حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ط الرسالة الحديثةكتاب الصيام
أهل الأثرالأرشيف العلمي

1 يتحتم صوم رمضان على كل مسلم، بالغ، عاقل، طاهر، مقيم، قادر على الصوم، فأما المرتد، فيجب عليه قضاء ما فاته من الصوم في حال الردة، إذا أسلم خلافًا لأبي حنيفة.
ويؤمر الصبي بفعل الصوم لسبع إذا طاقه، ويضرب على تركه لعشر.

الجزء: 3 - الصفحة: 172

وقال أبو حنيفة: لا يصح صومه.
فإن أفاق المجنون: أو أسلم الكافر في أثناء النهار، لم يجب عليه قضاء ذلك اليوم في أحد الوجهين، وهو المنصوص عليه.
وإن بلغ (الصبي) 2 في أثناء النهار، وهو صائم، ففيه وجهان: أصحهما: أنه يلزمه إتمامه، ويستحب له قضاؤه.
والثاني: أنه يلزمه قضاؤه، ويستحب له إتمامه، وإن بلغ مفطرًا، لم يجب عليه قضاؤه في أصح الوجهين، وبه قال أبو حنيفة.
والمجنون إذا أفاق بعد مضي شهر رمضان، لا يجب عليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: يجب عليه قضاؤه، (ويحكى) 3 عن أبي العباس بن سريج، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا أفاق في (أثناء) 4 الشهر، وجب عليه قضاء ما مضى منه.
وحكي عن محمد أنه قال: إذا بلغ (مجنونًا) 5 فأفاق في أثناء الشهر لم يجب عليه قضاء ما مضى منه.
ومن لا يقدر على الصوم بحال كالشيخ (الهرم) 6، والمريض

الجزء: 3 - الصفحة: 173

الذي لا يرجى برؤه لا يجب عليه الصوم 7، ويجب عليه الفدية في أصح القولين عن كل يوم مد من طعام 8، وبه قال أبو حنيفة إلَّا أنه قال: يطعم عن كل يوم نصف صاع من بر، أو صاع من تمر.
وقال أحمد: يطعم مدًا من بر أو نصف من تمر أو شعير.
والقول الثاني: إنه لا يجب عليه الفدية، وبه قال مالك وأبو ثور.
فإن نذر صومًا في حال عجزه، لم ينعقد نذره في أحد الوجهين، وأما المسافر، فإنه إن كان الصوم لا يجهده، (فالأفضل) 9 له أن يصوم، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وقال أحمد والأوزاعي: الفطر له أفضل.
وذهب قوم من أهل الظاهر: إلى أن الصوم في السفر لا يصح، ويجوز له الفطر بالأكل والجماع.
وقال أحمد: لا يجوز له الفطر بالجماع، وإذا جامع وجبت عليه الكفارة.
فإن شرع في الصوم، في السفر، فله أن يفطر إن شاء.
قال الشيخ الإِمام أبو إسحاق الشيرازي: يحتمل أن يقال: لا يجوز له الفطر.

الجزء: 3 - الصفحة: 174

فإن أصبح في (الحظر) 10 صائمًا، ثم سافر، لم يجز له الفطر، وبه قال أبو حنيفة ومالك والزهري.
وقال أحمد في إحدى الروايتين: يجوز له الفطر، وبه قال داود، واختاره المزني.
فإن قدم المسافر وهو مفطر، أو برىء من المرض وهو مفطر، (استحب) 11 له إمساك بقية النهار ولا يجب ذلك، (وكذا) 12 الصبي يبلغ، والكافر يسلم، والحائض تطهر في أثناء النهار.
وحكي عن بعض أصحابنا: في الكافر يسلم، والصبي يبلغ، وجه آخر: أنه يلزمهما إمساك بقية النهار، وهذا خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه، وبقولنا: قال مالك وداود.
وحكي في الحائض وجه آخر: أنه يلزمها إمساك بقية النهار.
وحكي في "الحاوي": أن طريقة البصريين فى المريض يبرأ، أنه يلزمه الإِمساك بخلاف المسافر.
وحكي في المجنون يفيق: قولين في وجوب التشبه بالصائمين.
وقيل: لا يلزمه التشبه قولًا واحدًا.
(وحكي في الكافر يسلم: قولين) 13. (وقيل: يلزمه التشبه قولًا واحدًا) 14.

الجزء: 3 - الصفحة: 175

والأصح: ما ذكرناه أولًا.
وقال أبو حنيفة (والثورى) 15: يلزم جميع أرباب الأعذار إمساك بقية النهار عند زوال أعذارهم.
وإن قدم المسافر وهو صائم، أو برىء المريض وهو صائم، لم يجز لهما الفطر في قول أبي إسحاق المروزي 16، وجاز في قول أبي علي بن أبي هريرة.
فإن خافت الحامل، (أو المرضع) 17 على ولديهما من الصوم أفطرتا ولزمهما القضاء والكفارة عن كل يوم مد طعام في أصح الأقوال 18. والقول الثاني: أن الكفارة غير واجبة، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني رحمه اللَّه.

الجزء: 3 - الصفحة: 176

والثالث: أنها تجب على المرضع دون الحامل، وهو إحدى الروايتين عن مالك، والرواية الثانية: أنه لا كفارة على واحدة منهما.
وروي عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما أنهما قالا: لا تجب عليهما الكفارة، دون القضاء.
وقال أحمد: يجب عن كل يوم مد بر (أو) 19 نصف صاع من شعير، أو تمر، وبه قال محمد (مع) 20 القضاء.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا (لمرض) 21 أو سفر للترفق فلا فدية، وإن كان لأجل الولد فعليهما الفدية، وإن لم يكن لهما نية، ففيه وجهان بناء على المسافر (يطأ) 22، لا يقصد الترخص في وجوب الكفارة عليه قولان: وفيما ذكره نظر، ومع السفر، والمرض لا يجب عليهما الكفارة بحال، ولا يختلف الحال بالقصد، وعدم القصد.
وقد اختلف في الصوم والصلاة أيهما أفضل.
فقال قوم: الصلاة أفضل.
وقال آخرون: الصوم أفضل.
وقال آخرون: الصلاة بمكة أفضل، والصوم بالمدينة أفضل، والأول أصح.

الجزء: 3 - الصفحة: 177

فصل

ويجب صوم رمضان برؤية الهلال، فإن غم عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا، ثم صاموا 23. وحكي عن قوم أنهم قالوا: يجوز أن يجتهد في ذلك، ويعمل بقول المنجمين.
ولا يصومون يوم الشك من رمضان، وبه قال الأوزاعي، وأبو حنيفة ومالك.
وقال أحمد: إن كانت السماء مصحية، كره صومه، وإن كانت متغيمة، وجب صومه من رمضان.

الجزء: 3 - الصفحة: 178

وروي عنه أيضًا: أنه إن صام الإِمام، صام الناس، وإن أفطر (الإِمام) 24 أفطروا وهو قول الحسن البصري.
وعنه رواية ثالثة: نحو قولنا: واختلف أصحابه في قيام ليلة الشك.
فإن أصبحوا في يوم الثلاثين من شعبان، فقامت البينة أنه من رمضان، لزمهم قضاؤه، وهل يلزمهم إمساك بقية النهار؟ (فيه) 25 قولان: أصحهما: أنه يلزمهم، وهل يثابون على هذا الإِمساك على القولين جميعًا؟ فيه وجهان: أصحهما: أنهم يثابون عليه.
ذكر الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه في التعليق: أنه إن كان لم يأكل (شيئًا) 26 فأمسك، فإنه يكون صائمًا صومًا شرعيًا على قول أبي إسحاق من حين أمسك، وليس بصحيح، فإن كان ممن يعرف المنازل والحساب، فنوى ليلة الثلاثين أنه صائم غدا من رمضان بحكم ما عرف من ذلك، فقامت البينة (بالنهار) 27 أنه من رمضان، فهل يجزئه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجزئه، حكاه القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه عن أبي العباس ابن سريج واختاره.
ولا يختلف أصحابنا أن الصوم لا يلزم

الجزء: 3 - الصفحة: 179

(بالحساب) 28، ومعرفة المنازل على العموم، وهل يلزم الذي عرف ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه، وهو قول أبي العباس بن سريج.
فإن رأوا الهلال بالنهار، فهو لليلة المستقبلة 29 قبل الزوال كان، أو بعده في أول شهر أو آخره، وهو قول مالك وأبي حنيفة.
وقال ابن أبي ليلي، والثوري، وأبو يوسف: إن كان قبل الزوال، فهو لليلة الماضية، وإن كان بعد الزوال، فهو لليلة المستقبلة، وهو قول بعض أصحاب مالك.
وقال أحمد: إن كان في أول رمضان قبل الزوال، فهو لليلة الماضية، وإن كان في آخره، ففيه روايتان: إحداهما: أنه لليلة الماضية.
وإن رأوا الهلال في بلد ولم يروه في بلد (آخر) 30، فإن كانا متقاربين وجب الصوم على أهل البلدين، وإن كانا متباعدين، وجب على من رأي، ولم يجب على من لم يرَ 31.

الجزء: 3 - الصفحة: 180

والتباعد: أن يختلف المطالع كالعراق والشام والحجاز، (وهذا) 32 الذي ذكره الشيخ أبو حامد.
وذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أنه يجب الصوم على أهل جميع البلاد بالرؤية في بعضها، وحكى ذلك عن أحمد.
وفي العدد الذي تثبت به رؤية هلال رمضان قولان: أصحهما: أنها تثبت برؤية العدل الواحد، وهو الصحيح عن أحمد 33. والقول الثاني: أنه لا يثبت إلَّا بشهادة (عدلين) 34، وبه قال مالك، والأوزاعي (3).35 = فقال: أنت رأيت؟ قلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدّة أو نراه، قلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية، قال: هكذا أمرنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، رواه الدارقطني، والبيهقي بإسناد صحيح، "الدارقطني" 2/ 171.

الجزء: 3 - الصفحة: 181

وقال أبو حنيفة: إن كان في الغيم، ثبت بشهادة الواحد، وإن كان في الصحو، لم يثبت إلَّا بشهادة الاستفاضة وهو العدد الكثير.
فإذا قلنا: يقبل من الواحد، فهل يقبل فيه شهادة المرأة والعبد؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه لا يقبل، وحكى في اعتبار لفظ الشهادة وجهان.
ولا يقبل على رؤية هلال الفطر شهادة الواحد قولًا واحدًا.
وقال أبو ثور: يقبل فيه شهادة الواحد أيضًا، وإذا قلنا تقبل شهادة المرأة، والعبد على رؤية الهلال.
قال الشيخ أبو نصر: ينبغي أن لا يعتبر سماع الحاكم، بل (متى سمع) 36 ممن يثق به أنه رأى الهلال، لزمه الصوم، وهو قول أبي حنيفة.
فإن شهد واحد برؤية (هلال رمضان) 37، فصاموا ثلاثين يومًا، فغم الهلال: فقد قال في "الأم": يفطرون، وحكى في مثل ذلك الحسن عن أبي حنيفة.
ومن أصحابنا من قال: لا يفطرون، وهو قول أحمد بن الحسن.
فإن شهد اثنان برؤية هلال رمضان وصام الناس ثلاثين يومًا والسماء مصحية فلم يروا الهلال، ففيه وجهان:

الجزء: 3 - الصفحة: 182

قال ابن الحداد: لا يفطرون 38. وقال أكثر أصحابنا: يفطرون.
فإن رأى هلال رمضان وحده صام، وإن رأى هلال شوال وحده أفطر، وينبغي أن يفطر سرًا مخافة التهمة 39. وحكي عن الحسن البصري، وابن سيرين أنهما قالا: لا يجب عليه الصوم برؤيته وحده.
وقال أحمد: إذا رأى الهلال وحده في آخر الشهر لا يحل له الأصل.
فإن اشتبهت الشهور على أسير، لزمه أن يتحري، فإن وافق شهرًا بعد رمضان ناقصًا، وكان شهر رمضان الذي صامه الناس تامًا، لزمه قضاء يوم في أصح الوجهين، وهو اختيار القاضي أبي الطيب رحمه اللَّه.
والثاني: (وهو) 40 اختيار الشيخ أبي حامد (الأسفراييني) 41: أنه لا يلزمه، وحكاه الطحاوي عن الحسن بن صالح بن حي.
وإن وافق شهرًا قبل رمضان.
قال أبو إسحاق: لا يجزئه قولًا واحدًا.
وقال أكثر أصحابنا: فيه قولان.
أصحهما: أنه لا يجزئه، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، ومالك.

الجزء: 3 - الصفحة: 183

وإن وافق رمضان أجزأه.
وحكي عن الحسن بن صالح بن حي أنه قال: لا يجزئه.
فإن لم يغلب على ظن الأمير دخول شهر رمضان عن إمارة.
فقد ذكر الشيخ أبو حامد في التعليق: أنه يلزمه أن يصوم على سبيل التخمين، ويعيد.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وهذا عندي غير صحيح، لأنه لا بد من يقين، أو ظن في (دخول وقت العبادة) 42.

الجزء: 3 - الصفحة: 184

فصل

ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام إلَّا بنية 43. وحكي عن زفر بن الهذيل أنه قال: صوم رمضان إذا (تعين) 44 عليه لم يفتقر إلى النية، وروي ذلك عن عطاء.
ويفتقر كل يوم إلى نية (مجددة) 45.

الجزء: 3 - الصفحة: 185

وقال مالك: يكفيه نية واحدة من أول ليلة من الشهر أنه يصوم جميعه، وروى ذلك (أيضًا) 46 عن أحمد.
ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب (بنية من نهار) 47 إلَّا بنية من الليل، وبه قال مالك، وأحمد 48. وحكي عن عبد الملك بن الماجشون: أنه إذا أصبح يوم الثلاثين من شعبان، وقامت البينة برؤية الهلال من الليل ولم يكن أكل ولا نوى الصوم، فإنه يلزمه الإِمساك ويجزئه صومه، ولا يجب عليه القضاء.
وقال أبو حنيفة: يصح (أداء) 49 رمضان بنية من النهار قبل الزوال، وكذلك كل صوم تعلق بزمان بعينه، وهل تصح نيته مع طلوع الفجر؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه لا يصح.
ويجزئه النية في جميع الليل في أصح الوجهين، فإن نوى بالليل ثم أكل بعده، أو جامع، لم تبطل نيته في أصح الوجهين.
وحكي عن أبي إسحاق: أن نيته تبطل، وليس بشيء.
ويجب تعيين النية للصوم الواجب، وبه قال مالك، وأحمد.

الجزء: 3 - الصفحة: 186

وقال أبو حنيفة: صوم رمضان لا يفتقر إلى تعيين النية، فلو نوى النفل فيه (أو) 50 صومًا غيره، انصرف إلى صوم رمضان، وكذلك النذر المعين، وأما المسافر إذا نوى النفل في رمضان، (ففيه عنه) 51 روايتان: (إحداهما) 52: أنه ينعقد نفلًا.
(والثانية) 53: أنه يقع عن رمضان، فإن نوى في السفر في رمضان فرضًا غير رمضان، انعقد (ما نواه) 54 عنده.
والتعيين: أن ينوي صوم رمضان، وهل يفتقر إلى نية الواجب؟ فيه وجهان: وفي وجوب نية الأداء وجهان: فإن شرع في الصوم ثم نوى الفطر، بطل صومه في أصح الوجهين، فإن نوى (أنا) 55 صائم غدًا إن شاء زيد، لم تصح نيته، وذكر فيه وجه آخر أنه لا يصح.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: يجب أن يفصل القول في ذلك فيقال: إن كان قد قصد بذكر (المشيئة) 56 الشك في فعله، لم يصح

الجزء: 3 - الصفحة: 187

صومه، (وإن) 57 كان قصده أن فعله (للصوم) 58 على كل حال، إنما يكون بمشيئة اللَّه وتيسيره وتوفيقه، ولم يقصد التردد في فعله فذلك تأكيد للنية، فيصح صومه.
فإن قال أنا صائم غدًا عن قضاء رمضاك أو تطوع، وقع تطوعًا، وهو قول محمد بن الحسن.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: يقع عن القضاء.
فإن نوت المرأة أن تصوم غدًا إن انقطع حيضها وكان عادتها أن ينقطع في تلك الليلة فانقطع دمها، فهل تصح نيتها هذه؟ فيه وجهان: قال الشافعي رحمه اللَّه: ولو عقد رجل على أن غدًا عنده من رمضان في يوم الشك ثم بان من رمضان، أجزأه.
واختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة.
فمنهم من قال: صورتها أن يخبره رجل برؤية الهلال، فيغلب على ظنه صدقه فينوي الصوم من الليل ثم تقوم البينة من الغد أنه من رمضان فيجزئه صومه.
ومنهم من قال: صورتها أن يكون عالمًا بحساب النجوم، ومنازل القمر، فيغلب على ظنه من جهة الحساب، أن الهلال يرى لو كانت السماء مصحية ينوي الصوم من الليل، ثم تقوم البينة من الغد برؤية الهلال، فإنه يجزئه.
ومن قال بالأول: قال المنجم: لو أخبر غيره بما غلب على ظنه (فعمل) 59 عليه، لم يجزه وكذا إذا عمل هو بظنه.

الجزء: 3 - الصفحة: 188

قال القاضي أبو الطيب: فيجب أن يكون في المسألتين وجهان: أحدهما: يجزؤه واختاره القاضي أبو الطيب.
وحكى غيره: في لزوم الصوم (به) 60 في حق من يعرف وجهين.
ذكر القاضي أبو الطيب في المجرد: إذا نوى (أن يصوم) 61 غدًا من رمضان سنة تسعين، وكانت (سنة) 62 إحدى وتسعين فغلط، لم تصح نيته، ولو نوى أن يصوم غدًا من هذه السنة وظنها سنة تسعين، وكانت إحدى (وتسعين) 63، صحت نيته.
قال: ولو نوى أن يصوم غدًا (وظنه) 64 يوم الاثنين، فبان يوم الثلاثاء، أجزأه.
وقال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: ولا فرق بين هذه المسائل، وينبغي أن يجزئه في الكل.
إذا كان عليه قضاء اليوم الأول من رمضان، فنوى قضاء اليوم الثاني.
حكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه عن بعض أصحابنا: (أنه لا يجزئه) 65. وحكى القاضي حسين: أنه إذا (كان قد) 66 عين المكان، أو

الجزء: 3 - الصفحة: 189

الزمان في (الصوم) 67 (فأخطأ) 68 أجزأ، فأما إذا عين الصلاة، فأخطأ فيها، فإنها لا تجزىء.
أربع مسائل لا يعتبر فيها التعيين في الجملة وهي: الكفارة، والإِمامة في الصلاة، لا يجب تعيين الإِمام فيها، ولا تعيين سبب الكفارة من قتل، أو غيره، وإذا عينه فأخطأ، لم يجزه، وفي الزكاة: إذا أخرج خمسة دراهم عن زكاة ماله الغائب إن كان سالمًا، فلم يكن سالمًا، لم يقع عن غيره، وصلاة الجنازة، لا يعتبر فيها تعيين الميت، فلو عينه وأخطأ لم يصح، واليوم في الصوم كالوقت في الصلاة.
وحكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه وجهًا (آخر) 69 عن بعض أصحابنا: أنه إذا نوى قضاء اليوم الأول من رمضان (فكان) 70 الثاني، أنه يجزئه، فعلى مقتضى هذا، يجب أن يكون في المسائل كلها وجهان: فأما صوم التطوع، فيصح بنية قبل الزوال 71، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد.

الجزء: 3 - الصفحة: 190

وقال مالك وداود: لا يصح بنية من النهار (أيضًا) 72، وهو اختيار المزني.
وحكى حرملة: أنه يجوز أن ينوي النفل بعد الزوال، (فإذا) 73 نوى قبل الزوال كان صائمًا من أول النهار.
وقال أبو إسحاق المروزي: يكون صائمًا من وقت النية، وفرع على هذا: أنه يجوز أن يأكل في أول النهار، ثم ينوي الصوم في الباقي، وهذا ظاهر الفساد.

الجزء: 3 - الصفحة: 191

فصل

ويدخل في الصوم بطلوع الفجر، ويخرج منه بغروب الشمس 74، فإن أصبح جنبًا صح صومه.
وحكي عن أبي هريرة، وسالم بن عبد اللَّه 75 رضي اللَّه عنهما أنهما قالا: إذا أصبح جنبًا، بطل صومه، ويلزمه إمساك بقية النهار، ويقضي يومًا مكانه.
وقال عروة بن الزبير 76، والحسن البصري: إِن أخر الاغتسال لغير عذر، بطل صومه.

الجزء: 3 - الصفحة: 192

وحكى الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه عن الحسن: نحو قول أبي هريرة.
وعن طاوس: نحو قول عروة.
وقال النخعي: إن كان في الفرض قضاه، وفي النفل لا يقضي.
وإن طلع الفجر وفي فيه طعام فلفظه (أو) 77 كان مجامعًا فنزع مع طلوع الفجر، صح صومه، وهو قول أبي حنيفة.
وقال المزني: لا يصح صومه إذا نزع مع طلوع الفجر، وهو قول مالك، وزفر، وأحمد.
فإن أكل شاكًا في طلوع الفجر، صح صومه، وإن أكل شاكًا في غروب الشمس بطل صومه 78. وحكى أصحابنا عن مالك: أنه إذا أكل شاكًا فى طلوع الفجر، فسد صومه.
وقال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: ولم أجده لأصحابه.
وحكي عن (إسحاق) 79 بن راهوية، وداود أنهما قالا: لا قضاء عليه، وهو قول عطاء.
= العلم لواحد من ثلاثة: لدي حسب يزينه، أو لذي دين يسوس به دينه، أو مختلط بسلطان يتحفه بعلمه، وقد اجتمعت في عروة، قال الزهري: عروة بحر لا تكدره الدلاء، مات سنة 94 هـ وهو ابن سبع وستين، "الشيرازي": 58، 59.

الجزء: 3 - الصفحة: 193

وعن مالك: أنه يقضي في الفرض دون النذر المعين.
فإن كان بين أسنانه شيء، فابتلعه وهو متميز عن ريقه، بطل صومه، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يبطل صومه، وقدره بعضهم بقدر (الحمصة) 80. (فإن) 81 جمع ريقه في فيه ثم ابتلعه، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يبطل صومه، فأما إذا نزل النخامة من رأسه إلى حلقه، فبلعها وكان يمكنه قذفها، بطل صومه، وحكى فيه وجه آخر، وليس بشيء.
فإن أسقط، أو صب الماء في أذنه فوصل إلى دماغه، بطل صومه، وكذا إذا احتقن 82. وقال الحسن بن صالح وداود: جميع ذلك لا يفطر.
وقال أبو حنيفة: الحقنة (لا تفطر) 83، والتقطير في الإِحليل لا يفطر.
ولنا: في التقطير في الإِحليل وجهان:

الجزء: 3 - الصفحة: 194

فإن كان (به جائفة) 84، فداواها فوصل الدواء إلى جوفه، بطل صومه، (وبه) 85 قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال مالك: لا يفطر، واختلف عنه في الحقنة، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
فإن جرح نفسه، فوصلت الجراحة إلى جوفه، (أو) 86 أجافه غيره بإذنه، بطل صومه، خلافًا لأبي يوسف ومحمد.
وقال مالك: السعوط لا يفطر إلَّا أن ينزل إلى حلقه.
فإن استف ترابًا، أو ابتلع حصاة، بطل صومه.
وقال الحسن بن صالح: ما ليس بطعام (ولا) 87 شراب لا يفطر.
وإن إستقاء عامدًا، بطل صومه 88. وحكي عن عبد اللَّه بن عباس وعبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما أنهما قالا: لا يفطر بذلك وهو قول بعض أصحاب مالك.
(وإن) 89 ذرعه القيء، لم يفطر.

الجزء: 3 - الصفحة: 195

(وحكي) 90 عن الحسن البصري في إحدى الروايتين عنه: أنه يفطر به، وهو قول عطاء والقبلة.
محرمة في الصوم في حق من تحرك شهوته 91، وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: هي محرمة بكل حال.
وعن أحمد روايتان.
فإن نظر بشهوة فأنزل، لم يبطل صومه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: يبطل صومه.
فإن قبّل (فأمذى) 92، لم يفطر.
وقال أحمد: يفطر.
وإن فعل شيئًا من محظورات الصوم ناسيًا لصومه، لم يبطل صومه، وبه قال أبو حنيفة 93.

الجزء: 3 - الصفحة: 196

وقال ربيعة ومالك: يبطل صومه.
وقال عطاء والأوزاعي: يبطل صومه بالجماع ناسيًا دون الأكل.
وقال أحمد: يبطل صومه بالجماع ناسيًا، وتجب به الكفارة دون الأكل.
(فإن) 94 أكره حتى أكل أو أكرهت المرأة حتى مكنت من الوطىء، ففي بطلان الصوم (به) 95 قولان: أحدهما: أنه يبطل، وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال أحمد: يفطر بالجماع مع الإِكراه، وتجب به الكفارة، ولا يفطر بالأكل.
السنة للصائم ترك المبالغة في المضمضة، والاستنشاق، فإن وصل الماء إلى جوفه، أو دماغه من غير مبالغة، ففيه قولان: أحدهما: أنه يفطر، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، واختاره المزني.
والثاني: أنه لا يفطر، وهو الأصح، وهو قول أحمد، وأبي ثور.
فأما إذا بالغ فسبق الماء إلى حلقه، بطل صومه في ظاهر المذهب قولًا واحدًا.
ومن أصحابنا من قال: فيه أيضًا قولان، والأول أصح.
وقال النخعي: إن كان قد توضأ (لمكتوبة) 96، لم يفطر، وإن كان لنافلة، يفطر.
= شرب ناسيًا فلا يفطر، فإنما هو رزق رزقه اللَّه" رواه الترمذي والدارقطني والبيهقي، وقال الترمذي: هو حديث حسن صحيح، "الترمذي" 3/ 91.

الجزء: 3 - الصفحة: 197

فصل

ومن أفطر في رمضان بغير جماع من غير عذر، وجب عليه القضاء 97، وإمساك بقية نهاره، ولا كفارة عليه، وعزره السلطان، وبه قال أحمد وداود.
وقال أبو حنيفة: إذا أفطر بالأكل، (أو) 98 الشرب، وجبت عليه الكفارة، (وإن) 99 ابتلع فستقة بقشرها، أو حصاة، فلا كفارة عليه، ويعتبر أن يكون مما يتغذى به، أو يتداوى به.

الجزء: 3 - الصفحة: 198

وقال مالك: يفطر وتجب الكفارة بكل ما يحصل به هتك (حرمة) 100 الصوم إلَّا الردة حتى لو ترك (النية) 101 عمدًا، وجبت عليه الكفارة، وبه قال أبو ثور.
وقال عطاء: الفطر بالأكل والشرب، يوجب (ما يوجبه) 102 الجماع.
وحكي عن أبي علي بن أبي هريرة أنه قال: يكفر فوق كفارة الحامل والمرضع، ودون كفارة الوطىء وليس بشيء.
ويقضي يومًا مكانه، وهو قول الكافة.
(وحكي عن ربيعة أنه قال) 103: يقضي مكان كل يوم اثني عشر يومًا.
وحكي عن سعيد بن المسيب أنه قال: يصوم عن كل يوم شهرًا.
وقال إبراهيم النخعي: يقضي (ثلاثة آلاف يوم) 104. وروي عن علي وابن مسعود رضي اللَّه عنهما أنهما قالا: لا يقضيه صوم الدهر وإن صامه.

الجزء: 3 - الصفحة: 199

وإن أفطر بالجماع من غير عذر، وجبت عليه الكفارة 105، وإمساك بقية النهار.
وقال الشعبي والنخعي، وسعيد بن جبير: لا كفارة عليه ويجب عليه القضاء مع الكفارة.
وحكي عن الشافعي رحمه اللَّه قول آخر: أنه لا قضاء عليه إذا كفر.
وحكي عن الأوزاعي أنه قال: إن كفر بالصوم، لم يجب عليه القضاء، وإن كفر بغيره، وجب.
وفي الكفارة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه تجب عليه (كفارة) 106 عن نفسه، ولا يجب على المرأة شيء، وهو قول أحمد.
والثاني: أنه يجب على كل واحد منهما كفارة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك وروي عن أحمد أيضًا، واختاره القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه.
والثالث: أنه يجب عليه كفارة واحدة عنه وعنها.
فإن كان الزوج مجنونًا، فوطئها وهي صائمة، وجبت عليه الكفارة عنها على هذا القول.

الجزء: 3 - الصفحة: 200

وقيل: لا يجب عليه شيء.
والكفارة: عتق رقبة، فإن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، فإطعام ستين مسكينًا 107، وبه قال أبو حنيفة، وهو أصح الروايتين عن أحمد.
وقال مالك: هي على التخيير من (بين) 108 العتق، والإِطعام، والصيام، فالإطعام عنده أولى بالتقديم.
وحكي عن الحسن أنه قال: هو مخير بين عتق رقبة، وبين نحر بدنة.
فإن وطىء في يومين من شهر رمضان، وجب عليه كفاراتان، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يكفر عن الأول، وجب عليه كفارة واحدة، وإن كان قد كفر عن الأول فعنه روايتان، وإن وطىء في يومين من (رمضان) 109 فالمشهور عنه أنه يجب عليه كفاراتان، فإن وطىء في يوم واحد مرتين لم يجب عليه بالوطىء الثاني كفارة.

الجزء: 3 - الصفحة: 201

وقال أحمد: إن كفر عن الأول، وجب عليه بالثاني كفارة ثانية، وإن لم يكفر عن الأول، فقد اختلف أصحابه في وجوب كفارة ثانية.
(فإن) 110 جامع في اليوم الذي ردت شهادته فيه برؤية الهلال، وجبت عليه الكفارة، وبه قال مالك 111. وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه.
وإن طلع عليه الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع، وجبت عليه الكفارة، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه، وهو اختيار المزني رحمه اللَّه.
وإن جامع معتقدًا أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع، أو الشمس قد غربت ولم تكن قد غربت، لم يجب عليه الكفارة 112. (وإن) 113 أكل ناسيًا (وظن) 114 أنه أفطر فجامع، فالمنصوص: أنه لا كفارة عليه.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: يحتمل عندي أن تجب عليه الكفارة، (لأن) 115 الذي ظنه لا يبيحه الفطر.

الجزء: 3 - الصفحة: 202

فإن أصبح مقيمًا صائمًا ثم سافر وجامع، وجبت عليه الكفارة.
وقال أبو حنيفة ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد: لا كفارة عليه.
وعن مالك: فيه إذا أنشأ الصوم في السفر ثم جامع، في وجوب الكفارة روايتان.
وعندنا: لا كفارة عليه.
فإن جامع في الحضر ثم سافر، لم تسقط عنه الكفارة 116، وإن جامع ثم مرض في أثناء النهار، أو جن، لم تسقط عنه الكفارة في (أحد) 117 القولين، وهو قول مالك وأحمد وداود.
والثاني: يسقط، وهو قول أبي حنيفة والثوري.
وقال زفر: تسقط بما يطرأ من الجنون، والحيض، ولا تسقط بما يطرأ من المرض.
وحكي عن الماجشون صاحب مالك أنه قال: طريان (السفر) 118 يسقط الكفارة، وطريان الجنون.
والمرض لا يسقطها.
واللواط، ووطىء المرأة في المحل المكروه، يوجب الكفارة، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة في أشهر الروايتين عنه: لا كفارة فيه.

الجزء: 3 - الصفحة: 203

ووطىء البهيمة، يوجب الكفارة في أصح الطريقين 119، ومن أصحابنا من بنى حصول الفطر به من غير (إنزال) 120، ووجوب الكفارة على وجوب الحد بوطئها.
والمباشرة فيما دون الفرج، إذا اتصل بها إنزال، يفسد الصوم ولا يوجب الكفارة.
وقال مالك وأبو ثور: تجب بها الكفارة.
وقال أحمد: تجب الكفارة بالوطىء فيما دون الفرج.
وفي القبلة، واللمس بشهوة روايتان: (إحداهما) 121: تجب بها الكفارة.
وقال مالك: إن نظر بشهوة فأنزل من النظرة الأولي، أفطر ولا كفارة عليه، وإن استدام النظر، حتى أنزل، وجبت عليه الكفارة.
ولا تجب الكفارة في غير أداء رمضان.
وحكي عن قتادة أنه قال: تجب الكفارة في قضاء رمضان أيضًا.
فإن عجز عن التكفير، استقر وجوبها في ذمته متى قدر كفر في أصح القولين.
وفي الثاني: يسقط عنه.

الجزء: 3 - الصفحة: 204

فصل

فإن أغمي عليه جميع النهار وكان قد نوى الصوم من الليل، لم يصح صومه 122. وقال المزني رحمه اللَّه: يصح صومه كما لو نام جميع النهار، وهو قول أبي حنيفة.
وحكي عن أبي سعيد الإصطخري أنه قال: إذا نام جميع النهار، بطل صومه وليس بشيء، فإن أفاق في بعض النهار وأغمي عليه في البعض، فقد اختلفت نصوص الشافعي رحمه اللَّه، واختلف أصحابنا فيه على طريقين: فمنهم من قال: فيه أربعة أقوال: أحدها: يعتبر الإفاقة في أوله كالنية، وهو قول مالك.

الجزء: 3 - الصفحة: 205

والثاني: (يعتبر أن يكون مفيقًا في بعض النهار، وهو قول أحمد) 123. والثالث: يعتبر أن يكون مفيقًا في جميع النهار.
والرابع: ذكره أبو العباس بن سريج: أنه يعتبر أن يكون مفيقًا في طرفيه.
ومن أصحابنا من حكى فيه قولًا خامسًا: أنه لا يعتبر الإِفاقة في شيء منه.
فإن نوى الصوم ثم جن في أثناء النهار، بطل صومه في قوله) 124 الجديد.
وقال في القديم: لا يبطل كالإِغماء.
ويجوز أن يكتحل وهو صائم ولا يكره له 125، وبه قال أبو حنيفة، وأبو ثور.
وقال أحمد: يكره له ذلك، فإن وجد طعمه في حلقه أفطر.
وحكى أصحاب مالك: إن ما يصل إلى الحلق من العين أو الأذن، يفطر.
وحكي عن ابن أبي ليلى وابن شبرمة: إن الكحل يفطر.

الجزء: 3 - الصفحة: 206

ويكره أن يحتجم ولا يحرم، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وداود.
وقال أحمد: يفطر الحاجم والمحجوم، وعنه في وجوب الكفارة به روايتان.
وينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الغيبة والشتم، فإن شوتم، فليقل: (إني صائم) 126، فإن شاتم، لم يبطل صومه.
وحكي عن الأوزاعي أنه قال: يفطر بذلك.
إذا فاته أيام من رمضان، لم يجز (له) 127 أن يؤخر قضاءها إلى أن يدخل رمضان آخر من غير عذر، فإن أخر حتى دخل رمضان آخر، أثم ووجب عليه لكل يوم من مد (طعام) 128، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه، ويجوز له التأخير، وهو اختيار المزني.
فإن أخره سنتين، ففيه وجهان: أحدهما: يجب لكل سنة كفارة 129.

الجزء: 3 - الصفحة: 207

ويستحب أن يقضي ما عليه متتابعًا 130، فإن قضاه متفرقًا، جاز، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه.
وقال داود: وأهل الظاهر: يجب أن يقضي متتابعًا، غير أنه ليس بشرط في صحته.
وحكي عن الطحاوي أنه قال: التتابع والتفريق سواء، ويستحب أن يقضي على الفور.
وقال أبو إسحاق: إن كان قد ترك الصوم بغير عذر، وجب قضاؤه على الفور والمذهب الأول.
فإن مات وعليه قضاء أيام من رمضان فاتته لعذر اتصل إلى الموت، فلا شيء عليه.
وحكي عن طاوس وقتادة أنهما قالا: يجب عليه أن يطعم عن كل يوم (مسكينًا) 131، (فإن) 132 كان قد زال عذره، وتمكن من فمله فمات وجب عليه لكل يوم مد من طعام في قوله الجديد، وبه قال أبو حنيفة.
ومالك إلَّا أن مالكًا قال: لا يلزم الولي أن يطعم عنه إلَّا أن يوصي.
وقال في القديم: يصوم عنه وليه، وهو قول الزهري، (وأبي) 133 ثور.

الجزء: 3 - الصفحة: 208

وقال أحمد: إن كان صوم نذر، صام عنه وليه، وإن كان صوم رمضان، أطعم عنه.

  • فإن قلنا: يصام عنه (فصام عنه) 134 وليه، أو غيره بإذنه بأجرة وغير أجرة أجزأه، وإن صام عنه أجنبى بغير إذن وليه، لم يجزه.
    وقيل: يجزئه.
  • وإن قلنا: إنه يطعم عنه -وهذا الأصح- ومات بعد ما أدركه رمضان آخر ففيه وجهان: (أظهرهما) 135: أنه يلزمه مدان، مد للصوم، ومد للتأخير.
    والثاني: أنه يكفيه مد واحد.

الجزء: 3 - الصفحة: 209

فصل

يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بست من شوال 136، وبه قال أحمد.
وقال يوسف: كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صيامًا، خوفًا أن يلحق ذلك بالفريضة.
وحكى مثل ذلك محمد بن الحسن عن مالك، وقال في الموطأ: يكره ذلك.
ويستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج 137، والفطر للحاج بعرفة

الجزء: 3 - الصفحة: 210

أفضل (من صيام) 138 يوم عرفة، وكانت عائشة رضي اللَّه عنها: تصوم هذا اليوم.
وحكي عن عطاء أنه قال: أصوم في الشتاء وأفطر في الصيف.
وحكى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: يستحب له صومه إلَّا أن يضعفه عن الدعاء.
ويستحب صوم عاشوراء وتاسوعاء 139. ومن أصحابنا من قال: كان فرضًا ثم نسخ، وهو قول أبي حنيفة.
ويكره الوصال في الصوم 140، وروي عن عبد اللَّه بن الزبير أنه كان يواصل، وظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه، أنه نهي تحريم.
ومن أصحابنا من قال: إنه نهي تنزيه.
= يوم عرفة كفارة سنتين، سنة قبلها، مضية وسنة بعدها مستقبلة" رواه مسلم بمعناه، "صحيح مسلم" 8/ 4.

الجزء: 3 - الصفحة: 211

ولا يكره صوم الدهر إذا أفطر أيام النهي، ولم يضع حقًا، ولم يخف ضررًا.
ومن الناس من قال: يكره.
قال أبو العباس: إذا نذر صوم الدهر صح نذره، فإن لزمه قضاء من رمضان، قدمه على النذر، وهل يدخل زمانه في النذر؟ فيه وجهان: أحدهما: يدخل، فعلى هذا، هل يلزمه كفارة (لهذه) 141 الأيام؟ . قال أبو العباس: يحتمل وجهين.
ومن شرع في صوم تطوع، أو صلاة تطوع، استحب له إتمامهما، فإن خرج منهما لم يجب عليه القضاء، وبه قال أحمد 142. وقال أبو حنيفة: يجب عليه إتمامهما.
وحكي عن محمد أنه قال: إذا دخل على أخ له، فحلف عليه، أفطر، وعليه القضاء.
وقال مالك: يلزمه الإِتمام.
فإن خرج منه بعذر كالسفر، لم يلزمه قضاؤه في إحدى الروايتين، وبه قال أبو ثور.

الجزء: 3 - الصفحة: 212

ولا يجوز أن يصوم يوم الشك 143 إلَّا أن يوافق عادة له 144، أو يصله بما قبله.
وقال أبو حنيفة: لا يكره صومه من شعبان، وبه قال مالك.
فإن صام فيه فرضًا عليه.
ذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أنه يكره ذلك ويجزيه.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: لم أرَ ذلك لغيره من أصحابنا ولا يقتضيه (لقياس، فإنه) 145 لو صام تطوعًا له سبب فيه، صح صومه، (وإن) 146 صام تطوعًا في هذا اليوم (ولا) 147 سبب له: فقد ذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أنه لا يصح، وهو الأصح.
واختار الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: أنه يصح.

الجزء: 3 - الصفحة: 213

ويكره أن يفرد يوم الجمعة (بصوم) 148 التطوع 149، وبه قال أحمد وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة، ومالك، ومحمد: لا يكره.
وللشافعي رحمه اللَّه: كلام يدل عليه، واختاره القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه.
لا يجوز صوم يوم الفطر والأضحي، وأيام التشريق 150، وفي صوم أيام التشريق للمتمتع قولان: قال في القديم: يجوز وهو قول مالك.
وقال في الجديد: لا يجوز.
ويستحب طلب ليلة القدر 151، ويطلبها في العشر الأخير من الشهر، ويطلبها في كل وتر منه، وفي الحادي والعشرين أشد استحبابًا.
وحكي عن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما: أنه يطلبها ليلة ثلاث وعشرين.

الجزء: 3 - الصفحة: 214

وقال ابن عباس، وأبي بن كعب 152 رضي اللَّه عنهما: هي ليلة سبع وعشرين.
وقال مالك: هي في العشر الأواخر، ليس فيها تعيين.

الجزء: 3 - الصفحة: 215

فصول الكتاب · 47 فصل
جارٍ التحميل