن فرضه؟ فيه قولان، فإن كان مرضًا مأيوسًا منه، فإنه يجوز أن يستنيب فيه.
(فإذا) 64 استأجر من يحج عنه، فحج (عنه) 65، ثم برىء من مرضه، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه على ما ذكرناه من القولين، ومن أصحابنا من بنى ذلك على القولين فيه.
والطريق الثاني 66: أنه لا يجزئه قولًا واحدًا.
إذا استأجر المعضوب من يحج عنه، فأحرم بالحج عنه ثم نقله إلى نفسه، لم ينتقل ووقع عن المحجوج عنه، وهل يستحق الأجرة؟ فيه قولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 246
فإن شرع في حج التطوع، ثم نذر حجًا، فإن كان قبل الوقوف، فهل ينصرف إلى النذر؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه ينصرف إليه.
والثاني: لا ينصرف.
وأصله الصبي إذا أحرم بالحج ثم بلغ قبل الوقوف، هل يجزئه عن حجة الإِسلام؟ فيه وجهان:
قال القاضي حسين: فيتفرع على هذا إذا شرع في الحج عن الغير، ثم نذر حجًا قبل الوقوف، فإنه يبني على النفل.
- فإن قلنا: هناك لا ينصرف إلى (النذر) 67 فها هنا أولى.
- وإن قلنا: هناك ينصرف، فها هنا وجهان.
ولا يحج عن الغير من لم يسقط فرض الحج عن نفسه 68، فإن أحرم بالحج عن غيره وعليه فرض، انصرف إلى نفسه، وبه قال أحمد 69.
الجزء: 3 - الصفحة: 247
وعن أحمد رواية أخرى: أنه لا ينعقد إحرامه عن نفسه، ولا عن غيره.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز أن يحج عن غيره وعليه فرضه.
وقال الثوري: إن كان قادرًا (على أن يحج) 70 عن نفسه، لم يجز أن يحج عن غيره، وإن لم يكن قادرًا على أن يحج عن نفسه، جاز أن يحج عن غيره.
فإن قال له: (أنا صرورة) 71 فقال: قد علمت، ويجوز عندي استئجار الصرورة في الحج، فاستأجره فحج عنه، (وقع) 72 عن نفسه، ولم يقع عنه، وهل يستحق الأجرة؟ فيه (وجهان) 73 (بناء عليه) 74، إذا أحرم عن غيره ثم صرفه إلى نفسه، وهل يستحق الأجرة؟ فيه قولان 75.
الجزء: 3 - الصفحة: 248
ولا يجوز أن يتنفل بالحج وعليه فرضه، ولا أن يحج عن النذر وعليه فرض حجة الإسلام، فإن أحرم عن ذلك انصرف إلى ما عليه من فرض حجة الإسلام، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة ومالك: ينعقد إحرامه بما قصده من النذر والتطوع.
فإن كان عليه حجة نذر وحجة الإسلام 76، فاستأجر رجلين يحجان عنه في سنة واحدة أجزأه، نص عليه الشافعي رحمه اللَّه 77.
ومن أصحابنا من قال: لا يجزئه، وليس بشيء.
إذا كان قد حج ولم يعتمر (فاستؤجر) 78 على الحج والعمرة عن غيره، فقرن بين الحج عن غيره والعمرة، وقعا عنه دون غيره.
قال في "الجامع": لو كان حج عن نفسه ولم يعتمر، فحج عن غيره واعتمر، أجزأه الحج دون العمرة.
قال المزني: هذا غلط، لأن الإِحرام قد صار واحدًا.
قال أصحابنا: لم يرد الشافعي رحمه اللَّه إذا قرن بينهما، وإنما أراد إذا أتى بالحج، ثم أتى بالعمرة بعده.
ذكر القاضي حسين: أن ما ذكرناه قوله الجديد.
وقال في القديم: لو استأجر رجل ليحج عن ميت، فحج واعتمر جاز، يعني عن الميت، ثم حكى فيه طرقًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 249
أحدها: أن المسألة على قولين:
أحدهما: أنهما يقعان عن الفاعل.
والقول الثاني: أنه يقع الحج عن المستأجر، والعمرة عن نفسه.
الطريق الثاني: أن المسألة على قول واحد.
وقوله في القديم: لو استؤجر عن ميت، فحج واعتمر ولم يكن صرورة في واحدة منهما، وقعا جميعًا عنه، وصار متطوعًا بالعمرة عنه.
ومن أصحابنا من قال: إذا استؤجر على الحج، فحج عن الرجل واعتمر قرانًا، فالحج عن الأجير (الآمر) 79، والعمرة: إما أن يقال لا حكم لها، أو يقال: إنها تابعة للحج ويقع عنه، ولكن لا يسقط بها الفرض.
وإن استأجره ليعتمر عنه، فقرنها الأجير، وقعا عن الفاعل، لأن الحج هو الأصل، والعمرة تبع، والصحيح: هو الأول، وما ذكره عن القديم (ليس) 80 بصريح في القرآن.
فإن مات وعليه حجة الإسلام، فتطوع وارثه، وحج عنه، أجزأه، وإن حج أجنبي عنه بغير إذنه، ففيه وجهان:
وكذا الوجهان في المعضوب، وخالف القاضي حسين رحمه اللَّه في ذلك وفرق بينهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 250
فصل
ولا يجوز الإحرام بالحج إلَّا في أشهر الحج 81، وهو: شوال، وذو القعدة، وتسعة أيام من ذي الحجة، وعشر ليال مع ليلة النحر 82، وهو قول أبي ثور، وأبي يوسف.
وقال أبو حنيفة: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة، فأدخل يوم النحر في الجملة، وبه قال أحمد 83.
الجزء: 3 - الصفحة: 251
وقال مالك: أشهر الحج، شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
فإن أحرم قبل أشهر الحج، لم ينعقد، وانعقد بعمرة.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أن الشافعي نص في القديم، أنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره تحلل منه بعمرة، كما لو فاته الحج، فحصل فيه قولان:
أحدهما: أنه ينعقد عمرة، فيجزئه عن عمرة الإِسلام.
والثاني: أنه يتحلل بعمل عمرة، فلا يجزئه عن عمرة الإِسلام) 84.
وقال أبو حنيفة وأحمد ومالك: يكره الإِحرام بالحج قبل أشهره، فإن أحرم، انعقد حجه.
وحكي عن داود أنه (قال) 85: لا ينعقد بشيء.
ولا يكره فعل العمرة في شيء من السنة 86، وبه قال أحمد.
= الحج، وعند الشافعية ليس من أشهر الحج، وإجماع العلماء: على أن أول وقت أشهر الحج، شوال، وإنما اختلفوا في آخرها، "المجموع" 7/ 132.
الجزء: 3 - الصفحة: 252
وقال أبو حنيفة: يكره في خمسة أيام في السنة، يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.
وقال أبو يوسف: يكره في أربعة أيام، يوم النحر، وأيام التشريق.
ويستحب الإكثار من العمرة.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يعتمر في السنة إلَّا مرة، وبه قال ابن سيرين.
الإفراد، والتمتع 87، أفضل من القران، وفي الإِفراد والتمتع قولان: = فبلغ ذلك عائشة فقالت: يرحم اللَّه أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة قط إلا وهو شاهد، وما اعتمر قط في رجب" رواه البخاري ومسلم، "فتح الباري" 4/ 349. وعن البراء: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اعتمر في ذي العقدة" رواه الترمذي والبخاري "فتح الباري" 4/ 351، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة" قال النووي رحمه اللَّه: ولا يكره عمرتان، وثلاث وأكثر في السنة الواحدة، ولا في اليوم الواحد بل يستحب الإِكثار منها بلا خلاف عندنا"، "المجموع" 7/ 134.
الجزء: 3 - الصفحة: 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .8889909192 = ليس معه عمرة" رواه البخاري ومسلم، أنظر صحيح البخاري 1: 272 وأنظر السنن الكبرى 5: 3. الثاني: أن التمتع أفضل، لما روى ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: "تمتع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج" رواه البخاري ومسلم، "أنظر صحيح البخاري 1: 273 وأنظر السنن الكبرى 5: 17. الإِحرام عند الشافعية على خمسة أنواع: الإِفراد، والتمتع، والقرآن، والإِطلاق وهو أن يحرم بنسك مطلقًا، ثم يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة، أو كليهما، والتعليق، وهو: أن يحرم بإحرام كإحرام زيد، وهي جائزة بلا خلاف عند الشافعية.
مذاهب العلماء في الأفضلية بين الأفراد والتمتع والقران:
الجزء: 3 - الصفحة: 254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = النساء وهن منكشفات الرؤوس، وإني كنت تحت ناقة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فكنت أسمعه يلبي بالحج" رواه البيهقي بإسناد صحيح، "البيهقي" 5/ 9، وفي رواية لمسلم أيضًا عن ابن عمر قال: "أهللنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالحج منفردًا".
- عن عطاء عن جابر بن عبد اللَّه قال: "أهل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- هو وأصحابه بالحج" رواه البخاري ومسلم، "أنظر صحيح البخاري 1: 272 وفي رواية لمسلم أيضًا عن جابر قال: أهللنا أصحاب محمد صلى اللَّه عليه وسلم بالحج خالصًا وحده، فقدمنا صبح رابعة من ذي الحجة فأمرنا أن نحل".
وفي "صحيح مسلم" أيضًا عن جابر في حديث طويل قال: "خرجنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لمناسك الحج -وذكر الحديث إلى أن قال- حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليتحلل وليجعلها عمرة"، "مسلم" 8/ 178. قال الشافعي: وثبت أنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خرج ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو فيما بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه أن من كان منهم أهل بالحج -ولم يكن معه هدي- أن يجعلها عمرة وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة"، "البيهقي" 5/ 6. - عن ابن عباس: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم وقلدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج" رواه مسلم، "أنظر صحيح مسلم" 8: 143. وروى البيهقي بإسناده عن علي رضي اللَّه عنه أنه قال لابنه "يا بني أفرد بالحج فإنه أفضل"، "البيهقي" 5/ 5. ثانيًا: التمتع:
- عن ابن عمر قال: "تمتع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول =
الجزء: 3 - الصفحة: 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مكة قال للناس: من كان منكم أهدي، فإنه لا يحل من شيء حتى يقضي حجته، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا وبالمروة، وليقصر ويتحلل، ثم ليهل بالحج ويهد، فمن لم يجد هديًا، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وطاف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حين قدم مكة، فاستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم أسلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحلل من شيء حرم منه، حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من هدي، وساق الهدي مع الناس" رواه البخاري ومسلم "السنن الكبرى" للبيهقي 5/ 17. وأنظر صحيح مسلم 8: 208 - 209.
- وعن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "تمتع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج، وتمتع الناس معه"، قال الزهري: مثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، رواه البخاري ومسلم.
- وعن محمد بن عبد اللَّه بن الحارث "أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك ابن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتع والعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع مثل هذا إلَّا من جهل أمر اللَّه تعالى فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، قال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وصنعناها معه" رواه الترمذي والبيهقي وقال: حديث صحيح، "الترمذي" 3/ 176، و"البيهقي" 5/ 17.
- وعن أبي موسى الأشعري قال: "بعثني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى قومي باليمن، فجئت وهو منيخ بالبطحاء فقال: بم أهللت؟ فقلت أهللت كإهلال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: هل معك من هدي؟ قلت: لا فأمرني فطفت بالبيت والصفا والمروة، ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني -أو غسلت رأسي-" رواه البخاري ومسلم، "فتح الباري" 4/ 161.
- وعن سالم بن عبد اللَّه: "أنه سمع رجلًا من أهل الشام سأل ابن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال ابن عمر: هي حلال، قال الشافعي: إن أباك قد نهى عنها، قال ابن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول =
الجزء: 3 - الصفحة: 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: لقد صنعها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" رواه الترمذي بإسناد صحيح، "الترمذي" 3/ 176. ثالثًا: القران:
- عن سعيد بن المسيب قال: "اختلف علي وعثمان وهما بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المنعة أو العمرة فقال علي ما تريد إلا أن تنص من أمر فعله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال عثمان: دعنا منك، فقال: أني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعًا" رواه البخاري، ومسلم، من حديث شعبة، أنظر صحيح البخاري 1: 274، وأنظر السنن الكبرى للبيهقي: 5: 22.
- عن أنس قال: "سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يلبي بالحج والعمرة جميعًا، قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر فقال: لبي بالحج وحده، فلقيت أنسًا فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما تعدوننا إلا صبيانًا، سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: لبيك عمرة وحجًا"، "البيهقي" 5/ 9.
- وعن عمر رضي اللَّه تعالى عنه قال: "سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول بوادي العقيق: أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، قال: عمرة في حجة" رواه البخاري جـ 1/ 267 وأنظر "البيهقي" 5/ 13.
هذه معظم الأحاديث التى استدل بها أنصار كل من الأفراد والتمتع والقران، وهي أحاديث صحيحة، وهذه الأحاديث رويت عن الصحابة في حج واحد، وهي حجة الوداع.
فمنهم من روى أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان في حجة الوداع مفردًا، (ومنهم) من روى أنه كان قارنًا. - (ومنهم) من روى أنه كان متمتعًا - وكله في الصحيح وهي قصة واحدة، فيجب تأويل جميعها ببعضها والجمع بينها.
يقول النووي رحمه اللَّه: والصواب الذي نعتقده أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحرم أولًا بالحج مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة فصار قارنًا، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الأصح لا يجوز لنا، وجاز للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تلك السنة للحاجة، وأمر به في قوله: "لبيك عمرة في حجة".
=
الجزء: 3 - الصفحة: 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فإذا عرفت ما قلناه سهل الجمع بين الأحاديث.
- فمن روى أنه كان قارنًا، أراد أنه اعتمر آخره، وما بعد إحرامه.
- ومن روى أنه كان متمتعًا أراد التمتع اللغوي، وهو الإنتفاع والإلتذاذ، وقد انتفع بأن كفاه عن النسكين فعل واحد، ولم يحتج إلى إفراد كل واحد بعمل، ويؤيد هذا الذي ذكرته: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يعتمر تلك السنة عمرة مفردة، لا قبل الحج ولا بعده، "المجموع" 7/ 150، 151. والذي أراه أن الإِفراد أفضل وقد رجحه الشافعي والأصحاب وغيرهم بأشياء:
- منها: أن الأكثر في الروايات الصحيحة في حجة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
- ومنها: أن رواته أخص بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذه الحجة، فإن منهم: جابرًا، وهو أحسنهم سياقًا لحجة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنه ذكرها من أول خروجه -صلى اللَّه عليه وسلم- من المدينة إلى فراغه وذلك مشهور في صحيح مسلم وغيره، وهذا دليل على ضبطه لها واعتنائه بها.
ومنهم: ابن عمر، فقد قال: كنت تحت ناقة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسني لعابها أسمعه يلبي بالحج.
ومنهم: عائشة وقربها من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- معروف وإطلاعها على باطن أمره وفعله في خلوته وعلانيته مع فقهها وعظم فطنتها.
ومنهم: ابن عباس، وهو بالمحل المعروف من الفقه والفهم الثاقب، مع كثرة بحثه وحفظه أحوال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- التي لم يخفها، وأخذه إياها من كبار الصحابة.
ومنها: أن الخلفاء الراشدين رضي اللَّه عنهم بعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أفردوا الحج، وواظبوا عليه، كذلك فعل أبو بكر وعمر وعثمان، واختلف فعل علي رضي اللَّه عنهم أجمعين، وقد حج عمر بالناس عشر حجج مدة خلافته كلها مفردًا، ولو لم يكن هذا هو الأفضل عندهم، وعلموا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حج مفردًا، لم يواظبوا على الإِفراد مع أنهم الأئمة الأعلام، وقادة الإِسلام، ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم، وكيف يظن بهم المواظبة على خلاف فعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ أو أنهم خفي عليهم جميعهم فعله -صلى اللَّه عليه وسلم-.
الجزء: 3 - الصفحة: 258
أحدهما: أن الإِفراد أفضل وبه قال مالك.
والثاني: أن التمتع أفضل وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: القران أفضل من الإِفراد والتمتع، وهو اختيار المزني، وأبي إسحاق المروزي، فإن أدخل العمرة على الحج ففيه قولان:
أحدهما: أنه يجوز قبل الوقوف، وهو قول أبي حنيفة، وهل يجوز بعد الوقوف؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز ما لم يأخذ في التحلل.
والقول الثاني: قاله في الجديد: إنه لا يجوز إدخال العمرة على الحج، وبه قال أحمد، فإن أدخل الحج على العمرة بعد الطواف، لم يجز.
قيل: لأنه أتى بالمقصود.
وقيل: لأنه قد أخذ في التحلل.
ومن أصحاب مالك من قال: يجوز له ذلك ما لم يركع بعد الطواف، ويكره له بعد الطواف وقبل الركوع، فإن فعل لزمه ذلك، (وبعد الركوع يفوته القران) 93، سعى أو لم يسع.
وقيل: له ذلك ما بقي عليه من السعي (شيء، فإذا فرغ من السعي) 94 فاته القران وإن كان قد بقي عليه الحلاق.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: في وقت إدخال العمرة على الحج
الجزء: 3 - الصفحة: 259
أربعة أوجه بناء على أربعة معان في المنع من إدخال الحج على العمرة إذا شرع في الطواف.
أحدها: أنه أتى بشيء من أفعال العمرة، فعلى هذا إذا طاف للقدوم في الحج، لم يجز له إدخال العمرة عليه.
والثاني: أنه أتى بفرض من فرائض العمرة، فعلى هذا إذا سعى عقب طواف القدوم في الحج، لم يجز له إدخال العمرة عليه.
والثالث: أنه أتى بمعظم أفعال العمرة، فعلى هذا إذا أتى بالوقوف، لم يدخل العمرة على الحج.
الرابع: أنه أخذ في أسباب التحلل، فعلى هذا يجوز إدخال العمرة على الحج بعد الوقوف ما لم يأخذ في التحلل، والصحيح ما قدمناه.
فإن أحرم بالعمرة وأفسدها، ثم أدخل عليها الحج، انعقد إحرامه بالحج فاسدًا في أحد القولين.
والثاني: أنه لا ينعقد إحرامه (بالحج) 95.
ويجب على المتمتع دم 96، وعلى القارن دم، وذلك شاة.
وقال داود: لا دم على القارن، ويروى عن طاوس.
وحكي عن الشعبي أنه قال: يجب على القارن بدنة.
ويجب دم التمتع بخمس شروط.
أحدها: أنه يعتمر في أشهر الحج، فإن أحرم بالعمرة في رمضان وأتى بأفعالها في أشهر الحج، وحج من عامه، ففيه قولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 260
قال في القديم: عليه دم 97.
وقال في "الأم": لا دم عليه، وبه قال أحمد (1).
وقال مالك: إذا لم يتحلل من العمرة حتى أدخل أشهر الحج، صار متمتعًا.
وقال أبو حنيفة: إذا أتى بأكثر أفعال العمرة في أشهر الحج، صار متمتعًا.
والشرط الثاني: أن يحج من سنته.
والثالث: أن لا (يعود) 99 لإِحرام الحج إلى الميقات، ويحرم به من جوف مكة، فإن عاد وأحرم بالحج من الميقات، فلا دم عليه، وإن أحرم بالحج من مكة ثم عاد إلى الميقات قبل أن يتلبس بنسك، فهل يسقط عنه الدم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط.
والثاني: لا يسقط، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: لا يسقط عنه حتى يعود إلى بلده.
فإن خرج من مكة وأحرم بالحج من الحل ولم يعد إلى مكة.
قال أصحابنا: يجب عليه دم آخر غير دم التمتع.
(قال) 100 الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهذا فيه نظر، لأن دم98
الجزء: 3 - الصفحة: 261
التمتع إنما وجب لترك الإِحرام من الميقات، فلا يجب بسببه دم آخر.
فإن خرج من مكة (وأحرم) 101 بالحج من الحرم ومضى إلى عرفه، فهل يجب عليه دم آخر؟ فيه قولان: وقيل وجهان.
الشرط الرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام 102، (وحاضروا المسجد الحرام) 103: أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وبه قال أحمد.
وروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: هم أهل الحرم خاصة، وبه قال مجاهد.
وقال مالك: هم أهل مكة، وأهل ذي طوى.
وقال أبو حنيفة: هم من كان دون المواقيت إلى الحرم.
والخامس: نية التمتع، وفي وجوبها وجهان، وإذا قلنا: يجب 104، ففي وقتها وجهان، كالقولين في وقت نية الجمع بين الصلاتين.
أحد الوجهين: عند الإِحرام بالعمرة.
والثاني: قبل التحلل منها.
ويجب دم التمتع بالإِحرام بالحج، وبه قال أبو حنيفة 105.
الجزء: 3 - الصفحة: 262
وحكي عن عطاء أنه قال: لا يجب عليه الهدي حتى يقف بعرفة.
وعن مالك أنه قال: لا يجب الدم حتى يرمي جمرة العقبة.
وفي وقت جواز إخراجه قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز قبل أن يحرم بالحج 106.
والثاني: أنه يجوز بعد الفراغ من العمرة، وقيل: فيه وجهان.
وذكر القاضي حسين: (أنه) 107 إذا ذبح الهدي بعد الإِحرام بالعمرة وقبل الفراغ منها، فهل يجزئه (حتى يبني) 108 عليه إذا ذبح قبل الإِحرام بالحج وبعد الفراغ من العمرة؟
فإن قلنا: هناك لا يجوز، فها هنا أولى.
- وإن قلنا: هناك يجوز، فها هنا وجهان.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز ذبح الهدي قبل يوم النحر.
فإن لم يجد الهدي في موضعه، فإنه ينتقل إلى الصوم، وهو ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ولا يصوم الثلاثة إلَّا بعد الإِحرام بالحج 109. = الدم إنما توجد بوجود الإِحرام بالحج، فوجب أن يتعلق الوجوب به، "المهذب" مع "المجموع" 7/ 178.
الجزء: 3 - الصفحة: 263
وقال أبو حنيفة: إذا أحرم بالعمرة، جاز له صوم الثلاثة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
والرواية الثانية: أنه يجوز له الصوم إذا تحلل من العمرة.
وهل يجوز وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: يجوز وهو قول مالك (وإحدى) 110 الروايتين عن أحد.
ولا يفوت عندنا صوم الثلاثة بفوت يوم عرفة، فيصومها في أحد القولين في أيام التشريق، وعلى قوله الجديد: يصومها بعد ذلك.
وحكي عن أبي العباس بن سريج أنه قال: يجيء فيه قول آخر أنه يسقط بفوات وقته إلى الهدي كما قال الشافعي رحمه اللَّه فيه.
(فإذا) 111 وجب عليه صوم التمتع بالإِحرام بالحج فمات عقيبه، أنه يسقط عنه إلى غير شيء في أحد القولين.
وفي القول الثاني: يسقط إلى الهدي إذا مات، وهذا فاسد في البناء.
وقال أبو حنيفة: يفوته الصوم بخروج يوم عرفة، فيسقط ويستقر عليه الهدي.
ولا يجب عليه بتأخير هذا الصوم أكثر من القضاء عليه.
وقال أحمد: إن أخره لغير عذر، وجب عليه لذلك دم (مع القضاء) 112 وكذلك إذا أخر الهدي من سنة إلى سنة لغير عذر، لزمه دم.
الجزء: 3 - الصفحة: 264
فإن وجد الهدي في صوم الثلاثة، استحب له الانتقال إِليه، وبه قال مالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
وقال أبو حنيفة: يلزمه الانتقال إليه، وهو اختيار المزني، وكذلك إذا وجده بعد الفراغ من صوم الثلاثة وقبل يوم النحر، (وإن) 113 وجده بعد ما مضت أيام النحر أجزأه الصوم، وإن لم يكن قد تحلل (بمضي زمان التحلل) 114.
وإن وجد الهدي بعد الإِحرام بالحج وقبل الشروع في الصوم، فإنه يبني على الأقوال في الكفارة، وهل يعتبر فيها حال الوجوب أو حال الأداء؟ وأما صوم السبعة، ففي وقته قولان:
أصحهما: أن وقته إذا رجع إلى أهله، وهو قول سفيان وأحمد 115.
والثاني: نص عليه في "الإملاء": أنه يجوز فعله قبل الرجوع إلى أهله، فعلى هذا في وقت جوازه وجهان:
أحدهما: يجوز إذ أخذ في السير خارجًا من مكة 116، فعلى هذا لا يجوز صوم السبعة وهو بمكة وهو قول مالك.
والثاني: يجوز إذا فرغ من الحج سواء كان مقيمًا، أو أخذ في السير، وهو قول أبي حنيفة والحسن، فعلى القول الثاني في الأفضل قولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 265
أحدهما: أن الأفضل تقديمه في أول وقته.
والثاني: أن الأفضل تأخيره إلى أن يرجع إلى أهله.
والمستحب أن يأتي بصوم الثلاثة متتابعًا، وكذا صوم السبعة.
وبعض أصحابنا: خرج فيه قولًا آخر من كفارة اليمين، أنه يلزمه التتابع في الصومين، فإن لم يصم الثلاثة حتى رجع إلى أهله، وجب عليه صيام عشرة أيام، وهل يجب التفريق بين صوم الثلاثة والسبعة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب التفريق بينهما، وبه قال أحمد.
والثاني: أنه يجب التفريق بينهما، وهو الأظهر، فعلى هذا يجب (عليه) 117 التفريق بينهما بقدر ما كان يجب التفريق بينهما في الأداء، فحصل (من) 118 ذلك أربعة أقوال.
أحدها: أنه لا يجب التفريق بين الصومين.
والثاني: أنه يفرق بينهما بأربعة أيام.
والثالث: يفرق بينهما بقدر مسافة الطريق ما بين مكة وبلده.
والرابع: يفرق بينهما بقدر المسافة، وزيادة أربعة أيام.
(وإن) 119 مات قبل التمكن من الصيام، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: لو أحرم بالحج، وجب عليه الهدي، فإن لم يجد فعليه الصيام، فإن مات من ساعته، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يهدى عنه، أي يطعم عنه.
الجزء: 3 - الصفحة: 266
والثاني: وهو الصحيح، أنه لا هدي ولا (إطعام) 120، فإن (وجب) 121 عليه أمداد من الطعام بدلًا عن الصيام، فإلى من يصرفها؟ فيه وجهان.
أحدهما: إلى مساكين الحرم.
والثاني: أن يفرقها حيث شاء.
فإن فرغ المتمتع من أفعال العمرة، تحلل من العمرة، ساق الهدي، أو لم يسق، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: إن كان قد ساق الهدي (لم يجز له) 122 أن يتحلل إلى يوم النحر فيبقى على إحرامه، فيحرم بالحج عليها، فيصير قارنًا ويتحلل منهما.
فإذا تحلل المتمتع من عمرته، فإنه يستحب له أن يحرم بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية، فيحرم بعد الزوال متوجهًا إلى منى.
وحكي في التعليق عن مالك أنه قال: يستحب أن يحرم من أول ذي الحجة عند رؤية هلاله.
ولا يكره (للمكي) 123 ومن كان من حاضري المسجد الحرام، القران، والتمتع، غير أنه لا يجب عليه دم، وبه قال مالك، واختلف أصحاب مالك في إحرام القارن.
الجزء: 3 - الصفحة: 267
فمنهم من قال: يحرم من مكة.
ومنهم من قال: من أدنى الحل.
وعندنا: يحرم من مكة.
قال عبد الملك بن الماجشون: يجب على المكي في القران، والتمتع، دم.
وقال أبو حنيفة: لا يصح منهم قران، ولا تمتع، وإذا أحرم بهما (ارتفضت) 124 عمرته.
وإن أحرم بالحج (بعدما) 125 فعل شوطًا من طواف العمرة، (ارتفض) 126 حجه في قول أبي حنيفة، (وارتفضت) 127 عمرته في قول أبي يوسف ومحمد، فإن أحرم بعد (ما مضى) 128 أكثر الطواف، مضى فيهما، ووجب عليه دم جبران.
ولا يجوز فسخ الحج إلى العمرة.
وقال أحمد: يجوز ذلك إذا لم يسق الهدي.
الجزء: 3 - الصفحة: 268
باب المواقيت
129 ميقات أهل المدينة ذو الحليفة 130، وميقات أهل الشام الجحفة 131،
الجزء: 3 - الصفحة: 269
وميقات أهل نجد قرن 132، وميقات أهل اليمن يلملم 133، وميقات أهل العراق ذات عرق 134.
قال الشافعي رحمه اللَّه: (وهو) 135 غير منصوص عليه.
ومن أصحابنا من قال: (بل) 136 هو منصوص عليه ومذهبه ما ثبت به السنة.
ومن كان داره فوق الميقات، فإن شاء أحرم من الميقات، وإن شاء أحرم من داره 137، وفي الأفضل قولان:
أحدهما: أن الأفضل أن يحرم من الميقات، وهو قول مالك، وأحمد.
والثاني: أن الأفضل أن يحرم من داره، وهو قول أبي حنيفة.
وحكى القاضي حسين طريقة أخرى: أن الإِحرام من داره قبل الميقات أفضل، قولًا واحدًا.
وهذا خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه على القولين.
= من مكة، سميت جحفة، لأن السيل جحفها في الزمن الماضي، وهي قريبة من رابغ بين بدر وخليص، "المصباح المنير" 1/ 144.
الجزء: 3 - الصفحة: 270
ومن كان من أهل مكة، فميقاته مكة، فإن خرج من مكة وأحرم من الحرم ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يلزم دم.
ومن كان من أهله بين جادتين لميقاتين، ولم يكن (إلى أحدهما) 138 أقرب، كبني حرب، بين جادة ذي الحليفة، وجادة الجحفة، ففيه وجهان:
أحدهما: أنهم يحرمون من مكانهم.
والثاني: أنهم بالخيار بين الإِحرام من مكانهم، وبين الإِحرام من جادة الجحفة.
ومن بلغ الميقات مريدًا النسك، لم يجز أن يجاوزه 139 غير محرم، ويحكى عن الحسن البصري، والنخعي أنهما قالا: الإِحرام من الميقات غير واجب.
فإن جاوز الميقات، وأحرم دونه، انعقد إحرامه، ووجب عليه دم.
وحكي عن سعيد بن جبير أنه قال: لا ينعقد إحرامه.
فإن عاد إلى الميقات قبل التلبس بشيء من أفعال الحج، فقد ذكر القاضي أبو الطيب في سقوط الدم قولين، والشيخ أبو حامد حكى وجهين:
أحدهما: أنه يسقط عنه الدم، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
والقول الثاني: أنه لا يسقط بالعود بحال، وهو قول مالك، وأحمد، وزفر.
الجزء: 3 - الصفحة: 271
وحكى القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا عاد بعد طواف (القدوم) 140 في سقوط الدم وجهين:
أحدهما: أنه يسقط، لأنه ليس بفرض.
وقيل: (إذا) 141 عاد إلى الميقات محرمًا، سقط الدم.
وقال أبو حنيفة: إن عاد إلى الميقات، ولبّى، سقط عنه (الدم) 142 وإن لم يلبّ، لم يسقط.
فإن جاوز الميقات غير مريد النسك لحاجة دون الحرم، ثم بد له أن يحرم أحرم من موضعه، ولا شيء عليه.
وقال أحمد: يلزمه العود إلى ميقات بلده والإِحرام منه، فإن لم يفعل وجب عليه دم.
فإن مر بالميقات غير مريد لنسك، وأراد دخول (الحرم) 143 لحاجة من تجارة (أو زيارة) 144، لم يجز له الدخول من غير إحرام في أصح القولين.
والثاني: (أن) 145 الإِحرام مستحب.
فإن دخل مكة غير محرم، لم يلزمه القضاء على القولين.
وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء إلا أن يكون مكيًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 272
فإن أحرم المعتمر من مكة، (فطاف) 146، وسعى، ولم يخرج إلى الحل، ففيه قولان:
أحدهما: أنه لا يعتد بطوافه، وسعيه عن العمرة، وهو قول مالك.
والثاني: وهو الأقيس أنه يعتد به وعليه دم، (فعلى) 147 هذا إذا وطىء بعد ما حلق (فلا) 148 شيء عليه، وعلى القول الأول: قد وطىء معتقدًا أنه قد حل، فيكون بمنزلة من وطىء ناسيًا، وفي بطلان إحرامه قولان:
فإن مر كافر بالميقات مريدًا الحج، فأسلم دونه وأحرم ولم يعد إلى الميقات لزمه دم.
وقال المزني رحمه اللَّه: لا يلزمه شيء، وهو قول أبي حنيفة.
وعن أحمد روايتان:
فإن مر صبي بالميقات محرمًا، أو عبد وهو محرم، ثم بلغ الصبي، أو أعتق العبد مع بقاء وقت الوقوف بعد الوقوف، وقلنا: لا يجزئه عن حجة الإِسلام، فلا شيء عليه، وإن قلنا: يجزئه عن حجة الإِسلام، فهل يلزمهما دم؟ فيه طريقان:
قال أبو سعيد الإِصطخري، وأبو الطيب بن سلمة: لا يجب (عليه) 149 دم قولًا واحدًا.
وقال أبو إسحاق المروزي وغيره من أصحابنا: فيه قولان:
أظهرهما: أنه لا يلزمه.
الجزء: 3 - الصفحة: 273
باب الإِحرام وما يحرم فيه
يستحب أن يتطيب في بدنه 150 لإِحرامه، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف وأحمد.
وقال مالك: لا يجوز أن يتطيب للإِحرام بطيب تبقى رائحته، (وإذا) 151 تطيب به، وجب عليه غسله، وبه قال عطاء، وكان محمد بن الحسن لا يكرهه (ثم كرهه) 152.
الجزء: 3 - الصفحة: 274
ومن أصحابنا من قال: التطيب للإِحرام مباح (لا) 153 يستحب ولا يكره، حكي ذلك في "الحاوي" ويكره أن يطيب ثوبه.
وقيل: فيه وجه آخر، أنه لا يكره.
وحكى القاضي حسين: فيه (قولين) 154.
أحدهما: (أنه) 155 يستحب كما يستحب في (البدن) 156.
منصوص الشافعي رحمه اللَّه في عامة كتبه: أن حكم المرأة في (استحباب) 157 التطيب للإِحرام، حكم الرجل.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز لها أن تتطيب للإِحرام بطيب تبقى عينه.
وحكى الداركي 158: أن الشافعي رحمه اللَّه قال في بعض كتبه، إنه لا يستحب للمرأة أن تتطيب للإِحرام، فإن فعلت ذلك، كان جائزًا كحضور الجماعة، والأول أصح.
فإن تطيب قبل إحرامه ثم عرق فسال الطيب عن موضع إلى موضع، فلا فدية عليه على المذهب.
وقيل: يجب فيه الفدية، وليس بصحيح.
الجزء: 3 - الصفحة: 275
وإذا أراد الإِحرام، استحب أن يصلي ركعتين ثم يحرم 159 وفي الأفضل قولان:
أحدهما: أنه يحرم عقيب الركعتين، وهو قول أبي حنيفة وأحمد 160، ومالك، فإن كان في وقت نهي، لم يجز أن يصلي ركعتين، ويحرم من غير صلاة، ذكره القاضي حسين، وفيه نظر، لأنها صلاة لها سبب.
وقال في "الأم": يحرم إذا (انبعثت) 161 راحلته إن كان راكبًا، وإذا ابتدأ بالسير إذا كان راجلًا 162، ولا ينعقد الإِحرام إلَّا بالنية 163، فإن لبّى ولم ينوِ، لم يجزه، وبه قال أحمد ومالك.
وحكي عن داود أنه قال: ينعقد إحرامه بمجرد التلبية.
(وقال) 164 أبو عبد اللَّه الزبيري: لا ينعقد إحرامه إلا بالتلبية والنية.
الجزء: 3 - الصفحة: 276
وقال أبو حنيفة: لا ينعقد إلَّا بالنية والتلبية، أو سوق الهدي مع النية.
وله أن يعين ما يحرم به من حج، أو عمرة، وله أن يحرم إحرامًا مبهمًا 165 وفي الأفضل قولان:
أحدهما: أن التعيين أفضل.
والثاني: أن الإِبهام أفضل، فإذا عيّن، فالأفضل أن يذكر ما أحرم به في تلبيته على المنصوص 166، وبه قال أحمد.
وقيل: الأفضل أن ينطق به 167.
وحكى القاضي أبو الطيب في ذلك: قولين.
قال الشافعي رحمه اللَّه: فإن لبى ولم يرد حجًا، ولا عمرة فليس بشيء.
فمن أصحابنا من قال: صورة المسألة: أن ينوي الإحرام، ولم ينو حجًا ولا عمرة، فإنه ينعقد الإِحرام مطلقًا، فيصرفه إلى ما شاء، ونسب المزني إلى الخطأ.
الجزء: 3 - الصفحة: 277
ومنهم من قال: صورتها، أن يلبي ولا ينوي إحرامًا، ولا حجة ولا عمرة، فلا يكون (شيئًا) 168 فما نقله المزني صحيح.
فإن أحرم بحجتين، أو عمرتين، لم ينعقد إحرامه بهما، وينعقد بإحداهما 169.
وقال أبو حنيفة: ينعقد بهما، ثم ترتفض إحداهما بالمضي (فيهما) 170، فيجب (قضاؤها) 171.
فإن أحرم بنسك معين ثم نسيه قبل أن يأتي بنسك، ففيه قولان:
قال في "الأم": يلزمه أن يقرن، وبه قال أبو يوسف.
وقال في القديم: يتحرى في ذلك.
وقال أحمد: يجعل ذلك عمره بناء على أصله في جواز فسخ الحج إلى العمرة.
- فإذا قلنا: يقرن فنوى القران، أجزأه في الحج، وهل يجزئه عن العمرة؟
- إن قلنا: يجوز (إدخال) 172 العمرة على الحج أجزأته.
- وإن قلنا: لا يجوز، ففيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 278
أحدهما: لا يجزئه، وهو المذهب، فعلى هذا في وجوب الدم وجهان 173.
والثاني: يجزئه، فيلزمه دم.
وإن نسي بعد طواف القدوم، وقبل الوقوف.
- فإن قلنا: إن (إدخال) 174 العمرة على الحج لا يجوز، لم يصح له الحج، ولا العمرة 175.
- وإن قلنا: أنه يجوز إدخال العمرة على الحج، لم يصح له الحج، فيحلق ثم يحرم بالحج ويجزئه، ويجب عليه دم واحد 176.
ومن أصحابنا من قال: يجب عليه دمان احتياطًا، (فإن) 177 عرض له الشك قبل طواف القدوم، وبعد الوقوف مع كونه في الموقف، فنوى القران، أجزأه الحج.
وأما العمرة: فإن قلنا: يجوز إدخالها على الحج ما لم يقف بعرفة، لم يجزئه.
الجزء: 3 - الصفحة: 279
- وإن قلنا: يجوز ما لم يشرع في رمي جمرة العقبة أجزأته.
فإن قال: إحرام كإحرام زيد، ونوى ذلك فإنه يصح، فإن بان له: أن زيدًا أحرم إحرامًا مطلقًا، فإنه ينعقد (له) 178 إحرام مطلق، وهل يلزمه أن يصرفه إلى ما يصرف زيد إحرامه إليه؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه.
والثاني: لا يلزمه.
فإن قال زيد: (قد) 179 أحرمت بالحج فكذبه، ووقع في نفسه خلاف قوله، فهل يعمل بما قاله، أو بما وقع في نفسه؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يلزمه العمل بما قاله.
والثاني: أنه يعمل بما وقع في نفسه.
فإن قال زيد: أحرمت بعمرة، ثم بان بعد ذلك أنه كان قد أحرم بالحج، فإنا نتبين أن إحرامه انعقد بالحج، فإن كان وقت الحج (قد) 180 فات تحلل من إحرامه للفوات، وذبح شاة، وهل تجب الشاة في ماله أو في مال زيد؟ فيه وجهان: أحدهما: في مال زيد.
والثاني: في ماله.
فإن بان أن إحرام زيد كان فاسدًا، ففيه وجهان: أحدهما: أن إحرامه لا ينعقد.
الجزء: 3 - الصفحة: 280
والثاني: أنه ينعقد مطلقًا.
قال القاضي أبو الطيب: ونظير هذه المسألة، إذا نذر صلاة فاسدة، فمن أصحابنا من قال: لا ينعقد نذره، ومنهم من قال: ينعقد بصلاة صحيحة.
فإن قال: إذا طلعت الشمس فأنا محرم، ففيه وجهان:
أحدهما: ينعقد.
والثاني: لا ينعقد.
ويكثر من التلبية عند اجتماع الرفاق وفي مسجد مكة، ومنى 181، وعرفات، وفيما عداها من المساجد قولان:
وقال في الجديد: يستحب في جميع المساجد.
وقال في القديم: لا يستحب فيما سوى المساجد الثلاثة، وهو قول مالك.
وفي التلبية في حال الطواف قولان:
أحدهما: يلبي:
والثاني: لا يلبي، ولا يزيد على تلبية رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 182، وبه قال
الجزء: 3 - الصفحة: 281
أحمد، فإن زاد جاز 183.
قال أصحاب أبي حنيفة: إن زاد فمستحب ويقطع التلبية عند رمي جمرة العقبة.
وقال مالك: يقطعها بعد الزوال من يوم عرفة.
الجزء: 3 - الصفحة: 282
فصل
إذا أحرم، حرم عليه حلق رأسه وسائر بدنه إلا من حاجة، وتجب به الفدية 184. وقال داود: لا تجب الفدية (عليه) 185 بحلق شعر البدن، وهو قول مالك في إحدى الروايتين، ويحرم عليه ستر رأسه 186، ويجوز له أن يستظل بما لا يباشر رأسه من محمل أو غيره، وبه قال أبو حنيفة.
الجزء: 3 - الصفحة: 283
وقال مالك وأحمد: لا يجوز له ذلك إذا كان سائرًا، (وإذا) 187 فعله (وجبت) 188 عليه الفدية في (إحدى) 189 الروايتين عن أحمد.
وحكي عن ابن جريج 190 أنه قال: سألت عطاء عن المحرم يحمل على رأسه (المكتل) 191 فقال: لا بأس به.
وحكى ابن المنذر عن الشافعي رحمه اللَّه أنه قال: عليه الفدية.
قال أصحابنا: لا يعرف هذا للشافعي رحمه اللَّه.
ذكر الشيخ أبو حامد: أن الشافعي رحمه اللَّه قد نص عليه في بعض كتبه.
ذكر القاضي حسين: في وضع اليد على الرأس احتمال، وليس بشيء.
= من بعيره: "لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" رواه البخاري ومسلم "السنن الكبرى" للبيهقي 5/ 54. أنظر صحيح مسلم 8: 76.
الجزء: 3 - الصفحة: 284
ويحرم لبس القميص والدراعة، والسراويل، والقباء 192، وتجب به الفدية، فإن ألبس القباء كتفيه ولم يدخل يديه في كميه، وجبت عليه الفدية.
وذكر في "الحاوي": أنه إن كان من أقبية خراسان، قصير الذيل، ضيق الأكمام، فعليه الفدية، وإن كان من أقبية العراق، طويل الذيل، واسع الأكمام، فلا فدية عليه، حتى يدخل يديه في كميه، والصحيح (هو) 193 الأول.
وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه في الجميع حتى يدخل يديه في كميه.
فإن لم يجد إزارًا، لبس (السراويل) 194، ولا فدية (عليه) 195.
وقال أبو حنيفة ومالك: تجب عليه الفدية، واختلف أصحابه في جواز لبسه.
الجزء: 3 - الصفحة: 285
فقال الطحاوي: يحرم عليه لبسه فيفتقه ثم يلبسه.
وقال أبو بكر الرازي: يجوز لبسه.
ولا يلبس الخفين، فإن لبسهما مع وجود النعلين، وجب عليه الفدية، فإن لم يجد نعلين، جاز له لبس الخفين بعد أن يقطعهما أسفل من الكعبين، (فإن) 196 لبس الخف مقطوعًا من أسفل الكعب مع وجود النعل، لم يجز على المنصوص ووجبت عليه الفدية.
وقيل: يجوز له ذلك، (ولا فدية) 197، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، وحكي عن أبي حنيفة نحو المنصوص.
وقال أحمد: إذا لم يجد النعلين، يجوز أن يلبس الخفين من غير قطع، وروي ذلك عن عطاء.
(فإن) 198 خضب رأسه بالحناء، أو طينه بالطين، وجب عليه الفدية، ذكره القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه.
فمن أصحابنا من قال: صورته أن يخضبه ويغلفه بالمخيط.
وقيل: لا يعتبر ذلك، ويكفي أن يطلي عليه الطين، ونظيره العريان إذا طلى عورته بطين وصلى، (وقيل) 199: فيه وجهان:
ويحرم على المرأة ستر وجهها، ولا يحرم على الرجل 200.
الجزء: 3 - الصفحة: 286
وقال أبو حنيفة ومالك: يحرم على الرجل أيضًا ستر وجهه.
ولا يجوز للرجل لبس القفازين، وهل يجوز للمرأة؟ فيه قولان:
ويستحب للمرأة أن تختضب للإِحرام بالحناء، ويكره لها ذلك بعد الإِحرام، فإن اختضبت ولفت على يديها خرقًا.
قال في "الأم": رأيت أن تفتدي.
وقال في "الإِملاء": لا يتبين في أن عليها الفدية.
حكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه عن ابن المرزبان، والشيخ أبي حامد أنهما قالا: إن لم تلف الخرق عليها، فلا فدية، وإن لفت الخرق عليها، ففي الفدية قولان:
وقال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: لا فدية قولًا واحدًا، وعلى هذا حكم الرجل إذا لف على رجله خرقًا.
فإن لم يجد إزارًا وبذل له ولده إزارًا، ففيه وجهان، كما لو بذل له نفقة طريق الحج.
= أحببن من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حرير أو حلي أو سراويل أو قميص أو خف" رواه أبو داود بإسناد حسن، "سنن أبي داود" 1/ 424.
الجزء: 3 - الصفحة: 287
فصل
ويحرم عليه استعمال الطيب في ثيابه 201، ويجب عليه الفدية (به) 202، ولا يلبس ثوبًا مبخرًا بالطيب، ولا مصبوغًا بالطيب وتجب به الفدية، ويحرم عليه استعمال الطيب في بدنه.
وقال أبو حنيفة: يجوز للمحرم أن يتبخر بالعود، والند، ولا يجوز أن يجعل الكافور، والمسك، والزعفران على بدنه، ويجوز أن يجعله على ظاهر ثوبه، وإن جعله على باطن ثوبه وكان لا ينفض، فلا شيء عليه، وإن كان ينفض فعليه الفدية.
فإن كان الطيب في طعام، فظهر عليه طعمه، أو رائحته، حرم عليه أكله، وإن ظهر لونه، فصبغ اللسان من غير طعم ولا رائحة.
الجزء: 3 - الصفحة: 288
فقد قال في "المختصر الأوسط من الحج": لا يجوز.
وقال في "الأم": يجوز.
قال أبو إسحاق: يجوز قولًا واحدًا.
وقال أبو العباس بن سريج: فيه قولان:
أصحهما: أنه لا فدية.
وإن ظهر عليه طعمه من غير لون ولا رائحة.
فمن أصحابنا من قال: لا فدية عليه.
ومنهم من قال: فيه قولان كالقولين في اللون.
ومنهم من قال: تجب به الفدية قولًا واحدًا وهو الأصح.
وقال أبو حنيفة: إذا طبخ الطيب في طعام، فلا فدية على المحرم في أكله ولا يحرم وإن ظهرت رائحته، وبه قال مالك، وعنه روايتان فيه إذا جعل الطيب في طعام أو شراب من غير أن تمسه نار.
إحداهما: عليه الفدية.
والثانية: لا فدية عليه.
والقاضي أبو الطيب: سوى بين الرائحة والطعم.
والقاضي حسين رحمه اللَّه قال: يمكن بناء القولين في اللون على القولين في النجاسة في الثوب إذا زالت الرائحة، وبقي اللون، فيه قولان:
ومن أصحابنا: من رتب الرائحة على اللون، إذا قلنا: يلزمه الفدية مع بقاء اللون، فمع بقاء الرائحة (أولى) 203، (وإن قلنا): لا يفدى مع بقاء اللون، فمع بقاء الرائحة (وجهان) 204، وما ذكرناه أصح.
الجزء: 3 - الصفحة: 289
والطيب: ما يتطيب به ويتخذ منه الطيب، كالمسك، والزعفران، والعنبر، والصندل، والورد، والياسمين، والكافور، وفي الريحان الفارسي قولان، وكذلك المرزنجوش 205 واللينوفر 206، والنرجس، واللينوفر مع هذا الضرب، وذكره القاضي أبو الطيب مع الأترج والتفاح.
وأما البنفسج فقد قال الشافعي رحمه اللَّه، ليس بطيب.
فمن أصحابنا من قال: هو طيب قولًا واحدًا.
ومنهم من قال: ليس بطيب، قولًا واحدًا.
ومنهم من قال: فيه قولان كالنرجس، ودهن البنفسج مبني على البنفسج.
وحكي في "الحاوي": في دهن الأترج 207 وجهين.
وقال أبو حنيفة: لا يحرم على المحرم شيء من الرياحين بحال.
والعصفر ليس بطيب.
(وقال أبو حنيفة) 208: إن وضعه على بدنه، وجبت عليه الفدية، وإن لبس ثوبًا مصبوغًا به 209، وكان (إذا) 210 عرق فيه ينفض عليه، وجبت عليه الفدية.
الجزء: 3 - الصفحة: 290
والحناء ليس بطيب.
وقال أبو حنيفة: هو طيب تجب به الفدية.
إذا طيب بعض عضو، وجبت عليه الفدية، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: تجب عليه صدقة، (وإن غطى بعض عضو، وجب عليه صدقة) 211 وإن غطى ربع رأسه، وجب عليه فدية كاملة، وإن غطى دون الربع، وجبت عليه صدقة، والصدقة (عنده) 212 صاع يدفعه إلى مسكين من أي طعام كان إلَّا البر، فإنه يجزىء فيه نصف صاع، وعنه في التمر روايتان:
إحداهما: صاع.
والثانية: نصف صاع.
وعن أبي يوسف روايتان.
إحداهما: كقول أبي حنيفة.
والثانية: أن الإعتبار أن يلبس أكثر اليوم، أو أكثر الليلة، أو يطيب أكثر العضو، أو يغطي من ربع الرأس أكثره، فإن لبس نصف يوم، أو نصف ليلة، أو طيب نصف عضو، أو غطى نصف ربع رأسه، وجبت عليه صدقة.
ويقال: إن أبا حنيفة كان يذهب قديمًا إلى هذا، ثم رجع عنه.
وقال محمد بن الحسن: في وجوب كمال الفدية كقول أبي حنيفة.
وإن لبس أقل من يوم، أو أقل من ليلة، فعليه بقدر ذلك من
الجزء: 3 - الصفحة: 291
الفدية، وكذلك إذا طيب بعض عضو، أو غطى أقل من ربع الرأس، (لزمه) 213 من الفدية بحسابه ويحرم عليه استعمال الأدهان المطيبة، كدهن الورد، والزنبق، والبان المنشوش، وهو المغلي (بالمسك) 214، وتجب به الفدية.
وأما غير المطيب كالشيرج، والزيت، وألبان غير المنشوش، فإنه يجوز استعماله في غير الرأس واللحية.
وقال أبو حنيفة: جميع ذلك طيب يحرم استعماله في جميع البدن.
وقال الحسن بن صالح: يجوز استعمال الشيرج في رأسه ولحيته أيضًا.
وقال مالك: لا يدهن (به) 215 أعضاءه الظاهرة كاليدين والرجلين والوجه، ويدهن أعضاءه الباطنة.
(وحكى) 216 الشيخ أبو حامد: في كراهة الجلوس عند العطارين، وموضع فيه بخور وجهين.
الجزء: 3 - الصفحة: 292
فصل
ويحرم عليه أن يتزوج (أو يزوج) 217 غيره بالولاية الخاصة، ولا يوكل في النكاح، فإن فعل لم ينعقد النكاح، وبه قال مالك وأحمد 218.
وقال أبو حنيفة والثوري: النكاح صحيح جائز.
وهل يجوز للإمام والحاكم التزويج بولاية الحكم؟ فيه وجهان.
وحكي في "الحاوي": أن الإمام إذا كان محرمًا، لم يجز أن (يزوج) 219 (وهل) 220 يجوز لخلفائه من القضاة المحلين؟ فيه وجهان، والأول: أصح.
الجزء: 3 - الصفحة: 293
(ويجوز أن يشهد في النكاح.
وقال أبو سعيد الإِسطخري: لا يجوز) 221.
وتجوز الرجعة في حال الإِحرام.
وقال أحمد: لا تجوز الرجعة، وإذا رجع، لم يصح، وحكى ذلك عن بعض أصحابنا.
وإذا تزوجها في حال الإِحرام، فرق بينهما في المكان.
وحكي عن مالك وأحمد أنهما قالا: بفسخ النكاح مع فساده بطلقة احتياطًا لتحل للأزواج.
وذكر القاضي أبو الطيب في التعليق: أن ابن القطان حكى عن منصور ابن إسماعيل الفقيه 222 أنه ذكر في كتاب "المستعمل" 223، أن المحرم إذا وكل وكيلًا ليزوجه إذا تحلل من إحرامه، صح ذلك.
ولو وكل رجلًا ليزوجه إذا طلق فلان امرأته، لم يصح التوكيل.
قال ابن القطان: لا فرق بينهما عندي، إما أن يصح في الجميع، أو لا يصح.
الجزء: 3 - الصفحة: 294
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه): وعندي: أن (تصحيح) 225 الوكالة ممن لا يملك التصرف بعيد.
وحكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أن ابن المرزبان حكى عن أبي الحسين ابن القطان 226، أن المحرم إذا أذن لعبده في النكاح، لم يصح إذنه، ولا يصح نكاحه، فقيل له: (فالمحرمة) 227 إذا كان لها عبد فأذنت له في النكاح فقال: لا يجوز.
قال ابن المرزبان: وفيها نظر.
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) 228: وعندي: (أنه) 229 يجب أن يصح في الجميع، لأن العبد يعقد لنفسه، والمحرم ليس بعاقد، ولا نائب عن العاقد، (فلا) 230 تعلق له بالنكاح.224
الجزء: 3 - الصفحة: 295
فصل
إذا خلّص المحرم صيدًا من فم سبع، فداواه فمات في يده، لم يضمنه 231.
قال الشافعي رحمه اللَّه: ولو قيل يضمن، لأنه (تلف) 232 في يده، كان مذهبًا.
ويجب عليه الجزاء بقتل الصيد عمدًا وخطأ 233، والقيمة للآدمي إن كان مملوكًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 296
وقال المزني: لا يجب (عليه) 234 الجزاء بقتل الصيد المملوك، وهو قول مالك، وأحمد.
وقال داود: (يجب) 235 الجزاء بقتله خطأ، (ولا يجب) 236 بقتله عمدًا.
ويحرم عليه أن يعين على قتله، فإن أعان على قتله بدلالة، أو إشارة إليه، وقتله المدلول، لم يجب عليه الجزاء، وبه قال مالك.
وقال عطاء: يجب الجزاء على الدال والمدلول نصفين.
وقال أبو حنيفة والثوري: يجب على كل واحد منهما جزاء كامل، حتى قال أبو حنيفة: لو دل جماعة من المجرمين، محرمًا، أو حلالًا على قتل صيد فقتله، وجب على كل واحد منهم جزاء كامل.
ويحرم على المحرم أكل ما صيد له 237، وأكل ما أعان على قتله بدلالة، أو إشارة إليه 238، فإن أكل منه، فهل يجب عليه الجزاء؟ فيه قولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 297
أحدهما: لا يحرم عليه أكل ما دل عليه قتله دلالة ظاهرة، ولا ما صيد له فإن ضمن صيدًا بالقتل ثم أكله، لم يجب عليه بأكله جزاء آخر، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: يجب عليه بأكله جزاء آخر 239.
فإن ذبح صيدًا، حرم عليه أكله، وهل يحرم على غيره؟ فيه قولان:
قال في الجديد: يحرم 240.
وقال في القديم: لا يحرم 241.
فإن مات من يرثه، وله صيد، فهل يرثه؟ فيه وجهان.
فإن أحرم وفي ملكه صيد، فهل يزول ملكه عنه؟ فيه قولان.
أصحهما: أنه يزول ملكه عنه، ويجب عليه إرساله، فإن لم يرسله حتى تحلل، ففيه وجهان:
أحدهما: يعود إلى ملكه، (وإن) 242 قلنا: لا يزول ملكه عنه، فله أن يبيعه (وليس) 243 له أن يذبحه.
فإن اشترى رجل من رجل صيدًا، فوجد المشتري به عيبًا، والبائع محرم.
الجزء: 3 - الصفحة: 298
(فإن قلنا) 244: إنه يملك الصيد بالإِرث رده عليه.
وإن قلنا: لا يرثه، فيحتمل أن يقال: يجوز رده، ويحتمل أن يقال: يؤخذ منه (بالثمن) 245 ويوقف الصيد إلى أن يتحلل فيأخذه، (وإن) 246 كان الصيد غير مأكول، ولا متولد من مأكول، لم يحرم قتله بالإِحرام.
وقال أبو حنيفة: يحرم قتل كل وحشي بالإِحرام، ويجب الجزاء بقتله إلّا الذئب.
وقال مالك: السباع المبتدئة بالضرر من الوحش، والطير كالذئب، والفهد والغراب والحدأة، لا جزاء فيه، فخالفنا فيما لا يؤكل (مما) 247 لا يؤذي من الصيود.
وما يحرم عليه من الصيد، يحرم عليه بيضه، وإذا كسره، ضمنه بقيمته.
وقال المزني: لا جزاء عليه (فيه) 248.
وقال مالك: يجب في بيض النعامة عشر قيمتها، وروي عنه، عشر قيمة بدنه، فإن كسر بيض الصيد، حرم عليه أكله، لا يختلف المذهب فيه، وهل يحرم على غيره؟
من أصحابنا من قال: هو كالصيد إذا ذبحه المحرم، وكذا قال هذا
الجزء: 3 - الصفحة: 299
القائل: إذا قتل المحرم جرادة، حرم عليه أكلها، وهل يحرم على غيره؟ فيه قولان:
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: هذا عندي فيه نظر، لأن البيض لا روح فيه.
والجراد يحل ميتًا، فإن افترش الجراد في طريقه (فقتله) 249، ففيه قولان:
أحدهما: لا شيء عليه.
والثاني: تجب عليه الكفارة.
وإن باض الصيد على فراشه، فنقله فلم يحضنه، فقد حكى الشافعي رحمه اللَّه عن عطاء، أنه لا يضمنه، قال: ويحتمل أن يضمن فحصل فيه قولان كالجراد.
وإن لبس أو تطيب، أو دهن رأسه ولحيته ناسيًا لإِحرامه، أو جاهلًا بالتحريم لم تجب عليه الكفارة، وبه قال عطاء والثوري 250.
وقال مالك وأبو حنيفة: يجب عليه الكفارة، واختاره المزني.
فإن لبس المحرم المخيط في وقتنا هذا، أو استعمل الطيب، وادعى الجهل بتحريمه (ففي) 251 وجوب الفدية وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 300
أحدهما: تلزمه الفدية، لأن التحريم قد ظهر واستقر في الشرع.
والثاني: يقبل قوله.
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) 252: وعندي: أن تخريج الوجهين في ذلك فيه نظر، لأنه إن كان الوجهان في قبول دعواه فلا وجه له، (لأن) 253 الدعوى تعتبر فيما للإِمام فيه مطالبة، والكفارة ها هنا بينه وبين اللَّه تعالى، فلا معنى لذكر قبول الدعوى، وإن كان الوجهان في وجوب الكفارة مع جهله بالتحريم فلا معنى له، لأنه يلزم (أن يبني) 254 عليه الجاهل بتحريم الكلام في الصلاة.
فإن لبس قميصًا ناسيًا فذكر، فإنه ينزعه من قبل رأسه.
وحكي عن بعض التابعين أنه قال: يشق ثوبه شقًا.
(فإن مس) 255 طيبًا ظنه يابسًا فبان رطبًا، لزمته الفدية في أصح القولين.
فإن حلق الشعر، أو قلم الظفر ناسيًا، أو جاهلًا بالتحريم، فالمنصوص أنه تجب عليه الفدية، وفيه قول مخرج، أنه لا تجب عليه الفدية 256.
الجزء: 3 - الصفحة: 301
وإن قتل صيدًا ناسيًا، أو جاهلًا بالتحريم، وجب عليه الفدية، وإن جنى وهو محرم، فقتل صيدًا، ففيه قولان:
أحدهما: يجب عليه الجزاء 257، ومن أصحابنا من خرج هذين القولين في قتل الصيد ناسيًا، وليس بشيء.
وإن جامع ناسيًا (أو) 258 جاهلًا بالتحريم، فلا كفارة عليه في أحد القولين (ولا يفسد) 259 حجه، وفي القول الثاني: يفسد حجه وتجب عليه الكفارة.
وإن حلق رأس محرم وهو نائم، أو مكره، وجبت الفدية، وعلى من تجب؟ فيه قولان:
أصحهما: على الحالق، وبه قال مالك، وللمحلوق مطالبته بإخراجها.
والثاني: يجب على المحلوق، فعلى هذا يأخذها من مال الحالق ويخرجها، فإن أخرجها المحلوق، رجع على الحالق بأقل الأمرين من الشاة، أو ثلاثة آصع، هذه طريقة أبي العباس بن سريج وأبي إسحاق.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: تجب الفدية على الحالق ابتداء قولًا واحدًا، والقولان فيه إذا غاب الحالق أو أعسر، فهل يلزم المحلوق إخراج الفدية، ثم يرجع على الحالق؟ فيه قولان:
وقال أبو حنيفة: تجب الفدية على المحلوق، واختلف أصحابه في الرجوع على الحالق.
الجزء: 3 - الصفحة: 302
فقال أكثرهم: لا يرجع.
وقال أبو حازم: يرجع.
وذكر الشيخ أبو حامد: أن القولين مبنيان على أن شعر المحرم على رأسه بمنزلة العارية أو بمنزلة الوديعة، وفيه قولان.
وقيل: وجهان.
أصحهما: قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أنه كالوديعة، فإن قلنا: يجب على الحالق.
قال أصحابنا: فلا شيء على المحلوق، ولكنه يملك مطالبته بإخراجها.
قال الشيخ أبو نصر: وليس تحت هذا المعنى.
فإن كفر المحلوق بالصوم، لم يرجع عليه شيء.
ومن أصحابنا من قال: (يرجع) 260 بثلاثة أمداد.
ذكر في "الحاوي": أنا إذا قلنا: يجب على الحالق، كفر بالإِطعام والهدي، وهل يكفر بالصيام؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يكفر به.
والثاني: لا يصوم، مخرّج من القول الذي يقول: إنه إذا أعسر تحملها المحلوق، وأما المحلوق إذا أوجبنا الفدية عليه (فمخيّر بين) 261 الإِطعام والهدي ولا يجزئه الصيام، لأنه يتحمله عن غيره، وهذا بالضدّ مما ذكرناه بناء على طريقة أبي علي بن أبي هريرة، وذكر أيضًا: أن المحلوق إذا كفر بالصوم، لم يرجع بشيء على الحالق في قول أكثر أصحابنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 303
ومن أصحابنا من قال: يرجع، وبماذا يرجع؟
قال أبو علي (الطبري) 262 في "الإِفصاح": يرجع عليه بثلاثة أمداد من طعام.
وحكى أبو الحسن (بن) 263 القطان: أنه يرجع عليه بأقل الأمرين من الدم أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مدان.
فإن حلق حلال رأس محرم بإذنه، وجبت الفدية على المحرم دون الحلال.
وقال أبو حنيفة: تجب على المحرم فدية، وعلى الحلال صدقة.
ويجوز للمحرم حلق شعر الحلال ولا شيء عليه، وبه قال مالك، وأحمد، وكذا تقليم ظفره.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز له فعل ذلك، فإن فعله فعليه صدقة.
ويجوز للمحرم أن يغتسل بالسدّر والخطمي 264.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز له ذلك، فإن فعل لزمته الفدية، فإن كان على بدنه وسخ، جاز له إزالته.
وقال مالك: إذا أزاله (لزمته) 265 صدقة.
الجزء: 3 - الصفحة: 304
وقال الشافعى رحمه اللَّه: يكره للمحرم أن يكتحل بالإثمد.
ونقل المزني رحمه اللَّه: أنه لا بأس به.
وسئل سعيد بن المسيب: أيكتحل المحرم؟ فقال: لا يكتحل (فإنه زينة) 266.
ويجوز للمحرم أن يفتصد ويحتجم إذا لم يقطع من شعره شيئًا 267.
وحكي الأبهري 268 عن مالك: أنه إذا فعل شيئًا من ذلك، وجبت عليه صدقة.
ويجوز للمحرم أن يتقلد السيف، ويشد على وسطه المنطقة.
وحكي عن الحسن البصري: أنه كرهه.
وحكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه عن مالك: أنه لا يجوز له شد المنطقة، وأصحابه حكوا جوازه.
الجزء: 3 - الصفحة: 305
باب ما يجب بمحظورات الإِحرام من كفارة وغيرها
إذا حلق المحرم رأسه، فكفارته ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين ثلاثة آصع، أو صيام ثلاثة أيام، وهي على التخيير 269.
وقال أبو حنيفة: إذا حلق من غير عذر، وجب عليه الدم من غير تخيير.
فإن حلق ثلاث شعرات، لزمه دم.
وقال أبو حنيفة: إن حلق ربع رأسه، لزمه دم.
وقال أبو يوسف: إن حلق نصف رأسه، لزمه دم، وإن حلق ما دونه، لزمه صدقة.
الجزء: 3 - الصفحة: 306
وقال مالك: إن حلق من رأسه ما يحصل به إماطة الأذى عنه، وجب عليه دم، وإن حلق ما لا يحصل به ذلك، لم يجب عليه.
وعن أحمد: روايتان:
إحداهما: ثلاث شعرات.
والثانية: الربع.
فإن حلق شعر رأسه، وشعر بدنه، وجب عليه فدية واحدة، وكذا إن قلم أظفار يديه ورجليه.
وقال أبو القاسم الأنماطي: تجب فديتان.
وإن حلق شعره، ففيه ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه يجب ثلث دم.
والثاني: درهم.
والثالث: مد وفي الشعرتين مدان.
وحكي عن مجاهد أنه قال: لا ضمان فيما دون ثلاث شعرات، وكذا روى ابن المنذر عن عطاء في إحدى الروايتين.
فإن حلق شعرات متفرقة، ولم يكفر عن الأول، (فيه) 270 طريقان:
أحدهما: أنه على قولين.
أحدهما: يجب في الجميع دم.
والثاني: لكل شعرة حكم نفسها إذا انفردت، فيجب في كل شعرة مد، وأصل ذلك القولان فيه.
إذا لبس قميصًا أول النهار، (وسراويل) 271 في وسطه، وتعمم في آخره.
الجزء: 3 - الصفحة: 307
قوله القديم: إنه يتداخل.
وقال في الجديد: لا يتداخل.
الطريقة الثانية: أنه لا يتداخل قولًا واحدًا، ويجب لكل واحد فدية، وأصل القولين (فيهما) 272 طريقة الترفه، كالطيب واللباس، والمباشرة.
إذا وجدت (منه) 273 فعال متفرقة من جنس واحد في مجلس واحد، (أو مجالس) 274 من غير تكفير، ففي تداخل الكفارة قولان:
وذكر القاضي أبو الطيب أن من أصحابنا من قال: إنه إذا (اختلفت) 275 أسباب (اللبس) 276 كأنه لبس المخيط لأجل البرد، وغطى رأسه لأجل الحر، أنه يكون بمنزلة اختلاف الأجناس في عدم التداخل قولًا واحدًا وليس بشيء، (فإن) 277 حلق تسع شعرات في ثلاثة أوقات وقلنا: يتداخل، لزمه دم، وإن قلنا: لا يتداخل، لزمه (ثلاثة) 278 دماء، وعلى هذا حكم الأظفار.
وقال أبو حنيفة: إذا قلم أظفار يد واحدة، أو رجل واحدة، وجب عليه دم، وإن قلم أربعة أظفار من يد أو رجل فما دون، وجب عليه صدقة.
الجزء: 3 - الصفحة: 308
ذكر الشيخ أبو حامد: أنه إذا حلق نصف رأسه بالغداة، ونصفه بالعشي، وجب عليه كفارتان قولًا واحدًا، بخلاف الطيب واللباس في اعتبار التفريق والتتابع.
وحكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أنه بمنزلة الطيب، واللباس، في التفصيل والاختلاف.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا كانت هذه المحظورات سوى قتل الصيد في مجلس واحد، وجبت كفارة واحدة، كفر عن الأول، أو لم يكفر، وإن كانت في مجالس (وجب) 279 لكل واحد كفارة إلَّا أن يكون تكراره لمعنى واحد بأن يكون (لرفض) 280 الإِحرام، أو لمرض.
وحكي عن مالك: نحو قول أبي حنيفة في الصيد، ونحو قولنا فيما سواه.
إذا قطع شعره في أيام في كل يوم (قطع جزءًا فيها) 281 ثلاثة أوجه.
أحدها، أنه يجب بقطع كل جزء منها فدية.
والثاني: أنه يجب بقطع الجزء الأول فدية، ولا يجب بقطع (الباقي) 282 فيها شيء.
والثالث: أنه بجب بقطع الجزء الأول فدية، وفيما زاد صدقة، حكى هذه الوجوه القاضي أبو الطيب، وذكر: أن الأول أظهر.
الجزء: 3 - الصفحة: 309
أحدهما: أنه يجب في قطع الجزء من (الشعرة) 283 بالقسط عن الواجب في الشعرة، وذكر: أنه الأصح.
والثاني: أنه يجب (به) 284 فدية كاملة.
فإن وطىء في الحج، أو العمرة قبل التحلل، فسد نسكه، ويجب عليه المضي في فاسده والقضاء 285، ويجب القضاء على الفور (في أظهر الوجهين) 286 وهو ظاهر النص، ويلزمه القضاء من حيث أحرم في الأداء.
فإن كان قد أحرم من دون الميقات، لزمه القضاء من الميقات، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا كان قد أحرم من وراء الميقات، جاز له الإِحرام في القضاء من الميقات.
ويجب عليه بدنه.
وقال أبو حنيفة: إن كان وطئه قبل الوقوف، فسد حجه، ووجب عليه شاة، وإن كان بعد الوقوف، لم يفسد حجه، ووجب عليه بدنة.
وظاهر مذهب مالك الذي حكاه أصحابه كقولنا، وعنه رواية شاذة: أنه يفسد إحرامه بالوطىء بعد الرمي، وعقد الإِحرام لا يرتفع بالوطىء في الحالين.
وقال داود: يرتفع عند الإِحرام بالوطىء بكل حال.
الجزء: 3 - الصفحة: 310
(وإن) 287 وطىء بعد (رمي) 288 جمرة العقبة وقبل التحلل الثاني، لم يفسد حجه، ويجب عليه بدنة في أحد القولين.
وقال مالك: لا يفسد ما مضى، غير أنه يفسد ما بقي، ولكنه يمضي فيه، فإذا فرغ منه أتى بأفعال عمره، ويكون بدلًا عما (أفسده) 289.
وفي نفقة القضاء وجهان:
أحدهما: في مال الزوج.
والثاني: في مالها، وفي ثمن الماء الذي تغتسل به وجهان.
أحدهما: على الزوج.
والثاني: في مالها، وهل يجب عليهما أن يتفرقا في موضع الوطىء؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه يستحب.
والثاني: يجب، وهو قول أحمد.
وقال مالك: يفترقان من حيث يحرمان.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمهما الافتراق.
ويجب عليه بدنة، فإن لم يجد، فبقرة، فإن لم يجد فسبع من الغنم، فإن لم يجد قوم البدنة، دراهم (والدراهم طعامًا) 290 وصام عن كل مد يومًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 311
وقال أبو إسحاق: فيه قول آخر: إنه (مخير) 291 بين هذه الأشياء الثلاثة.
وقال أحمد: إنها على التخيير بين الأشياء الخمسة في إحدى الروايتين.
فإن عدم الأشياء الثلاثة، عدل إلى الإِطعام والصيام (بقيمة) 292 أحد الثلاثة على سبيل التعديل إذا قلنا: إنه مخيم بينهما (أيما شاء) 293، وإن قلنا: إنها مرتبة فسقيمة (البدنة) 294.
وقال أبو العباس: بل بقيمة سبع من الغنم يعدل ما ينتقل إليه، ويعتبر قيمتها في الغالب (لا بحالة) (5) الرخص، (ولا بحالة) (6) الغلاء.
فإن تصدق بطعام على مساكين الحرم، ففيما يعطي كل فقير وجهان:
أحدهما: مد.
والثاني: أنه غير مقدر.
وفي (جواز) 295 تقديم كفارة اللبس والطيب على وجوبها وجهان.
وفي كفارة الوطىء فيما دون الفرج وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 312
أحدهما: أنها تجري مجرى فدية الأذى.
والثاني: تجري مجرى جزاء الصيد، وهل تجب كفارة، أو كفارتان عليهما على ما ذكرناه في الصوم؟
(وإن) 296 وطىء ثم وطىء، ولم يكفر عن الأول، فهل يجب بالوطىء الثاني كفارة ثانية؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه تجب به كفارة ثانية، وفي الكفارة قولان:
أحدهما: أنه بدنة.
والثاني: أنها شاة.
وقال أبو حنيفة: (فيه) 297 شاة، كفر عن الأول (أو) 298 لم يكفر إلَّا أن يتكرر ذلك في مجلس واحد، أو على وجه الرفض للإِحرام بأن ينوي (أنه) 299 يرفض الإِحرام.
وقال مالك: لا يجب بالوطىء الثانية شيء.
وقال أحمد: إن كفر عن الأول، وجب في الثاني بدنة.
فإن لف على ذكره خرقة وأولجه في فرج، فسد حجه في أحد الوجهين.
ووجب عليه الكفارة.
والثاني: لا يجب.
وقيل: إن كانت خفيفة، فسد.
الجزء: 3 - الصفحة: 313
فإن قبل بشهوة وأنزل، وجبت الفدية، فإن وطئها بعد ذلك، (فهل) 300 تسقط الفدية، فيه وجهان، ذكره في "الحاوي".
وإن كان المحرم صبيًا، فوطىء عامدًا وقلنا: عمده، خطأ، كان كالناسي.
وإن قلنا: عمده عمد، فسد حجه، ووجبت الكفارة به.
وإن وطىء العبد في إحرامه عمدًا، فسد، ووجب عليه القضاء.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه القضاء، وهل يصح منه القضاء في حال الرق على ما ذكرناه من القولين في الصبي؟ فإن قلنا: يصح منه، فهل للسيد منعه منه، يبني على أن القضاء على الفور أم لا.
فإن أعتق قبل التحلل في الفاسد، وبعد الوقوف، مضى في فاسده ثم يحج حجة الإِسلام في السنة الثانية، ثم يحج عن القضاء في السنة الثالثة، (وإن) 301 أعتق قبل الوقوف، مضى في فاسده، ثم يقضي ويجزئه قضاؤه عن حجة الإِسلام.
فإن وطىء المرأة في المحل (المكروه) 302 فسد حجه، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد، وفي وطىء البهيمة طريقان:
أحدهما: أنه يفسد.
والثاني: أنه يبني على الحد.
وقال أبو حنيفة: لا يفسد حجه بجميع ذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 314
(فإن) 303 قبل بشهوة، أو وطىء فيما دون الفرج، فأنزل، لم يفسد حجه ووجب عليه فدية الأذى.
وقال مالك: يفسد حجه إذا أنزل، ويجب عليه قضاؤه، وبدنة، وإن لم ينزل، لم يفسد، فإن قبل المحرم زوجته وقد قدم من السفر ولم يقصد به الشهوة، ولا التحية فهو كالتقبيل للتحية في أحد الوجهين، ولا فدية عليه.
والثاني: أنه بمنزلة التقبيل بشهوة.
فإن وطىء المعتمر قبل تحلله، فسدت عمرته، وعليه القضاء، وبدنة.
وقال أبو حنيفة: إذا وطىء قبل أن يطوف أربعة أشواط فسدت عمرته، ووجب عليه شاة.
وقال أحمد: يجب بالوطىء: القضاء وشاة إذا وجد في الإِحرام.
وقال أبو حنيفة: إذا وطىء بعد أربعة أشواط، لم تفسد عمرته وعليه شاة.
الجزء: 3 - الصفحة: 315
فصل
إذا قتل صيدًا له مثل من النعم، وجب عليه مثله من النعم وهي: الإبل، والبقر، والغنم، وبه قال مالك 304.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك، وإنما يلزمه قيمة الصيد، وله أن يصرف قيمته في جزاء من النعم.
ويجوز أن يشتري الهدي من الحرم وينحره فيه.
وقال مالك: لا بد أن يسوق الهدي من الحل إلى الحرم.
فإن اشترك جماعة في قتل صيد، وجب عليهم جزاء واحد.
وقال أبو حنيفة: يجب على كل منهم جزاء كامل.
ويضمن الكبير بالكبير، والصغير بالصغير.
وقال مالك: يضمن صغار أولاد الصيد بكبار النعم.
الجزء: 3 - الصفحة: 316
والحمام وما يجري مجراه يضمن بشاة.
وقال مالك: إن كانت حمامة مكية، ضمنها بشاة، وإن كانت مجلوبة من الحل إلى الحرم، ضمن قيمتها.
وما هو أصغر من الحمام يضمنه بقيمته.
وقال داود: لا جزاء فيه.
وما هو أكبر من الحمام (كالقطا) 305، والبط، واليعقوب 306، والأوز، ففيه قولان:
أحدهما: أن الواجب فيها شاة.
والثاني: أنها تضمن بالقيمة.
وما حكمت الصحابة فيه بالمثل لا يحتاج فيه إلى (اجتهاد) 307، وما لم تحكم فيه، فلا بد فيه من حكمين، وهل يجوز أن يكون القاتل أحدهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو المذهب أنه يجوز.
وقال مالك: لابد من حكمين في الجميع.
وإن جنى عن صيد (فأزال امتناعه) 308 وقتله غيره، ففيه طريقان.
الجزء: 3 - الصفحة: 317
قال أبو العباس: عليه ضمان ما نقص، وعلى القاتل جزاؤه مجروحًا إن كان (محرمًا) 309 ولا شيء عليه إن كان حلالًا.
وقال غيره: فيه قولان:
أحدهما: عليه ضمان ما نقص.
والقول الثاني: أنه يجب عليه جزاؤه كاملًا.
فإن كسر الصيد ثم أخذه وأطعمه وسقاه حتى عاد (ممتنعًا) 310، ففيه وجهان، كما لو نتف ريش طائر، فعاد ونبت، ففي سقوط ضمانه وجهان، بناء عليه إذا (قلع) 311 من من ثغر، فعاد ونبت.
وإن لم يعد ممتنعًا 312 فهو على القولين:
أحدهما: يلزمه ضمان ما نقص.
والثاني: يلزمه جزاء كامل.
ويضمن الجرادة بالجزاء.
وروي عن أبي سعيد الخدري 313 رضي اللَّه عنه أنه قال: لا جزاء فيها.
الجزء: 3 - الصفحة: 318
فإن نتف ريش طائر مضمون بالجزاء، فإنه يضمن ما نقص منه، وما الذي يضمنه؟ قال: في موضع يضمن ما بين قيمته منتوفًا وقيمته عافيًا، فإن كان (الصيد) 314 مضمونًا بالقيمة، ضمن ما بين القيمتين، وإن كان مضمونًا بالمثل، فهل يعتبر ما نقص بقسطه من المثل، أو من قيمة المثل؟ فيه وجهان، بناء عليه: إذا جرح صيدًا فنقص من قيمته (العشر) 315 على ما يأتي ذكره.
إذا قتل صيدًا ثم قتل (صيدًا) 316 آخر، وجب عليه جزاءان 317.
وقال داود: لا شيء عليه في قتل الثاني.
وإن جرح ظبيًا فنقص من قيمته العشر، فعليه العشر من ثمن شاة.
قال المزني: (عليه) 318 عشر شاة أولى بأصله، واختلف أصحابنا في ذلك.
فمنهم من قال: ما قاله المزني صحيح، والشافعي رحمه اللَّه أراد إذا لم يجد عشر شاة، فيجب عليه (عشر) 319 قيمة شاة.
ومنهم من قال: لا يجب عليه إلا عشر ثمن شاة، سواء وجد عشر شاة، أو لم يجد.
الجزء: 3 - الصفحة: 319
وقال داود: لا ضمان عليه في نقصان الصيد بالجرح.
ويعتبر المثل بالصيد (إن) 320 أراد إخراجه، وإن أراد إخراج (الطعام) 321 قوم المثل دراهم، واشترى يها طعامًا وتصدق به.
وقال مالك: يقوم الصيد نفسه، ويشتري بقيمته طعامًا.
ويجب على القارن ما يجب على المفرد من الكفارة فيما يرتكبه.
وقال أبو حنيفة: تجب كفارتان، وفي قتل الصيد الواحد جزاءان.
وإن أفسد إحرامه، وجب عليه القضاء قارنًا والكفارة ودم القران، ويلزمه دم في القضاء، فإن قضاه مفردًا جاز، ولا يسقط عنه دم القران، وبه قال أحمد، إلَّا أنه قال: لا يجب عليه دم إذا قضى مفردًا.
وقال أبو حنيفة: يفسد إحرامه، وجب عليه شاة لإِفساد الحج، وشاة لإِفساد العمرة، وشاة للقران، إلَّا أن يكون قد وطىء بعدما طاف في العمرة أربعة أشواط.
فإن اضطر وعنده صيد وميتة وقلنا: إن ذبحه للصيد يصيره ميتة، أكل الميتة ولم يذبح الصيد.
وقال أبو يوسف: له أن يذبح الصيد ويأكل منه وإن كان عنده: إذا ذبح الصيد، صار ميتة لا يحل له ولا لغيره.
الجزء: 3 - الصفحة: 320
فصل
ويحرم صيد الحرم على الحلال والحرام 322، فإن ذبح الحلال صيدًا في الحرم، حرم عليه أكله، وهل يحرم على غيره؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على قولين.
والثاني: يحرم قولًا واحدًا.
فإن رمى من الحل إلى صيد في الحرم، ضمنه بالجزاء، وإن رمى
الجزء: 3 - الصفحة: 321
(من) 323 الحل إِلى صيد في الحل وبينهما قطعة من (الحرم) 324، فمر السهم في تلك القطعة، فأصاب الصيد، ففي وجوب الجزاء وجهان:
فإن دخل كافر الحرم، فقتل فيه صيدًا، ضمنه بالجزاء على ما ذكره بعض أصحابنا.
قال الشيخ الإِمام أبو إِسحاق رحمه اللَّه: يحتمل عندي أن لا يضمنه.
وحكم صيد الحرم في الجزاء والتخيير، حكم صيد الإِحرام.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز له ذلك.
ولا يجوز قطع شجر الحرم.
ومن أصحابنا من قال: ما أنبته الآدمي، يجوز قطعه، ويضمنه بالجزاء، ففي الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة 325.
وقال مالك وداود: لا يضمنه بالجزاء، فإن قطع غصنًا من شجرة، ضمنه بما نقص، فإن نبت مكانه، فهل يسقط الضمان؟ فيه قولان بناء على السن.
(ويحرم) 326 قطع حشيش الحرم، ويجوز رعي الغنم فيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 322
وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
ويحرم صيد المدينة وقطع شجرها 327، فإن قتل فيها صيدًا، ففيه قولان.
أحدهما: يسلب القاتل، وهو قوله القديم، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال في الجديد: لا جزاء عليه.
فإذا وجب عليه دم لأجل الإِحرام كدم التمتع، والقران، والطيب، واللباس، وجزاء الصيد، ويجب ذبحه في الحرم، وصرفه إلى مساكين الحرم 328، فإن ذبحه في الحل وأدخله إلى الحرم ولم يتغير، ففيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 323
أصحهما: أنه لا يجزئه.
فإن ذبح الهدي، فسرق، لم يجز عما في ذمته، ويجب عليه الإِعادة.
قال أبو حنيفة: يجزئه ولا إعادة عليه.
وقال مالك: لا يختص ما يجب من الفدية بالإِحرام بمكان.
فإن اضطر إلى قتل صيد في الحل فقتله، جاز أن يهدي في الحل.
نص عليه الشافعي رحمه اللَّه، وبه قال أحمد.
قال أبو حنيفة: ينحر في الحرم، ويجوز أن يفرق اللحم في الحل.
الجزء: 3 - الصفحة: 324
باب صفة الحج والعمرة
إذا أراد دخول مكة، فهو بالخيار إن شاء دخلها ليلًا، وإن شاء دخلها نهارًا.
وقال النخعي وإسحاق: دخولها نهارًا أفضل 329.
فإذا رأى البيت قال 330: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا، ومهابة، وزد من شرّفه وعظّمه، ممن حجه واعتمره، تشريفًا وتعظيمًا، وتكريمًا، اللهم أنت السلام ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، ويرفع يديه في هذا الدعاء 331 وروي ذلك عن أحمد، وكان مالك لا يرى ذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 325
ويبتدىء بطواف القدوم وهو سنة 332.
وقال أبو ثور: هو نسك يجب بتركه دم.
وقال مالك: إن تركه (مرهقًا) 333 أي معجلًا، فلا شيء عليه، وإن تركه مطيقًا، فعليه دم، وبعض أصحاب مالك يعبّر عنه بالوجوب لتأكده.
ومن شرط الطواف: الطهارة 334، وستر العورة 335، وبه قال مالك، وأحمد في إحدى الروايتين.
وقال أبو حنيفة: ليسا شرطًا في صحته، واختلف أصحابه في وجوب الطهارة له.
فقال (أبو شجاع) 336: هي سنة، ويجب بتركها دم في الطواف الواجب.
= البيت" رواه الإمام سعيد بن منصور، والبيهقي، وغيرهما، وهو ضعيف باتفاقهم، أنظر "السنن الكبرى" للبيهقي 5/ 72، 73.
الجزء: 3 - الصفحة: 326
وقال الرازي: هي واجبة، وإذا طاف محدثًا، أعاد الطواف إن كان بمكة، وإن كان قد عاد إلى بلده، فعليه شاة، وإن طاف جنبًا فعليه بدنة.
وحكي عن أحمد أنه قال: إن قام بمكة أعاد، وإن رجع إلى أهله جبره بدم، وهل يفتقر إلى النية؟ فيه وجهان.
وإذا أراد الطواف، فإنه يبتدىء من الركن الذي فيه الحجر الأسود 337، ويطوف بجميع البيت سبعًا 338، فيجعل البيت عن يساره، ويطوف عن يمين نفسه، والترتيب مستحق فيه، وبه قال أحمد ومالك.
وقال أبو حنيفة: يصح طوافه من غير ترتيب ويعيد ما دام بمكة، فإن خرج إلى بلده (لزمه) دم.
وحكي عن داود أنه قال: إذا نكسه أجزأه، ولا دم عليه، فإن أحرم بالعمرة وتحلل منها ووطىء بعدها ثم أحرم بالحج وتحلل منه، ثم تيقن أنه كان محدثًا في أحد الطوافين ولم يعلم في أيهما، فعليه طواف وسعي، ويجب عليه دم بيقين، وهل يجب عليه مع ذلك دم ثان؟ فيه وجهان: = صاحب "الغاية في الاختصار"، ويقول السبكي: ووقفت له على شرح "الإقناع" الذي ألفه القاضي الماوردي، "السبكي" 4/ 38.
الجزء: 3 - الصفحة: 327
فإن ترك من الأشواط شيئًا لم (يعتد) 339 له بطوافه 340، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا طاف أربع طوفات، فإن كان بمكة، لزمه إتمام الطواف الواجب، وإن كان قد خرج جبره بدم.
ويستحب أن يطوف راجلًا، فإن طاف راكبًا، جاز ولا شيء عليه.
وقال مالك: وأبو حنيفة، وأحمد: إن كان ذلك لعذر، فلا شيء عليه 341، وإن كان لغير عذر لزمه، دم.
فإن حمل محرم محرمًا وطاف به، ونويا، وقع الطواف (عن أحدهما) 342 ولمن يكون، فيه قولان:
أحدهما: للمحمول 343.
والثاني: للحامل 344.
وقال أبو حنيفة: يقع لهما جميعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 328
ويستحب أن يستقبل الحجر 345، ويضع شفتيه عليه ويحاذيه بجميع بدنه، وهل يجزئه محاذاته ببعض بدنه؟ فيه قولان.
قال في القديم: يجزئه.
وقال في الجديد: يجب أن يحاذيه بجميع بدنه، فعلى هذا إذا حاذاه ببعض بدنه في الطوافة الأولى وتمم عليها، لم تجزه الأولى، وفيما بعدها وجهان:
أصحهما: أنها تجزىء.
ويستلم الحجر ويقبله 346 فإن لم يمكنه أن يقبله استلمه 347 بيده وقبلها.
وقال مالك: يضعها على فيه ولا يقبلها.
ذكر في "الحاوي" عن الشافعي رحمه اللَّه: أنه يستلم الحجر الأسود، ويسجد عليه إن أمكنه، لأن فيه تقبيلًا وزيادة.
وقال مالك: السجود عليه بدعة، فإن لم يقدر على التقبيل والاستلام إلَّا (بمزاحمة) 348، لشدة الزحمة، وكان لا يرجو زوال الزحمة، أشار رافعًا ليديه ويقبلها.
الجزء: 3 - الصفحة: 329
وحكي عن طائفة: أن المزاحمة للاستقبال، والتقبيل أفضل.
ويستلم الركن اليماني بيده ويقبلها، ولا يقبله 349.
وقال أبو حنيفة: لا يستلمه.
وقال مالك: يستلمه ولا يقبل يده، وإنما يضعها على فيه.
وروى الخرقي عن أحمد: أنه يقبله.
ولا يستلم الركنين الآخرين اللذين يليان الحجر 350، وروي ذلك عمر، وابن عمر، ومعاوية رضي اللَّه عنهم.
وروي عن ابن عباس وابن الزبير وجابر 351 رضي اللَّه عنهم: أنهم
الجزء: 3 - الصفحة: 330
(كانوا) 352 يستلمونها.
ويستحب أن يرمل في الثلاثة الأولى، ويمشي في الأربعة ويضطبع 353.
وحكى ابن المنذر عن مالك أنه قال: لا يعرف الاضطباع، ولا رأيت أحدًا فعله.
فإن ترك الرمل والاضطباع، جاز ولا شيء عليه.
وحكي عن الحسن البصري والثوري وعبد الملك بن الماجشون: أنه يجب عليه بترك ذلك دم، فإن كان محمولًا رمل به حامله.
وحكى الشيخ أبو حامد: أن للشافعي رحمه اللَّه قولًا آخر: أن المريض لا يرمل به حامله.
فإن طاف طواف القدوم وسعى عقيبه، ورحل واضطبع فيهما، فإذا طاف طواف الزيارة، لم يرمل فيه ولم يضطبع ولا يسعى عقيبه، فأما إذا = عنه جماعات من أئمة التابعين منهم سعيد ابن المسيب وعطاء وعمرو بن دينار، توفي رحمه اللَّه يالمدينة سنة 73 هـ وهو ابن 94 سنة، "التهذيب" للنووي 1/ 142، 143.
الجزء: 3 - الصفحة: 331
كان قد طاف وسعى ولم يرمل ولم يضطبع فيهما، فإذا طاف طواف الزيارة (لم) 354 يسع عقيبه، وهل يرمل ويضطبع في الطواف؟
ذكر الشيخ أبو حامد: أنه يرمل ويضطبع.
وذكر القاضي أبو الطيب في ذلك وجهين: وذكر: أن المذهب (أنه) 355 لا يقتضيه.
فإن طاف للقدوم ورمل واضطبع ولم يسع عقيبه، فإنه يسعى عقيب طواف الزيارة، ويرمل ويضطبع.
وحكي عن أحمد أنه قال: لا يضطبع في السعي بحال.
فإن طاف الصبي، استحب له الاضطباع في طوافه.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يستحب له ذلك.
ويستحب له أن يقرأ القرآن في طوافه 356.
وحكي عن مالك أنه قال: يكره أن يقرأ (القرآن) 357 في طوافه.
(وحكي عن مالك أنه قال: يكره أن يقرأ في طوافه) 358.
الجزء: 3 - الصفحة: 332
فإن سلك في الحجر (في) 359 طوافه، لم يعتد به (ولا بما بعده) 360، لأنه من البيت، وبه قال مالك.
وعند أبي حنيفة: يجزئه ما بعد الحجر، لأن الترتيب عنده ليس بشرط.
ويأتي بالجزء الذي بقي من الحجر إن كان (بمكة) 361، وإن كان قد خرج، جبره بدم.
فمن أصحابه من قال: هو مبني على أن الترتيب ليس بشرط، وأن معظم الطواف يقوم مقام جميعه.
وقيل: إنه مبني على أن الحجر ليس من البيت قطعًا ويقينًا.
فإن أحدث في الطواف توضأ وبني عليه، فإن تطاول الفصل, ففيه قولان:
قال في القديم: يبطل بالتفريق الكثير.
وقال في الجديد: لا يبطل، ولا فرق بين عمده وسهوه.
قال الشيخ أبو حامد: ينبغي أن (يكفر) 362 إذا (سبقه) 363 الحدث وقلنا: لا تبطل الصلاة وأن لا يبطل الطواف به، وإن طال الفصل.
الجزء: 3 - الصفحة: 333
وحكى القاضي أبو حامد في جامعه: أن الشافعي رحمه اللَّه قال: فإن قطعه لغير عذر وزايل موضعه وهو المسجد (استأنف) 364.
وقال القاضي أبو الطيب: هذا يقتضي أنه إذا أحدث عمدًا، يبطل طوافه، وإن لم يتطاول الفصل، فيكون في حدث العامد قولان: وإن لم يبطل الفصل وبنى في "الحاوي" التفريق في السعي على التفريق في (الطواف) 365، فإن قلنا في الطواف لا يمنع البناء، ففي السعي أولى، وإن قلنا في الطواف يمنع، ففي السعي وجهان:
فإذا فرغ من الطواف، صلى ركعتين، وهما واجبتان في أحد القولين 366، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: أنهما سنتان، وبه قال مالك وأحمد.
والمستحب أن يصليهما عند المقام 367، وفي أي موضع صلاهما من المسجد (وغيره) 368 جاز 369.
وقال الثوري: لا يصح فعلهما إلَّا خلف المقام، ذكره في "الحاوي".
الجزء: 3 - الصفحة: 334
فإن تركهما وقلنا: بوجوبهما، قضاهما في الحرم وغيره.
وقال الثوري: لا يصح (قضاؤهما) 370 في غير الحرم.
وقال مالك: إن قضاهما في غير موضعهما، فعليه دم ثم يسعى، والسعي ركن في الحج والعمرة، وبه قال مالك 371.
وقال أبو حنيفة: هو واجب وليس بركن، فينوب (عنه) 372 الدم.
وعن أحمد: روايتان:
إحداهما: مثل قولنا.
والثانية: أنه مستحب وليس بواجب.
ويستحب (له) 373 أن يرقأ على الصفا حتى يرى الكعبة ويستقبلها ويكبر، فإذا نزل من الصفا، مشى حتى إذا كان دون الميل الأخضر المعلق بنحو من ستة أذرع، سعى سعيًا شديدًا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد، (وحذاء) 374 دار العباس 375، فإذا بلغ
الجزء: 3 - الصفحة: 335
المروة رقأ عليها، وصنع عليها ما صنع على الصفا (فيحسب ممره ذلك له مرة، ثم يرجع إلى الصفا، فيحسب رجوعه مرة ثانية.
وقال أبو بكر الصيرفي: لا يحسب ممره ورجوعه إلَّا مرة واحدة.
وحكي عن ابن جرير الطبري: أنه أفتى به وتابعه الصيرفي) 376.
إن لم يصعد على الصفا والمروة، أجزأه.
وحكي عن أبي حفص بن الوكيل أنه قال: لا يصح سعيه حتى يصعد على الصفا والمروة ليستوفي السعي بينهما.
والترتيب معتبر في السعي، فيبدأ بالصفا ويختم بالمروة، فإن بدأ بالمروة، وختم بالصفا، لم يعتد به 377.
وقال أبو حنيفة: يعتد به.
ثم يخرج إلى منى في اليوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب، والعشاء، ويبيت بها إلى أن يصلي الصبح 378، فإذا طلعت الشمس على ثبير 379، سار إلى الموقف 380 = اللَّه وتمام نسبه في نسب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان أسن من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بسنتين، أو ثلاث، توفي بالمدينة سنة 32 هـ أو 34 هـ، وكان أشد الناس سمعًا، "المجموع" للنووي 1/ 233، و"تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 257، 259.
الجزء: 3 - الصفحة: 336
والمبيت في هذه الليلة إنما هو للإستراحة، فإذا زالت الشمس في اليوم التاسع، خطب خطبة خفيفة 381 ويجلس ثم يقوم إلى الخطبة الثانية، ويأخذ المؤذن في الأذان والإِمام في الخطبة الثانية حتى يكون فراغ الإِمام مع فراغ المؤذن.
وحكي في "الحاوي" عن أبي حنيفة: أنه يؤذن (المؤذنون) 382 قبل الخطبة، فتكون خطبته بعد الأذان كالجمعة، ثم يقيم ويصلي الظهر، ويقيم ويصلي العصر فيجمع بينهما، وهل يجوز لأهل مكة الجمع بين هاتين الصلاتين؟
هو على القولين في السفر القصير.
ومن جاء بعد صلاة الإمام يجمع.
وقال أبو حنيفة: لا يجمع إلَّا مع الإِمام، والجمع عنده بحكم النسك.
ومكان الوقوف: ما جاوز وادي عرفة إلى الجبال المقابلة إلى عرفة مما يلي حوائط بني عامر، وطريق الحضر، وما جاوز ذلك، فليس من عرفة، فلا يعتد بالوقوف فيه.
وحكى الشيخ أبو حامد عن مالك أنه قال: إذا وقف بعرفة أجزأه ولزمه دم.
وزمان الوقوف: إذا زالت الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر = ركب فأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة، فنزل بها" رواه مسلم من حديث جابر الطويل.
الجزء: 3 - الصفحة: 337
من يوم النحر 383، فإن أدرك الوقوف في جزء من هذا الزمان، فقد أدرك الحج.
وقال مالك: إن لم يقف في جزء من الليل، لم يجزه.
والأفضل: أن يجمع بين النهار والليل في الوقوف، فإذا غابت الشمس، دفع، وكيف حصل بعرفة، قائمًا، أو جالسًا، أو مجتازًا، عالمًا بكونها عرفة، أو جاهلًا أجزأه 384.
وحكى ابن القطان عن أبي حفص بن الوكيل: أنه إذا وقف بعرفة جاهلًا بكونها عرفة، لم يجزه وليس بشيء.
فإن وقف مغمى عليه، لم يصح وقوفه، فإن كان نائمًا، صح وقوفًا 385.
الجزء: 3 - الصفحة: 338
وحكى ابن القطان في النائم وجهًا (آخر) 386: أنه لا يجزئه.
وحكي في المجنون والمغمي عليه وجهًا آخر: أنه يجزئه وليس بشيء.
قال في القديم: الوقوف راكبًا أفضل، وبه قال أحمد.
وقال في "الأم": لا مزية للركوب على غيره.
فإن شهد واحد برؤية هلال ذي الحجة، أو اثنان ورد الحاكم شهادتهما، فإنهما يقفان يوم التاسع بحكم رؤيتهما، وإن وقف الناس العاشر عندهما، كما قلنا: في صوم رمضان.
وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: لا يجزئه حتى يقف مع الناس اليوم العاشر.
فإذا غربت الشمس دفع إلى المزدلفة، فإن دفع قبل غروب الشمس وعاد قبل طلوع الفجر إلى الموقف، فلا شيء عليه.
وإن عاد بعد طلوع الفجر، (جبره) 387 بدم، وهذا الدم واجب في أحد القولين، وهو قول أبي حنيفة، وفي الثاني مستحب.
وقال أحمد: إن رجع وأقام حتى غربت الشمس، لم يجب عليه شيء، وإن رجع ليلًا، وجب عليه دم ويجمع بالمزدلفة بين المغرب والعشاء في وقت العشاء، يقيم لكل واحدة (منهما) (3)، وهل يؤذن للأولى؟ على الأقوال في الفوائت، وإن صلى كل واحدة (منهما) (4)، = يصح صوم النائم طيلة النهار، ولا يصح المغمى عليه طيلة النهار، "المهذب" مع "المجموع" 8/ 103.
الجزء: 3 - الصفحة: 339
في وقتها جاز وبه قال مالك وأحمد، وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجزئه ذلك.
ويبيت بالمزدلفة، وهو نسك وليس بركن 388.
وحكي عن الشعبي والنخعي: أنه ركن، فإن لم يبت بها، وجب عليه دم في أحد القولين، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
وقال مالك: ولا يجب على القول الثاني، وهو الرواية الثانية عن أحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا كان بها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، فلا شيء عليه، وإن دفع قبل طلوع الفجر، فعليه دم.
ويقطع التلبية مع أول حصاة من رمي جمرة العقبة.
وقال مالك: يقطع التلبية بعد الزوال من يوم عرفة.
ولا يجوز الرمي بغير الحجارة، وبه قال مالك (وأحمد) 389.
وقال أبو حنيفة: يجوز الرمي بكل ما كان من جنس الأرض 390.
وقال داود: يجوز الرمي بكل شيء، حتى لو رمى بعصفور ميت (لأجزأه).391
الجزء: 3 - الصفحة: 340
ويرمي يوم النحر وآخر أيام التشريق راكبًا، وفي اليومين الآخرين راجلًا.
وقال مالك: يرمي في أيام منى راجلًا.
وإن رمى بما قد رمي به، كره وأجزأه 392.
وحكي عن أحمد أنه قال: لا يجزئه.
وعن المزني أنه قال: لا يجزئه أن لرمي بما رمى هو به.
فإن رمى حصاة فوقعت على ثوب إنسان، فنفضها، فوقعت في (المرمى) 393 لم تجزه.
وقال أحمد: يجزئه.
وحكى الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه: وجهًا آخر (نحوه) 394.
وإن رمى حصاة نحو المرمى، ولم يعلم هل وقعت في المرمى أم لا، لم يجزه في قوله الجديد، وهو أصح القولين.
فإن رمى حصاة فوقعت في الجمرة ثم ازدلفت لحدتها وقوتها حتى سقطت وراء الجمرة، أجزأه في أصح الوجهين.
الجزء: 3 - الصفحة: 341
وإن رمى حصاة فوقعت على مكان أعلى من الجمرة، فتدحرجت إلى المرمى، لم يجزه في أحد القولين، وكذا إذا وقعت دون المرمى ثم تدحرجت إلى المرمى فعلى وجهين.
والمستحب: أن يرمي (بعد) 395 طلوع الشمس 396، فإن رمى قبل طلوع الفجر وبعد نصف الليل، أجزأه، وبه قال عطاء وأحمد 397.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز الرمي إلَّا بعد طلوع الفجر الثاني.
وقال مجاهد، والنخعي، والثوري: لا يجوز الرمي إلَّا بعد طلوع الشمس.
ويختار أن لا يرمي عن المريض، والعاجز، إلَّا من قد رمى عن نفسه، فإن رمى عن المريض أولًا ثم عن نفسه أجزأه عن نفسه (وأيهما) 398 يجزي عن نفسه.
ذكر في "الحاوي" فيه وجهين، وهل يجزىء عن المريض؟ فيه وجهان.
الجزء: 3 - الصفحة: 342
فإن فرغ من الرمي ذبح هديًا 399 إن كان معه، ثم يحلق 400، وما يفعله في يوم النحر أربعة أشياء: الرمي، والنحر، والحلق، والطواف، والمستحب أن يأتي (بها) 401 على هذا الترتيب، فإن قدم الحلاق على النحر جاز، وإن قدمه على الرمي، وقلنا: إنه نسك، فلا شيء عليه، وإن قلنا: استباحة محظور، لزمه دم.
وقال أبو حنيفة: إن كان مفردًا فلا شيء عليه، وإن كان قارنًا، أو متمتعًا، وجب عليه دم.
وقال مالك: إذا قدمه على النحر لا شيء عليه، وإن قدمه على الرمي، لزمه دم.
وقال أحمد: هذا الترتيب 402 واجب.
فإن قدم الحلاق علىٍ الذبح (أو) 403 الرمي ساهيًا، أو جاهلًا، فلا شيء عليه، وإن كان عامدًا، ففي وجوب الدم روايتان.
الجزء: 3 - الصفحة: 343
والحلق أفضل من التقصير 404، والأفضل أن يحلق جميع رأسه، وأقله ثلاث شعرات.
وقال أبو حنيفة: يحلق الربع.
وقال مالك: يحلق الكل أو الأكثر بناء على مسح الرأس.
ولا فرق في التقصير بين ما يحاذي الرأس، وبين ما نزل منه، وقيل: لا يجزئه إلا التقصير المحاذي للرأس، فإن كان قد لبَّد شعره، لم يجزه إلا الحلق على قوله القديم، وفي قوله الجديد وهو (الصحيح) 405، يجزئه التقصير.
(وإذا) 406 أراد الحلق، بدأ الحالق بشقه الأيمن.
وقال أبو حنيفة: يبدأ بشقه الأيسر فاعتبرنا يمين المحلوق، واعتبر يمين الحالق.
فإن لم يكن على رأسه شعر (استحب) أن يمر الموسى عليه.
وقال أبو حنيفة: لا يستحب ذلك.
نحر الهدي في موضع التحلل يكون، فإن كان معتمرًا، فعند المروة، وإن كان حاجًا، فبمنى بعد رمي جمرة العقبة، وحيث نحر من فجاج مكة أجزأهما.
وقال مالك: لا يجزىء المعتمر النحر إلَّا عند المروة، والحاج إلا بمنى.
الجزء: 3 - الصفحة: 344
فصل
ثم يطوف طواف الإفاضة وهو ركن من أركان الحج 407، وأول وقته من نصف الليل ليلة النحر، وأفضله ضحى نهار يوم النحر، وآخره غير مؤقت، وبه قال أحمد 408. وقال أبو حنيفة: أول وقته من حين طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، وآخره اليوم الثاني من أيام التشريق، فإن أخره إلى اليوم الثالث،
الجزء: 3 - الصفحة: 345
وجب عليه دم، (وإذا) 409 رمى وطاف وحلق، فقد حصل له التحللان، وحل له كل شيء، فإن قلنا: إن الحلاق نسك، حصل له التحلل الأول باثنين من الثلاثة 410، وحصل (له) 411 التحلل الثاني بالثالث، وإن قلنا: إن الحلاقة استباحة محظور، حصل له التحلل الأول بواحد من اثنين: الرمي، والطواف، وحصل (له) 412 التحلل الثاني بالثالث منهما.
وقال أبو سعيد الإصطخري: إذا دخل وقت الرمي، حصل له التحلل الأول وإن لم (يرم) 413، وفيما يحل له بالتحلل الأول والثاني قولان:
أصحهما: أنه يحل له بالأول جميع المحظورات إلَّا الوطىء، ويحل بالثاني الوطىء 414.
الجزء: 3 - الصفحة: 346
والقول الثاني: أنه يحل له بالأول كل شيء إلا الطيب والنكاح والاستمتاع بالنساء، وقتل الصيد، فإنها تحل بالثاني.
وجملة ما يحرم بالإحرام تسعة: الطيب، واللباس، وحلق الشعر، وقلم (الظفر) 415 وقتل الصيد 416، واللمس بشهوة، والوطىء فيما دون الفرج، والوطىء في الفرج، وعقد النكاح.
ذكر الشياخ أبو نصر رحمه اللَّه: أن الوطىء لا يحل بالتحلل الأول قولًا واحدًا، واللباس، وحلق الشعر، وقلم الأظافر، يحل به قولًا واحدًا، وفي النكاح واللمس بشهوة، والوطىء فيما دون الفرج، وقتل الصيد قولان:
واختلف أصحابنا في الطيب.
فمنهم من قال: هو كاللباس.
ومنهم من قال: هو كالنكاح.
فإن نوى بطوافه الوداع دون طواف الزيارة، وقع عن طواف الزيارة، وكذا (لو) 417 نوى طواف نفل.
وقال أحمد: لا يقع عن فرضه، ويفتقر إلى تعيين النية.
ثم يرجع إلى منى فيرمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق في كل
الجزء: 3 - الصفحة: 347
يوم ثلاث جمرات، كل جمرة سبع حصيات بعد الزوال، فيرمي الجمرة الأولى، وهي التي تلي مسجد الخيف.
ويقف ويدعو (اللَّه عز وجل) 418 بقدر سورة البقرة، ثم يرمي الوسطى ويقف ويدعو مثل ذلك، ثم يرمي الثالثة وهي جمرة العقبة ولا يقف عندها، ويجب رميها على هذا الترتيب، وبه قال أحمد 419.
وقال أبو حنيفة: إذا رمى منكسًا 420 أعاد، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وقال: يجوز الرمي في اليوم الثالث قبل الزوال استحسانًا.
وروى الحاكم 421: أنه يجوز الرمي قبل الزوال في اليوم الأول والثاني أيضًا، والأول أشهر.
فإن نسي رمي يوم، فهل يأتي به في اليوم الذي يليه؟ فيه قولان:
أحدهما: يأتي به فيه، فإن كان عليه، رمي اليوم الأول، فزالت
الجزء: 3 - الصفحة: 348
الشمس في اليوم (الثاني) 422 قبل أن يرميه، فإنه يرمي وينوي عن اليوم الأول، ثم يرمي وينوي عن اليوم الثاني، فإن بدا فنوى بالرمي عن اليوم الثاني، (ففيه) 423 وجهان:
أحدهما: أنه يقع عن الأول.
والثاني: أنه لا يقع عن واحد منهما، (فإن) 424 قلنا بالقول الثاني: إن رمي كل يوم مؤقت بيومه، فترك رمي اليوم الأول، ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يسقط الرمي إلى الدم.
والثاني: أنه يقضي الرمي ويلزمه معه دم.
والثالث: أنه يقضي الرمي ولا شيء عليه.
فإن نسي رمي يوم النحر، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه كرمي أيام التشريق، فيرمي رمي يوم النحر في أيام التشريق، وعلى قوله الآخر يكون على الأقوال الثلاثة في رمي اليوم الأول إذا تركه.
والطريق الثاني: أنه يسقط رمي يوم النحر قولًا واحدًا.
فإن ترك حصاة، ففيها ثلاثة أقوال.
أحدها: (ثلث الدم) 425.
والثاني: مد.
الجزء: 3 - الصفحة: 349
والثالث: درهم، وإن ترك رمي يوم، وجب عليه دم 426، وإن ترك (رمي) 427 الأيام الثلاثة، وقلنا: إنها بمنزلة اليوم الواحد، وجب دم واحد في الكل، وإن قلنا: رمي كل يوم مؤقت بيومه، وجب لرمي كل يوم دم.
فإن ترك معها جمرة العقبة أيضًا وقلنا بأحد الطريقين، أن حكمه حكم رمي أيام التشريق في جواز رميه فيها، وجب عليه دم واحد للكل.
وإن قلنا: رمي يوم النحر منفرد بنفسه، ورمي أيام التشريق شيء واحد، وجب به دم، وبها دم.
- وإن قلنا: (كل يوم من أيام التشريق، له حكم نفسه، وجب عليه أربعة دماء، فيكون فيها ثلاثة أقوال في الجملة، دم، ودمان، وأربعة دماء) 428. فإن ترك المبيت ليلة (بمنى) 429، أو ليلتين، كان على الأقوال في الحصاة والحصاتين، فإن كان له عذر (من) 430 غير السقاية والرعي، بأن يكون له بمكة مال يخاف ضياعه إن بات بمنى، أو به مرض، فشق جمليه المبيت معه، فهل يجوز له ترك المبيت كالرعاء وأهل السقاية 431؟ فيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 350
أصحهما: أنه يجوز.
نزول المحصب ليلة الرابع عشر مستحب 432 وليس بنسك فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به.
وروي عن عمر رضي اللَّه عنه أنه قال: هو نسك، وحكي ذلك عن أبي حنيفة.
ويستحب أن يخطب الإِمام يوم النفر الأول 433، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا تستحب الخطبة في هذا اليوم.
وله أن ينفر قبل غروب الشمس، ولا يرمي اليوم الثالث، فإن أقام حتى غربت الشمس، وجب عليه أن يبيت حتى يرمي من الغد 434.
وقال أبو حنيفة: له أن ينفر ما لم يطلع الفجر، وحكي عن الحسن البصري.
وقال داود: إذا دخل عليه وقت العصر، لم ينفر.
فإن رحل من منى، فغربت الشمس وهو راحل قبل انفصاله منها، لم يلزمه الإِقامة، وإن كان مشغولًا بالتأهب، فغربت الشمس، ففيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 351
أحدهما: أنه يلزمه المقام.
فإن حاضت المرأة قبل طواف الإِفاضة، لم تنفر حتى تطهر وتطوف، ولا يلزم الجمال حبس الجمال عليها، بل ينفر مع الناس، وتركب غيرها مكانها.
وقال مالك: يلزمه حبس الجمال عليها أكثر الحيض وزيادة ثلاثة أيام، ذكر ذلك في "الحاوي".
إذا فرغ من أفعال الحج (وأراد) 435 الإِقامة بمكة، فلا وداع عليه، وبه قال أبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: إذا نوى الإِقامة بعدما حل له النفر الأول، لم يسقط عنه طواف الوداع.
أركان الحج أربعة: الإِحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة والسعي بين الصفا والمروة.
وواجباته: الإِحرام (من) 436 الميقات، والرمي، وفي الوقوف بعرفة إلى أن تغرب الشمس، والمبيت بالمزدلفة، وبمنى ليالي الرمي، وطواف الوداع قولان، وما سوى ذلك سنة 437.
وحكي عن عبد الملك بن الماجشون: أن رمي جمرة العقبة ركن.
الجزء: 3 - الصفحة: 352
(فالأركان) 438 لا يتحلل من الحج دون الإتيان بها، والواجبات إذا تركها، لزمه (دم) 439 جبران، والسنن لا يلزمه بتركها شيء.
(والأيام) 440 المعلومات: عشر ذي الحجة، والمعدودات: أيام التشريق، وبه قال أحمد.
وروي عنه: أنه حكي عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما أنه قال: هي أربعة أيام، يوم النحر، وأيام التشريق، واستحسنه.
وقال مالك: المعلومات ثلاثة: يوم النحر، ويمان بعده.
وقال أبو حنيفة: هي ثلاثة، يوم عرفة، ويوم النحر، واليوم الأول من أيام التشريق.
الجزء: 3 - الصفحة: 353
باب الفوات والإِحصار
من أحرم بالحج، فلم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر، فقد فاته الحج، وعليه أن يتحلل بعمل عمرة، وهو الطواف، والسعي، والحلق، ويسقط المبيت، والرمي، وعليه هدي 441، وبه قال أبو حنيفة إلَّا في الهدي، فإنه لم يوجب عليه.
وقال أبو يوسف: ينقلب إحرامه عمرة ويتحلل بها.
وقال المزني رحمه اللَّه: لا يسقط المبيت والرمي، كما لا يسقط الطواف والسعي، وروي ذلك عن عمر، وإليه ذهب مالك 442.
الجزء: 3 - الصفحة: 354
وحكي في "الحاوي" عن مالك في إحدى رواياته: أنه يبقى على إحرامه حتى يقف بعرفة من العام القابل، فيتم حجه.
وفي وقت وجوب الهدي وجهان:
أحدهما: أنه يجب في سنة القضاء.
والثاني: أنه يجب في سنة الفوات.
وحكى أبو حامد في "التعليق": في وقت إخراجه قولين.
وهل يجب القضاء على الفور على ما ذكرناه في الإِفساد؟ (فإن) 443 كان قارنًا ففاته الحج، لزمه قضاؤه، وفي العمرة قولان:
أحدهما: لا قضاء عليه فيها ويجزئه عن عمرة الإسلام.
والثاني: يجب عليه قضاؤها كما يجب قضاء الحج.
فإن أحصره عدو عن الوقوف، أو الطواف، والسعي، وكان له طريق آخر يمكنه الوصول فيه، لزمه قصده، بعد، (أم) 444 قرب ولم يجز له التحلل (فإن) 445 سلكه ففاته الحج، تحلل بعمل عمرة، وفي وجوب القضاء قولان:
أحدهما: لا يجب ويروى عن مالك، وعطاء.
والثاني: يجب.
وقال أبو حنيفة: عليه أن يقضي حجة وعمرة.
وإن لم يكن له طريق آخر، فإنه يجوز له التحلل، ويلزمه شاة 446.
الجزء: 3 - الصفحة: 355
وروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنه: أنه لا يتحلل إلَّا أن يكون العدو كافرًا.
وقال مالك: يتحلل ولا شيء عليه.
وقال أبو حنيفة: إن كان قد أحصر عن الوقوف (والبيت) 447 جميعًا، جاز له (التحلل) 448 وإن أحصر (عن الوقوف دون البيت) 449، أو عن البيت بعد الوقوف، فإنه لا يجوز له التحلل.
وإن كان محرمًا بالعمرة فأحصر، جاز له التحلل منها.
وقال مالك: لا يجوز له التحلل منها.
فإن أحصر عن البيت وأمكنه الوصول إلى الحرم، لزمه أن ينحر في الحرم في أصح الوجهين 450.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز له النحر إلّا في الحرم، فيواطىء رجلًا يحمل الهدي ويؤقت له وقتًا لينحر فيه، فيتحلل في ذلك الوقت.
وإن لم يجد الهدي، فهل له بدل؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه لا بدل له 451، فعلى هذا، هل يقيم على الإحرام إلى = -صلى اللَّه عليه وسلم- أحصره المشركون في الحديبية فتحلل، "المهذب" مع "المجموع" 8/ 242.
الجزء: 3 - الصفحة: 356
أن يجد الهدي، أو يتحلل في الحال؟ فيه قولان:
أحدهما: يتحلل في الحال.
والثاني: أنه يقيم على الإِحرام، والقول الثاني: له بدل، وفي البدل ثلاثة أقوال:
أحدها: أن بدله الإِطعام.
والثاني: الصيام.
والثالث: أنه مخير بينهما.
فإن قلنا: بدله الإِطعام، ففيه وجهان:
أحدهما: (إطعام) 452 بالتعديل.
والثاني (إطعام) 453 فدية الأذى لستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع.
وإن قلنا: بدله الصيام، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: صيام التمتع 454.
والثاني: صيام التعديل.
والثالث: صيام فدية الأذى.
وإن قلنا: إنه مخير، خير بين صيام فدية الأذى، وبين إطعامها، فيطعم ويتحلل.
= والثاني: له بدل لأنه دم يتعلق وجوبه بإحرام، فكان له بدل كدم التمتع، "المجموع" 8/ 243.
الجزء: 3 - الصفحة: 357
وإن لم يجد (الإِطعام) 455، فهل يتحلل أو لا يتحلل متى يجد الطعام؟ على القولين في الهدي، وإن قلنا: يصوم، فهل يتحلل قبيل الصوم؟ فيه وجهان 456.
فإن تحلل وكان في حج تقدم وجوبه، بقي الوجوب في ذمته، وإن كان في حج تطوع، أو في سنة الإِمكان، لم يلزمه القضاء.
وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء في كل حال.
وإن كان الحصر خاصًا، بأن حبسه غريمه، ففي وجوب القضاء قولان:
أحدهما: لا يلزمه.
والثاني: يلزمه.
فأما إذا أحصره مرض، فإنه لا يجوز له التحلل، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز له التحلل.
فإن أحرم العبد بغير إذن مولاه، صح إحرامه، وله أن (يحلله) 457.
وقال أهل الظاهر: لا ينعقد إحرامه.
فإن ملكه المولى مالًا، وقلنا: يملكه، تحلل بالهدي، وإن لم يكن له هدي فهو كالحر المعسر، يتحلل بالصوم، وهل يتحلل قبل الهدي أو الصوم؟ على القولين:
الجزء: 3 - الصفحة: 358
(ومن) (3) أصحابنا من قال: يجوز للعبد أن يتحلل قبل الصوم، (والهدي) 459 قولًا واحدًا.
وإن أحرم (بإذن) 460 مولاه، لم يجز له أن يحلله، فإن باعه وهو محرم ولم يعلم المشتري بحاله، فله الخيار، فإن رضي به، لم يكن له أن يحلله.
وقال أبو حنيفة: له ذلك بناء على أصله.
فأما الأمة، فإنها كالعبد إلا أن يكون لها زوج، فيعتبر إذن الزوج مع المولى.
وحكى (ابن) 461 سماعة عن محمد: أنه (لا يعتبر) 462 إذن المولى دون الزوج.
وأما المكاتب إذا أحرم بغير إذن سيده، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين في سفر التجارة.
والثاني: أنه له أن يمنعه قولًا واحدًا 463.458
الجزء: 3 - الصفحة: 359
فأما المرأة إذا أحرمت بغير إذن زوجها، فإن كان تطوعًا، كان له أن يحللها 464 وإن كان فرضًا ففيه قولان:
أحدهما: أن له أن يحللها 465، وله أن يمنعها من ابتدائه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
والقول الثاني: أنه ليس له أن يحللها 466.
وذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه في "التعليق": في حج التطوع: وإذا أحرمت بغير أذنه، من أصحابنا من قال: له أن يحللها قولًا واحدًا.
ومنهم من قال: فيه قولان كحجة الإِسلام، والأول أصح.
وللأبوين منع الولد من حج التطوع، فإن أحرم به بغير إذنهما، فهل لهما أو لأحدهما تحليله؟ فيه قولان كالزوجة الحرة.
فإن أعتق العبد وهو محرم، أو بلغ الصبي وهو محرم، فإن كان قبل الوقوف، أو في حال الوقوف، أجزأه عن حجة الإِسلام، وإن كان بعد فوات وقت الوقوف، لم يجزه، وإن كان بعد الوقوف وقبل فوات وقته ولم يرجع إلى الموقف، لم يجزه عن حجة الإِسلام على الصحيح من المذهب.
وقال أبو العباس بن سريج: يجزئه.
وقال مالك: لا ينقلب حجهما فرضًا بحال.
الجزء: 3 - الصفحة: 360
فإن أفسد العبد الحج قبل الوقوف، لزمه اتمامه، ولزمه القضاء كالحر.
وحكى بعض أصحابنا: أنه لا قضاء عليه (تخريجًا) 467 من الصبي يفسد الحج قبل البلوغ.
فهل للسيد أن يمنعه من القضاء؟ فيه وجهان:
فإن أحرم بالحج وشرط أن يتحلل منه لعرض صحيح، بأن يقول: إذا مرضت تحللت، ففيه طريقان:
أحدها: أنه على قولين.
أحدهما: أن الشرط لا يثبت 468.
الثاني: يثبت 469.
والطريق الثاني: أن الشرط صحيح، قولًا واحدًا، لحديث ضباعة بنت الزبير 470 رضي اللَّه عنهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 361
فإن شرط (أنه) 471 إذا مرض، صار حلالًا فمرض، صار حلالًا في أحد الوجهين:
ومن أصحابنا من قال: لا يتحلل إلا بالهدي بكل حال، فإن تحلل بحكم الشرط، فهل يجب عليه به دم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه دم، كما لو تحلل بالإِحصار بالعدو.
والثاني: وهو منصوص الشافعي رحمه اللَّه: أنه لا دم عليه.
فإن أحرم ثم ارتد، بطل إحرامه في إحدى الوجهين، وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: لا يبطل، فيعود إلى الإِسلام ويبني عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 362
باب الهدي
يستحب من قصد مكة حاجًا، أو معتمرًا أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام 472، وينحره بها، ويفرقه (فيها) 473، ويستحسنه ويستسمنه 474، فإن كان من الإِبل، أو البقر، استحب أن يشعره في صفحة سنامها 475 الأيمن ويقلده نعلين 476، وبه قال مالك، وأبو يوسف إلا أنهما قالا: يشعرها في الجانب الأيسر.
الجزء: 3 - الصفحة: 363
وقال أبو حنيفة: الإِشعار محرم.
ويقلد الغنم 477.
وقال مالك: لا يستحب تقليد الغنم، ولا يصير محرمًا بتقليدها.
وروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: يصير محرمًا بتقليدها.
فإن كان الهدي تطوعًا، فهو باق على ملكه وتصرفه إلى أن ينحره.
وحكي عن بعض أصحاب مالك: (أنه) 478 قال: يصير بالإِشعار والتقليد واجبًا حتى أنه لو كان قد أحرم بالعمرة وساق هديًا تطوعًا، ثم أحرم بالحج، لم يجز أن يصرفه إلى قرانه.
وإن كان الهدي منذورًا، زال ملكه عنه، وصار للمساكين، فلا يجوز له بيعه، ولا إبداله بغيره 479.
وقال أبو حنيفة: يجوز له بيعه وإبداله بغيره.
ويجوز له أن يشرب من لبنه ما يفضل عن ولده.
= ببدنة فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ثم سلت الدم عنها، ثم قلدها نعلين" رواه مسلم بلفظة، "المهذب" مع "المجموع" 8/ 269.
الجزء: 3 - الصفحة: 364
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يشوب من لبنه شيئًا، يل يرش على الضرع الماء حتى ينقطع اللبن إذا لم يكن هناك ولد.
وحكم الأضحية المنذورة، حكم الهدي في ذلك، وما وجب من الدماء جبرانًا، لا يجوز أن يأكل منه.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يأكل من دم التمتع والقران، لأنه عنده نسك.
وقال مالك: يجوز أن يأكل من جميع الدماء الواجبة إلا جزاء الصيد، وفدية الأذى.
وإن عطب الهدي نحره، وغمس نعله في دمه وضرب به صفحته 480 ولا يجوز أن يأكل منه، وهل يجوز لفقراء الرفقة الأكل منه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يجوز، ومن يمر به بعد ذلك، هل يجوز له الأكل منه بالعلامة من غير سماع الإباحة من المهدي؟ على قولين:
أحدهما: أنه يباح (له) 481 بالعلامة.
والثاني: لا يباح.
فإن أخر ذبحه حتى مات، أو أتلفه ضمنه بأكثر من الأمرين من قيمته، أو هدي مثله.
وقال أبو حنيفة: يضمنه بقيمته لا غير.
الجزء: 3 - الصفحة: 365
فإن كانت قيمته أكثر من هدي مثله اشترى هديًا، وينظر في الزيادة.
فإن أمكنه أن يشتري بها هديًا آخر، لزمه ذلك، (فإن) 482 لم يمكنه أن يشتري بها هديًا آخر، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: (أنه) 483 يشتري بها جزءًا من حيوان يشارك فيه غيره، ويذبحه.
والثاني: أن يشتري بها اللحم.
والثالث: أن يتصدق بالفضل.
ذكر في "الحاوي": إنا إذا قلنا يشتري (به) 484 جزءًا من حيوان، كان حكمه، حكم الهدايا، والضحايا، وإن قلنا: إنه يشتري بها لحمًا، أو يفرق الزيادة، فهل يسلك به مسلك الهدايا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسلك به مسلك الهدايا.
والثاني: أنه يختص به الفقراء، فلا يجوز أن يأكل منه شيئًا.
وإن أتلفه أجنبي من غير تفريط من جهة (المهدي) 485، وجبت عليه القيمة، فإن زادت القيمة على هدي مثله، كان في الزيادة ما ذكرناه من الوجوه، وإن لم تبلغ قيمته هديًا مثله، فهو على الأوجه المتقدمة.
وحكى في "الحاوي": في (المهدي) 486 وجهين:
أحدهما: ما ذكرناه.
الجزء: 3 - الصفحة: 366
والثاني: أنه يلزمه هدي.
وإن ذبحه أجنبي بغير إذنه، وقع الموقع، ويلزمه أرش ما نقص من قيمته.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه.
وقال مالك: لا يجزى عنه، يلزمه هدي (بدله) 487، أو أضحية إن كانت أضحية، وله على الأجنبي الأرش وتكون شاة لحم.
وحكم الأرش عندنا ما ذكرناه في الزيادة.
وحكي في "الحاوي" في هذا الأرش ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون (للمهدي) 488.
والثاني: أنه للمساكين خاصة.
والثالث: أنه يسلك به مسلك الضحايا.
فإن ذبح رجلان كل واحد منهما أضحية الآخر، وفرق لحمها، لم يجزه وضمن كل واحد منهما قيمة أضحية صاحبه له.
وفي القيمة وجهان:
أحدهما: وهو قول الجمهور أنه يضمن قيمتها قبل الذبح.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يضمن أكثر الأمرين من قيمتها حية، أو قيمة لحمها بعد الذبح (لتعدّيه) 489 بالتفرقة وهو الأظهر.
الجزء: 3 - الصفحة: 367
ويكره ذبحها ليلًا.
وقال مالك: لا يجزىء ذبحها ليلًا، حكاه في "الحاوي".
فإن ضل الهدي المعين، فهل يجب عليه مثله؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب.
والثاني: لا يجب.
فإن عين هديًا عما في ذمته، تعيّن وزال ملكه عنه، وحكمه حكم المعين ابتداء، وهل يتبعه الولد الحادث؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يتبعه.
فإن حدث به عيب يمنع الإِجزاء، أو عطب فنحره عاد الواجب إلى ذمته، وهل يعود ما نحره إلى ملكه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعود إلى ملكه، فيجوز له أكله ثم ينظر، فإن كان الذي عينه أعلى مما في ذمته، ففيه وجهان:
أحدهما: (أنه) 490 يلزمه مثل ما عينه.
والثاني: أنه يهدي مثل الذي في ذمته.
الجزء: 3 - الصفحة: 368
باب الأضحية
الأضحية سنة مؤكدة 491، وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: هي واجبة على المقيمين من أهل الأمصار 492 ويعتبر في وجوبها النصاب، وهو قول مالك، والثوري، ولم يعتبر (مالك) 493 الإقامة.
الجزء: 3 - الصفحة: 369
ووقت الأضحية إذا طلعت الشمس من يوم النحر، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، صل الإِمام أو لم يصل 494.
فمن أصحابنا من قال: يعتبر قدر صلاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (وخطبتيه) 495، وكان -صلى اللَّه عليه وسلم- يقرأ سورة قاف، واقتربت الساعة، وقد نص الشافعي رحمه اللَّه على ذلك.
ومن أصحابنا من قال: يعتبر قدر ركعتين خفيفتين أقل ما تكون صلاة عامة، وخطبتين خفيفتين.
ومن أصحابنا من قال: وقت الأضحية كان في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (بفعل) 496 الصلاة والخطبتين، وبعده يدخل وقتها بقدر الصلاة والخطبتين.
وقال عطاء: يدخل وقتها إذا طلعت الشمس.
وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: من شرط صحة الأضحية، أن يصلي الإِمام ويخطب، إلا أن أبا حنيفة قال: يجوز لأهل السواد أن يضحوا إذا طلع الفجر الثاني، وآخر وقتها آخر أيام التشريق.
وقال أبو حنيفة، ومالك: وقت الأضحية يوم النحر ويومان بعده.
وقال سعيد بن جبير: يجوز لأهل الأمصار يوم النحر خاصة، ولأهل السواد فيه وفي أيام التشريق.
وقال ابن سيرين: لا يجوز التضحية إلا في يوم النحر خاصة.
الجزء: 3 - الصفحة: 370
وحكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن والنخعي: وقتها (من) 497 يوم النحر إلى آخر ذي الحجة.
فإن كانت الأضحية واجبة، لم يسقط بفوات أيام التشريق، ويذبحها وتكون قضاء.
وقال أبو حنيفة: يسقط الذبح ويدفعها إلى الفقراء، فإن ذبحها وفرق لحمها، ضمن ما نقصت بالذبح.
وحكي في "الحاوي": قال بعض الفقهاء: ينتظر بها إلى مثل وقتها من العام المقبل كما ينتظر بفوات الحج قضاؤه في مثل وقته.
فإذا ذبحها، كان حكمها (حكم) 498 ما في وقتها.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: إنها تكون للمساكين خاصة لا يأكل منها شيئًا.
ومن دخل عليه عشر ذي الحجة، وأراد أن يضحي فالمستحب، أن لا يحلق شعره، ولا يقلم (أظفاره) 499، وقد روي في الخبر 500: أن لا يمس شعره ولا بشره شيئًا.
فمن أصحابنا من قال: أراد بالشعر شعر الرأس، وبالبشرة شعر البدن، فعلى هذا لا يدخل منه قلم الظفر (ولا يكره) 501.
الجزء: 3 - الصفحة: 371
وقيل: المراد بالشعر جميع الشعر، وبالبشرة الأظفار.
ومن أصحابنا من قال: لا تثبت الكراهة في ذلك إلا بعد تعيين الأضحية من ماشيته، أو (سواها) 502، والمذهب الأول.
وقال أبو حنيفة: لا يكره ذلك بحال.
وقال أحمد: يحرم ذلك.
ولا يجزىء في الأضحية إلا الأنعام وهي: الإِبل، والبقر، والغنم 503، ولا يجزىء إلا الثني من الإِبل والبقر، والمعز، ويجزىء الجذع من الضأن 504.
والثني من الإبل: ما له خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر والغنم ما له سنتان ودخل في الثالثة.
وحكي عن الزهري أنه قال: لا يجزىء الجذع من الضان أيضًا.
وقال الأوزاعي: يجزىء الجذع من جميع الأجناس.
والبدنة أفضل من البقرة، والبقرة أفضل من شاة، والشاة أفضل من مشاركة ستة في بدنة أو بقرة، والضان أفضل من المعز، وبه قال أبو حنيفة وأحمد 505.
الجزء: 3 - الصفحة: 372
وقال مالك: الجذع من الضأن أفضل من الثني من البقر، ثم الثني من الإبل.
ولا يجزىء ما فيه عيب ينقص اللحم كالعمياء، والجرباء، والعرجاء التي تعجز عن المشي في المرعى 506.
وحكي في "الحاوي": عن بعض أهل الظاهر أنه قال: تجزىء العمياء.
ذكر في "الحاوي": في المريضة مرضًا يسيرًا، (أن) 507 الشافعي رحمه اللَّه أشار في القديم: أنها (لا تجزىء) 508.
وقال في الجديد: تجزىء.
وذكر في "الحاوي" أيضًا: أن (العجز) 509 إن كان لمرض، لم يجز، وإن كان لغير مرض، أجزأ (وليس بشيء) 510. = الأقرن"، رواه البيهقي هنا، وفي كتاب الجنائز وهو بعض حديث، "الفتح الكبير" 2/ 96.
الجزء: 3 - الصفحة: 373
ويكره (الجلحاء) 511، وهي التي لم يخلق لها قرن، والعصماء، وهي التي انكسر غلاف قرنها، والعضباء، (وهي) 512 التي انكسر قرنها، والشرقاء وهي التي (تثقب من الكي) 513 إذنها، والخرقاء التي شق بالطول إذنها، ويجزىء جميعها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: إن كانت العضباء يخرج من قرنها الدم، لم يجز.
وقال النخعي وأحمد: لا تجوز التضحية بالعضباء.
وتكره التضحية بمقطوعة الإِذن وتجزىء.
وقال أحمد: لا يجوز التضحية بها.
والمستحب أن يذبح أضحيته بنفسه 514، فإن استناب يهوديًا، أو نصرانيًا في ذبحها، كره وأجزأه 515.
وقال مالك: لا تكون أضحية.
فإن اشترى شاة بنية الأضحية، لم تصر أضحية.
وقال أبو حنيفة: تصير أضحية.
الجزء: 3 - الصفحة: 374
ويستحب أن يسمي اللَّه عز وجل 516، ويصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال مالك وأبو حنيفة: تكون الصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (على الذبح) 517.
وقال أحمد: ليس بمشروع وحكاه في "الحاوي" عن أبي علي ابن أبي هريرة من أصحابنا، أنه لا يستحب ولا يكره.
ويستحب أن يقول: اللهم منك وإليك تقبل مني 518.
وقال أبو حنيفة يكره ذلك.
وحكي في "الحاوي" وجهًا آخر: أنه لا يستحب ولا يكره.
وإذا ذبح الأضحية وكانت تطوعًا، (استحب) 519 له أن يأكل منها 520.
وحكي عن بعض الناس أنه قال: الأكل منها واجب وحكاه في "الحاوي" عن أبي حفص بن الوكيل وليس بشيء.
وقال أبو الطيب بن سلمة: الأكل واجب، والصدقة واجبة.
وفي قدر الأفضل في الأكل قولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 375
أحدهما: أن الأفضل أن يأكل النصف، ويتصدق بالنصف.
وقال في الجديد: يأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث.
وأما الجواز.
(فقد قال) 521 أبو العباس بن سريج وابن القاص: يجوز أن يأكل الجميع.
ومن أصحابنا من قال: يجب أن يبقي منه قدر ما يقع عليه اسم الصدقة، فإن أكل الجميع، لم يضمن على قول أبي العباس شيئًا، ويضمن على قول سائر أصحابنا، وكم قدر ما يضمن؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يضمن أقل ما يجزىء 522.
والثاني: أنه يضمن القذر المستحب بناءً على القولين فيه، إذا فرق (سهم) 523 الفقراء على اثنين، كم يضمن للثالث 524.
وحكي في "الحاوي" وجهًا آخر عن أبي إسحاق المروزي، وأبي علي ابن أبي هريرة: أنه يضمن جميعها بأكثر الأمرين من قيمتها، أو مثلها، فحصل في قدر ما يضمنه أربعة أوجه.
أحدها: الجميع.
والثاني: النصف.
الجزء: 3 - الصفحة: 376
والثالث: الربع.
والرابع: أقل ما يجزىء.
فإن كان ما ذبحه وجب عليه عن نذر مجازاة 525، لم يجز أن يأكل منه 526، فإن أكل منه شيثًا ضمنه، وفيما يضمنه به، الأوجه الثلاثة التي تقدم ذكرها في الهدي 527.
(فإن) 528 كان قد التزمه بنذر مطلق، ففيه ثلاثة أوجه.
أحدها: أنه لا يجوز أن يأكل (منه) 529 شيئًا.
والثاني: (أنه) 530 يجوز أن يأكل منه.
والثالث: أنه إن كان أضحية، جاز له الأكل منه، وإن كان هديًا، لم يجز.
قال أقضى القضاة الماوردي: والأصح عندي أن ينظر إلى المنذور، فإن كان مستعينًا، لم يضمن في الذمة كقوله: للَّه علي أن أضحي بهذه البدنة، جاز له أن يأكل منها، وإن كان مضمونًا في
الجزء: 3 - الصفحة: 377
الذمة، كقوله: للَّه علي أن أضحي بدنة، فلا يجوز أن يأكل منها، وليس لما ذكره معنى يعول عليه.
فإن أخر الأضحية، فتلفت في يد المستأجر، لم يضمنها المستأجر وضمنها المؤجر، ويضمن المستأجر الأجرة، وفي قدر ما يضمنه وجهان:
أظهرهما: أنه يضمن أجرة المثل.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، أنه يضمن أكثر الأمرين من الأجرة المسماة، أو أجرة المثل، ثم (قال) 531: ماذا يصنع بهذه الأجرة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسلك بها مسلك الأضحية.
والثاني: أنها تصرف إلى الفقراء والمساكين.
ولا يجوز بيع شيء من الهدي والأضحية نذرًا كان أو تطوعًا 532، وحكي في جواز تفرد المضحي بجلد الأضحية وجهان:
أحدهما: يجوز 533.
الجزء: 3 - الصفحة: 378
والثاني: لا يجوز حتى يشارك فيه الفقراء.
وقال الأوزاعي: يجوز بيع جلودها بآلة البيت التي تعار كالفأس، والقدر، والمنخل، والميزان.
وقال عطاء: لا بأس بيع أهب الأضاحي.
وقال أبو حنيفة: إذا ذبحها، جاز له بيع ما شاء منها والتصدق بثمنه، فإن باع جلدها بآلة البيت، جاز له الانتفاع به.
ويجوز أن يشترك السبعة في بدنة، وفي بقرة 534، سواء كانوا (متقربين) 535 أو بعضهم يريد اللحم، أهل بيت واحد كانوا أو متفرقين 536.
وقال مالك: إن كان متطوعًا، جاز إذا كانوا أهل بيت واحد.
وقال أبو حنيفة: إذا كانوا متقربين، جاز.
وقال إسحاق بن راهوية: البدنة عن عشرة، والبقرة عن عشرة.
وحكم الهدايا والضحايا سواء إلّا في المحل، فإن الهدايا تحمل = إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنما نهيتكم من أجل الدافة، فكلوا وتصدقوا وادخروا"، رواه مسلم بحروفه، أنظر "صحيح مسلم" 13/ 130.
الجزء: 3 - الصفحة: 379
(إلى) 537 الحرم، والضحايا تكون في كل بلد، وهل يتعين البلد؟ (ذكر) 538 فيه وجهان بناء على القولين في نقل الصدقة، فإن ضلت الأضحية في أيام النحر وقد مضى بعضها، وبقي بعضها، فهل يكون مفرطًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يكون مفرطًا.
والثاني: أنه مفرط.
فإن ولدت الأضحية، تبعها ولدها فيذبحهما جميعًا، فإن تصدق بأحدهما وأكل الآخر، (فهل) 539 يجوز؟ ، فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا يجوز حتى يتصدق من كل واحد منهما ويأكل.
والثاني: أنه يجوز ذلك.
والثالث: أنه إن تصدق (بالأم) 540، وأكل الولد، جاز، وإن تصدق بالولد، وأكل الأم لم يجز.
فإن التزم أضحية (معينة سليمة من العيوب، فحدث بها عيب، لم يمنع إجزاءها.
وقال أبو حنيفة: يمنع.
فإن أوجب أضحية 541 (معيبة) 542 فزال عيبها، فهل تجزئه؟ فيه قولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 380
قال في الجديد: لا تجزىء.
وقال في القديم: (تجزىء) 543.
ويجوز الإدخار من لحوم الأضاحي، واختلف أصحابنا في قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما نهيتكم (من) 544 أجل الدافة، يعني (عن) 545 الإدخار.
فمنهم من قال: هو نهي تحريم على العموم في المدينة التي دفت البادية إليها، وفي غيرها، يحرم إدخار لحم الأضاحي بعد ثلاث في جميع البلاد، (وعليه) 546 جميع المسلمين، وكانت الدافة سببًا (للتحريم) 547، ثم وردت (الإباحة) 548 بعده نسخًا للتحريم، فعلى هذا: إذا قدم إلى بلد، لم يحرم فيه ادخار الأضاحي.
والوجه الثاني: أنه نهي تحريم خاص لمعنى حادث اختص بالمدينة (ومن) 549 فيها دون غيرهم لنزول الدافة فيهم، ثم ارتفع التحريم بارتفاع علته، (فعلى) 550 هذا اختلف أصحابنا إذا حدث مثل ذلك في زماننا، فدف ناس إلى بلد هل يحرم على أهله إدخاره؟ فيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 381
أحدهما: أنه يحرم عليهم كما حرم على أهل (المدينة) 551.
والثاني: لا يحرم.
فأما العبد إذا ضحى بإذن مولاه عن نفسه وقلنا: إنه (يملك) 552، صح ذلك، وليس للسيد أن يرفع فيها بعد الذبح، فأما قبل الذبح، فإن كان قبل إيجاب الأضحية وتعيينها، صح رجوعه فيها، وإن كان بعد إيجابها وتعيينها، لم يجز.
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) 553: وعندي (أنه) 554 لا فرق بين ما قبل الذبح، وبين ما بعده فيما ذكره من الرجوع وعدمه، ويجوز أنا يختلف الإِيجاب والتعيين وعدم الإِيجاب.
وأما المكاتب إذا أذن له المولى في التضحية، ففيه قولان.
(قال الإمام أيده اللَّه) 555: إن ذلك يبنى على أن تبرعات المكاتب بإذن المولى، هل تصح أم لا؟ .
الجزء: 3 - الصفحة: 382
فصل في العقيقة
العقيقة سنة، (وهو) 556 ما يذبح عن المولود 557.
وقال أبو حنيفة: ليست بسنة.
وقال الحسن البصري وداود: هي واجبة.
ووقت الذبح: اليوم السابع 558، وفي أول وقت جوازه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 383
أحدهما: من يوم الولادة.
والثاني: بعد يوم الولادة.
ويستحب (أن) 559 يذبح عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة 560.
وقال مالك: شاة عن الغلام أيضًا.
وفي كسر عظمها وجهان:
أحدهما: وهو قول البغداديين 561.
والثاني: لا يكره وهو قول البصريين.
ولا يمس رأس المولود بدم العقيقة 562.
وقال قتادة: تؤخذ صوفة من صوفها، فيستقبل بها أوداجها، ثم تجعل على يافوخ الصبي حتى يسيل، ثم يغسل.
الجزء: 3 - الصفحة: 384
باب النذر
يصح النذر من كل مسلم بالغ عاقل، ولا يصح نذر الكافر، وقيل: يصح 563. ولا يصح النذر إلّا بالقول: فيقول: للَّه علي (كذا أو علي كذا) 564. وقال في القديم: إذا اشترى بدنة وقلدها ونوى أنها هدي أو أضحية، صارت هديًا وأضحية 565. وخرج أبو العباس وجهًا آخر: أنه يصير هديًا وأضحية بمجرد النية.
الجزء: 3 - الصفحة: 385
فإن قال: إن اشتريت شاة فللَّه على أن أجعلها أضحية، فاشتراها، لزمه أن يجعلها أضحية، وهو نذر مضمون في الذمة، غير متعلق بعين فلزم.
وإن قال: إن اشتريت هذه الشاة، فللَّه علي أن أجعلها أضحية، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يغلب حكم التعيين، فلا يلزمه.
والثاني: أنه يلزمه، والفرق بين المسألتين في الوجهين لا يتحقق.
ونذر المعاصي لا يصح 566 ولا يلزم بة قربة كنذر صوم يوم العيد وأيام التشريق وأيام الحيض وغير ذلك.
وحكى الربيع: أن المرأة إذا نذرت صوم أيام حيضها، لزمها كفارة يمين 567.
وقال أبو حنيفة: (ينعقد) 568 نذره بصوم العيد، وأيام التشريق، غير أنه لا يجوز أن يصوم المنذور (فيها) 569، فإن صامه صح.
فإن نذر الصلاة في أوقات النهي، فقد حكي فيه ثلاثة أوجه.
أحدها: وهو اختيار الشيخ الإِمام أبي إسحاق، أنه لا يصح نذره.
الجزء: 3 - الصفحة: 386
والثاني: أنه يصح نذره، ويجوز أن يصليها في هذا الوقت.
والثالث: أنه ينعقد نذره على القضاء في غيره دون (الوفاء فيه) 570.
وإن نذر ذبح ولده، لم ينعقد نذره ولم (يلزم به شيء) 571، وبه قال أبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يلزمه (ذبح) 572 شاة، وكذا إذا نذر ذبح نفسه.
وإن نذر ذبح والده أو عبده، لم يلزمه شيء.
وعن أحمد: روايتان.
إحداهما: أنه يلزمه ذبح كبش.
والثانية: أنه يلزمه كفارة يمين، وحكي ذلك عن سعيد بن المسيب.
فإن قال: للَّه علي صوم، أو صلاة، لزمه ذلك في أظهر الوجهين، وهو قول أبي العباس بن سريج، وأبي سعيد الإصطخري، وأبي علي بن أبي هريرة.
والثاني: لا يلزمه، وهو قول أبي إسحاق المروزي، وأبي بكر الصيرفي.
وإن نذر قربة في (لجاج) 573 بأن قال: إن كلمت فلانًا فلله علي
الجزء: 3 - الصفحة: 387
صوم، أو صلاة، أو صدقة بماله، خير بين كفارة يمين، أو بين الوفاء بما التزمه.
ومن أصحابنا من قال: إن كانت القربة حجًا أو عمرة، لزمه الوفاء به.
وقال أبو حنيفة: يلزمه الوفاء به بكل حال إن لم يكن (له) 574 مال.
فإن كان صدقة بمال، لزمه أن يتصدق بالمال (الزكاتي) 575.
وقال مالك: يلزمه أن يتصدق بثلث ماله، وبه قال الزهري.
وقال النخعي وعثمان البتي 576: يتصدق بجميع ماله (الزكاتي) 577 وغير الزكاتي.
وقال ربيعة: يلزمه أن يتصدق من ماله بقدر الزكاة.
وقال جابر بن زيد بن (الشعثاء) 578: إن كان ماله كثيرًا، لزمه أن يتصدق بعشره، وإن كان وسطًا تصدق بسبعه، وإن كان قليلًا، تصدق بخمسه، والكثير ألفان، والوسط ألف، والقليل: خمس مائة.
الجزء: 3 - الصفحة: 388
وحكي عن الحكم وحماد أنهما قالا: لا يلزمه شيء.
فإن نذر أن يتصدق بماله، لزمه أن يتصدق بجميعه 579.
وقال أبو حنيفة: يتصدق بالمال الزكاتي.
وإن نذر أن يعتق رقبة، أجزأه ما يقع عليه اسم الرقبة على ظاهر المذهب 580.
وقيل: لا يجزئه إلَّا ما يجزىء في الكفارة، (وأصله القولان فيه) 581: إذا نذر هديًا.
قال في القديم: يهدي (ما شاء) 582 (ما يقع) 583 عليه الاسم 584.
وقال في الجديد: لا يجزئه إلَّا ما يجزىء في الأضحية، وهو قول أبي حنيفة وأحمد.
الجزء: 3 - الصفحة: 389
فإن نذر أن يهدي بدنة، أو بقرة، أو شاة، أجزأه على القول الأول (ما يقع عليه الاسم) 585.
(وعلى القول الثاني) 586: لا يجزئه إلَّا ما يجزىء في الأضحية.
فإن نذر أن يهدي شاة، فأهدى بدنة، أجزأه، وهل يكون جميعها واجبًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن جميعها واجب 587.
والثاني: أن سبعها واجب 588.
فإن نذر بدنة وهو واجد لها تعينت عليه في أحد الوجهين، فإن لم يجد بدنة، فبقرة، فإن لم يجد، انتقل إلى سبع من الغنم.
ومن أصحابنا من قال: ثبتت البدنة في ذمته إلى أن يقدر عليها.
والوجه الثاني: أنه يتخير بينها وبين (البقرة) 589 وبين السبع من الغنم.
فإن نذر بدنة من الإِبل، تعينت عليه، فلا تجزئه البقرة، والغنم وجهًا واحدًا كذا ذكره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه.
فإن عدمت الإِبل، فالمنصوص عليه: أنه يجزئه البقرة بالقيمة، فإن كانت قيمتها كقيمة البدنة من الإِبل، أجزأت، وإن كانت أقل أخرج الفضل، ولم يعتبر القيمة إذا أطلق.
الجزء: 3 - الصفحة: 390
ومن أصحابنا من قال: تجب البدنة في ذمته، كذا حكى الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه، ولم (يحك) 590 في البدنة المطلقة ذلك.
وذكر بعض أصحابنا: أنه إذا نذر بدنة من الإِبل، (فلا بدل لها) 591 في أحد الوجهين.
وفي الثاني: لها بدل.
وفي حكم انتقاله إليه وهو البقرة وجهان:
أحدهما: (ينتقل) 592 من غير اعتبار قيمة، فإن لم يجد بقرة، انتقل إلى سبع من الغنم، فإن لم يجد، لم ينتقل إلى صيام ولا إطعام.
والوجه الثاني: أنه يعدل إلى البقرة بأكثر الأمرين منها، أو قيمة البدنة، وكذا في انتقاله من البقرة إلى الغنم، وفي القيمة التي تعتبر في الانتقال إلى الغنم ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يعتبر أكثر الأمرين من قيمة البدنة، أو سبع من الغنم.
والثاني: أنه يعتبر أكثر الأمرين، من قيمة البقرة، أو سبع من الغنم.
والثالث: أنه يعتبر أكثر الثلاثة من قيمة البدنة أو البقرة، أو سبع من الغنم.
فإن نذر أن يهدي إلى الحرم، لزمه ذلك، وفيه إذا أطلق وجهان:
أظهرهما: أنه يلزمه أن يهدي إلى الحرم.
الجزء: 3 - الصفحة: 391
والثاني: أنه لا يتعين الحرم، فيهدي حيث شاء 593 فعلى هذا إذا نذر أن يهدي (لرتاج) 594 الكعبة، أو عمارة مسجد، صرفه فيما نذره، وإن لم يعين ما يصرفه فيه، بل نذر أن يهدي، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يصرفه فيما شاء من القرب.
والثاني: أنه يصرفه إلى الفقراء والمساكين في البلد الذي نذر أن يهدي إليه.
ومن أصحابنا من حكى: أنه إذا قال: للَّه علي أن أجعل هذا المتاع هديًا، لزمه نقله إلى الحرم، وإن قال: للَّه علي أن أهدي هذا المتاع، ولم يجعله هديًا، فقد تقابل فيه عرف اللفظ وهو (الهدية) 595 بنية الهبة وعرف الشرع، فإن لم يكن له نية، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحمل على عرف الشرع.
الجزء: 3 - الصفحة: 392
والثاني: أنه يجمل على عرف اللفظ 596.
فإن نذر هديًا للكعبة، صرف في مصالحها، فإن نذر هديًا لأهل الحرم، صرف إلى المساكين، وهل يصرف منه إلى ذوي القربى؟ فيه وجهان:
وإن نذر النحر في الحرم، لزمه النحر فيه، وهل يلزمه تفرقة اللحم (فيه) 597؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يلزمه النحر والتفرقة في الحرم.
والثاني: أن له التفرقة في غير الحرم.
وإن نذر النحر في الحرم، والتفرقة على أهل الحل، لزمه التفرقة على مساكين الحل، وهل يلزمه النحر في الحرم؟ فيه قولان حكاهما أبو علي ابن أبي هريرة.
وإن نذر النحر في بلد غير الحرم، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يلزمه النحر وتفرقة اللحم.
والثاني: أنه لا يصح نذره.
وذكر في "الحاوي": أنه إذا نذر النحر بالبصرة وتفرقة اللحم بها، لزمه تفرقة اللحم بالبصرة، وهل يلزمه النحر بها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يلزمه النحر بها، كما لو نذر النحر في الحرم.
والثاني: لا يلزمه النحر بها.
وإن نذر النحر بالبصرة وأطلق، ففيه ثلاثة أوجه:
الجزء: 3 - الصفحة: 393
أحدها: أنه يلزمه النحر بالبصرة، والتفرقة بها.
والثاني: يلزمه النحر في البصرة، والتفرقة حيث شاء.
والثالث: أنه ينحر حيث شاء، ويفرق في البصرة.
وإن نذر النحر مطلقًا، ففيه قولان بناء على نقل الزكاة من بلد المال إلى غيره، وفي هذا البناء في هذه الصورة نظر.
وإن نذر الصلاة، لزمه أن يصلي ركعتين في أظهر القولين، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد، ويلزمه في القول الثاني ركعة.
وإن نذر صلاة في المسجد الحرام، تعين عليه فعلها فيه 598، وإن نذر صلاة في المسجد الأقصى، ومسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لزمه ذلك في أصح القولين.
وقال أبو حنيفة: لا يتعين الصلاة بالنذر في مسجد بحال.
(فإن) 599 نذر صوم سنة بعينها، لزمه صومها متتابعًا، فإن كان الناذر امرأة فحاضت، فهل تقضي أيام حيضها؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يلزمه قضاؤها 600.
الجزء: 3 - الصفحة: 394
والثاني: أنه لا يلزمها 601.
وإن أفطر في هذه السنة لمرض، فهل يقضي ذلك؟ فيه وجهان، وإن أفطر لسفر، لزمه قضاؤه وجهًا واحدًا، فإن كان قد شرط التتابع في (صوم) 602 هذه السنة، فأفطر من غير عذر، لزمه الاستئناف، وإن أفطر لمرض، فهل يلزمه الاستئناف؟ فيه قولان: وإن أفطر لسفر وقلنا: ينقطع (التتابع) 603 بالمرض، ففي السفر أولى، وإن قلنا: لا ينقطع بالمرض ففي السفر وجهان:
وإن نذر صوم سنة مطلقة، وشرط (فيها) 604 التتابع، كان الحكم فيها على ما ذكرناه.
وإن نذر صوم كل اثنين، لم يلزمه قضاء أثانين رمضان، وفيما يوافق أيام العيد قولان:
أصحهما: أنه لا يقضيها.
فإن (لزمه) 605 صوم شهرين متتابعين، ثم نذر صوم كل اثنين فإنه يصوم الشهرين ويقضي الأثانين التي تقع (فيهما) 606، كما لو سبق نذر الأثانين.
وقيل: لا للزمه قضاء الأثانين في هذا النذر.
الجزء: 3 - الصفحة: 395
فإن نذر صوم يوم بعينه وأفطر لعذر قضاه.
وقال مالك: إذا أفطر لمرض، لم يلزمه قضاؤه.
فإن نذر صيام عشرة أيام مطلقة، وشرط أن يصومها (فصامها) 607 متتابعة، ففيه وجهان:
أظهرها: أنه يجزئه، فإن قال: للَّه علي أن أصوم عشرة أيام، جاز أن يصومها متتابعًا ومتفرقًا.
وقال داود: يلزمه أن يصومها متتابعًا.
فإن نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، ففي صحة نذره قولان:
أحدهما: أنه صح نذره، وهو اختيار القاضي أبي الطيب رحمه اللَّه، واختيار المزني.
والثاني: لا يصح، وهو اختيار الشيخ أبي حامد.
- فإن قلنا: يصح نذره، وكان الناذر في يوم قدومه صائمًا صوم التطوع، فإنه يتمه، ويقضي عن نذره، وهل يلزمه إتمامه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يتحتم إتمامه.
وإن كان صائمًا فيه صوم قضاء، أو كفارة، لزمه إتمامه عن فرضه، وهل يلزمه قضاؤه عن ذلك الفرض؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه يلزمه قضاؤه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، أنه يستحب له قضاؤه ولا يجب، وعليه أن يقضي صوم النذر للقدوم، وإن كان صائمًا يوم
الجزء: 3 - الصفحة: 396
القدوم عن فرض (متعين) 608 كصوم رمضان، والنذر المعين، أكمل صومه عن فرضه ولم يلزمه قضاؤه ويستحب له قضاؤه، ويقضي عن النذر، هذا كله ذكره في "الحاوي".
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) 609: وعندي أن ذكر القضاء، للصوم الذي وافق يوم القدوم لا وجه له واجبًا ولا مستحبًا، لأنه يعتد به عما شرع فيه لا خلاف فيه، وموافقة النذر له ما أوجبت خللًا فيه محال، وكذا (إيجاب) 610 الإتمام في التطوع لا وجه له، فإنه لم يخرج عن كونه تطوعًا، والزمان لا حرمة له في نفسه.
فإن نوى صيام غد عن نذر القدوم وهو على ثقة من قدومه فيه فقدم فيه، فهل يجزئه صيامه؟ حكى فيه في "الحاوي" وجهين:
أظهرهما: أنه يجزئه.
والثاني: لا يجزئه وليس بشيء.
وإن نذر اعتكاف اليوم الذي يقدم فيه قولان، صح نذره، فإن قدم نهارًا لزمه اعتكاف بقية النهار، وهل يلزمه قضاء ما مضى منه؟ 611 فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه.
والثاني: يلزمه وهو اختيار المزني.
وإن قدم فلان وهو محبوس أو مريض، فالمنصوص: أنه يلزمه القضاء.
الجزء: 3 - الصفحة: 397
وقال القاضي أبو حامد، وأبو علي الطبري: لا يلزمه.
وإن نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام، لزمه المشي إليه بحج أو عمرة، ومن أي موضع يلزمه المشي؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق، أنه يلزمه ذلك من دويرة أهله.
والثاني: أنه يلزمه من الميقات، وهو قول عامة أصحابنا، ويلزمه أن يمشي إلى أن يتحلل التحلل الثاني في الحج، فإن فاته، لزمه أن يقضيه ماشيًا، وهل يلزمه المشي في فائتة؟ فيه قولان:
فإن حج راكبًا لعجزه عن المشي، فهل يلزمه دم؟ فيه قولان:
ومن أصحابنا من حكى: في وجوب المشي، والركوب إلى بيت اللَّه الحرام إذا نذرهما ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا يتعين واحد منهما بالنذر (ونسبه إلى أحمد) 612.
(والثاني: أنه يلزمه الأمران بالنذر) 613.
والثالث: أنه يلزمه المشي بالنذر، ولا يلزمه الركوب به.
فإن قلنا: بوجوبهما، فترك أحدهما إلى الآخر، فهل يلزمه الجبران؟ فيه ثلاثة أوجه.
أحدها: أنه لا يجب (بواحد) منهما جبران.
والثاني: أنه يجبر كل واحد منهما بدم إذا تركه إلى الآخر.
والثالث: أنه يجب بترك المشي إلى الركوب دم، ولا يجب عليه بتركه الركوب إلى المشي، وذكر في الفدية وجهين.
الجزء: 3 - الصفحة: 398
أحدهما: فدية ترك الإِحرام من الميقات.
والثاني: فدية الحلق.
فإن نذر الحج ماشيًا في العام المقبل، فإنه يلزمه الحج فيه، وهل يجوز له تقديمه عليه؟ فيه وجهان: فإن أحرم به ففاته، ففي وجوب قضائه قولان:
أحدهما: أنه يقضيه كغير المصلين، فإن أخر الإِحرام عن عامه، ففي وجوب قضائه قولان أيضًا.
(وإن) 614 نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام لا حاجًا ولا معتمرًا، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا ينعقد نذره.
والثاني: أنه ينعقد وبلزمه المشي بحج، أو عمرة.
ذكر في "الحاوي": أنه إذا قلنا: يصح نذره، ففي الشرط وجهان:
أحدهما: أنه باطل.
والثاني: أن الشرط صحيح، ولا يلزمه الإِحرام بحج ولا عمرة، فعلى هذا فيه وجهان.
أحدهما: أنه يلزمه أن يضم إلى قصد البيت عبادة من صلاة، أو صيام، أو اعتكاف، أو طواف، ليصير القصد قربة.
ذكر في "الحاوي": أنه إذا نذر قصد البيت اللَّه الحرام ولم يكن له نية (حج) 615 ولا عمرة، فالذي عليه الجمهور، أنه يلزمه القصد بحج أو عمرة.
الجزء: 3 - الصفحة: 399
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يبني على اختلاف قول الشافعي رحمه اللَّه.
فمن أراد دخول الحرم من غير الخطأ به بغير إحرام، هل يجوز أم لا؟
- فإن قلنا: لا يجوز له دخوله إلَّا بإحرام بحج أو عمرة، انصرف نذره إليه ها هنا.
- وإن قلنا: لا يلزمه الإِحرام لدخوله، ففي تعلق نذره ها هنا بالإِحرام وجهان، تخريجًا من اختلاف قوله فيمن نذر المشي إلى المسجد الأقصى، وهذا التخريج وإن كان محتملًا، فهو مخالف لنص الشافعي رحمه اللَّه.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه القصد بحجة ولا عمرة إلَّا فيه إذا نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام، فأما نذر القصد والذهاب إليه فلا يلزمه (به) 616 الإِحرام.
وإن نذر المشي إلى بقعة من الحرم، لزم المشي إليها بحج أو عمرة، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه مشي، وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام، أو إلى مكة، أو إلى الكعبة استحسانًا.
وإن نذر المشي إلى المسجد الأقصى، أو إلى مسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فهل يلزمه؟ (فيه) 617 قولان: قال في "الأم": لا ينعقد نذره وبه قال أبو حنيفة 618.
الجزء: 3 - الصفحة: 400
والثاني: ينعقد نذره، وبه قال أحمد، ومالك 619.
ذكر في "الحاوي": أنا إذا قلنا: يصح نذره، فهل يلزمه مع المشي عبادة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يلزمه غير قصدهما.
والثاني: أنه يلزمه أن يضيف إلى ذلك عبادة، فعلى هذا فيما يلزمه من العبادة وجهان:
أحدهما: أنه يضيف إليه ما شاء من صوم، أو صلاة.
والثاني: أنه يلزمه أن يصلي فيهما، وهل يلزمه المشي إليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: (أنه) 620 يلزمه المشي.
والثاني: أنه يجوز له الركوب، فإن قلنا: يلزمه المشي فركب، هل يجزئه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه، وعليه إعادة قصده إليه ماشيًا.
والثاني: يجزئه إذا قلنا: (إنه) 621 يلزمه أن يضيف إليه عبادة فيه، ويصير هو المقصود بالنذر، ولا يلزمه أن يجب بدم، (كالإحرام، لاختصاص) 622 الإِحرام (بذلك) 623، فأما إِذا نذر الصلاة فيه، فإنه يلزمه في أظهر الوجهين.
الجزء: 3 - الصفحة: 401
فإن نذر الصلاة في مسجد الخيف، ولم يكن من أهل الحرم، انعقد نذره، وفيما ينعقد به نذره وجهان:
أحدهما: أنه ينعقد بما ذكره من الصلاة في الحرم إذا قيل يجوز دخول الحرم بغير إحرام، وفي تعيين (بعض) 624 الصلاة في مسجد الخيف وجهان:
والوجه الثاني: أنه يلزمه بنذره قصد الحرم بحجة أو عمرة، إذا قيل لا يجوز دخوله بغير إحرام، فعلى هذا في التزام ما عقد عليه نذره من الصلاة (فيه) 625 وجهان:
أحدهما: أنه لا يلزمه الصلاة، لأن الشرع نقل نذره إلى غيره.
والثاني: (أنه) 626 يلزمه.
(قال الشيخ الإِمام فخر الإِسلام رحمه اللَّه) 627: وعندي: أنه يلزمه الصلاة بالنذر وقصد الحرم بإحرام إذا نذر الصلاة فيه، لأنه إذا لزمه ذلك بنذر المشي إليه والقصد، فلأن يلزمه ذلك بنذر الصلاة فيه أولى.
فإن نذر المشي إلى بيت اللَّه ولم يقل الحرام، ولا نواه، فالمذهب: أنه يلزمه المشي إلى بيت اللَّه الحرام، وهو ظاهر ما نقله المزني، وظاهر ما قاله الشافعي رحمه اللَّه في "الأم".
ونقل القاضي أبو حامد في "جامعه": أنه لا يلزمه.
الجزء: 3 - الصفحة: 402
فإن قال: للَّه علي أن أمشي ولم يكن له نية (شيء) 628، فلا شيء عليه.
وحكي عن أحمد أنه قال: إذا نذر فعلًا مباحًا، انعقد نذره، وكان بالخيار بين (الوفاء به) 629 وبين الكفارة.
فإن نذر الهدي لأهل الحرم وكان ممن يمكن تفرقته عليهم، فرقه فيهم، وإن كان الهدي متاعًا لا يمكن تفرقته (عليهم) 630 كاللؤلؤ، والجواهر، وغير ذلك، كان حقهم في قيمته، وهل يلزمه بيعه، وتفرقة الثمن، أم يجوز له دفع قيمته؟ فيه وجهان مخرجان من القولين في العبد الجاني، هل يفديه السيد بقيمته أو بثمنه؟
- فإن قلنا: يفديه بقيمته، كان للناذر صرف قيمته إليهم (ولا يبيعه) 631.
- وإن قلنا: عليه بيع العبد الجاني، لأنه ربما زيد في الثمن، لزم هذا الناذر بيع هذا المتاع.
(قال الشيخ الإِمام رحمه اللَّه): وعندي: أن هذا بناء بعيد، لأن هذا الهدي للحرم أخرجه إلى اللَّه تعالى، فلا يجوز أن يبقي حقه فيه، ولا يجوز أن يشتريه من نفسه لنفسه، والعبد الجاني ما صار مستحقًا للمجني عليه، وإنما تعلق حقه به تعلق الارتهان، ولهذا له
الجزء: 3 - الصفحة: 403
(أن) 632 يفديه بإرش الجناية ولا يلزمه البيع، وها هنا لا بد من البيع في أحد الوجهين، ولهذا لو كان فيما يمكنه نقله وتفرقته عليهم، لوجب نقله وتفرقته، فقد صار مستحقًا لهم، غير أنه تعذر نقله إليهم، وتفرقته فيهم، فتعين البيع، فأما أن يدفع هو القيمة فلا.
الجزء: 3 - الصفحة: 404
باب الأطعمة
يحل من (الدواب) 633: دواب الأنس (كالخيل) 634، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يكره كراهة يتعلق بها مأثم، ولا يقول إنها محرمة 635. ولا تحل البغال والحمير.
وحكي عن الحسن البصري أنه قال: هي حلال.
وحكي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: إباحة الحمر الأهلية.
وفي السنور البري وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 405
ويحل أكل الضبع، والثعلب من الوحوش، وبه قال أحمد، (وعنه رواية أخرى في الثعلب خاصة) 636.
وقال أبو حنيفة: لا يحل أكلها.
وقال مالك: يكره أكلها.
ويحل اليربوع، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يحل.
ويحل القنفذ.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يحل.
والوبر مباح، وهو دويبة أنبل من ابن عرس كحلاء العينين، وابن حلال خلافًا لأبي حنيفة وأحمد.
والضب حلال 637، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يحل.
وفي ابن آوى وجهان:
أحدهما: لا يحل.
والثاني: يحل.
الجزء: 3 - الصفحة: 406
والشاة الجلالة: هى التي يكون أكثر علفها العذرة اليابسة، يكره أكلها ولا يحرم.
وقال أحمد: يحرم لحمها، ولبنها، وكذا الدجاجة، يحرم لحمها وبيضها، وتحبس وتعلف علفًا طاهرًا حتى تزول رائحة النجاسة فتحل عنده.
وتزول الكراهة عندنا.
وقال بعض أهل العلم: يحبس البعير، والبقرة، أربعين يومًا، والشاة سبعة أيام، والدجاجة ثلاثة أيام، وقيل: سبعة، وكذا نقول في الزروع التي تطرح فيها النجاسة (وتروى بها) 638.
وذكر في "الحاوي": إذا كان قد تغير رائحة لحمها بالنجاسة تغيرًا كثيرًا، ففي إباحة أكله وجهان: حكاهما أبو علي بن أبي هريرة.
أحدهما: أنه مباح.
والثاني: أنه حرام، وعلى هذا إذا ارتضع الجدي من كلبة، أو خنزيرة حتى نبت لحمه منه، كانت إباحته على الوجهين.
ولا يحل ما يتقوى بنابه كالأسد، والنمر، والذئب 639. وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال مالك: يكره ذلك ولا يحرم، وكذا قال في الكلب 640،
الجزء: 3 - الصفحة: 407
واختلف في علة التحريم في نهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أكل كل ذي ناب من السباع.
فعلل الشافعي رحمه اللَّه: بما قوي بنابه وعدا على الحيوان.
وقال أبو إسحاق من أصحابنا: هو ما كان عيشه بنابه دون غيره، ولا يأكل إلّا ما يفترس من الحيوان.
وقال أبو حنيفة: هو ما فرس بنابه، وإن لم (يبتد بالعدوى) 641 وعاش بغير نابه.
ويحرم أكل حشرات الأرض كالفأر، والخنافس، والعناكب، والوزغ، (والغطاء) 642 واللحكاء وهي دويبة كالسمكة تسكن الرمل صيفًا، صقيلة الجلد، يعرض مقدمها، ويدق مؤخرها، إذا أحست بإنسان غاصت في الرمل 643.
وقال مالك: يكره ذلك ولا يحرم.
ويحرم من الطير ما له مخلب، والمستخبث، كالغراب الأبقع والأسود الكبير، وفي الغداف، وهو صغير الجسم، لونه لون الرماد وجهان:
أحدهما: يحل وهو قول أبي حنيفة، وكذا غراب الزرع، ويسمى الزاغ.
= أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}، "المجموع" 9/ 16.
الجزء: 3 - الصفحة: 408
وما عدا المنصوص عليه، فإنه يرجع فيه إلى (العرب) 644 من أهل الريف والقرى 645، فما استطابته حل أكله، وما استخبثته، حرم أكله.
وما كان في بلاد العجم ولم يكن له شبه فيما يحل ولا فيما يحرم فيه وجهان:
أحدهما: أنه يحل وهو قول أبي العباس، وأبي علي الطبري.
.
والثاني: أنه لا يحل.
فأما إذا اتفق ما استطابه قوم من العرب، واستخبثه قوم، فإنه يرجع فيه إلى الأشبه، فإن استويا في الشبه، ففيه وجهان من اختلاف أصحابنا في الأشياء قبل الشرع، هل هي على الحظر أم على الإِباحة؟
(قال الشيخ الإِمام فخر الإِسلام رحمه اللَّه) 646: وعندي أن هذا بناء فاسد، وينبغي أن يحرم.
وأما حيوان الماء، فالسمك 647 منه حلال، والضفدع 648 حرام.
الجزء: 3 - الصفحة: 409
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: وكذلك النسناس، لأنه يشبه الآدمي.
قال الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه: والسرطان مثله، وفيما سوى ذلك وجهان:
أحدهما: يحل.
والثاني: أن ما أكل مثله في البر، حل، وما لا يحل مثله في البر، لا يحل.
ومن أصحابنا من قال: لا يحل من حيوان الماء إلّا السمك، وما كان من جنسه، وهو قول أبي حنيفة.
- فإن قلنا: أنه يحل جميعه، فإنه يحل إذا أخرجه إلى البر وإن بقي اليوم واليومين، فإن شاء تركه حتى يموت، وإن شاء استعجل قتله، ومن قال: يحل (ما كان يحل) 649 مثله في البر، اعتبر فيه الذكاة.
وقال أحمد في إحدى الروايتين عنه: أنه لا يحل ما عدا السمك إلّا بذكاة.
ومن قال: يحل السمك، فسواء مات بسبب، أو بغير سبب، فإنه يحل، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا مات بسبب (حل) 650، وإن مات بغير = "مختصر سنن أبي داود" 8/ 115، ولو حل أكله لم ينه عن قتله، "المهذب" مع "المجموع" 9/ 29.
الجزء: 3 - الصفحة: 410
سبب، لم يحل، وإن مات بسبب حر الماء أو برده، فقد اختلفت الرواية عنه.
ويحل الجراد، ولا فرق بين أن يموت بسبب، وبين أن يموت (من غير سبب) 651.
وقال مالك: لا يحل إلّا إذا مات بسبب، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
وحكى أصحابنا عن مالك: أنه يعتبر قطف رأسه، فإن أخذ السمك الصغار، فبلغه حيًا.
فقد قال ابن القاص: يحل.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يحل، لأنه تهذيب له، وكذا قال: لا يحل طبخه قبل موته.
فأما إذا ضرب سمكة فانقطع منها قطعة وأفلت باقيها حيًا، هل يحل (أكل) 652 هذه القطعة؟ فيه وجهان ذكرهما أبو علي بن أبي هريرة.
أظهرهما: أنه يحل.
وإن وجد سمكة في جوف سمكة وانفصلت الداخلة (وقد) 653 تغير لحمها، ففي إباحة أكلها وجهان:
فأما السمك الصغار الهاربي الذي يقلى من غير أن يشق جوفه،
الجزء: 3 - الصفحة: 411
فقد قال أصحابنا: لا يجوز أكله، لأن (رجيعه) 654 نجس.
قال الشيخ أبو نصر: غير أن يشق إخراجه.
الجزء: 3 - الصفحة: 412
فصل
ومن اضطر إلى أكل الميتة، أو لحم الخنزير، جاز له أكله 655، وهل يجب عليه أكله؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يجب 656، وهل يجوز أن يشبع منها؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز 657، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني.
والقول الثاني: أنه يجوز 658، أن يشبع وهو قول مالك وإحدى الروايتين عن أحمد.
الجزء: 3 - الصفحة: 413
(وإن) 659 اضطر إلى طعام غيره، وصاحبه غير مضطر إليه، وجب عليه (بذله له) 660 فإن طلب منه أكثر من ثمن مثله 661 وامتنع من بذله له، فاشتراه منه بذلك، فهل يلزمه الزيادة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه.
والثاني: لا يلزمه.
واختار أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي تفصيلًا خلاف الوجهين.
فقال: ينظر، فإن كانت الزيادة لا تشق عليه ليساره، فهو في بذلها غير مكره فيلزمه، وإن كانت شاقة عليه لإِعساره، فهو مكره في بذلها، فلا تلزمه.
(قال الإِمام أبو بكر) 662: وهذا عندي خلاف القياس، ولا وجه للتفرقة بين الموسر، والمعسر في الزيادة، فإن الموسر لا يلزمه قبول الزيادة ويجوز له الانتقال إلى أكل الميتة، ولا يلزم صاحب الطعام بذله من غير ثمن، إما في ذمته إن رضي بذمته أو (بمال) 663 في يده إذا كان في يده مال.
وحكي عن بعض الناس أنه قال: يلزمه بذله من غير ثمن، وحكاه
الجزء: 3 - الصفحة: 414
في "الحاوي" عن بعض أصحابنا، فإن امتنع من بذله، كان له (مكابرته) 664 على أخذه وقتاله، (قدر ما يكاثره) 665 عليه قولان:
فإن وجد ميتة وطعام الغير وصاحبه غائب، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يأكل طعام الغير (ويضمن) 666 قيمته.
والثاني: أنه يأكل الميتة، وبه قال أحمد.
وإن وجد ميتة (وصيدًا) 667، وهو محرم، ففيه طريقان:
أظهرهما: أنا إذا قلنا: إنه إذا ذبح الصيد، صار ميتة، أكل الميتة، وإن قلنا: لا يصير ميتة، ذبح الصيد وأكله.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: لا يصير ميتة، ففيه قولان.
وإن وجد المحرم صيدًا، (وطعام) 668 الغير، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يأكل الصيد.
والثاني: يأكل طعام الغير.
والثالث: يتخير بينهما.
وإن اضطر ولم يجد ما يأكله، فهل يجوز أن يقطع من بدن نفسه ويأكله؟ فيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 415
قال (أبو) 669 إسحاق: يجوز 670.
والثاني: لا يجوز 671.
فإن اضطر إلى شرب الخمر، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا يجوز (شربها) 672.
والثاني: يجوز وهو قول أبي حنيفة.
والثالث: أنه لا يجوز شربها للعطش 673، ويجوز شربها للدواء.
وقيل: بالعكس من ذلك.
فإن وجد آدميًا ميتًا، جاز له أن يأكل منه.
وقال أحمد: لا يأكل منه وحكي ذلك عن داود.
ولا يجوز استعمال الخنزير في غرز ولا غيره، ومتى أصاب شيئًا رطبًا نجسه.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز استعماله في الخرز.
الجزء: 3 - الصفحة: 416
إذا وقعت نجاسة في دهن جامد، ألقيت وما حولها 674، وإن كان مائعًا، نجس جميعه، ولا يجوز أكله ولا بيعه، ويجوز الاستصباح به.
وقال قوم من أصحاب الحديث: لا يجوز الاستصباح به.
وقال داود: إن كان (سمنًا) 675 فذلك حكمه، وإن كان غيره، لم ينجس.
وذكر في "الحاوي": إذا وجد المضطر ميتة مأكول اللحم، وغير مأكول، أو ميتة حيوان طاهر في حال حياته، (وميتة) 676 حيوان نجس، ففيه وجهان:
أظهرهما: أنه يتخير بينهما.
والثاني: يأكل ميتة المأكول (الطاهر) 677، وليس بشيء.
وإن مر ببستان غيره، وهو غير مضطر، لم يجز أن يأكل من ثمره شيئًا بغير إذنه.
وقال أحمد: إذا مر ببستان فيه ثمرة رطبة غير محوّطة، جاز له أن يأكل منه في إحدى 678 الروايتين، وأما السواقط تحت الأشجار من الثمار إذا لم تكن (محوزة) 679. وجرت عادة أهلها (بإباحتها) 680، فهل
الجزء: 3 - الصفحة: 417
تجري العادة في ذلك مجرى الإِذن؟ حكى في "الحاوي" وجهين:
أحدهما: أن العادة تجري فيه مجرى الإِذن، فيجوز له الأكل.
فإن استضاف مسلم بمسلم، لم يكن (به) 681 ضرورة، لم يجب عليه (إضافته) 682، وإنما يستحب.
وقال أحمد: يجب 683.
ولا يحرم كسب الحجام، ويكره للحر أن يكتسب بالصنائع الدنيئة، ولا يكره للعبد.
وحكي عن بعض أصحاب الحديث: أنه حرام على الأحرار، واختلف أصحابنا في علة كراهة كسب الحجام 684.
فقيل: لأجل مباشرة النجاسة، فعلى هذا يكره كسب الكناس،
الجزء: 3 - الصفحة: 418
والزبال، والقصاب، واختلف قول هذا القائل في (الفصاد) 685 على وجهين:
أحدهما: أنه من جملتهم 686.
والثاني: هو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يكره، لاقترانه بعلم الطب فأما الختان فمكروه كالحجام.
والوجه الثاني: أن كراهة (التكسب) 687 بالحجامة لدنائتها، وهو مذهب الشافعي رحمه اللَّه، فعلى هذا يكره (كسب) 688 الدبّاغ،689690691
الجزء: 3 - الصفحة: 419
والحلّاق، والقيّم، واختلف في الحمامي على وجهين، وحكي في كراهة ذلك للعبيد وجهين، ذكر ذلك في "الحاوي" والصحيح ما قدمناه.
واختلف في أطيب المكاسب.
فقيل: الزراعة 692.
وقيل: الصناعة 693.
وقيل: التجارة، وهي أظهرها على مذهب الشافعي (رحمة اللَّه عليه) 694.
الجزء: 3 - الصفحة: 420
باب الصيد والذبائح
لا تحل ذبيحة غير أهل الكتاب، وهم اليهود، والنصارى من الكفار 695.
وقال أبو حنيفة: تحل ذبيحة نصارى العرب.
فأما إذا كان ولد كتابي من مجوسية، أو وثنية، ففي ذبيحته قولان:
أحدهما: لا يحل كما لو كان الأب مجوسيًا.
والثاني: يحل، وهو قول أبي حنيفة، وكذا لو كان الأب مجوسيًا، والأم كتابية، حل عنده، وتصح ذكاة الصبي 696، والمجنون في أظهر القولين، وكذا السكران.
الجزء: 3 - الصفحة: 421
وذكر في "الحاوي": أن في النصارى، واليهود من بني إسرائيل من لا يعتقد أن العزيز والمسيح ابن اللَّه، فتحل ذبيحته، ومن اعتقد منهم أن العزيز ابن اللَّه، والمسيح ابن اللَّه (لا تحل) 697 ذبيحته في أحد الوجهين.
ولا يحل الذبح بالسن والظفر 698.
وقال أبو حنيفة: تصح بهما إذا كانا منفصلين.
ويستحب أن يسمي اللَّه عز وجل على الذبح 699، وإرسال الجارحة على الصيد، فإن ترك التسمية، لم يحرم، وبه قال مالك 700.
الجزء: 3 - الصفحة: 422
وقال أبو ثور وداود: التسمية شرط في الإِباحة بكل حال.
وقال أبو حنيفة: هي شرط في حال الذكر.
وعن أحمد: ثلاث روايات، رواية مثل قول داود، ورواية مثل قول أبي حنيفة: ورواية: أن يسمي في إرسال الجارحة على الصيد، ولا يلزمه في إرسال السهم.
(وأما الذكاة، فلا يشترط فيها التسمية في حال النسيان، وفي حال العمد روايتان.
والمستحب: أن يقطع الحلقوم، والمريء، والودجين.
(فالحلقوم) 701: مجرى النفس في مقدم الرئة.
والمريء: مجرى الطعام، والشراب، وبهما تبقى الحياة.
والودجان: عرقان في جانبي العنق من مقدمه (لا تفوت الحياة بفوتهما، وقد يسلان من الحيوان، فيبقى) 702 ويقال لهما: الوريدان: ولا يعتبر قطعهما في الذكاة.
وقال أبو حنيفة: يعتبر قطع الأكثر من كل واحد منهما.
وقال أبو يوسف: لا يحل حتى يقطع أكثرها عددًا، ثلاثة من أربعة.
وحكي في "الحاوي" عن مالك أنه قال: لا يحل حتى يقطع جميع هذه الأربعة.
وحكي عن سعيد بن المسيب: أنه يحرم إذا فعل ذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 423
فإن قطع الحلقوم وأكثر المريء، فهل تحصل الذكاة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يحل.
والثاني: يحل.
فإن ذبحه من قفاه، وبقي فيه حياة مستقرة عند قطع الحلقوم، ويعلم ذلك بالحركة القوية حل، وإن بقي فيه حركة مذبوح، لم يحل.
وحكي عن مالك وأحمد أنهما قالا: لا يحل بحال.
وتنحر الإِبل معقولة 703، ويذبح البقر، والغنم مضطجعة 704، فإن ذبح الإِبل ونحر البقر، كره وحل.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يجوز ذبح الجمل، فإن ذبحه لم يحل.
الجزء: 3 - الصفحة: 424
فصل
ويجوز الصيد بالجوارح المعلمة كالكلب، والفهد، والبازي، والصقر 705 وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وقال الحسن البصري وأحمد: لا يجوز الاصطياد بالكلب الأسود (البهيم) 706.
وحكى عن مجاهد، وابن عمر: أنه لا يجوز الاصطياد إلّا بالكلب.
والمعلم: هو الذي إذا أرسله على الصيد، طلبه، وإذا زجره، انزجر، وإذا أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد، أمسكه عليه، وخلّى بينه وبينه، فإذا تكرر ذلك منه مرة بعد مرة، صار معلمًا ولم يقدر أصحابنا عدد المرات، وإنما اعتبروا العرف.
الجزء: 3 - الصفحة: 425
وقال أبو حنيفة وأحمد: إذا تكرر ذلك مرتين، صار معلمًا.
وقال الحسن (البصري) 707: يصير بالمرة الواحدة معلمًا.
فإن أرسل مسلم كلبه على صيد، وأرسل مجوسي كلبه أيضًا عليه، فرد كلب المجوسي الصيد على كلب المسلم، فعقره كلب المسلم وقتله، حل أكله، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يحل.
فإن عقر الصيد ولم يقتله، فأدركه وفيه حياة مستقرة، غير أنه مات قبل أن يتسع الزمان لذكاته، فإنه يحل.
وقال أبو حنيفة: لا يحل.
فإن قتل الجارحة المعلمة الصيد بثقله من غير جرح، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يحل، وروي ذلك عن أبي حنيفة، (رواه) 708 الحسن ابن زياد.
والقول الثاني: لا يحل وهو رواية أبي يوسف ومحمد عن أبي حنيفة، وقول أحمد واختيار المزني رحمه اللَّه.
إذا أرسل مسلم كلب مجوسي على صيد (فقتله، حل، وإن أرسا مجوسي كلب مسلم على صيد) 709، لم يحل.
وحكي في "الحاوي" عن ابن جرير الطبري: أن الاعتبار (بمالك) 710 الكلب دون مرسله.
الجزء: 3 - الصفحة: 426
فإن قتل الكلب المعلم الصيد وأكل منه، ففيه قولان:
أحدهما: يحل وبه قال مالك 711.
والثاني: لا يحل، وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد 712.
وقال أبو حنيفة: لا يؤكل مما أكل منه، ولا مما صاده قبل ذلك (مما) 713 لم يأكل منه.
وأما جارحة الطير إذا أكلت فهو كالكلب وغيره.
وقال المزني: لا يحرم ما أكل (منه) 714 جوارح الطير، وهو قود أبي حنيفة.
وقال أبو علي في "الإِفصاح": إذا قلنا: يحرم ما أكل الكلب منه، ففيما أكل البازي، والصقر وجهان:
فإن حسا الجارح دم الصيد ولم يأكل منه شيئًا لم يحرم أكله قولًا واحدًا 715. وحكى ابن المنذر عن النخعي والثوري: أنهما كرها أكله لذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 427
وإن رمى سهمًا إلى صيد (فأثبته وفاته) 716 ذكاته مع مبادرته، حل له أكله، واختلف أصحابنا فيما يعتبر في مبادرته إليه (على وجهين) 717.
أحدهما: أنه يعتبر في المبادرة (المشي) 718 على المألوف.
والثاني: أنه يعتبر فيه السعي المعتاد (لطلب) 719 الصيد.
إذا أدخل الكلب ظفره، أو نابه في الصيد، نجس، وهل يجب غسله؟ فيه وجهان.
أحدهما: يجب.
والثاني: لا يجب.
ويجوز الصيد بالرمي 720، فإن رمى سهما فازدلف وأصاب الصيد وقتله، فهل يحل أكله، فيه وجهان بناء على القولين فيمن رمى إلى الفرض في المسابقة، فوقع السهم دون الفرض، فازدلف وبلغ الفرض.
فإن رمى صيدًا أو أرسل عليه كلبًا، فعقره وغاب عنه، ثم وجده
الجزء: 3 - الصفحة: 428
ميتًا، العقر مما يجوز أن يموت منه، ويجوز أن لا يموت، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: لا يحل إلّا أن يكون (خبر، فلا رأي) 721.
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان 722.
ومنهم من قال: يؤكل قولًا واحدًا، فإنه قد صح الخبر فيه.
وقال أبو حنيفة: إن اتبعه عقيب الرمي، فوجده ميتًا، حل، وإن أخر اتباعه، لم يحل.
وحكي عن مالك أنه قال: إن وجده في يومه، حل أكله، وإن وجده بعد يومه، لم يحل.
فإن أرسل كلبًا على صيد في جهة أخرى فأصاب صيدًا غيره ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يحل، وهو قول أبي إسحاق.
والثاني: يحل.
قال أقضى القضاة (أبو الحسن) 723 الماوردي: وأصح من هذين الوجهين عندي، أن يراعى مخرج الكلب عند إرساله، فإن خرج (وعاد
الجزء: 3 - الصفحة: 429
لا عن) 724 جهة إرساله إلى غيرها، لم يؤكل صيده فيها، وإن خرج في جهة إرساله خلف صيد، فعدل إلى غيرها فأخذ صيدًا، حل، وهذا يدل على فراهته.
(قال الإِمام أبو بكر) 725 وهذا ليس (بجيد) 726 فإن عدوله عند إرساله إن كان طلب صيد فسنح له فلا فرق بين أن يكون في جهة إرساله، وبين أن يكون في غيرها عند ابتداء إرساله، وإن كان عدوله لغير صيد، فهذا يخرج عن كونه معلمًا، لأن من صفة شرط التعليم أن يطلب الصيد إذا أرسله، فإذا عدل عن الصيد إلى غير صيد، دل على عدم التعليم.
فإن (رمى) 727 سهمًا في (الهواء) 728 وهو لا يرى صيدًا، فأصاب صيدا، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحل, وهو قول أبي إسحاق.
والثاني: لا يحل.
فإن رأى صيدًا، فظنه حجرًا، أو حيوانًا غير الصيد، فرماه، فقتله، حل أكله، وإن أرسل عليه (كلبًا) 729، فقتله، ففيه وجهان.
أحدهما: يحل.
الجزء: 3 - الصفحة: 430
وحكى أبو علي بن أبي هريرة عن بعض أصحابنا: أنه إذا أخطأ في قطع حلق شاة، لم تؤكل، وقد نص الشافعي رحمه اللَّه على إباحة أكلها، وهذ أقيس وأصح، لأن ذكاة الصبي والمجنون، تصح ولا قصد لهما.
فإن رمى سهمًا إلى الهواء، فسقط من علوه على صيد فقتله، حل (أكله) 730 في أحد الوجهين.
وفي الثاني: لا يحل وكذا (إن) 731 كان في يده سكين (فسقطت) 732 على حلق شاة فذبحتها، كان على (وجهين) 733 ذكره ذلك في "الحاوي".
فإن رمى صيدًا يمتنع بالجناح والرجل كالقبج، والقطا، فأصاب رجله، ورماه آخر فأصاب جناحه، ففيه وجهان.
أصحهما: أنه يكون للثاني 734.
والثاني: (أنه) 735 بينهما 736.
وحكى في "الحاوي" وجهًا آخر: أنه يكون من كسر الجناح، تقدم أو تأخر.
الجزء: 3 - الصفحة: 431
فإن نصب أحبولة 737، فوقع فيها صيد، ومات, لم يحل، كان فيها سلاح أو لم يكن.
وحكي في "الحاوي" عن أبي حنيفة: (أنه) 738 إذا كان فيها سلاح، فقتله بحده، حل.
فإن رمى اثنان صيدًا، أحدهما بعد الآخر، ولم يعلم بإصابته، أيهما زال امتناعه، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه في المختصر: يؤكل ويكون بينهما، فحمله أبو إسحاق على (ظاهره) 739.
ومن أصحابنا من قال: لا يحل.
وذكر في "الحاوي" أنه إذا كانت إصابة أحدهما موجية 740، وإصابة الآخر غير موجية، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحل ويكون بينهما.
والثاني: أنه للموجي خاصة، وهذا وجه لا معنى له.
فإن شك في الأول، هل أثبته أم لا ووجأه الثاني في غير محل الذكاة، فقد حكى في "الحاوي": في إباحته وجهين:
أصحهما: أنه يحل.
والثاني: (لا يحل) 741 وليس بشيء.
الجزء: 3 - الصفحة: 432
فإن رمى صيدًا، فأزال امتناعه، فقد ملك، فإن رماه آخر ولم يوجبه، وبقي مجروحًا ومات، فإن لم يكن قد تمكن من ذبحه، وجب عليه قيمته مجروحًا، وإن كان قد تمكن (من) 742 ذبحه، فلم يذبحه حتى مات، حرم أكله 743.
واختلف أصحابنا فيما يجب من ضمانه.
فقال أبو سعيد الاصطخري: يجب على الثاني كمال قيمته للأول بعد جراحته.
والمذهب: أنه يجب عليه (كمال قيمته، وإنما يجب عليه) 744 ما يخص جنايته من القيمة، ويقسط القيمة على الجنايتين.
وحكي في "الحاوي" عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه ينظر في الصيد، فإن حصل في يد صاحبه حيًا، فعلى الثاني قسط قيمته، وإن لم يحصل في يد صاحبه إلّا ميتًا، فعلى الثاني جميع قيمته.
وحكى أيضًا وجهًا آخر: وذكر أنه عنده الأظهر، أنه إن مضى من الزمان بين الجراحتين قدر ما يدركه صاحبه، فعلى الثاني قسطه من القيمة، وإن لم يكن بين الجراحتين (زمان) 745 يمكن فيه إدراكه، فعلى الثاني جميع القيمة.
وفرض أصحابنا المسألة: في جنايتين مضمونتين، ليعرف ما يجب على كل واحد منهما، فيحط عن الأول قسطه، فيقال: صيد مملوك
الجزء: 3 - الصفحة: 433
يساوي عشرة، جرحه رجل، فنقص من قيمته درهم، وجرحه آخر، فنقص من قيمته أيضًا درهم، ومات المعيد من سراية الجنايتين، فاختلف أصحابنا فيه على ستة طرق:
أصحهما: أن أرش جناية كل واحد منهما يدخل في جنايته، فيضم قيمة المعيد عند جناية الأول إلى قيمته عند جناية الثاني، فتكون تسعة 746، ثم يقسم قيمة المعيد وهو عشرة على تسعة عشر، فما يقابل عشرة، يجب على الأول، وما يقابل تسعة، يجب على الثاني، هذه طريقة أبي علي بن خيران 747.
والثاني: وهو قول المزني رحمه اللَّه: أنه (يجب) 748 على كل واحد منهما أرش جنايته، ثم يجب عليهما قيمته بعد الجنايتين، فيجب على كل واحد منهما خمسة.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق: أنه يجب على كل واحد منهما نصف أرش جنايته ونصف قيمة يوم جنى عليه، فيجب على الأول خمسة دراهم ونصف، وعلى الثاني خمسة، ثم يرجع الأول على الثاني بنصف درهم، وحكى في "الحاوي" وجهين: في صفة حمل الثاني عن الأول:
أحدهما: أنه يكون في ضمان الأول حتى يؤخذ من الثاني،
الجزء: 3 - الصفحة: 434
والثاني أنه يسقط عن الأول نصف درهم بضمان الثاني كما يسقط عنه نصف القيمة بضمان الثاني له.
والرابع: وهو قول أبي الطيب بن سلمة: أنه يجب على كل واحد منهما نصف قيمته حال جنايته، ونصف أرش جنايته كما قال أبو إسحاق، غير أنه لم (يثبت) 749 للأول الرجوع على الثاني بشيء، وإنما (جميع) 750 ما يجبء (عليهما) 751، وهو عشرة ونصف، فقسم العشرة التي هي قيمة (الصيد) 752 عليه، فما يخص خمسة ونصف، يكون على الأول، وما يخص خمسه، يكون على الثاني.
والخامس: أنه يجب على الأول أرش جنايته، ثم تجب بعد ذلك قيمته بينهما نصفين، ولا تجب على الثاني أرش جنايته.
والسادس: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أن الأرش يدخل في قيمة الصيد، فيجب على الأول نصف قيمته حال جنايته، وعلى الثاني نصف قيمته حال جنايته، فيذهب نصف درهم من قيمة الصيد (كله) 753.
فإن توحش أنسي، بأن ندّ بعير، فلم يقدر عليه، فذكاته حيث قدر عليه 754 منه كذكاة الوحشي، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، والثوري.
الجزء: 3 - الصفحة: 435
وقال سعيد بن المسيب، ومالك، وربيعة: ذكاته في الحلق واللبة، وعلى هذا: لو تردى بعير في بئر أو (وهدة) 755، فلم يمكن ذكاته في مذبحه، فعقره حيث أمكنه، ذكاه خلافًا لمالك.
فإن أرسل عليه كلب صيد حتى عقره، لم يحل في أصح الوجهين، ذكر (ذلك) 756 في "الحاوي".
وذكر أيضًا: أنه إذا تنازع الراميان للصيد، فادعى أحدهما اجتماعهما على الإِصابة، وادعى الآخر التقدم في الإِصابة، وكان الصيد خارجًا عن يدهما، فالظاهر تساويهما فيه، (فهل) 757 يحكم بالظاهر، أو بموجب الدعوى؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يحكم بالظاهر، فيكون القول قول المدعي للاجتماع على الإِصابة، فيكون بينهما نصفين.
والثاني: (أنه) 758 يحكم بموجب الدعوى، فعلى هذا يكون (للمدعي) 759 المتقدم النصف من غير يمين، والنصف الآخر: يتحالفان فيه ويكون بينهما.
= غنمًا وابلًا، فند منها بعير، فرمي بسهم، فحبسه اللَّه به، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا" رواه البخاري، ومسلم، أنظر "فتح الباري" 12/ 59.
الجزء: 3 - الصفحة: 436
فإن رمى صيدًا فقطعه باثنين، ومات الصيد، هل كل (واحدة) 760 من القطعتين بكل حال، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين.
وقال أبو حنيفة: إن كانتا سواء (حلتا) 761، وكذا إن كانت القطعة التي مع الرأس أقل، وإن كانت القطعة التي مع الرأس أكثر، حلت ولم تحل الأخرى.
فإن استرسل الكلب على الصيد، فزجره صاحبه فوقف، ثم أشلاه فاستشلى وأخذ الصيد، حل أكله.
وإن لم يقف، ولكنه زاد في عدوه وأخذ الصيد وقتله، لم يحل.
قال أبو حنيفة وأحمد: يحل.
وعن مالك: روايتان.
فإن أرسل مسلم كلبًا على صيد، فأغراه مجوسي، فزاد (في) 762 عدوه، وقتل الصيد، (فقد) 763 ذكر الشيخ أبو حامد: أنه يحل، وهو قول أحمد.
وذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أنه لا يحل، وهو قول أبي حنيفة.
فإن رمى طائرًا، فجرحه، فسقط إلى الأرض، فوجده ميتًا، حل، وبه قال أبو حنيفة.
الجزء: 3 - الصفحة: 437
وقال مالك: إن مات قبل سقوطه، حل، وإن مات بعد سقوطه إلى الأرض، لم يحل.
وذكر في طير الماء: إذا رماه، فوقع في الماء، حل في أحد الوجهين، ذكرهما في "الحاوي" 764.
وإن أفلت الصيد من يده، لم يزل ملكه عنه.
وحكي عن أحمد أنه قال: إذا أبعد في البرية، زال ملكه عنه.
فإن كان في ملكه صيد، فخلاه زال ملكه عنه في أحد الوجهين، وفي الثاني لا يزول.
وحكي في "الحاوي": أنه إذا قصد بتخليته التقرب إلى اللَّه تعالى بإرساله، زال ملكه عنه كالعتق، وهل يحل صيده بعد امتناعه؟ فيه وجهان إذا عرف:
أحدهما: وهو قول كثير من البصريين، أنه لا يحل صيده.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، أنه يحل صيده.
وإن لم يقصد بإرساله التقرب إلى اللَّه تعالى، ففي زوال ملكه بالإِرسال وجهان:
أحدهما: يزول ملكه.
والثاني: لا يزول كما لو أرسل بعيره أو فرسه.
الجزء: 3 - الصفحة: 438
فإن اصطاد طائرًا وحشيًا، وجعله في برجه، فطار منه إلى برج غيره، لم يزل ملكه (عنه) 765.
(والثاني: لا يزول كما لو أرسل عنه) 766.
وقال مالك: إن لم يكن قد أنس برجه بطول ملكه، صار ملكًا من انتقل إلى برجه، فإن عاد إلى برج الأول، عاد إلى ملكه.
فإن ذُكّيَ حيوان مأكول، فوجد في جوفه جنين ميت، حل أكله 767.
وقال أبو حنيفة: لا يحل.
فإن خلّص الشاة من فم السبع وقد شق جوفها، وذكيت، ووقع الشك في (حال) 768 الذكاة، هل وجدت في حال إباحتها، أو في حال حظرها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تؤكل.
والثاني: (أنها) 769 لا تحل، لأن الأصل الحظر (واللَّه أعلم) 770.
الجزء: 3 - الصفحة: 439
تم ربع العبادات من المستظهري بحمد اللَّه وعونه، يتلوه إن شاء اللَّه تعالى كتاب البيوع وصلواته على محمد وآله الطاهرين 771.
الجزء: 3 - الصفحة: 440
حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء تأليف سيف الدين أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي القفال حققه وعلق عليه الدكتور ياسين أحمد إبراهيم درادكه الأستاذ المساعد في كلية الشريعة - الجامعة الأردنية الجزء الرابع حقق هذا الجزء اثناء إجازة التفرغ العلمي عام 1984 - 1985 م مكتبة الرسالة الحديثة
الجزء: 4 - الصفحة: 1
الجزء: 4 - الصفحة: 2
حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى 1988 الناشر: مكتبة الرسالة الحديثة تلفون: 639957 - ص. ب: 6600 المملكة الأردنية الهاشمية - عمان
الجزء: 4 - الصفحة: 3
الجزء: 4 - الصفحة: 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تنبيه هام
1 - دراسة حياة مؤلف هذا الكتاب العلمية والعملية، ومكانة الكتاب التشريعية، وفائدة نشره في مقدمة الجزء الأول.
2 - بيَّنت طريقتي في التحقيق في مقدمة الجزء الأول.
3 - وقعت معظم التراجم للأعلام في الجزء الأول, والثاني، والثالث.
4 - وصف تام لنسخ المخطوط في مقدمة الجزء الأول.
الجزء: 4 - الصفحة: 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الجزء: 4 - الصفحة: 6
كتاب البيوع باب الربا - باب بيع المرابحة باب السلم - باب القرض كتاب الرهن كتاب التفليس
الجزء: 4 - الصفحة: 7
الجزء: 4 - الصفحة: 8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (رب يسر وأعن)