لا تصح المضاربة إلا على مال معلوم 1 الصفة
الجزء: 5 - الصفحة: 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فأهل العراق يسمونه مضاربة، مأخوذة من الضرب في الأرض وهو السفر فيها للتجارة قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ سورة 73: 20/ المغني 5: 19.
وشرعًا: أن يعقد على مال يدفعه لغيره يتجر فيه على أن يكون الربح مشتركًا بينهما حسبما يتفقان عليه/ أنظر: فتح المعين بشرح قرة العين بهامش إعانة الطالبين 3: 99 ومغني المحتاج 3: 309، ومجمع الأنهر 2: 321 وتحفة الفقهاء 3: 23، وكشاف القناع 3: 507، والقوانين الفقهية لابن جزيء 272، والبحر الزخار 4: 79، وخزانة الفقه 779 وبداية المجتهد 2: 256.
جواز هذا العقد: قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة، وقال الصنعاني لا خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام/ سبل السلام 3: 77.
وقال ابن حزم: كل أبواب الفقه فيه أصل من الكتاب والسنة حاشا القراض فما وجدنا له أصلًا في السنة لكنه إجماع صحيح، ونقطع بأنه كان في عصره -صلى اللَّه عليه وسلم- وعلم به وأقره/ المحلى لابن حزم 8: 247.
والمضاربة من ناحية القياس لا تجوز، لأنها استئجار بأجر مجهول، بل بأجر معلوم ولعمل مجهول إلا أن القياس تركناه بالكتاب العزيز، والسنة، والإجماع، وضرب من القياس.
الكتاب: قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ سورة المزمل 20، والضارب يضرب في الأرض: يبتغي من فضل اللَّه عز وجل، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ سورة الجمعة 10، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ سورة البقرة: 198.
السنة: فيما روي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: كان سيدنا العباس بن عبد المطلب إذا وقع المال مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرًا أو لا ينزل به واديًا ولا يشتري به دابة ذات كبد رطبة، فإن فعل ذلك ضمن، فبلغ شرطه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأجاز شرطه/ نيل الأوطار للشوكاني 5: =
الجزء: 5 - الصفحة: 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =282، والأصح حديث حكيم بن حزام إلا أنه ليس فيه رفع شرط إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنظر بدائع الصنائع 6: 79 والمبسوط للسرخسي 22: 18.
وروي أن عبد اللَّه وعبيد اللَّه ابنا عمر رضي اللَّه عنهم قدما العراق ونزلا على أبى يوسف رضي اللَّه عنه فقال: لو كان عندي فضل مال لأكرمتكما ولكن عندي مال من مال بيت المال فابتاعا به، فإذا قدمتما المدينة فادفعاه إلى أمير المؤمنين رضي اللَّه عنه ولكما ربحه ففعلا ذلك، فلما قدما على عمر رضي اللَّه عنه أخبراه بذلك فقال: هذا مال المسلمن فربحه للمسلمين، فسكت عبد اللَّه وقال عبيد اللَّه: لا سبيل لك إلى هذا فإن المال لو هلك كنت تضمنًا، قال بعض الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين: اجعلهما بمنزلة المضاربين لهما نصف الربح وللمسلمين نصفه، فاستصوبه عمر رضي اللَّه عنه/ المبسوط 22: 18 والمغني لابن قدامة المقدسي 5: 19.
تقرير النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على جوازه، فقد بعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والناس يتعاقدون المضاربة فلم ينكر عليهم، وذلك تقرير لهم على ذلك، والتقرير أحد وجوه السنة/ بدائع الصنائع 6: 79، والمبسوط 22: 19.
وروي عنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: من عال ثلاث بنات فهو أسير فأعينوه يا عباد اللَّه ضاربوه داينوه.
أما الإجماع: فإنه روي عن جماعة من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم أنهم دفعوا مال اليتيم مضاربة منهم سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي، وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عمر، وعبيد اللَّه بن عمر، وسيدتنا عائشة رضي اللَّه تعالى عنهم، ولم ينقل أنه أنكر عليهم من أقرانهم أحد، ومثله يكون إجماعًا، وقد تعامل الناس من لدن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى يومنا هذا في سائر الأعصار والأمصار ولم ينكر عليهم أحدًا، وإجماع أهل كل عصر حجة.
القياس: وهناك نوع من القياس يدل على الجواز وهو أن الناس يحتاجون إلى هذا العقد، فصاحب المال قد لا يهتدي إلى التصرف المربح، والمهتدي إلى التصرف قد لا يكون له مال، والربح إنما يحصل بهما يعني المال والتصرف فكان في شرع هذا العقد دفع الحاجتين، واللَّه تعالى ما شرع العقود إلا =
الجزء: 5 - الصفحة: 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لمصالح العباد ودفع حوائجهم/ بدائع الصنائع للكاساني 6: 79 والمبسوط 22: 18 - 19.
وقد اتفق الأئمة على جواز المضاربة وهي القراض/ الميزان الكبرى للشعراني 2: 92، وقد رأينا رأي الحنفية أن المضاربة مستثناة من القياس، والمضاربة من العقود التي كانت في الجاهلية فأقرها الإسلام.
ومن المالكية من اعتبر المضاربة مستثناة كابن رشد الحفيد فإنه يقول: وإن هذا مستثني من الإجارة الفاسدة، وإن الرخصة في ذلك إنما هي لموضع الرفق بالناس/ بداية المجتهد 2: 256 وأنظر جواهر الإكليل 2: 171، وبلغة السالك لأقرب المسالك 2: 245.
ويقول ابن جزيء: (والقراض جائز مستثنى من الغرر والإجارة المجهولة/ القوانين الفقهية لابن جزىء 272.
ويقول الشيخ خليل: (ففي التوضيح لا خلاف بين المسلمين في جوازه، وهو مستثنى من الإجارة المجهولة ومن السلف بمنفعة/ جواهر الإكليل 2: 171 وأنظر الدسوقي على الشرح الكبير 3: 518.
رأي الباجي:
وأما القراض فهو جائز لا خلاف في جوازه في الجملة وإن اختلف العلماء في صحة أنواعه ووجه صحته من جهة المعنى، أن كل مال يزكو بالعمل لا يجوز استئجاره للمنفعة المقصودة منه، فإنه يجوز المعاملة عليه ببعض النماء الخارج منه، وذلك أن الدنانير والدراهم لا تزكو إلا بالعمل، وليس كل أحد يستطيع التجارة ويقدر على تنمية ماله ولا يجوز له إجارتها ممن بنميها، فلولا المضاربة لبطلت منفعتها، فلذلك أبيحت المعاملة بها على وجه القراض، لأنه لا يتوصل من مثل هذا النوع من المال إلى الانتفاع به في التنمية إلا على هذا الوجه) المنتقى 5: 151 وهذا تعليل جميل لصحة المضاربة.
رأي ابن تيمية:
فقد ذكر ابن تيمية ردًا على من اعتبر المضاربة على خلاف القياس، بأنهم ظنوا أنها من جنس الإجارة على أساس أن المضاربة الربح فيها غير معلوم، وهذا من غلطهم فإن عقد المضاربة من جنس المشاركة لا من جنس المعاوضة =
الجزء: 5 - الصفحة: 326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الخاصة التي يشترط فيها العلم بالعوضين، والمشاركة جنس غير جنس المعاوضة، والمضاربة ما لا يقصد فيه العمل، بل المقصود المال، فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كما للجاعل والمستأجر قصد في عمل العامل، ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئًا لم يكن له شيء بل المضاربة مشاركة، فالعامل ينفع بدنه، وصاحب المال ينفع ماله، وما قسم اللَّه من الربح كان بينهما على الإشاعة، وإذا شرط شيئًا مقدرًا في المضاربة، لم يجز، لأن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين، فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن هذا عدلًا، بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع، فإنهما يشتركان في المغنم وفي المغرم، فإن حصل ربح اشتركا في المغنم، وإن لم يحصل ربح اشتركا في الحرمان وذهب نفع بدن هذا، وذهب نفع مال هذا/ القياس لابن تيمية 7 - 9. رأي ابن القيم: وقد تابع ابن القيم شيخه في أن المضاربة على وفق القياس فقال: (فإن هذه العقود ويقصد المضاربة والمساقاة والمزارعة - من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، والمشاركات جنس غبر جنس المعاوضات وإن كان فيها ثبوت المعاوضة، وما لا يقصد فيه العمل، بل المقصود فيه المال وهو المضاربة، فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كالمجاعل، والمستأجر له قصد في عمل العامل، ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئًا لم يكن له شيء وإن سمى هذا جعالة بجزء مما يحصل من العمل، كان نزاعًا لفظيًا، بل هذه مشاركة: هذا بنفع ماله، وهذا بنفع بدنه، وما قسم اللَّه من ربح، كان بينهما على الإشاعة، ولهذا لا يجوز أن يختص أحدهما بربح مقدر، لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة ومما يبين غلط هذا القول، أن العامل قد يعمل عشر سنين أو أكثر فلو أعطي أجرة المثل أعطى أضعاف رأس المال وهو في الصحيح لا يستحق إلا جزءًا من الربح إن كان هناك ربح، فكيف يستحق في الفاسدة أضعاف ما يستحقه في الصحيحة؟ ويرى ابن القيم أن المضاربة ليس فيها شيء من الميسر، بل هي من أقوم العدل/ أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية 2: 4 - 7.
الجزء: 5 - الصفحة: 327
والقدر 2 فإن دفع إليه كيسين في كل واحد منهما ألف درهم وقال: قارضتك على أحدهما وأودعتك الآخر، لم يصح القراض في أحد الوجهين 3. وفي الثاني: يصح 4. فإن كان (له) 5 عنده ألف درهم مغصوبة، فقال: قارضتك عليها صح القراض في أصح الوجهين 6. وهل يبرأ من الضمان؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يبرأ 7.
الجزء: 5 - الصفحة: 328
والثاني: لا يبرأ 8. والثالث: أنه إذا تصرف، برىء من الضمان 9. ولا يصح القراض إلا على الأثمان، وهي الدراهم والدنانير، ولا يصح على (ما) 10 سواهما من السبائك، (والنقار) 11 والعروض، وبه قال مالك، وأبو حنيفة 12.
الجزء: 5 - الصفحة: 329
وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: تجوز المضاربة على كل مال، فإن كان ماله مثل، رد مثله، وإن لم يكن له مثل، رد قيمته 13. =6: 82، والوجيز للغزالي 1: 133، والمغني لابن قدامة 5: 13. والذي لم يجز المضاربة في العروض: أحمد وابن سيرين، ويحيى بن أبي كثير والثوري والشافعي وإسحاق، وأبو ثور وأصحاب الرأي والذين منعوا المضاربة بالعروض مالك وابن أبي ليلى، وطاووس، والأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان/ المغني لابن قدامة 5: 13. أما الإمام مالك رحمه اللَّه فقد قال: المضاربة بالعروض تكون على وجهين: الأول: أن يقول صاحب العروض: خذ هذا العرض فبعه فما خرج من ثمنه فاشتر به وبع فهذه مقارضة لا تجوز عند الإمام مالك رحمه اللَّه، لأن صاحب المال قد اشترط فضلًا لنفسه من بيع سلعته وما يكفيه من مؤنتها.
الثاني: أن يقول صاحب السلعة للمضارب: اشتر بهذه السلعة وبع فإذا فرغت من البيع فابتع لي مثل عرضي الذي دفعت اليك، فإن فضل شيء فهو بيني وبينك، وهذا الوجه من المضاربة لا يجوز، وقد علل مالك رحمه اللَّه لهذا الوجه (ولعل صاحب العرض أن يدفعه إلى العامل في زمن هو فيه نافق كثير الثمن ثم يرده العامل حين يرده وقد رخص فيشتريه بثلث ثمنه أو أقل من ذلك فيكون العامل قد ربح نصف ما نقص من ثمن العرض في حصته من الربح، أو يأخذ العرض في زمان ثمنه فيه قليل، فيعمل فيه حتى يكثر المال في يده، ثم يغلو ذلك العرض ويرتفع ثمنه حين يرده فيشتريه بكل ما في يده، فيذهب عمله وعلاجه باطلًا فهذا غرر لا يصلح/ الموطأ بهامش المنتقى 5: 165. أما الباجي فقد استدل على المنع بأن هذا النوع من القراض بأن هذا شرط مستأنف فلم يجز تعليق القراض على أمر مستقبل هو بيع العروض، كما لا يجوز تعليق القراض على هبوب الرياح ونزول المطر واستدل ثانيًا، بأن هذا قراض وإجارة فلم يجز أن يجتمعا في عقد لاختلاف مقتضاهما/ المنتقى 5: 165، وكذلك فإن ما بيع به السلعة مجهول فكأنه إنما قارضه على رأس مال مجهول/ بداية المجتهد 2: 256 - 257.
الجزء: 5 - الصفحة: 330
ولا تصح المضاربة على الفلوس، وبه قال أبو حنيفة (وأبو يوسف) 14.
وقال محمد: يصح استحسانًا 15.
ولا يصح القراض على الدراهم المغشوشة.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن الغش أكثر، صحت المضاربة.
فإن دفع إليه ثوبًا، (وقال له) 16: بعه، فإذا نض ثمنه، فقد قارضتك عليه، لم يصح.
وقال أبو حنيفة: يصح فإذا باعه وقبض ثمنه صار قراضًا.
فإن قال: قارضتك على هذه الألف، على أن يكون الربح بيننا ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يصح 17.
والثاني: أنه لا يصح 18. = يمنع من هذين الشرطين، أما رد رأس المال فلأن من العروض ما لا مثل لها فلم يمكن ردها/ المجموع 14: 194
الجزء: 5 - الصفحة: 331
فإن قال رب المال: قارضتك على أن ثلث الربح لي، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يصح.
(وإن) 19 قال: قارضتك على أن نصف الربح لك (شركة أو شركة لم يصح.
وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: إذا لك شركه صح وكان له النصف) 20 (ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يصح) 21.
فإن قال: قارضتك على أن الربح كله لي، أو كله لك، بطل القراض 22، وكان الربح جميعه لرب المال، وعليه أجرة المثل
الجزء: 5 - الصفحة: 332
للعامل 23، وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه قال: إذا قال: على أن يكون الربح كله لي، يكون بضاعة 24.
وقال مالك: يكون قراضًا صحيحًا، ويكون الربح لمن شرط له 25.
فإن قال: قارضتك ولم يذكر الربح (فهو قراض فاسد) 26.
وحكي عن أبي العباس بن سريج: (أنه قراض) 27 صحيح، ويكون الربح بينهما نصفين، وهذا فاسد.
فإن قال: قارضتك على أن يكون لك في الربح شركة، أو شرك، لم يصح.
وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: إذا قال لك شركة، صح 28، وكان له النصف، وإذا قال: (شرك) 29، لم يصح.
الجزء: 5 - الصفحة: 333
وقال أصحاب مالك: يصح ويكون له مضاربة (المثل) 30.
ولا يجوز تعليق القراض على شرط مستقبل، ولا يجوز إلى مدة معلومة على أن يبيع بعدها ولا يشتري 31.
ومن أصحابنا من قال: أن شرط المدة على أن لا بيع بعدها، لم يصح 32 وإن شرط أن لا يشتري بعدها، صح.
= قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي نصيب، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ أي نصيب، فقد جعل له نصيبًا من الربح، والنصيب مجهول فصار الربح مجهولًا./ بدائع الصنائع 6: 85.
الجزء: 5 - الصفحة: 334
وقال أبو حنيفة: شرط المدة لا يمنع صحة المضاربة، وعلى العامل أن يتولى ما جرت العادة أن يتولاه 33. (فإن) 34 سرق المال، أو غصب، فهل له أن يخاصم 35؟ فيه وجهان: أحدهما: له أن يخاصم، وهو قول أبي العباس 36. والثاني: ليس له، وهو قول الأكثرين 37. = يجوز شرط المدة فيه لأنه عقد معاوضه يجوز مطلقًا فبطل بالتوقيت كالبيع والنكاح، ومنهم من قال: إن عقده إلى مدة على أن لا بيع بعدها لم يصح لأن العامل يستحق البيع لأجل الربح، فإذا شرط المنع منه فقد شرط ما ينافي مقتضاه فلم يصح وإن عقد إلى مدة على أن لا يشتري بعدها صح لأن رب المال يملك المنع من الشراء إذا شاء، فإذا شرط المنع منه فقد شرط ما يملكه بمقتضى العقد فلم يمنع صحته/ المهذب للشيرازي 1: 393.
الجزء: 5 - الصفحة: 335
ولا يجوز للعامل أن يقارض غيره، بغير إذن رب المال 38، (فإن قارضه رب المال) 39 على النصف، وقارض العامل آخر بالنصف، واشتوى الثاني في الذمة (ونقد) 40 الثمن من مال القراض (وربح) 41، بنى على القولين في الغاصب إذا اشترى في الذمة، ونقد فيه المال المغصوب (وربح) 42.
- فإن قلنا: بقوله القديم، إن الربح لرب المال.
فقد قال المزني رحمه اللَّه: هاهنا أن لرب المال نصف الربح، والنصف الآخر بين العاملين نصفين 43. قال أبو إسحاق: بظاهره 44. وقال غيره من أصحابنا: يرجع العامل الثاني على العامل الأول بنصف أجرة مثله. - إن قلنا: بقوله الجديد، في الغاصب.
الجزء: 5 - الصفحة: 336
فقد قال 45 المزني رحمه اللَّه: الربح كله للعامل الأول، وللعامل الثاني أجرة المثل 46. فمن أصحابنا من غلطه في ذلك وقال: الربح كله للعامل الثاني 47. ومنهم: من صوبه فيما قاله، وحمل كلامه على ظاهره 48. فإن أذن له في التجارة في البز، جاز أن يتجر في أصناف البز من المنسوج من القطن، والكتان والابريسم 49، وما يلبس من الأصواف 50، ولا يتجر في البسط، والفرش 51 وهل يجوز أن يتجر في الأكيسة البركانية 52؟ فيه وجهان 53:
الجزء: 5 - الصفحة: 337
فإن اشترى العامل من يعتق على رب المال بإذنه، صح 54، وعتق عليه، وهل يكون ابتياعه داخلًا 55 في عقد القراض؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يكون داخلًا فيه، اختاره صاحب الحاوي، فيكون للعامل أجرة مثله 56 على ابتياعه، (كان) 57 فيه فصل، (أو لم يكن) 58.
والوجه الثاني وهو اختيار الشيخ أبي حامد: أنه داخل في عقد القراض، فيكون للعامل على رب المال بقدر حصته من الربح، إذا كان فيه فضل.
فإن كان رب المال امرأة، فاشترى العامل زوجها بغير إذنها، فهل يصح؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يلزمها 59.
الجزء: 5 - الصفحة: 338
والثاني: يلزمها، وهو قول أبي حنيفة 60.
ولا يسافر بالمال من غير إذن رب المال 61.
وقال مالك: يجوز له السفر به 62، وهو قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف: يجوز أن يسافر به إلى موضع يمكنه الرجوع منه قبل الليل.
وقال محمد بن الحسن: يجوز أن يسافر به إلى موضع لا يلزمه إليه مؤنه.
وإن أذن له في السفر 63.
فقد قال في موضع: له أن ينفق من مال القراض.
وقال في موضع: لا نفقة له.
فمن أصحابنا من قال: لا نفقة له في مال القراض 64.
والثاني: له النفقة فيه، وهو قول المالك 65.
الجزء: 5 - الصفحة: 339
فعلى هذا في قدر النفقة وجهان:
أحدها: أنه يجب فيه جميع نفقته 66.
والثاني: أنه يستحق في مال القراض ما زاد على نفقة الحضر، وهو الأصح 67، وهو قول مالك.
فإن دفع إلى رجل ألف درهم قراضًا وقال: اعمل عليها وربحها لي، ودفع إليه ألفًا أخرى، وقال اعمل عليها وربحها لك 68 لم يصح القراض.
وحكى عن أبي حنيفة وأبي ثور أنهما قالا: يصح ويصير كأنه قال: (نصف) 69 الربح لي ونصفه لك.
فإن قارضه على مال معلوم، ودفع إليه مالًا آخر، يكون بضاعة في يده من غير شرط جاز.
وقال مالك: لا يجوز.
فإن اشترى نسيئه بغير إذن رب المال للمضاربة، وذكر رب المال ففيه وجهان:
أحدها: أن العقد باطل.
الجزء: 5 - الصفحة: 340
والثاني: أنه يلزم (العامل) 70.
فإن ظهر في المال ربح ملك المالك نصيبه من الربح بالظهور على أظهر القولين 71 وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني.
والثاني: أنه لا يملك (إلا بالمفاصلة) 72، والقسمة وهو قول مالك.
فإن اشترى العامل من يعتق عليه، ولم يكن في المال ربح (صح الشراء بالمضاربة) 73 فإن ظهر فيه ربح بعد ذلك.
- وقلنا: إنه يملك حصته بالظهور، فهل يعتق عليه حصته؟ فيه وجهان 74. وإن كان في المال ربح، فاشترى من يعتق عليه.
- فإن قلنا: إنه يعتق حصته، لم يصح الشراء 75.
الجزء: 5 - الصفحة: 341
- وإن قلنا: لا يعتق عليه، صح 76.
فإن دفع إليه ألفًا مضاربة، فاشترى عبدًا في الذمة للمضاربة، فتلفت الألف قبل أن ينقدها 77 في الثمن، انفسخ القراض 78، وفي الثمن وجهان:
أحدهما: أنه على رب المال 79.
والثاني: أنه على العامل 80.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: واختلف أصحابنا في هذه المسألة على طريقين.
فمنهم من قال: إنما أراد الشافعي رحمه اللَّه، إذا كانت الألف قد تلفت قبل الشراء، فأما إذا تلفت بعد الشراء، فالسلعة لرب المال، وعليه ثمنها.
واختلف هؤلاء في رأس مال القراض.
فمنهم من قال: الألف الأولى والثانية، (يكونان) 81 رأس المال.
ومنهم من قال: الثانية هي رأس المال.
ومنهم من قال: الشراء يقع للعامل، سواء تلفت الألف قبل الشراء، أو بعده، وحمل كلام الشافعي رحمه اللَّه على عمومه.
الجزء: 5 - الصفحة: 342
وحكي عن أبي حنيفة، ومحمد أنهما قالا: يكون الشراء لرب المال، ويدفع ألفا أخرى تكون (مضافة) 82 إلى الأوله (يكونان) 83 رأس المال 84. وحكى أصحابنا عن مالك أنه قال: رب المال بالخيار، بين أن يدفع ألفًا أخرى، تكون هي رأس المال، دون الأوله، وإن لم يدفع، يكون للعامل 85. فإن دفع إليه ألفين، فاشترى بهما عبدين، ثم تلف أحدهما ففيه وجهان: أحدهما: أنه (يتلف) 86 من رأس المال، وينفسخ فيه القراض 87. والثاني: أنه (يتلف) 88 من الربح 89.
الجزء: 5 - الصفحة: 343
فإن قارضه رجلان على مالين، فاشترى لكل واحد منهما جارية، ثم (اشكلتا) 90 عليه ففيه قولان: أحدهما: أنهما (تباعان) 91، فإن حصل فيهما خسران، ضمنه العامل 92. والثاني: أن الجاريتين للعامل، وعليه قيمتهما 93. فإن قارضه على أن لا يشتري إلا من فلان 94، لم يصح القراض، ولا يصح حتى يعلقه على صنف تعم التجارة فيه في (الموضع) 95. وحكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه عن الماسرجسي أنه قال: إذا كان هناك بيع تجلب إليه الأمتعة ولا ينقطع عنه في العادة، جاز أن يعينه وبقولنا: قال مالك 96.
الجزء: 5 - الصفحة: 344
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يعين رجلًا يشتري منه، أو سلعة بعينها 97.
فإن شرط أن لا يشتري إلا نوعًا عينه، وذلك النوع يوجد في بعض السنة دون بعض جاز 98.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز.
(والأول) 99: أصح وهو قول أبي إسحاق.
فإن أذن له أن لا يتصرف في الطعام لم يتجر إلا في الحنطة ولا يتجر في الدقيق.
وقال محمد بن الحسن: يجوز أن يتجر في الدقيق.
فإن أذن له أن يتجر في الثمار مع وجودها، صح فإن انقطعت، فهل يبطل القراض؟ فيه وجهان:
فإن فسخ عقد المضاربة، والمال (متاع) 100 وطلب العامل البيع، وامتنع رب المال 101.
الجزء: 5 - الصفحة: 345
وقال: أنا أعطيك حقك من الربح، وامتنع العامل 102، وقلنا: إنه لا يملك حصته بالظهور، ففيه وجهان (بناء على القولين في العبد الجاني، إذا امتنع المولى من بيعه، وضمن للمجني عليه (قيمته) 103. أحدهما: أنه لا يجبر على بيعه 104. والثاني: (أنه يجبر) 105. وإن قال العامل: أنا قد تركت نصيبي من الربح، ولا أريد البيع، وقال رب المال لا بد من البيع.
- وقلنا: إن العامل لا يملك نصيبه بالظهور، ففيه وجهان 106: أحدهما: أنه لا يجبر على بيعه 107. والثاني: أنه يجبر 108.
الجزء: 5 - الصفحة: 346
فإن تراضيا على أن يتحاسبا، والمال غائب ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز.
(فإن) 109 كان المال قد صار دينًا، فعلى العامل أن (يقتضيه) 110 وقال أبو حنيفة: إن كان في المال ربح، فعليه أن يقضيه 111 وإن لم يكن فيه ربح فليس عليه ذلك.
فإن مات رب المال 112، أو جن، وأراد الوارث، أو الولي أن يعقد
الجزء: 5 - الصفحة: 347
القراض على (رب) 113 المال وهو عروض، لم يجز ذلك في أصح الوجهين 114.
والثاني: يجوز وهو قول أبي إسحاق 115.
فإن فسد القراض 116، فهل يجب للعامل أجرة المثل، إذا كان قد = بحصته من ربحه، ويختص بما يحصل من فضله ومضاربته فيما يبقى من الربح مع رأس المال بما شرط له من ربحه.
وإن كان الورثة جاهلين بقدر المال عند إذنهم له بالقرض ففيه وجهان مخرجان من وجهين: أحدهما: أن القراض باطل، لأنه معقود بمال مجهول.
والثاني: أن القراض صحيح لأنه مبتدأ لعقد صحيح فإن كان مال القراض عند موت ربه عرضا فقد قال الماوردي: للعامل بيعه من غير استئذان الورثة، ولا يجوز أن يشتري بثمنه شيئًا من غير إذن الورثة لأن البيع من حقوق العقد الماضي، وليس الشراء من حقوقه إلا بعقد مستأنف، فإن أذن له الورثة في المقام على قراض أبيهم - فإن كان بعد بيعه للعرض فقد صار الثمن ناضًا -أي نقودًا- فيكون كأذنهم له بالقراض والمال ناض.
وإن كان قبل بيع العرض، ففي جواز القراض وجهان خرج منهما الوجهان المذكوران أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أن القراض باطل لأن عقده بالقراض باطل.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي إن القراض جائز، لأنه استصحاب العقد جائز/ المجموع 14: 221 - 222.
الجزء: 5 - الصفحة: 348
رضي بغير أجرة، بأن يكون قد شرط، أن الربح كله لرب المال، (ففيه) 117 وجهان:
أحدهما: أنه لا يستحق الأجرة، وهو قول المزني 118.
والثاني: أنه يستحق، وهو قول أبي العباس بن سريج 119.
وحكى أصحابنا عن مالك: أنه إن كان في المال ربح، استحق الأجرة وإن لم يكن فيه ربح لم يستحق 120.
وحكى أصحابه عنه: أن الظاهر (ما روي عنه) 121 أن له ما يقارض به مثله.
فإن كان له عليه دين، فقال له: اقبض مالي عليك من الدين، فعزل الرجل ذلك، فقارضه عليه، لم يصح القراض 122. = لأن الربح يستحقه بالقراض وقد بطل القراض.
فأما أجرة المثل، فإنه ينظر فيه، فإن لم يرض إلا بربح استحق، لأنه لم يرض أن يعمل إلا بعوض فإذا لم يسلم له، رجع إلى أجرة المثل/ المهذب 2: 395.
الجزء: 5 - الصفحة: 349
فإن اشترى (العامل) 123 شيئًا في ذمته (ونقد) 124 ما عزله فيه (وربح) 125 ففيه وجهان: أحدهما: أن ما اشتراه مع الربح لرب المال 126، وللعامل أجرة المثل 127. والثاني: أن الذي اشتراه مع ربحه (له) 128 لا حق لرب المال فيه 129. (ويجوز) 130 أن يقارض الرجل رجلين على مال، ويفاضل بينهما في الربح 131.
الجزء: 5 - الصفحة: 350
وقال مالك: لا يجوز أن يفضل أحدها على الآخر (فيه) 132.
فإن قارض اثنان واحدًا (جاز) 133 وكان بمنزلة العقدين، فإن شرط أحدهما له النصف من الربح، وشرط (الآخر) 134 له الثلث، على أن يكون الباقي من الربح بينهما نصفين، لم يجز 135.
وحكى عن أبي حنيفة رحمه اللَّه، وأبي ثور: أنه يجوز ذلك.
فإن قارضه على أن يكون الربح اثلاثًا ثلاثة له، وثلاثة للعامل، وثلاثة لغلام رب المال يعمل معه.
فمن أصحابنا من قال: لا يصح.
وقال أبو إسحاق وأبو العباس: يصح.
= قال الرافعي: ولم أر أن الأصحاب يساعدونه عليه.
قال في المهمات: والأمر كذلك، وقال البلقيني: ما قاله الإمام الأصحاب يساعدونه عليه، فالوجه القطع به، فإن من شرط القراض الاستقلال بالتصرف، وهنا ليس كذلك، وهذا هو الظاهر/ مغني المحتاج 2: 315.
الجزء: 5 - الصفحة: 351
ولا يجوز للعامل أن يبيع الخمر، ولا أن يشتري الخمر، مسلمًا كان، أو نصرانيًا 136.
وقال أبو حنيفة: إذا كان العامل نصرانيًا، فباع الخمر (أو) 137 اشتراها صح (ذلك) 138.
وقال أبو يوسف ومحمد: يصح منه الشراء، ولا يصح (منه) 139 البيع.
فإن جنى على عبد في مال القراض جناية توجب القصاص، وفي المال ربح، فعفا العامل عن الجاني، فهل يصح ذلك؟ فيه وجهان بناء على أن العامل شريك أو وكيل.
- فإن قيل: إنه شريك نفذ.
= اقتسما نصفه الآخر بينهما أثلاثًا على نسبة ماليهما، فإن شرطا غير ما تقتضيه النسبة فسد العقد لما فيه من شرط الربح لمن ليس بمالك ولا عامل/ مغني المحتاج 2: 315.
الجزء: 5 - الصفحة: 352
- وإن قيل: إنه وكيل لم ينفذ، ذكر (ذلك) 140 في الحاوي.
فإن دفع إليه ألفين وقال: (أضف) 141 إليها أخرى من عندك (يكون) 142 ألفان منها شركة، وألف قد قارضتك عليها بالنصف، جاز.
وقال أصحاب مالك: لا يجوز أن (يضم إلى) 143 مال القرض شركة، ويجوز أن يكون الرجل عاملًا في (المضاربة) 144 لرجل، ثم يضاربه آخر، وقال أحمد: لا يجوز إذا كان فيه ضرر على الأول.
فإن دفع إليه (قراضًا) 145 على أن له نصف ربحها، جاز، وإن قال: ربح نصفها، لم يجز.
وقال أبو ثور: يجوز، وبه قال أبو حنيفة.
فإن قال العامل في المال ربح، ثم رجع وقال: لا ربح فيه، وإنما أقررت بذلك (وكيلًا) 146 ينتزع المال من لدي، ورب المال يعلم ذلك، (فأنكر) 147 رب المال العلم بذلك (فطلب) 148 يمينه، فهل يحلف؟ فيه وجهان:
الجزء: 5 - الصفحة: 353
أحدهما: يحلف، وهو قول أبي العباس، وأبي علي بن خيران.
والثاني: لا يحلف، وهو قول أبي إسحاق.
إذا ادعى العامل رد المال على رب المال، فهل يقبل قوله؟ فيه وجهان 149:
(فإن) 150 اختلف (العامل ورب المال) 151 في قدر (ما شرط) 152 له من الربح، تحالفا 153.
وقال أبو حنيفة: القول قول رب المال.
وإن اختلفا في قدر رأس المال 154، وفي المال ربح، ففيه وجهان:
أحدهما: أن القول قول العامل، كما لو لم يكن فيه ربح.
الجزء: 5 - الصفحة: 354
والثاني: أنهما يتحالفان 155، والأول أصح 156. وعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: أن القول: قول العامل، وهو قول محمد 157. والثانية: أن القول: قول رب المال، وهو قول زفر 158. فإن اشترى عبدًا، فقال رب المال: اشتريته لنفسك، وقال العامل: اشتريته للقراض، فالقول: قول العامل 159.
الجزء: 5 - الصفحة: 355
فإن أقام رب المال بينة، أنه اشتراه بمال القراض 160، سمعت وحكم بها في أحد الوجهين، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة.
والثاني: لا يحكم بها، وهو اختيار القاضي أبو الحسن الماوردي، وذكر: أنه الأصح 161.
الجزء: 5 - الصفحة: 356
باب العبد المأذون
162 إذا رأى السيد عبده يتجر، فسكت عنه، لم يصر مأذونًا له في (التجارة) 163
الجزء: 5 - الصفحة: 357
وقال أبو حنيفة: يصير مأذونًا له في التجارة 164.
فإن اشترى شيئًا في الذمة.
فقد قال أبو إسحاق، وأبو سعيد 165، لا يصح بغير إذن مولاه 166.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يصح 167.
فإن لم يعلم البائع برق العبد، فأراد الفسخ لتأخر حقه، فهل له ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك، ويسترجعه من يد المولى.
والثاني: ليس له ذلك.
ولا يملك التجارة إلا فيما أذن له فيه 168، فإن أذن له في التجارة في نوع، لم يصر (مأذونًا له في غيره) 169.
الجزء: 5 - الصفحة: 358
وقال أبو حنيفة: يصير مأذونًا له في كل نوع 170.
ولا يملك بالإذن في التجارة، إجارة نفسه.
وقال أبو حنيفة: يملك ذلك 171.
ومن أصحابنا من قال: يملك إجارة (ما يشتريه) 172 للتجارة 173.
فإن اشترى من يعتق (على مولاه) 174 بغير إذنه، لم يصح في أصح القولين 175، ويصح في الثاني 176.
فعلى هذا 177 إن لم يكن عليه دين، عتق، وإن كان عليه دين،
الجزء: 5 - الصفحة: 359
ففيه قولان 178.
وإن ملك (المولى) 179 مملوكه مالًا، فهل (يملكه) 180؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يملك، وهو قول مالك 181.
والثاني: لا يملك، وهو قوله الجديد، وهو قول أبي حنيفة 182.
فإن وهب لعبده جارية وسلمها إليه، جاز له وطئها على قوله القديم، ولم يجز في قوله الجديد.
وإن (وجبت) 183 عليه كفارة يمين، كفر بالإطعام، والكسوة على قوله القديم ويكفر بالصوم على قوله الجديد، ولا يكفر بالعتق على القولين جميعًا 184.
الجزء: 5 - الصفحة: 360
وإقرار العبد (بما يوجب) 185 العقود، مقبول، وللمقر له استيفاءه وبه قال أبو حنيفة، ومالك 186.
وقال زفر، والمزني، وداود وابن جرير، ومحمد بن الحسن، لا يقبل إقراره.
وقال أحمد: إقراره فيما دون النفس (يقبل) 187، وفي النفس، لا يقبل.
فإن عفى الولي عن القود (على مال، وقلنا: الواجب أحد أمرين) 188 كان في وجوب الديه وجهان بناء على القولين في (المسروق) 189 إذا أقر العبد بسرقته، هل يقبل قوله في وجوب رده؟ (أحد القولين يتعلق) 190 برقبته:
والثاني: (يتعلق بذمته) 191.
فإن أبق العبد المأذون له في (التجارة) 192 لم يبطل الأذن.
الجزء: 5 - الصفحة: 361
وقال أبو حنيفة: يبطل الأذن 193.
ولا يجوز للمأذون له في التجارة أن (يتخذ) 194 دعوة بغير إذن مولاه، ولا أن يهب شيئًا 195.
وقال أبو حنيفة: يجوز له ذلك.
فإن ركب المأذون له في التجارة ديون، وعجز ما في يده عن قضائها تعلق بذمته، (بيع) 196 بها إذا عتق.
وقال أبو حنيفة: يتعلق برقبته، يباع (فيها) 197.
وقال أحمد: يتعلق بذمة المولى.
الجزء: 5 - الصفحة: 362
باب المساقاة
198 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .199
الجزء: 5 - الصفحة: 363
تجوز المساقاه على الكرم (202)، والنخل، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد.200201 = 2 - عن طاووس: أن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع فهو يعمل به إلى يومك هذا/ أنظر نيل الأوطار للشوكاني 5: 288. والمعنى شاهد ودال عليه، فإن كثيرًا من أهل الشجر يعجزون عن عمارته وسقيه ولا يمكنهم الاستئجار عليه، وكثير من الناس لا شجر لهم ويحتاجون إلى الثمر، ففي تجويز المساقاة، تجويز للحاجتين، وتحصيل لمصلحة الفئتين كالمضاربة بالأثمان.
الجزء: 5 - الصفحة: 364
وقال أبو حنيفة، وزفر: (لا تصح) 203. (وقال داود: تصح 204 المساقاه على غير النخل) 205. وما عدا الكرم، والنخل من الأشجار المثمرة في جواز المساقاه عليها قولان: قال في القديم: يجوز، وبه (قال) 206 مالك، وأبو يوسف، ومحمد 207. وقال في الجديد: لا يجوز 208. = الفسلان وصغار الكرم إلى وقت أن تحمل، لأنه بالعمل عليها تحصل الثمرة كما تحصل بالعمل على النخل والكرم.
الجزء: 5 - الصفحة: 365
فأما المقاثي، والمباطخ، والباذنجان، فلا تجوز المساقاة عليها قولًا واحدًا 209. وحكى عن مالك: جواز المساقاة عليها قبل بدو صلاحها 210: وهل يجوز على ثمره ظاهرة؟ فيه قولان: قال في الأم: يجوز، وهو قول مالك 211. وقال في البويطي: لا يجوز 212. وحكى عن المزني أنه قال: إن كان قبل بدو الصلاح، جاز، وإن كان بعده لم يجز.
الجزء: 5 - الصفحة: 366
وقال أبو ثور: إن احتاجت إلى القيام عليها حتى (تطيب) 213، جاز وإن لم (تحتج) 214، لم يجز.
وقال أبو يوسف: إن كانت تزيد، جاز، وإن لم تزد، لم يجز 215.
قال القاضي أبو الحسن الماوردي: الأصح عندي على مذهب الشافعي رحمه اللَّه، بطلان المساقاة عليها.
ولا تجوز المساقاة إلا على شجرة معلومة 216، فإن ساقاه على حائط لم يره، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين في البيع 217.
والثاني: إنه لا يصح قولًا واحدًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 367
ولا تجوز المساقاة إلا على مدة معلومة توجد فيها الثمر 218.
وحكى بعض أصحاب الحديث، أنها تصح من غير (توقيت) 219.
وقال أبو ثور: إن لم (تقدر) 220 المدة، صحت في سنة واحدة.
فإن قال: عاملتك على الشطر من ثمرها 221.
فقد حكى في الحاوي: وجهين.
أصحهما: أنه يصح.
فإن ساقاه على (النخل) 222 أو (الودي) 223 إلى مدة (تحمل) 224 فيها، لم يصح 225.
الجزء: 5 - الصفحة: 368
فإن (عمل) 226 لم يستحق الأجرة في قول المزني 227، ويستحق في قول أبي العباس 228.
وإن ساقاه إلى مدة (معلومة) 229، قد تحمل فيها، وقد لا تحمل 230 في أحد الوجهين 231.
واختلف قول الشافعي رحمه اللَّه في أكثر مدة الإجارة، والمساقاة.
فقال في موضع: سنة.
وقال في موضع: ما شاء.
وقال في موضع: يجوز إلى ثلاثين سنة.
فمن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال.
الجزء: 5 - الصفحة: 369
أصحها: أنه يجوز (ما تبقى) 232 العين إليه.
والثاني: يجوز سنة 233.
والثالث: إلى ثلاثين سنة 234.
ومنهم من قال: إنها على قولين، وذكر الثلاثين على سبيل التقريب 235 فإن عقد على ستين، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يجب بيان قسط كل واحدة منهما 236.
والثاني: (لا يجب) 237.
ومن أصحابنا من قال: القولان في الإجارة، فأما المساقاة فيجب فيها ذكر قسط كل سنة من الثمرة 238.
فإن ساقاة، عشر سنين، وشرط له نصف ثمرة السنة العاشرة، ففيه وجهان:
الجزء: 5 - الصفحة: 370
أحدهما: يصح.
والثاني: لا يصح، كما لو شرط له ذلك من سنة قبل العاشرة، ذكره في الحاوي.
وهل يثبت فيه خيار المجلس؟ فيه وجهان 239.
وعلى العامل أن يعمل فيه (ما فيه مستزاد) 240 في الثمرة، من التلقيح، وصرف الجريد، وإصلاح الأجاجين، وتنقية السواقي، والسقي، وقطع الحشائش المضرة بالنخل 241.
وذكر في الحاوي: أن النخل الذي يشرب بعروقه كنخل البصرة، (و) 242 في قطع الحشيش المضر، هل يكون من شروطه؟ ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجب على العامل بنفس العقد.
والثاني: أنه على رب المال، وشرطه على العامل، يبطل العقد.
والثالث: أنه يجوز شرطه على العامل، ويجوز على رب المال، (فإن) 243 أطلق العقد لم يجب على واحد منهما.
الجزء: 5 - الصفحة: 371
وعلى صاحب النخل ما فيه حفظ الأصول، من سد الحيطان، ونصب الدولاب وشراء الثيران 244.
فأما الجداد، واللقاط، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يلزم العامل 245.
والثاني: أنه يلزمه 246.
فإن شرط (أن) 247 يعمل مع العامل غلمان رب المال.
فقد نص في المساقاة على أنه يجوز (ذلك) 248.
(فمن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك في المساقاة، ولا في المضاربة) 249.
ومنهم من قال: يجوز فيهما 250.
ومنهم من قال: يجوز المساقاة، دون المضاربة 251.
الجزء: 5 - الصفحة: 372
(فإذا) قلنا 252: يجوز، لم يجز حتى يعرف الغلمان بالرؤية، أو بالوصف.
فأما نفقتهم، فإن شرطت على العامل، جاز 253، وإن لم (تشترط) 254 ففي صحة العقد وجهان:
- فإن قلنا: (إنه) 255 يصح، ففي محل النفقة ثلاثة أوجه: إحدها: أنها على العامل 256. والثاني: أنها على رب المال 257. والثالث: أنها من الثمرة 258. فإذا ظهرت الثمرة، ففي ملكها طريقان: أحدهما: أنهما على القولين في الربح في المضاربة 259. والطريق الثاني: (أنها) 260 في المساقاة تملك بالظهور = فيها عمل غلمانه، وليس في القراض ما يلزم رب المال، فلم يجز شرط غلمانه.
الجزء: 5 - الصفحة: 373
قولًا واحدًا 261. فإن هرب العامل، فعمل رب النخل، أو استأجر من عمل عنه، ولم يقدر على إذن الحاكم واشهد، ففيه وجهان: 262 أحدهما: أنه يرجع 263. والثاني: لا يرجع 264. فإن لم يكن للعامل ما يستأجر به من يعمل مكانه، ولم تكن الثمرة، بحيث يمكن بيعها، ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن الحاكم (يساقي) 265 عليها لأجل الباقي من العمل رجلًا آخر، بسهم مشاع من الثمرة يدفعه إليه من حصة العامل ويعزل الباقي من حصته.
الجزء: 5 - الصفحة: 374
والوجه الثاني: قال في الحاوي وهو الأصح عندي أنه يقال لرب النخيل: قد (تعذر) 266 ما بقي من العمل، فلك فسخ العقد.
فإن أراد رب النخل، رفع يد العامل بدعوى (الخيانة) 267، فيه وجهان:
أحدهما: أن دعواه تسمع مجهولة.
والثاني: لا تسمع إلا معلومة.
فإن (ساقى) 268 (رجلًا) 269 على نخل على النصف، فعمل العامل (واقتسما) 270، الثمرة، ثم استحق النخل 271، (وكانت) 272 الثمرة تالفة، فأراد تضمين العامل، ففيه وجهان:
الجزء: 5 - الصفحة: 375
أحدهما: أنه يضمنه الجميع 273. والثاني: أنه يضمنه النصف 274.
الجزء: 5 - الصفحة: 376
باب المزارعة
275 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .276277
الجزء: 5 - الصفحة: 377
لا تجوز المزارعة على بياض لا شجر فيه (1)، والمزارعة والمخابرة (واحدة) (2) وهو أن يعامله على زراعة الأرض على ثلث ما يخرج منها، أو ربعه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
ومن أصحابنا من قال: المزارعة، غير المخابرة، فالمخابرة: أن تكون من رب الأرض ومن (الآخر) (278) البذر والعمل.
والمزارعة أن تكون الأرض والبذر من واحد والعمل من آخر.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وابن أبي ليلى: بجواز هذه المعاملة، وروى ذلك عن علي وابن مسعود رضي اللَّه عنهما.279280281 = ما يخرج منها من زرع أو ثمر، فكان يعطي أزواجه مائة وسق - ثمانون وسقًا تمرًا وعشرون وسقًا شعيرًا فقسم عمر خيبر، فخير أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يقطع لهن من الأرض والماء، أو يمضي لهن الأوسق، فمنهن من اختار الأرض، ومنهن اختار الأوسق، فكانت عائشة اختارت الأرض البخاري ومسلم 5: 409، ومسلم 10: 208 - 209.
الجزء: 5 - الصفحة: 378
وقال أحمد: إذا كان البذر من صاحب الأرض، جاز.
وتجوز إجارة الأرضين بالذهب، والورق، وغيرهما.
وحكي عن الحسن وطاوس أنهما قالا: لا يجوز ذلك.
وقال مالك: لا تجوز إجارة الأرض بالطعام، (وسواء) 282، كان مما ينبت فيها أو لا ينبت.
فأما إذا كراه أرضًا بحنطة موجودة مشاهدة جزافًا.
فمن أصحابنا من قال: يجوز قولًا واحدًا.
ومنهم من (قال) 283: فيه قولان (كرأس) 284 المال في السلم (إذا كان) 285 جزافًا.
فأما إذا كان بين (النخيل) 286 بياض، لا يمكن سقي النخل، (إلا بسقيه) 287، فإن كان قليلًا، جاز أن يساقيه على النخيل، ويزارعه على الأرض في عقد واحد.
فإن عقدت المزارعة والمساقاة منفردين، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح.
الجزء: 5 - الصفحة: 379
والثاني: يصح.
فإن ساقاه على النخل، وزراعة على الأرض، وفاضل بينهما في (العوض) 288 ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يجوز.
فإن كان البياض كثيرًا، والنخيل قليلًا ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز أن يجمع بينهما في عقد واحد 289.
والثاني: لا يجوز 290.
ولا يجوز للعامل أن يزرع البياض بين النخيل من غير إذن المالك.
وقال مالك: يجوز إذا كان أقل من الثلث.
الجزء: 5 - الصفحة: 380