لا تجب 1 الصلاة إلَّا على مسلم، بالغ، عاقل، طاهر، وأما
الجزء: 2 - الصفحة: 7
المرتد فتجب عليه الصلاة، ويؤمر بقضائها إذا أسلم 2.
وقال أبو حنيفة: الردة تسقط عنه فرض القضاء في الصلاة التي وجبت عليه في حال الإسلام، ولا يؤمر بقضاء ما فاته في حال الردة بعد العود أبي الإسلام، وبه قال مالك.
وعن أحمد: روايتان.
والإغماء إذا كان بغير معصية، يسقط فرض القضاء، وإذا كان بمعصية (لم) 3 يمنع الوجوب، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: إذا زاد الإغماء على يوم وليلة، أسقط فرض القضاء، وإن كان في يوم وليلة فما دون، لم يمنع الوجوب.
وقال أحمد: الإغماء لا يمنع وجوب القضاء بحال.
ولا يؤمر أحد ممن لا تجب عليه (الصلاة) 4 بفعلها إلَّا الصبي، فإنه يؤمر بالصلاة لسبع، ويضرب على تركها لعشر، وتصح صلاته 5. = وصهباء طاف يهوديها ... وأبرزها وعليها ختم وقابلها الريح في دنِّها ... وصلى على دنِّها وارتسم أي: دعا لها أن لا تحمض ولا تفسد.
وتطلق أيضًا على الرحمة، ومنه قول عدي: صلى الإله على أمرىء ودعته ... وأتم نعمته عليه وزادها "النظم المستعذب" 1/ 57.
الجزء: 2 - الصفحة: 8
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: لا تصح صلاته.
وقال الشافعي رحمه اللَّه: وعلى الآباء، والأمهات أن يؤدبوا أولادهم، ويعلموهم الطهارة، والصلاة، وظاهر هذا يقضي الوجوب.
ومن أصحابنا (من قال: المراد به) 6 الاستحباب، وهذا أجري على القياس، وإن خالف الظاهر.
(فإن شرع في الصلاة) 7، وبلغ في أثنائها، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: أحببت أن يتم ويعيد، ولا يبين لي أن عليه الإعادة.
وقال أبو إسحاق: يلزمه الإتمام، ويستحب له الإعادة، وهو ظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه.
ومن أصحابنا من قال: يستحب (له) 8 الإتمام، ويجب عليه الإعادة.
= بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر" رواه أبو داود وأحمد سنن أبي داود جـ 1: 115، انظر "نيل الأوطار" للشوكاني 1/ 322. ويذكر الحصكفي: أن الصوم كالصلاة، وغيره قال: أنه يؤمر بالصوم والصلاة، وينهى عن شرب الخمر، ليألف الخير ويترك الشر، "حاشية ابن عابدين" 1/ 352، إلا ان الصلاة غير واجبة على الصبي، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق"، "مختصر سنن أبي داود" 1/ 228. ومثله: "رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" رواه أحمد، ومثله من رواية علي له، ولأبي داود والترمذي وقال: حديث حسن، انظر سنن أبي داود جـ 1: 228 وأنظر نيل الأوطار للشوكاني 1: 323.
الجزء: 2 - الصفحة: 9
ومنهم من قال: إن بلغ بعدما فرغ منها، ولم يبق من الوقت ما يتسع لفعلها، لم يجب عليه قضاؤها، وليس بشيء.
وإن بلغ بعد الفراغ من الصلاة، فعلى (قوله) 9 الأول، لا يجب عليه الإعادة، وعلى الوجه الآخر، يجب عليه الإعادة.
وقال أبو حنيفة: ومالك: يجب عليه (الإعادة) 10 بكل حال في الصوم والصلاة.
واختار المزني رحمه اللَّه: أن يعيد الصلاة، ولا يعيد الصوم.
ومن ترك الصلاة بعد اعتقاد وجوبها كسلًا، وأصر على تركها، قتل، وبه قال مالك 11.1213
الجزء: 2 - الصفحة: 10
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .14 = وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم" متفق عليه صحيح مسلم 11: 164، "نيل الأوطار" للشوكاني 1/ 311. واحتجوا على أنه لا يكفر: بحديث عبادة بن الصامت رضي اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "خمس صلوات افترضهن اللَّه، من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن، كان له على اللَّه عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل، فليس له على اللَّه عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه"، "مختصر أبي داود" 1/ 246. وحديث: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا اللَّه دخل الجنة" رواه مسلم، ورواه أحمد فى مسنده انظر صحيح مسلم 1: 218، "الفتح الكبير" 3/ 240. ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة، ويورثون عنه، ولو كان كافرًا لم يغفر له، ولم يرث ولم يورث، "المجموع" 19، 20، وأنظر "بداية المجتهد" 1/ 92، 93.
الجزء: 2 - الصفحة: 11
وقال أبو حنيفة: يحبس حتى يصلي.
وقال المزني: يضرب ولا يقتل.
واختلف أصحابنا في الوقت الذي يقتل فيه:
فقال أبو سعيد الإِصطخري: يقتل إذا (ضاق) 15 وقت الصلاة الرابعة.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يقتل إذا (ضاق) 16 وقت الصلاة الأولى، (وهو) 17 ظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه.
وقال أبو إسحاق: يقتل إذا (ضاق) 18 وقت (الصلاة) 19 الثانية.
ذكر في الحاوي: هل يقتل لصلاة الوقت أم لما فات؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يقتل لصلاة الوقت، فعلى هذا لا يقتل للفوائت إذا تركها.
والثاني: أنه يقتل لما فات، فعلى هذا يقتل (لترك) 20 فعل
الجزء: 2 - الصفحة: 12
الفوائت، وهذا ليس بصحيح.
وهل يجب استتابته ثلاثة أيام؟ فيه قولان كالمرتد، ثم ضرب عنقه بالسيف.
ومن أصحابنا من قال: ينخس بالسيف وإن أدى إلى قتله.
وقال أحمد: يكفر بترك الصلاة وهو قول بعض أصحابنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 13
باب مواقيت الصلاة
21 أول وقت الظهر، إذا زالت الشمس.
فصل
ى الظهر في المرة الأولى، حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظليه، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس، وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليّ جبريل فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين" رواه أبو داود 1/ 93، والترمذي 1/ 279. وقال: حديث حسن، وهذا المذكور لفظ رواية الترمذي، ولفظ الباقين بمعناه، ورواه غيرهما من أصحاب السنن، والحاكم أبو عبد اللَّه في المستدرك وقال: هو حديث صحيح، "المجموع" 3/ 21.
الجزء: 2 - الصفحة: 14
وحكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أن من الناس من قال: لا تجوز الصلاة حتى يصير الفيء مثل الشراك 22 بعد الزوال.
وقال مالك: أحبُّ أن يؤخر الظهر بعد الزوال، بقدر ما يصير الظل ذراعًا.
وآخر وقتها: إذا صار ظل كل شيء مثله، ويعتبر المثل من حد الزيادة على الظل الذي كان عند الزوال، وبه قال الثوري، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، وهو رواية الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة.
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة وهو المشهور عنه: أن وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه.
قال ابن المنذر: تفرد بهذا أبو حنيفة.
وعن أبي حنيفة رواية ثالثة: أنه إن صار كل شيء مثله (خرج وقت) 23 الظهر، ولم يدخل وقت العصر، حتى يصير ظل كل شيء مثليه.
وقال أبو ثور: وابن جرير الطبري: قدر أربع ركعات بعد المثل يكون مشتركًا بين الظهر والعصر.
وحكي عن مالك أنه قال: إذا صار ظل كل شيء مثله، فهو آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر، فإذا زاد على المثل زيادة (بينة) 24، خرج وقت الظهر، واختص الوقت بالعصر.
الجزء: 2 - الصفحة: 15
وحكى الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه عن مالك: وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله وقتًا مختارًا.
وأما وقت الأداء، فآخره إذا بقي إلى غروب الشمس قدر أربع ركعات.
وحكى (ابن) 25 جريح عن عطاء أنه (قال) 26: لا يكون مفرّطًا بتأخيرها حتى يصير في الشمس صفرة.
وعن طاووس أنه قال: لا تفوت حتى الليل.
فإذا زاد على (المثل) 27 أدنى زيادة، فقد دخل وقت العصر.
وقال أبو حنيفة: أول وقت العصر، إذا صار ظل كل شيء مثليه، وزاد عليه أدنى زيادة، لا يختلف مذهبه فيه.
ولا يزال وقت الاختيار للعصر باقيًا، حتى يصير ظل كل شيء مثليه، ثم يبقى (وقت الجواز) 28 إلى غروب الشمس.
(وقال أبو سعيد الإِصطخري: يصير قضاء بمجاوزة (الثلثين) 29 المسكن) 30.
الجزء: 2 - الصفحة: 16
فإذا غربت الشمس، فقد دخل وقت المغرب 31، وغروب الشمس، سقوط القرص.
وذكر في الحاوي: أن يسقط القرص ويغيب حاجب الشمس، وهو الضياء المستعلي عليها كالمتصل بها، ولم يذكره غيره.
وحكي عن الشيعة أنهم قالوا: أو وقتها إذا اشتبكت النجوم، وهذا لا يساوي الحكاية.
ولها 32 وقت واحد 33، وهو قول مالك.
وحكى أبو ثور عن الشافعي رحمه اللَّه: أن لها وقتين.
وآخر وقتها، إذا غاب الشفق، وليس بمشهور عنه (وبه) 34 قال أبو حنيفة، وأحمد، وداود، واختلف أصحابنا في قدر الوقت الواحد.
فمنهم من قال: هو مقدر بقدر الطهارة، وستر العورة، والأذان، والإقامة، وفعل ثلاث ركعات.
ومنهم من قال: يتقدر بما يعرف من أول الوقت في العرف، ولا = شرط مسلم، وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي بنحوه، "مختصر سنن أبي داود" 1/ 253.
الجزء: 2 - الصفحة: 17
ينسب إلى التفريط في التأخير فيه، وذلك إلى (تضييق) 35 الوقت.
وقال أبو إسحاق: هذا التضييق، إنما هو في الشروع، فأما الإستدامة، فيجوز إلى مغيب الشفق.
وبعض الخراسانيين من أصحابنا: خرّج في وقت جميع الصلوات وجهين:
أحدهما: أنه وقت الابتداء والاستدامة.
والثاني: أنه وقت الابتداء، فأما الاستدامة، فيجوز بعد خروج الوقت، وهذا ظاهر الخطأ.
وأول وقت العشاء: إذا غاب الشفق، وهو الحمرة، وهو قول مالك وأحمد، وداود، وأبي يوسف، ومحمد.
وما يحكى عن أحمد أنه قال: الشفق، البياض، في الحصر، فإنما قاله (لأن) 36 الحمة تكون مستقلة تواريها الحيطان، فيظن أنها قد غابت، ولم تغب، فإذا غاب البياض، تحقق مغيب الحمرة.
وقال أبو حنيفة: الشفق: البياض، وبه قال زفر، والمزني.
وآخر وقتها المختار إلى نصف الليل 37 في قوله القديم، وهو قول أبي حنيفة.
الجزء: 2 - الصفحة: 18
وفي قوله الجديد: إلى ثلث الليل 38 وبه قال مالك، وإحدى الروايتين عن أحمد، ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني، خلافًا لأبي سعيد الاصطخري وقد تقدم.
وأول وقت الصبح: إذا طلع الفجر الثاني، ولا يزال وقتها المختار باقيًا إلى أن يسفر 39، ثم يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس، خلافًا للإصطخري على ما تقدم.
وصلاة 40 الصبح من صلوات النهار.
وحكي عن الأعمش 41 أنه قال: هي من صلاة الليل، وحكاه في الحاوي عن الشعبي.
الجزء: 2 - الصفحة: 19
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: لا أعرف صحة هذه الحكاية عنه، وما عندي أن أحدًا من أهل العلم يخفى عليه تحريم الطعام والشراب على الصائم من طلوع الفجر الثاني، (لشهرة) 42 ذلك في الشرع.
فإن طلعت الشمس، وقد صلى ركعة من الصبح، فإنه يتمها، ويكون مؤديًا لجميعها في قول أبي العباس بن سريج، واختاره القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه، وإنما يكون ذلك في حق من سها.
وقال أبو إسحاق: يكون مؤديًا لما فعل في الوقت، قاضيًا لما فعل بعده، وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور.
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته بطلوع الشمس فيها.
فأما إذا خفي عليه وقت الصلاة، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه في كتاب استقبال القبلة: وإذا كان أعمى، (وسعه) 43 خبر من يصدقه في الوقت، والاقتداء بالمؤذنين، وله كلام آخر يدل على جواز التحري، فيجوز له التحري، ويجوز له التقليد، كذا ذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه، وحكاه الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه.
وقال الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه في التعليق (وجهًا) 44: أنه ليس له التقليد، والأول أصح.
فأما سماع المؤذنين: فقد ذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أن
الجزء: 2 - الصفحة: 20
من أصحابنا من قال: البصير والأعمى (فيه سواء، وليس بصحيح) 45 لأن الشافعي رحمه اللَّه (خص) 46 به الأعمى.
قال الشيخ أبو نصر: ذكر الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه في التعليق، أن البصير، والأعمى في ذلك سواء.
وحكي عن أبي العباس: الرجوع إلى الأذان للبصير والأعمى بلا خلاف.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وينبغي أن يفصل، فإن كان في الصحو جاز، وإن كان في الغيم، فيحتمل أن يكون قد أذن عن اجتهاد، فيجوز للأعمى تقليده، ولا يجوز للبصير.
وذكر في الحاوي هذا التفصيل لبعض أصحابنا، وذكر أيضًا أن البصير إذا سمع المؤذن، لم يسعه تقليده حتى يعلم ذلك بنفسه، إلَّا أن يكون المؤذنون (عددًا) 47 لا يجوز على مثلهم التواطؤ.
والخطأ، ثم قال: هذا هو مذهب الشافعي رحمه اللَّه.
قال الشيخ الإمام رحمه اللَّه: وهذا شرط (لا معنى لاعتباره) 48، وما ذكره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه أصح وأحسن.
الجزء: 2 - الصفحة: 21
فصل
والوجوب في هذه الصلوات المؤقتة، متعلق بأول الوقت وجوبًا موسوعًا، على معنى جواز التأخير إلى آخر الوقت، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يتعلق الوجوب بآخر الوقت، إذا بقي من الوقت قدر تكبيرة على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وعلى قول زفر: إذا بقي من الوقت قدر فعل الصلاة.
وقال أبو الحسن الكرخي: لا يختلف قولهم: إن الوجوب يتعلق بقدر صلاة الوقت، وما ذكر من قدر التكبيرة، إنما هو في حق المعذورين.
واختلفوا فيمن صلى أول الوقت.
فقال الكرخي: تقع واجبة، فيكون الوجوب عنده متعلقًا بوقت غير معين من الوقت الراتب (ويتعين) 49 بالفعل.
الجزء: 2 - الصفحة: 22
ومنهم من قال: تقع موقوفة، فإن أدركه آخر الوقت وهو من أهل الوجوب، وقعت واجبة، وإن لم يكن من أهل الوجوب فيه، وقعت نافلة.
ومنهم من يقول: إنها تقع نافلة بكل حال، غير أنها تمنع توجه الفرض عليه في الوقت، فعلى هذه الطريقة، يخرج من صلى في أول الوقت من الدنيا ولم يتوجه (عليه للَّه) 50 تعالى فريضة في الصلاة بحال.
والأفضل في صلاة الصبح تقديمها في أول وقتها، وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور وداود.
وقال أبو حنيفة والثوري: الإسفار بها أفضل، وكذلك التقديم في العصر والمغرب عندنا أفضل.
وقال أبو حنيفة: تقديم العصر في الغيم أفضل، وتأخيرها في الصحو أفضل، ما دامت الشمس بيضاء نقية، والنخعي كان يؤخر العصر، وبه قال الثوري.
وقال أبو حنيفة: تأخير المغرب في الغيم أفضل.
وأما الظهر، فتقديمها عندنا أفضل في غير شدة الحر، (فأما في شدة الحر في البلاد الحارة فتأخيرها أفضل) 51، في حق من يقصد
الجزء: 2 - الصفحة: 23
الصلاة في جماعة من بُعْدٍ، فتؤخر حتى يصير للشخص فيء يمشي (به) 52 القاصد إلى الصلاة.
ومن أصحابنا من قال: التأخير بحكم الإِبراد رخصة، وليس بفضيلة.
ومن أصحابنا من قال: هذه الرخصة، تعم جميع البلاد في شدة الحر.
وفي الإِبراد بالجمعة (وجهان) 53.
وقال أبو حنيفة: تعجيلها في الشتاء أفضل، وفي الصيف تأخيرها أفضل.
وقال مالك: تؤخر الظهر في الشتاء حتى يصير الفيء قدر ذراع.
وأما العشاء (فقد قال) 54 في القديم: تقديمها أفضل، وهو الأصح.
وقال في الجديد: تأخيرها أفضل، وهو قول أبي حنيفة.
وذكر في الحاوي عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه كان (يمتنع) 55 من تخريج القولين في ذلك، ويجعلهما على اختلاف (حالين) 56، فمن عرف من نفسه الصبر، وأن لا يغلبه النوم، فالتأخير له أفضل، ومن لم يثق من نفسه بذلك فالتقديم له أفضل.
الجزء: 2 - الصفحة: 24
(قال الشيخ الإِمام رحمه اللَّه) 57: وعندي أن هذا التفصيل يستقيم في المنفرد، وله وجه.
(فأما) 58 في حال الجماعة، فلا يستقيم لاختلاف أحوالهم، والصحيح أن المسألة على قولين.
والصلاة الوسطى 59 المذكورة في القرآن، هي صلاة الصبح، وبه قال مالك، وروي عن علي، وابن عباس رضي اللَّه عنهما.6061
الجزء: 2 - الصفحة: 25
وقد أبو حنيفة: هي صلاة العصر في حكاية الطحاوي عنه.626364 = والصلاة الوسطى، وصلاة العصر، وقوموا للَّه قانتين" قالت عائشة "سمعتها من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" رواه مسلم 5/ 130، والترمذي والنسائي وأبو داود "مختصر سنن أبي داود" 1/ 240، قال فعطف العصر على الوسطى يدل على أنها غيرها، وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون" رواه مسلم 5/ 133.
الجزء: 2 - الصفحة: 26
وروي عن زيد بن ثابت 65: أنها الظهر.
وذكر القدوري 66: أنه مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
وحكي عن قبيصة 67 بن (ذويب) 68: أنها المغرب.
الجزء: 2 - الصفحة: 27
فصل
قال الشافعي رحمه اللَّه: والوقت للصلاة وقتان، وقت مقام ورفاهية ووقت عذر وضرورة، واختلف أصحابنا في ذلك:
فحكي عن أبي علي بن خيران أنه قال: وقت المقام، أول الوقت للمقيم الذي لا يترفه، ووقت الرفاهية، آخر الوقت للمقيم المترفه بالتأخير.
وحكي عن أبي إسحاق، وأبي علي بن أبي هريرة، وعامة أصحابنا: أن وقت المقام، والرفاهية، وقت واحد، وهو ما بين أول الوقت إلى آخره، وقد مضى بيان هذا الوقت.
واختلفوا أيضًا في قوله: وقت عذر وضرورة.
فمنهم من قال: وقت العذر، هو وقت الصلاة في السفر، ووقت الضرورة، في حق الصبي يبلغ، والمجنون يفيق، وقد بقي من الوقت قدر ركعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 28
ومنهم من قال: (العذر والضرورة) 69 وقت واحد، وهو في حق المجنون، والصغير، والحائض، والنفساء، والكافر يسلم، (فاتبع) 70 أحد اللفظين الآخر، والمقصود بيان حكمهم في هذا الفصل.
فإذا زال عذر من هذه الأعذار في شخص، وقد بقي من الوقت قدر ركعة، وجب عليه صلاة الوقت، وإن بقي قدر تكبيرة ففيه قولان:
أحدهما: يجب عليه، وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: لا يجب، وهو قول مالك.
وهل يلزمه المغرب بإدراك جزء من (وقت) 71 العشاء، والظهر، بإدراك جزء من (وقت) 72 العصر؟
قال في الجديد: تجب الظهر بما تجب به العصر، وتجب المغرب بما تجب به العشاء، وقد حكينا القولين فيما يجبان به.
وذكر في القديم قولين:
أحدهما: أنه يجب عليه الظهر والعصر، بقدر خمس ركعات، أربع للظهر، وركعة للعصر، وتجب المغرب والعشاء بقدر أربع ركعات، ثلاث (ركعات) 73 للمغرب، وركعة للعشاء، وهو قول مالك، واعتبر مع ذلك إمكان الطهارة.
الجزء: 2 - الصفحة: 29
ومن (أصحابنا) 74: من اعتبر في النصراني يسلم مثل ذلك.
ومنهم: من لم يعتبر (ذلك) 75.
وغلط أبو إسحاق وقال: أربع للعصر، وليس بصحيح.
والقول الثاني من القديم: أنه تجب عليه الصلاتان، بقدر ركعة وطهارة، فأما إذا أدرك من أول الوقت، قدر ركعة، ثم طرأ العذر المسقط لفرض الصلاة، كالجنون، والإِغماء، والحيض، والنفاس، واستغرق وقت الصلاة، فإنه لا تجب عليه الصلاة.
وقال أبو يحيى البلخي 76: تجب عليه صلاة الوقت، بإدراك جزء من أول الوقت، كما تجب بإدراك ذلك من آخره.
وإن طرأ العذر بعد التمكن من فعل الصلاة، استقر فرضها في ذمته.
وحكي فيه وجه آخر: أنه يسقط، وليس بشيء فأما الصلاة التي بعدها، فلا تجب عليه.
وقال أبو يحيى البلخي: تجب الثانية من صلاتي الجمع، بإدراك
الجزء: 2 - الصفحة: 30
جزء من وقت الأولى) 77 فإن (فاتته) 78 صلاة، استحب له قضاؤها على الفور.
وقال أبو إسحاق المروزي 79: إن كان قد تركها بغير عذر، وجب عليه قضاؤها على الفور.
وإن (فاتته) 80 صلوات، استحب قضاؤها مرتبًا.
وقال أبو حنيفة: يجب قضاؤها مرتبًا مع الذكر، إلَّا أن تدخل في حد التكرار، وهو قول مالك.
وإن ذكر فائتة: وقد ضاق وقت الحاضرة، بدأ بالحاضرة.
وقال أبو حنيفة ومالك: يبدأ بالفائتة، وخالف مالكًا بعض أصحابه في ذلك.
وإن ذكر فائتة، وهو في الحاضرة، (قالا) 81: بطلت الحاضرة، وصلى الفائتة، ثم يصلي الحاضرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 31
وعندنا: (يتم) 82 الحاضرة، ثم يقضي الفائتة، وبه قال أبو يوسف.
وقال أحمد: يجب أن (يتم) 83 الحاضرة، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد الحاضرة.
وذكر بعض أصحابة: أنها تكون نافلة.
وإن اجتمع عليه فوائت، وجب عليه فيها الترتيب عنده مع الذكر، ولا فرق بين قليلها وكثيرها، إلَّا أن يضيق الوقت، فعنه روايتان:
وإن كان عليه فوائت لا يعرف عددها، ويعرف مدتها من شهر، وغيره.
قال القفال: يقال له: كم تتحقق أنك تركت من الصلوات؟ فإن قال: عشرة، قضاها دون ما زاد عليها.
قال القاضي حسين رحمه اللَّه: إن الأمر بالعكس من ذلك، فيقال: كم تتحقق أنك صليت في هذه المدة؟ فيقول: عشرة، فيقضي ما زاد على ذلك.
قال: ويقرب من هذا، إذا شك بعد السلام أنه ترك ركنًا من أركان الصلاة.
فعلى قوله الجديد: إذا لم يطل الفصل، يبني، وإن طال استأنف.
وعلى قوله القديم: لا شيء عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 32
(وقال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) 84: وهذا الذي ذكره من حكاية القولين، فيه: إذا شك (في ركن من) 85 الأركان بعد السلام ليس بصحيح، فإنه لا يختلف المذهب، أن الشك (بعد السلام لا يؤثر) 86، وإنما يعتبر طول الفصل، وقصره بعد السلام، إذا تيقن أنه (ترك ركنًا بعد) 87 السلام.
فإن نسي صلاة ولم يعرف عينها، فإنه يصلي خمس صلوات.
وقال المزني رحمه اللَّه: يصلي أربع ركعات ينوى الفائتة التي عليه، ويجلس ويتشهد في ركعتين، ثم يجلس في الثالثة، (ثم) 88 يجلس في الرابعة ويسلم، وهذا فاسد، واللَّه أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 33
باب الأذان
89 الأذان، والإِقامة مشروعان 90 للصلوات الخمس.
الجزء: 2 - الصفحة: 34
وقال أبو سعيد الإِصطخري: هما فرض على الكفاية.
وقال أبو علي بن خيران: الأذان سنة، إلا في الجمعة فإنه فرض على الكفاية.
والمذهب: الأول.
فإن اتفق أهل بلد على ترك الأذان والإِقامة، لم يقاتلوا (عليهما) 91 في أصح الوجهين، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة.
وقال أبو إسحاق: يقاتلون.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: هذا رجوع إلى قول أبي سعيد.
= وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، فقال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، فقال: تقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، اللَّه أكبر اللَّه أكبر لا إله إلا اللَّه.
ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، اللَّه أكبر اللَّه أكبر لا إله إلا اللَّه، فلما أصبحت أتيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها رؤيا حق إن شاء اللَّه، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك، فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، فيؤذن به، فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول اللَّه، لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فللَّه الحمد" رواه أبو داود بإسناد صحيح، وأخرجه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن، "مختصر سنن أبي داود" 1/ 272، 273، وانظر "المجموع" 3/ 81.
الجزء: 2 - الصفحة: 35
وقال داود: الأذان والإِقامة واجبان، وتصح الصلاة مع تركهما.
وقال الأوزاعي: إن نسي الأذان وصلى، أعاد الصلاة في الوقت.
وقال عطاء: إن نسي الإِقامة، أعاد الصلاة.
والأذان أفضل من الإِمامة 92.
وقيل: الإِمامة أفضل.
ويسن الأذان في حال الجماعة، والإِنفراد، في قوله الجديد.
وقال في القديم: والرجل يصلي في (المصر) 93 وحده، فأذان المؤذنين، وإقامتهم (كافية له والأول أصح) 94.
وقال مالك: يسن الأذان للجماعة الراتبة.
واختلف قول الشافعي رحمه اللَّه في الأذان للفوائت.
فقال في الأم: لا يؤذن لها، ويقيم (لكل واحدة) 95 منها، وبه قال مالك 96.
الجزء: 2 - الصفحة: 36
وقال في القديم: يؤذن للأولى وحدها، (ويقيم لها وللتي) 97 بعدها، وبه قال أحمد 98.
وقال في الإملاء: إن أمّل اجتماع الناس، (أذن) 99، (وأقام) 100، وإن لم يؤمّل ذلك، لم يؤذن 101.
قال أبو إسحاق: فعلى هذا القول ينبغي أن يكون في الحاضرة مثله.
وقال أبو حنيفة: إن أذن لكل فائتة، فحسن، وإن ترك، فجائز.
= الخندق، حتى ذهب هوي من الليل حتى كفينا وذلك قول اللَّه عز وجل: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ فدعا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بلالًا فأمره فأقام الظهر وأحسن" يصلي في وقتها، ثم أقام العصر، فصلاها كذلك، ثم أقام المغرب، فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء، فصلاها كذلك" صحيح رواه الشافعي، وأحمد بن حنبل في مسنديهما، ورواه النسائي 2/ 15، لكن لم يذكر المغرب والعشاء وإسناده صحيح، "المجموع" 3/ 90.
الجزء: 2 - الصفحة: 37
فإن جمع بين (صلاتين) 102 في وقت الأولى منهما، أذن، وأقام للأولى، وأقام للثانية كما فعل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعرفة.
وإن جمع بينهما في وقت الثانية، ففي الأذان للأولى ثلاثة أقوال، ويقيم للثانية.
ومن أصحابنا من قال: إن قدم العصر على الظهر في وقت العصر، أذن للعصر قولًا واحدًا، وهل يؤذن للظهر بعدها؟ فيه ثلاثة أقوال، كذا ذكره في الحاوي، وهو صحيح في العصر، وليس بصحيح في الظهر بعدها (فإنه لا يزيد حالها) 103 على الفائتة الثانية، والفائتة الثانية لا يؤذن لها قولًا واحدًا، وإنما الأقوال في الفائتة الأولى.
وقال أبو حنيفة: لا يقيم للعشاء بالمزدلفة.
ويجوز الأذان للصبح قبل دخول وقتها بعد نصف الليل 104، وبه قال مالك، وأحمد، وداود، وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجوز الأذان لها قبل طلوع الفجر.
والأذان تسع عشرة كلمة مع الترجيع في الشهادتين، يخفض صوته في الأوليتين، ويرفع في الأخريتين.
الجزء: 2 - الصفحة: 38
وقال أبو حنيفة: الأذان: خمس عشرة كلمة، فأسقط الترجيع.
وقال مالك: الأذان سبع عشرة كلمة، فأثبت الترجيع، وأسقط من التكبير كلمتين في أول الأذان.
وقال أبو يوسف: (الأذان) 105 ثلاث عشرة كلمة، فأسقط الترجيع وكلمتين من التكبير.
وقال أحمد: إن رجع فلا بأس، وإن لم يرجع فلا بأس، كذا حكاه ابن المنذر.
وحكى الخرقي 106: الأذان من غير ترجيع.
وقال إسحاق: قد ثبت أذان بلال 107، وأذان أبي مخدورة 108، وكل سنّة.
الجزء: 2 - الصفحة: 39
فإن ترك الترجيع، فالمذهب: أنه يعتد به، كما لو ترك التكبيرات الزوائد في صلاة العيد.
وحكى بعض أصحابنا عن الشافعي رحمه اللَّه: أنه لا يعتد بأذانه، وهذا فيه نظر.
والإِقامة: إحدى عشرة كلمة فرادى سوى لفظ الإِقامة، وهو قول أحمد.
وقال في القديم: لفظ (الإِقامة) أيضًا مرة، وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: الإِقامة مثنى مثنى كالأذان، ويزيد على الأذان لفظ الإِقامة مرتين، فتصير سبع عشرة كلمة.
ويسن التثويب في أذان الصبح بعد الحيعلة 109، فيقول: الصلاة خير من النوم مرتين، وبه قال مالك وأحمد.
وقال محمد بن الحسن في "الجامع الصغير": كان التثويب الأول: الصلاة خير من النوم مرتين (بين الأذان والإِقامة) 110 (ثم أحدث الناس حي على الصلاة، حي على الفلاح مرتين بين الأذان والإِقامة) 111 وهو حسن، ثم اختلف أصحابه.
= أمرّ يده على رأسه وصدره إلى سرته، وأمره بالأذان بمكة عند منصرفة من حنين، ولم يزل يؤذن فيها، توفي بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة سبع وسبعين، وبقي الأذان بمكة في أبي مخدورة وأولاده قرنا بعد قرن إلى زمن الشافعي، "تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 266، 267.
الجزء: 2 - الصفحة: 40
فحكى الطحاوي في اختلاف الفقهاء: مثل قولنا.
وقال أبو بكر الرازي 112: التثويب ليس بسنة في الأذان، قال: والذي قاله الطحاوي لا يحفظ.
ومنهم من قال: الذي قاله الطحاوي هو الصحيح، وقد روى ابن شجاع 113 مثله.
ولا يستحب التثويب في غير أذان الصبح.
وقال (الحسن) 114 بن صالح: يثوب في أذان العشاء.
وحكي عن النخعي: أنه يثوب في (أذان) 115 جميع الصلوات.
ولا يصح الأذان إلَّا من مسلم (عاقل) 116، ويصح أذان الصبي
الجزء: 2 - الصفحة: 41
الذي تصح صلاته، ويعتد به (للرجال) 117.
وقال داود: لا يعتد بأذانه للبالغين.
ويستحب أن يؤذن على طهارة 118، فإن أذن جنبًا، أو محدثًا، أعتد بأذانه.
وقال أحمد: (لا يعتد بأذانه) 119.
ويستقبل القبلة في أذانه، ويلوي عنقه يمينًا وشمالًا في (الحيعلة) 120، ولا يدور 121.
وذكر في الحاوي: أنه إذا كان البلد واسعًا، والخلق كثيرًا كبغداد، والبصرة، ففي (كراهة) 122 أذانه في (مجال) 123 المنارة وجهان.
الجزء: 2 - الصفحة: 42
وحكي عن القفال في كيفية الإِلتفات: أن يلتفت عن يمينه فيقول: حي على الصلاة، ثم يلتفت عن شماله فيقول: حي على الفلاح، ثم يلتفت عن يمينه فيقول: حي على الصلاة، ثم يلتفت عن شماله فيقول: حي على الفلاح، وهذا ليس بصحيح، ولا أصل له في الشرع.
وقال أبو حنيفة: لا يكره له أن يدور في مجال (المنارة) 124، ويكره (له) 125 على الأرض.
وعن مالك أنه قال: لا بأس باستدارة المؤذن عن يمينه وشماله إذا أراد (الإِسماع) 126.
ويكره أن يتكلم في أذانه وإقامته، فإن تكلم لم يمنع ذلك (الاعتداد بهما) 127.
وحكى ابن المنذر عن الزهري: أنه إذا تكلم في خلال الإِقامة أعادها.
قال الشافعي رحمه اللَّه: ولو سكت سكاتًا طويلًا، أحببت استئنافه، وكان له (البناء) 128.
قال أبو على في الإِفصاح: ينبغي أن يكون في الكلام مثله.
الجزء: 2 - الصفحة: 43
قال القاضي أبو الطيب: وليس بصحيح، لأن الكلام الذي ليس من شأن (الأذان) 129 يستغنى عن قليله وكثيره، والسكوت (خلافه) 130.
(قال الأمام أبو بكر) 131 (و) 132 ما ذكره أبو علي خلاف ظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه، فإنه ذكر استحباب الاستئناف في الكلام، ولم يفرق.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: (ما ذكره) في الكلام؛ إنما هو الكلام العائد إلى حاجة الإِنسان في نفسه.
فأما الكلام المتعلق (بمصلحة) 133 الناس في الصلاة، فإن الشافعي رحمة اللَّه (عليه) 134 قال:
الأولى: أنه يقوله بعد الفراغ من الأذان، فإن قاله في الأذان فلا بأس به، ولا يستحب إعادته، وذلك كقوله في الليلة المطيرة: ألا صلوا في رحالكم 135، فإن نام، أو غلب على عقله في خلال الأذان، ثم زال ذلك، استحب له استئنافه، طال أم قصر، وإن بنى عليه، جاز مع القرب، ولا يجوز لغيره أن (يبني) 136 عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 44
قال القاضي حسين رحمه اللَّه: (يجب أن يبني جواز بناء غيره) 137 على أذانه، على البناء في الخطبة، فإن قلنا في الخطبة لا يجوز، فها هنا أولى، وإن قلنا في الخطبة يجوز، فها هنا قولان، وهذا خلاف نص الشافعي رحمة اللَّه عليه في الأذان في الإِغماء.
فإن (ارتد) 138 في خلال الأذان وعاد في الحال، جاز أن يبني على أذانه في أصح الوجهين، كما لو أغمي عليه، ثم أفاق في الحال.
وقال أبو حنيفة: يبطل أذانه.
ولا يكره أذان الراكب وإقامته، وهو إحدى الروايتين عن مالك.
والرواية الثانية: أنه يكره الإقامة راكبًا.
والمستحب لمن سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول، إلَّا في الحيعلة فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلَّا باللَّه، ولا يقوله في الصلاة 139.
الجزء: 2 - الصفحة: 45
وحكى القاضي حسين رحمه اللَّه في محاكاة المؤذن في الصلاة قولين: والمذهب الأول.
وقال مالك: إذا كنت في نافلة، فقال مثل ما يقول، وإنما يحاكيه في التكبير والشهادتين، ويقول في الحيعلة: لا حول ولا قوة إلا باللَّه.
وفي جواز أخذ الأجرة على الأذان وجهان.
أحدهما: يجوز، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، كما يجوز أخذ الرزق.
والثاني: لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، واختيار الشيخ أبي حامد رحمة اللَّه عليه.
= من صلى عليّ صلاة، صلى اللَّه عليه بها عشرًا، ثم سلوا اللَّه لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللَّه، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة"، ثبت في "صحيح مسلم" 4/ 85.
الجزء: 2 - الصفحة: 46
باب طهارة البدن وما يصلى فيه وعليه
طهارة النجس، شرط في صحة الصلاة 140. وقال مالك: إذا صلى مع النجاسة، أعاد في الوقت ولا يعيد بعد فواته 141.
الجزء: 2 - الصفحة: 47
وحكي عنه: أن إزالة النجاسة واجبة، إلا يسير الدم.
وروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: ليس على الثوب جنابة.
وعن ابن مسعود رضي اللَّه عنه: أنه نحر جزورًا، فأصابه من فرثه ودمه، فصلى (فيه) 142 ولم يغسله.
وروي عن سعيد بن جبير: أنه سئل عن رجل صلّى وفي ثوبه أذى فقال: أقرأ عليّ الآية التي فيها غسل الثوب 143.
والنجاسة: دم، وغير دم، فغير الدم، إذا لم يدركه الطرف، فيه ثلاث طرق:
أحدها: يعفى عنه 144. = -صلى اللَّه عليه وسلم-: أن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا" رواه أبو داود, "مختصر سنن أبي داود" 1/ 328 بإسناد صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك، "المجموع" 3/ 139.
الجزء: 2 - الصفحة: 48
والثاني: لا يعفى عنه 145.
والثالث: فيه قولان.
وأما الدم، فيعفى عن القليل من دم (القمل، والبراغيث) 146، وفي كثيره وجهان:
أصحهما: أنه يعفى عنه.
وقال أبو سعيد الإِصطخري: لا يعفى عنه.
وفي دم غيرها ثلاثة أقوال:
أصحها: قوله في "الأم": أنه يعفى عن القدر الذي (يتعافاه) 147 الناس بينهم 148.
والثاني: (أنه) 149 لا يعفى عن شيء فيه.
وقال في القديم: يعفى عما دون الكف.
وعن مالك أنه قال: يعفى عن يسير الدم، ولا يعفى عما تفاحش.
وعنه في دم الحيض روايتان:
الجزء: 2 - الصفحة: 49
أحدهما: أنه كغيره من الدماء.
والثانية: أنه يستوي كثيره وقليله.
وحكي عن أحمد أنه قال: الشبر متفاحش، وحكي (عنه) 150 أيضًا.
أنه يعفى عن النقطة والنقطتين، واختلف عنه فيما بين ذلك.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يعفى عما لا يتفاحش من غير الدم، كالبول، والعذرة، واختلفوا في قدر التفاحش.
فقال الطحاوي: (التفاحش) 151، ربع الثوب.
ومنهم من قال: ذراع في ذراع.
وقال أبو بكر الرازي: شبر في شبر 152.
فإِن كان على فرجه دم يخاف من غسله، صلى وأعاد على أصح (القولين) 153.
وقال في القديم: لا يعيد وهو قول أبي حنيفة.
وإن جبر عظمه بعظم (نجس) 154، ولم يخف التلف من قلعه، لزمه قلعه 155.
الجزء: 2 - الصفحة: 50
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه.
وإن خاف من قلعه تلف نفسه، أو عضو من أعضائه، لم يلزمه قلعه.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه، وليس بشيء.
فإن مات لم يقلع على المنصوص 156.
وقال أبو العباس: يقلع، والمذهب الأول.
فإن شرب خمرًا، لزمه أن يتقيأ على المنصوص.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه ذلك، والمذهب الأول.
ويحرم على المرأة: أن تصل شعرها بشعر نجس، فأما إذا وصلته بشعر طاهر، أو (حمرت) 157 وجهها، أو سودت شعرها، أو (طرفّت) 158 أناملها، ولها زوج لم يكره، وإن لم يكن لها زوج كره، لما فيه من الغرور 159. = خلعه أجبره السلطان على قلعه، لأنه مستحق عليه يدخله النيابة، فإذا امتنع لزم السلطان أن يقلعه كرد المغصوب، "المهذب" 1/ 67.
الجزء: 2 - الصفحة: 51
وذكر بعض أصحابنا: أنه إن لم يكن لها زوج، لم يجز، وإن كان لها زوج، ففيه وجهان:
فإن فعلته بإذنه، جاز في أصح الوجهين، وبغير إذنه، لا يجوز، وليس المذهب كذلك.
= للحسن المغيرات خلق اللَّه فقالت له امرأة في ذلك، فقال: وما لي لا ألعن من لعنه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو في كتاب اللَّه تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ رواه البخاري ومسلم، أنظر "فتح الباري" 12/ 495. هذا والوصل لصوف والخرق كالوصل بالشعر عند الجمهور، واستدلوا بحديث جابر "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، زجر أن تصل المرأة برأسها شيئًا" رواه مسلم والبخاري، "فتح الباري" 12/ 497. أما ربط الشعر بخيوط الحرير الملونة ونحوهما مما لا يشبه الشعر، فليس بمنهي عنه، لأنه ليس بوصل، ولا هو في معنى مقصود الوصل، وإنما هو للتجميل والتحسين، أنظر "المجموع" 3/ 148, 149.
الجزء: 2 - الصفحة: 52
فصل
وطهارة الثوب الذي يصلي فيه، شرط في صحة الصلاة 160، فإن كان على ثوبه نجاسة غير معفو عنها، ولم يجد ما يغسلها به، صلى عريانًا ولم يصل فيه.
وقال في البويطي: قد قيل: يصلي فيه ويعيد، وليس بصحيح 161.
وحكى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه إن شاء، صلى عريانًا, وإن شاء صلّى في الثوب النجس من غير اعتبار (لمقادير) 162 النجاسة.
الجزء: 2 - الصفحة: 53
وروى (محمد) 163 عن أبي حنيفة: أنه إذا كان الدم في بعض الثوب، لم يجز أن يصلي عريانًا وصلّى فيه، وإن كان جميعه (نجسًا) 164 بالدم، فإن شاء صلّى فيه، وإن شاء صلّى عريانًا.
وقال مالك: يصلّي في الثوب النجس ولا يعيد.
فإن كان معه ثوبان: أحدهما نجس، واشتبها عليه، تحرى فيهما، وهو قول أبي حنيفة.
وقال أحمد: لا يتحرى فيهما، ويصلي في كل واحد منهما، فإن أداه اجتهاده إلى طهارة أحد الثوبين ونجاسة الآخر، فغسل النجس ولبسهما، وصلى فيهما صحت صلاته في أصح الوجهين وهو قول أبي العباس بن سريج.
(والثاني: لا تصح) 165 صلاته، وهو قول أبي إسحاق.
فإن أصاب أحد كمي القميص نجاسة، لم يتحر فيهما في أحد الوجيهن 166.
ذكر في الحاوي: أنه إذا أخبره ثقة، أن النجاسة حلت أحد الكمين، فإن قلنا: يجوز التحري فيهما، قبل خبره، وإن قلنا: لا يجوز التحري لم يقبل خبره، وهذا فاسد، بل يقبل خبره وجهًا واحدًا، وإن
الجزء: 2 - الصفحة: 54
كان في التحري، فيهما (وجهان) 167، فإن فصل أحد الكمين عن الآخر، جاز التحري وجهًا واحدًا.
فإن صلى وفي وسطه حبل مشدود إلى كلب كبير، لم تصح صلاته في (أصح) 168 الوجهين، وإن كان الحبل مشدود إلى سفينة كبيرة فيها نجاسة، والشد في موضع طاهر منها، صحت صلاته في أصح الوجهين.
فإن كان في قارورة نجاسة، (وسد) 169 رأسها (وحملها) 170 في الصلاة، لم تصح صلاته في (أصح) 171 الوجهين.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا حمل في صلاته رجلًا قد استنجى بالحجر، لم تصح صلاته، وهذا فيه نظر، لأن هذه النجاسة معفو عنها، ولهذا لا تمنع صحة صلاته.
وذكر أيضًا: أنه إذا وقع (على) 172 مصلاة نجاسة، ولم يلاقها شيء من ثيابه، ولا بدنه، ولكنها تحت ظله، فصلاته صحيحة في أصح الوجهين.
والثاني: ليس بشيء.
الجزء: 2 - الصفحة: 55
فصل
وطهارة الموضع الذي يصلي فيه، شرط في صحة الصلاة 173، فإن أصاب موضعًا من البيت نجاسة، ولم يعرف موضعها، لم يجز له أن يصلي فيه حتى يغسل جميعه في أصح الوجهين.
والثاني: أنه يصلي حيث شاء منه كالصحراء، وهذا فاسد.
وإن (حبس) 174 في حبس، ولم يقدر أن يتجنب النجاسة في
الجزء: 2 - الصفحة: 56
قعوده وسجوده، تجافى النجاسة وتجنبها في قعوده، (وأومأ) 175 في سجوده إلى الحد الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة، ولا يسجد على الأرض.
وقيل: يسجد على الأرض، وليس بشيء.
ومن أصحابنا: من يحكي في وجوب الصلاة على هذه الصفة قولين:
أحدهما: يجب.
والثاني: يستحب.
وهل يجب عليه الإِعادة إذا قدر؟ فيه قولان: فإذا أعاد (فبأيهما) 176 تحتسب له؟ .
قال في "الأم": (الثانية) 177 فرضه.
(قال الشيخ الإمام) 178: وهو الأصح، والأول، لشغل الوقت.
وقال في القديم: الأولى فرضه، والثانية استحباب.
وقال في "الإِملاء": كلاهما فرضه، واختاره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه.
وخرّج أبو إسحاق قولًا رابعًا: أن اللَّه (تعالى) 179 يحتسب بأيهما شاء، وينبغي أن يكون موضع قدمه طاهرًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 57
وذكر الشيخ أبو حامد: أن من صلى في الوقت بغير طهارة وأعادها، ففرضه الثانية قولًا واحدًا.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: كيف نقول هذا (وما فعله) 180 في الوقت فرض؟
وقال أبو حنيفة: إذا وضع قدمه على أكثر من قدر الدرهم، لم تصح صلاته، وإن وضع ركبته أو راحته، على أكثر من قدر الدرهم لم تبطل صلاته، وإن وضع جبهته على أكثر من قدر الدرهم (فعنه) 181 روايتان:
رواية محمد: تبطل صلاته.
ورواية أبي يوسف: لا تبطل استحسانًا.
فإن فرغ من الصلاة، فرأى على ثوبه، أو بدنه، أو موضع صلاته، نجاسة غير معفو عنها وكانت موجودة حال الصلاة.
ولم يكن قد علم بحالها، وجب عليه الإِعادة في أحد القولين، وهو قول أبي حنيفة (وهو إحدى) 182 الروايتين عن أحمد، كما لو علم بحالها قبل الصلاة ثم نسيها، فإنه يعيد قولًا واحدًا.
وذكر القاضي أبو حامد قولًا آخر: فيه: إذا نسي النجاسة، لا يعيد، مخرجًا من قوله القديم فيه: إذا لم يسبق علمه بها، وليس بصحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 58
فإن صلى في مقبرة يشك في نبشها، صحت صلاته، في أحد القولين، وهو قول مالك، (وهو) 183 قول أبي علي بن أبي هريرة.
والثاني: لا يصح وهو قول أبي إسحاق.
وقال أحمد: لا تصح الصلاة في المقبرة وإن كانت جديدة، وإن استقبلها وصلى إليها، فعنه في صحة صلاته روايتان، ويجعل النهي عن ذلك تعبدًا 184.
وتكره الصلاة في الحمام 185، وقيل: إن الكراهة بسبب النجاسة فتكون كالمقبرة.
وقيل: إن ذلك لأجل أنه مأوى الشيطان، فتكره الصلاة، وإن كان الموضع طاهرًا.
وقال أحمد: لا تجوز الصلاة في الحمام، ولا على سطحه 186.
الجزء: 2 - الصفحة: 59
ولا تجوز الصلاة في أرض مغصوبة، فإن صلى فيها صحت صلاته، وبه قال أبو حنيفة 187.
وقال أحمد: لا تصح 188.
وتجوز الصلاة على ما اتخذ من شعر، أو صوف، أو وبر.
وقالت الرافضة: لا تجوز الصلاة إلَّا على ما أخرجته الأرض من قطن، أو كتان، أو قصب، أو حشيش.
الجزء: 2 - الصفحة: 60
باب ستر العورة
ستر العورة عن العيون واجب 189، وهل يجب في حال الخلوة؟ فيه وجهان، وهو شرط في صحة الصلاة، وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: ستر العورة واجب للصلاة، وليس بشرط في صحتها 190.
الجزء: 2 - الصفحة: 61
فإن انكشف من العورة شيء، لم تصح الصلاة.
وقال أبو حنيفة: إذا ظهر من العورة المغلظة، وهي القبل، والدبر 191، قدر الدرهم، لم تبطل الصلاة، (وإن كان أكثر، بطلت) 192، وأما المخففة، فإن انكشف منها ما دون الربع من الفخذ، أو شعر المرأة، لم تبطل الصلاة.
وقال أبو يوسف: إن انكشف أفل من النصف، لم تبطل.
وعورة الرجل: ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليستا من العورة وبه قال مالك، وإحدى الروايتين عن أحمد 193.
ومن أصحابنا من قال: هما من العورة، وهو قول أبي حنيفة (في الركبة) 194.
وقال داود: السوأتان: هما العورة، وروي ذلك عن أحمد أيضًا.
والحرة: جميع بدنها عورة إلا الوجه، والكفين، وبه قال مالك 195. = أبي داود" 1/ 325، وأنظر "المجموع" 3/ 172. ومن جهة القياس أن هذه عبادة من شرطها الطهارة لها تعلق بالنية، فوجب أن يكون من شرطها ستر العورة كالطواف.
"المنتقى" للباجي 1/ 247.
الجزء: 2 - الصفحة: 62
وقال أبو حنيفة: قدمها (أيضًا) 196 ليس بعورة، وهو قول الثوري، واختيار المزني.
وقال أحمد: يجب عليها ستر جميع بدنها إلا الوجه، وبه قال دواد.
وحكي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام أحد الفقهاء السبعة 197: أن جميع بدنها عورة (حتى ظفرها) 198.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه قال: إنه لا يجوز للأجنبي مس يد الأجنبية ولو لم تكن عورة.
(وكذلك) 199 ذو الرحم (المحرم) 200 لا يجوز أن يمس ذات الرحم، وإن لم تكن عورة في حقه.
قال الشيخ الإِمام رحمه اللَّه: وهذا صحيح في الأجنبية، وليس = "إحكام الأحكام" لابن دقيق العيد 2/ 51، ولو كان الوجه والكف عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء، وإلى إبراز الكف للأخذ والعطاء، فلم يجعل ذلك عورة، "المهذب" للشيرازي 1/ 71.
الجزء: 2 - الصفحة: 63
بصحيح في ذات المحرم، فإنه (يجوز) 201 له مسها إذا لم يقصد الشهوة.
وأما الأمة: فعورتها كعورة الرجل على ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من قال: جميع بدنها عورة إلا موضع (التقليب منها في الشعر) 202 كالرأس، والساعد، والساق.
ومنهم من قال: عورتها كعورة الحرة إلا إنه (يجوز) 203 لها كشف رأسها.
ومن نصفها حرة، ونصفها رقيق، بمنزلة الحرة على ظاهر المذهب.
قال ابن المنذر: كان الحسن البصري من أهل العلم يوجب على الأمة الخمار إذا تزوجت، أو اتخذها السيد لنفسه، وروى إذا ولدت.
وحكم أم الولد، حكم الأمة القن.
وحكي عن ابن سيرين: أن أم الولد تصلي متقنعة بثوب، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ويحكى عن مالك.
فإن أعتقت الأمة في أثناء الصلاة، ورأسها مكشوف، وهناك سترة بعيدة، بطلت صلاتها.
ذكر في الحاوي اختلافًا بين أصحابنا فيما تبطل به صلاتها، فالصحيح أنها تبطل بالقدرة على أخذ الثوب.
فتبطل في الحال.
الجزء: 2 - الصفحة: 64
والثاني: أنها تبطل بالمضي لأخذ الثوب، وتطاول (العهد) 204.
قال (الشيخ) 205: وهو الصحيح عندي.
(قال الشيخ الإِمام رحمه اللَّه) 206: والأول عندي أصح.
فإن انتظرت من يناولها السترة، فناولها من غير أن يحدث عملًا، فقد حكي فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق، أن صلاتها لا تبطل.
والثاني: أنها تبطل.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه في ذلك قولين، بناء على القولين في سبق الحدث في الصلاة، وهذا بناء فاسد، والصحيح ها هنا أن لا تبطل، وفي سبق الحدث أن تبطل (صلاته) 207.
فإن لم تعلم بالعتق حتى فرغت من الصلاة، فص وجوب الإِعادة عليها قولان:
وقيل: تجب الإِعادة قولًا واحدًا، والأول أصح.
فإن صلى الرجل في سراويل (أو مئزر) 208، فالمستحب له أن يطرح على عاتقه شيئًا ولو حبلًا.
وقال أحمد: لا تصح صلاته، حتى يطرح على عاتقه شيئًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 65
فإن صلى في قميص واسع الجيب، ترى العورة منه من غير سراويل، ولم يزره عليه لم تصح صلاته.
وحكي في الحاوي عن أبي حنيفة: أن صلاته تصح.
وحكي عن القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا كان قد زر القميص، ووقف يصلي على جدار ترى عورته من تحته، فصلاته صحيحة، وفي هذا نظر، وينبغي أن لا تصح صلاته.
وذكر أيضًا: أنه إذا كان في القميص، أو السراويل خرق، (فوضع) 209 يده عليه وستره بكفه، فهل تصح صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تصح.
وذكر أيضًا: أنه إذا كانت لحيته كثة (كبيرة) 210 تستر موضع الأزرار من الجيب، فلا ترى عورته منه، ففيه وجهان.
وذكر أيضًا: أنه إذا كان في ماء (فهل) 211 يعد ذلك سترًا؟ فيه وجهان:
أظهرهما عندي في جميع هذه المسائل: أن لا تصح صلاته، ويتعذر عليه الستر بعض بدنه.
فإن لم يجد سترة، ووجد طينًا، فهل يلزمه أن يطين (به) 212 عورته؟ (فيه) 213 وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 66
أحدهما: يلزمه.
ولا يجوز أن يصلي في ثوب حرير، ولا على ثوب حرير، فإن صلى فيه، صحت صلاته.
وقال أحمد: لا تصح 214.
فإن كان (عريانًا) 215، ولم يجد إلا ثوب حرير، فقد حكي فيه وجهان:
أحدهما: أنه يصلي به، ولا يصلي عريانًا.
والشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: ذكر أنه يلزمه أن يصلي فيه وغيره، بناء على الثوب النجس إذا لم يجد غيره، هل يلزمه لبسه؟ (فيه) 216 وجهان، وهذا بناء فاسد.
فإن وجد ما يستر به بعض العورة، ستر القبل، والدبر 217.
فإن وجد ما يستر به أحدهما، ستر القبل في أصح الوجهين 218، فإن لم يجد سترة، صلى قائمًا، وبه قال مالك.
وقال المزني رحمه اللَّه: يلزمه أن يصلي قاعدًا، وبه قال أحمد.
الجزء: 2 - الصفحة: 67
وقال أبو حنيفة ة إن شاء صلى قاعدًا، وإن شاء صلى قائمًا.
قال في "الأم": إذا كانوا عراة، صلوا جماعة وفرادى.
وقال في القديم: الأولى أن يصلوا فرادى.
فإن كان مع واحد منهم ثوب، فأعارهم ليصلوا فيه واحدًا بعد واحد، لزمهم قبول ذلك، فإن خافوا فوت الوقت إذا صلوا فيه، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: ينتظرون حتى يصلوا فيه.
وقال في قوم في سفينة ليس فيها إلا موضع يقوم فيه واحد: إنهم يصلون من قعود إذا خافوا فوت الوقت، فمن أصحابنا من خرج المسألتين على قولين، بنقل الجوابين، ومنهم من حملهما على ظاهرهما، وفرق بينهما.
فإن وهب الثوب من العريان ليصلي فيه، لم يلزمه قبوله.
وقيل: يلزمه قبوله، فيصلي فيه ثم يرده إن شاء.
وقيل: يلزمه قبوله (وليس له) 219 رده، والأول أصح.
فإن كان معه ثوب على طرفه نجاسة، ويمكنه قطع النجس، فقد ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إن كان أرش النقص يزيد على أجرة (مثله) 220، لم يلزمه ذلك، وهذا فيه تعسف، فإن الزمان الذي يصلي فيه لا يكون له من الأجرة (ما يقابل أرش) 221 النقص به، وكان من حقه أن يعتبره بقيمة الثوب، فإنه يلزمه إبتياعه بثمن مثله، فيقابل الأرش بالثمن.
الجزء: 2 - الصفحة: 68
باب استقبال القبلة
222 الجزء: 2 - الصفحة: 69
يجوز أن يصلي في الكعبة، والأفضل أن يصلي النفل فيها 223، والفرض خارجًا منها لكثرة الجماعة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أحمد، ومالك: يصلي النافلة فيها دون الفريضة 224.
وحكي عن محمد بن جرير الطبري أنه قال: لا يجوز فعل الفريضة، ولا النافلة فيها.
فإن صلى على ظهر الكعبة، وليس بين يديه سترة، لم تصح صلاته 225.
وقال أبو حنيفة: تصح.
فإن صلى على ظهرها، وبين يديه عصا مغروزة في سطح البيت غير مسمرة، ففي صحة صلاته وجهان: = الرابع: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ "المجموع" 3/ 195.
الجزء: 2 - الصفحة: 70
وإن صلّى في عرصة البيت، وليس بين يديه سترة، فقد قال أبو إسحاق: لا يجوز وهو المنصوص عليه، وقال غيره: يجوز.
ومن كان غائبًا عن مكة، وأخبره مخبر عن القبلة عن علم، عمل لخبره، ولا يجتهد، ولا يقبل خبر فاسق، ولا كافر.
(قال القاضي أبو الطيب: سمعت الماسرجسي 226 يقول: يقبل قول الكافر في قبول الهدية، والإذن في دخول الدار) 227.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: ويجب أن يقبل قول الفاسق المسلم، وحكي في القبلة وجه آخر أنه: يقبل قول الفاسق فيها، وليس بشيء.
وذكر في الحاوي: أنه إذا استعلم مسلم من مشرك دلائل القبلة، ووقع في نفسه صدقه، واجتهد لنفسه بذلك على القبلة، جاز، وفيه نظر.
وحكى القاضي حسين رحمه اللَّه في قبول خبر الصبي عن القفال عن أبي زيد 228: أنه حكى عن الشافعي رحمه اللَّه (نصًا) 229 أنه يقبل.
الجزء: 2 - الصفحة: 71
وحكى الخضري 230 نصًا: أنه لا يقبل.
قال القفال: فحكيت للخضري (ما قاله) 231 أبو زيد فقال: لا يتهم ذلك الشيخ.
(قال الشيخ الإِمام رحمه اللَّه) 232: وما ذكره لا يستمر على أصل الشافعي رحمه اللَّه.
وإن لم يجد من يخبره بالقبلة، اجتهد في طلبها، وفي فرضه قولان:
قال في "الأم" 233: فرضه إصابة العين بالاجتهاد، وهو قول الجرجاني 234 من أصحاب أبي حنيفة.
الجزء: 2 - الصفحة: 72
وظاهر ما نقله المزني رحمه اللَّه: أن فرضه إصابة الجهة، وهو قول الباقين من أصحاب أبي حنيفة.
وإن كان بأرض مكة، وبينه وبين البيت حائل طارىء يمنع المشاهدة كالأبنية 235.
من أصحابنا من قال: هو بمنزلة الحائل الأصلي كالجبل، فيكون حكمه حكم الغائب، وهو الأصح.
ومنهم من قال: يلزمه أن يصلي إليها بيقين.
فإن اجتهد رجلان، فاختلف اجتهادهما، لم يقلد أحدهما الآخر، ولا يجوز أن يأتم به 236.
وقال أبو ثور: يجوز أن يأتم به.
وإن صلى بالاجتهاد إلى جهة، ثم حضرت الصلاة الثانية، لزمه أن يعيد الاجتهاد في أحد الوجهين، وهو المنصوص عليه 237.
وإن تغير اجتهاده وهو في الصلاة، تحول إلى الجهة الثانية وبنى على صلاته في أصح الوجهين 238.
الجزء: 2 - الصفحة: 73
والثاني: أنه يستأنفها (بقلبه) 239.
وذكر في الحاوي وجهًا آخر: أنه يبقى على اجتهاده، وليس بشيء.
فإن بان له يقين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة، لم يجب عليه الإعادة في أحد القولين، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، واختيار المزني.
والقول الثاني: أنه يجب عليه الإعادة.
وإن بان له يقين الخطأ في أثناء الصلاة، (فإن) 240 قلنا: إنه إذا بان له ذلك بعد الفراغ، تجب عليه الإعادة (وجب عليه الاستئناف ها هنا، وإن قلنا: لا تجب عليه الإعادة) 241 هناك، فقد ذكر الشيخ أبو حامد في البناء على صلاته وجهين.
وذكر الشيخ أبو نصر في ذلك تفصيلًا فقال: إن كان قد بانت له القبلة حين بان له الخطأ توجه إليها، وبنى على صلاته.
وإن احتاج إلى اجتهاد بطلت صلاته.
فإن شرع الأعمى في الصلاة عن تقليد رجل، فقال له آخر: قد أخطأ بك الأول يقينًا.
قال أبو إسحاق: لزمه أن يتحول إلى حيث قال له، وهل يستأنف
الجزء: 2 - الصفحة: 74
الصلاة، (أو) 242 يبني عليها ما ذكرناه من القولين؟ (وإن قال له) 243 باجتهاده: إن الأول قد أخطأ بك، واستويا عنده، أقام على ما هو عليه.
وذكر في الحاوي فيه وجهين:
أحدهما: أنه يبقى على حاله.
والثاني: أنه يرجع إلى قول الثاني.
وإن كان قد اختلف عليه اجتهاد رجلين في ابتداء الصلاة، فقد حكى فيه وجهين أيضًا.
أحدهما: أنه يتخير في الأخذ بقول أيهما شاء.
(قال الشيخ الإمام رحمه اللَّه) 244: وعندي على هذا الوجه، يجب إذا كان ذلك في أثناء الصلاة أن (يتخير) 245 بين البقاء على الأول، وبين الانتقال إلى قول الثاني مع البناء على صلاته.
والوجه الثاني: أنه يأخذ بقولهما، فيصلي صلاتين، إلى كل جهة صلاة، وهذا ليس بشيء.
فإن أداه اجتهاده إلى جهة، (فصلّى) 246 إلى غيرها، لم تصح صلاته، وإن بان له أنها القبلة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف: تصح صلاته.
الجزء: 2 - الصفحة: 75
ومن لا يعرف الدلائل، والأعمى، سواء في التقليد 247.
وقال داود: يسقط عنهما فرض التقليد، (ويصليان) 248 إلى حيث شاءا.
وإن كان ممن يعرف الدلائل، ولكنها خفيت عليه لظلمة، أو غيم، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه في موضع هو كالأعمى.
وقال في موضع: ولا يسع بصيرًا أن يقلد 249.
فقال أبو إسحاق: يصلي على حسب حاله، ويعيد ولا يقلد.
ومن أصحابنا من قال: إن ضاق عليه الوقت، قلد غيره، وإن اتسع عليه الوقت للاجتهاد، لم يجز له التقليد.
وقال المزني، وغيره، في المسألة قولان: أصحهما أنه يقلد.
فإن كان (ممن) 250 يمكنه تعلم الأدلة، والوقت يتسع له، فأخر التعلم حتى ضاق الوقت، قلد غيره وصلّى، وفي الإعادة وجهان.
فأما النافلة في السفر، فإن كان راكبًا في موضع واسع يمكنه أن يدور فيه من (كنيسة) 251 أو غيرها، لزمه أن يتوجه إلى القبلة في جميع
الجزء: 2 - الصفحة: 76
الصلاة في أصح الوجهين، فإن أراد أن يصلي الفريضة على هذه الصفة، لم يصح.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: إذا أمكنه أن يصلي الفريضة في (محمل) 252 واسع، فيقوم، ويركع، ويسجد، صحت صلاته إذا كانت الراحلة واقفة، (أو) 253 كان لها من يسيرها فتتبعه، كما لو صلى على سرير يحمله أربعة.
وإن كان راكبًا في كنيسة ضيقة، أو على قتب، أو سرج، وكان سائرًا (والدابة) 254 سهلة يمكن إدارتها إلى القبلة، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يلزمه أن يدير رأسها إلى القبلة في حال الإحرام.
والثاني: أنه لا يلزمه وهو ظاهر المذهب.
وأما الماشي، فإنه يتوجه إلى القبلة في الإحرام، والركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين، وفيما سوى ذلك يترك القبلة.
وقيل: إنه يسلم إلى القبلة أيضًا، وليس بشيء.
وقال أبو حنيفة: الماشي لا يصلي النافلة.
وأما صلاة الجنازة:
فقد ذكر الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه، والقاضي أبو الطيب، أن = يغرز في المحمل، أو في الرحل قضبان ويلقى عليه ثوب يستظل به الراكب ويستتر به، "المصباح المنير" 2/ 836.
الجزء: 2 - الصفحة: 77
الشافعي رحمه اللَّه قال في "الأم": (لا يصلي) 255 فائتة، ولا صلاة نذر، ولا صلاة جنازة.
وقال القفال: يحتمل أن يقال في صلاة الجنازة إذا لم (تتعين) 256، يجوز أن يصليها راكبًا كما يصليها بتيمم الفريضة، وهذا خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه.
وذكر في الحاوي: أنه إذا لم (يتغير) 257 عليه، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول البصريين أنه يجوز.
والثاني: وهو قول البغداديين، أنه لا يجوز فعلها إلى غير القبلة.
قال القاضي حسين رحمه اللَّه: قد نص الشافعي رحمه اللَّه على أن صلاة الجنازة لا يجوز فعلها راكبًا، ونص في التيمم أنه يجوز الجمع بينها وبين الفريضة بتيمم (واحد) 258.
فمن أصحابنا: من جعلها على قولين.
ومنهم: من حملها على حالين، (واعتبر التعيين وعدم التعيين) 259، وسوى بينهما في الحكم.
الجزء: 2 - الصفحة: 78
ومنهم: من فرق بينهما، وكذلك (ذكر) 260 في فعل المنذورة على الراحلة قولين، وهذا خلاف نص الشافعي رحمة اللَّه عليه.
فإن كان راكبًا على دابة، فوقف (عن) 261 السير لاستراحة، فإنه يلزمه استقبال القبلة فيما بقي من صلاته، لأنه قد لزمه التوجه إلى القبلة بوقوفه، فلم يجز له تركه حتى ينهي صلاته، كذا ذكر في الحاوي.
وذكر الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: في الواقف على الدابة، أنه يستقبل القبلة، (فإذا) 262 سافر انحرف إلى جهة سفره، وبنى على (صلاته) 263، وهذا هو الصحيح.
فإن عدلت به دابته في حال سيرها عن جهة سفره إلى غير جهة القبلة وغلبه لم تبطل صلاته، وسجد لذلك سجود السهو، نص عليه الشافعي رحمة اللَّه عليه.
وذكر في الحاوي: في سجود السهو لذلك وجهين، وذكر أيضًا، إذا طال سيرها في تلك الجهة ولم يقدر على ردها، في بطلان صلاته وجهين، بناء على أن فعلها كفعله في العمد، (فكذلك) 264 في السهو.
وطويل السفر وقصيره سواء فيما ذكرناه.
الجزء: 2 - الصفحة: 79
وقال مالك: لا يجوز الترخص بما ذكرناه إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة، فأما المقيم، فلا يجوز له ترك القبلة في النفل 265. وقال أبو سعيد الإصطخري: يجوز (له) 266 ذلك في حال سيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 80
باب صفة الصلاة
إذا فرغ المؤذن من الإقامة، قام الإمام والمأموم إلى الصلاة 267، وبه قال مالك، وأحمد وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة والثوري: إذا قال المؤذن: حي على الصلاة، قاموا في الصف، فإذا قال: قد قامت الصلاة، كبر الإمام، وكبر القوم 268.
الجزء: 2 - الصفحة: 81
وقال زفر: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة مرة، نهض الإمام وقاموا في الصف، فإذا ثنى المؤذن فقال: قد قامت الصلاة كبر الإمام وكبر القوم.
فإذا قال المؤذن: اللَّه أكبر إلى آخره، أخذ الإمام في القراءة، وهو قول الحسن بن زياد.
وقال الطحاوي: محمد مع أبي يوسف في هذه المسألة.
وقال أبو بكر الرازي: محمد مع أبي حنيفة.
ولا يكبر المأموم حتى يفرغ الإمام من التكبير، وبه قال مالك وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة (وسفيان) 269، ومحمد: يكبر مع تكبير الإمام.
فإن سبق المأموم الإمام بتكبيرة الإحرام، فإنه يقطعها بالتسليم، ويستأنف التكبير ويتابعه.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: ويحتمل وجهًا آخر، أن يصير إلى صلاة الإمام من غير قطع، بناء على القولين في نفل صلاة المنفرد إلى الجماعة.
وحكى عن مالك أنه قال: يعيد تكبيرته.
وقال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وينبغي أن يكون هذا بعد قطع الصلاة، وهذا إنما يتصور، إذا اعتقد أن الإمام قد كبر، فكبر ولم يكن = قال: "كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة، نهض النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فكبر" رواه البيهقي، ويقول: وهذا لا يرويه الحجاج ابن فروخ، وكان يحيى بن معين يضعفه، "السنن الكبرى" للبيهقي 2/ 22.
الجزء: 2 - الصفحة: 82
قد كبر، فأما إذا كبر مع العلم بأنه لم (يكبر) 270، مقتديًا به، فإنه لا تنعقد صلاته.
وينوي: والنية فرض للصلاة 271، ومحلها القلب، وغلط بعض أصحابنا 272 فقال: لا تجزئه النية حتى يتلفظ بلسانه، وليس بشيء.
وأما كيفيتها: فقد قال أبو إسحاق المروزي: ينوي صلاة الظهر المفروضة.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجزئه نية الظهر (أو) 273 العصر 274، ولا تجب نية الفرض وهو قول أبي حنيفة.
ولا تجب نية الأداء، والقضاء في أصح الوجهين 275، فأما السنن الراتبة، كصلاة العيدين،
الجزء: 2 - الصفحة: 83
والكسوفين، والاستسقاء، وقيام رمضان، والسنن الراتبة مع الفرائض (فلا) 276 بد منها، من نية مقيدة بما تنسب إليه 277.
وقيل: في السنن الراتبة (سوى) 278 ركعتي الفجر، يكفي فيها نية الفعل، واختاره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه، والأول أصح.
قال في "الأم": ولو شك هل دخلها بينة أم لا، ثم ذكر قبل أن يحدث فيها عملًا، أجزأه، والعمل فيها قراءة، أو ركوع أو سجود.
وقيل فيه: إذا قرأ (لا تبطل) 279 صلاته، وليس بشيء.
وذكر في الحاوي: أنه إذا كان الزمان في حال الشك قريبًا، بنى على صلاته، وإن طال الزمان ففيه وجهان:
أحدهما: أن صلاته تبطل، وكلام الشافعي رضي اللَّه عنه مطلق، (وبنى) 280 القاضي حسين: القراءة في حال الشك على تكرار القراءة، هل تبطل الصلاة أم لا؟ وهذا بناء فاسد (الحكم) 281، بخلاف نص الشافعي رحمه اللَّه.
الجزء: 2 - الصفحة: 84
وفرّع القاضي حسين رحمه اللَّه على ذلك، (أنه) 282 إذا شك في نية الاقتداء بالإمام، ثم تذكر في الحال، بنى على صلاته، (وإن لم) 283 يتذكر (حتى) 284 فعل فعلًا، بنى على الوجهين فيه إذا تابع الإمام في الأفعال من غير نية الإقتداء به، وحكى فيه وجهين.
(قال الإمام أبو بكر رضي اللَّه عنه) 285: وهذا الأصل الذي بني عليه (عندي) 286 غير صحيح، وينبغي أن يكون الحكم فيه، أنه إذا تابع الإمام في الأفعال، ولم يترك من ترتيب صلاته في متابعته في الأفعال شيئًا، لم تبطل صلاته، وإن ترك من واحد ترتيب صلاته بمتابعته في الأفعال شيئًا، بطلت صلاته.
فإن نوى الخروج من الصلاة، أو شك هل يخرج منها أو لا يخرج، بطلت صلاته 287.
وقال أبو حنيفة: لا تبطل.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا علق نية الخروج من الصلاة بشرط، (فنوى) 288 إن دخل فلان، خرجت من الصلاة، فهل يصير خارجًا (في الحال منها) 289؟ فيه وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 85
أحدهما: لا يصير خارجًا ما لم يوجد الشرط، وهذا تخريج فاسد.
فإن أحرم بالفرض، ثم صرف النية إلى النفل، بطل الفرض، وهل يصح النفل؟ فيه قولان:
أصحهما: أنه لا يصح.
والثاني: أنه يصير نفلًا، نص (عليه) 290 الشافعي رحمه اللَّه في كتاب "الإمامة" فقال: لو أحرم في مسجد، ثم جاء (الإمام) 291 فتقدم، فأحب أن يكمل ركعتين ثم يسلم، تكونان له نافلة.
فمن أصحابنا: من لم يجعل ما ذكره في (الإمامة) 292 قولًا آخر للشافعي رحمه اللَّه، وإنما أجازه للحاجة إلى فعل الجماعة.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: والقول الأول أصح.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أن الشافعي رضي اللَّه عنه، نص فيمن صلّى قاعدًا فقدر على القيام، أن صلاته تبطل إذا لم يقم، ونص في المسبوق، إذا أدرك الإمام راكعًا، فكبر هاويًا وانعقد نفلًا، وقال في رجل: دخل (المسجد) 293 (وشرع) 294 في فريضة، ثم حضر جماعة فعقدوا جماعة، أن يسلم (على ما تقدم) 295. فحكي أن أصحابنا، جعلوا في جميع المسائل قولين.
الجزء: 2 - الصفحة: 86
وذكر: أنه إذا دخل في ظهرِ، فنوى أن يجعلها عصرًا، أو سنة راتبة، بطل ما نواه، وهل تصير نفلًا؟ فيه قولان:
وإن نوى سنة راتبة، فنوى نقلها إلى فرض، لم تصر فرضًا، وهل تصير نافلة؟ فيه قولان:
وحكي: أنه إذا نوى فريصة، وشرع فيها، ثم نوى إبطال الفريضة، من أصحابنا من قال فيه قولان.
أحدهما: تصير نفلًا.
ومن أصحابنا من قال: ها هنا قولًا واحدًا: لا تبطل، وعلى هذا، لو شرع في تطوع ثم نوى نقله إلى فرض، أو إلى سنة راتبة، ففيه طريقان:
أحدهما: فيه قولان.
والثاني: يبقى نفلًا قولًا واحدًا.
(قال الشيخ الإمام رحمه اللَّه) 296: وعندي: أن إطلاق القولين في ذلك ليس بصحيح، بل يحتاج إلى تفصيل، فيقال: إن كان نقله (للصلاة) 297 من صفة إلى صفة اختيارًا من جهته، لا لفرض صحيح يفوته، بطلت صلاته، ولم يحصل له ما نواه، وذلك مثل مسألة القاعد قدر على القيام فتركه.
وكذا، إذا أحرم فينوي الظهر قبل الزوال مع العلم بالحال، لم ينعقد له نفل، ولا فرض، لأنه متلاعب بصلاته.
الجزء: 2 - الصفحة: 87
وأما إذا كان نقله إلى النفل لفرض صحيح، كمسألة المنفرد إذا حضر جماعة، ففي صحة نقلها إلى النفل قولان:
وعلى هذا إذا أحرم بالظهر قبل الزوال، معتقدًا أن الشمس قد زالت، ولم تكن قد زالت، انعقد نفلًا في أحد القولين.
وعلى هذا مسألة الهاوي إلى الركوع، إن كان عالمًا بأن ذلك لا يجوز، لم يحصل له شيء، وإن كان جاهلًا بذلك حصل له نقل.
فأما وقت النية: فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: (ينوي) 298 حال التكبير لا قبله ولا بعده، ومعناه: أن تكون نيته ذكرًا بقلبه، مقترنة بالتكبير من أوله إلى آخره.
وقال القفال: إذا قارنت نيته ابتداء التكبير، انعقدت صلاته وإن عزبت بعده.
وقال أبو حنيفة: إذا تقدمت النية على التكبير بزمان يسير، انعقدت الصلاة، وإن تقدمت بزمان طويل، لم تنعقد، كذا ذكر أبو بكر الرازي.
وذكر في الطحاوي في كتابه: أن مذهب أبي حنيفة مثل مذهبنا، وكذا (قال) 299 الكرخي.
وقال داود: يجب أن ينوي قبل التكبير.
الجزء: 2 - الصفحة: 88
فصل
ويكبر، وذلك فرض 300.
وحكي عن الزهري، والحسن بن صالح: أن الصلاة تنعقد بمجرد النية من غير لفظ.
(والتكبير) 301: أن يقول: اللَّه أكبر (أو) 302 اللَّه الأكبر، وبه قال سفيان، داود، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: تنعقد بكل اسم من أسماء اللَّه تعالى على وجه
الجزء: 2 - الصفحة: 89
التعظيم، كقوله: اللَّه عظيم، أو جليل، وإن قال: اللَّه، أو الرحمن، (فعنه فيه) 303 روايتان:
روى الحسن بن زياد: أنه يجوز، وظاهر رواية الأصول، أنه لا بد من ذكر الصفة، وبه قال محمد بن الحسن.
وقال أبو يوسف: تنعقد بلفظ التكبير، فيضيف إليه: اللَّه الكبير، ولا ينعقد بما سوى ذلك.
وقال مالك، وأحمد: ينعقد بقوله اللَّه أكبر، ولا ينعقد بقوله اللَّه الأكبر 304.
فإن قال: أكبر اللَّه، أو الأكبر اللَّه، أجزأه في أصح الوجهين، وهو قول أبي إسحاق، ذكره في الشرح.
والثاني: (لا يجزئه) 305.
وقد خرّج القاضي حسين رحمه اللَّه، التسليم (والتكبير) 306 على قولين، بنقل الجوابين، وليس بشيء.
ومنهم: من فرق بينهما، وليس بشيء.
وذكر في الحاوي أنه إذا قال: الأكبر اللَّه (فيه) 307 وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 90
وإن قال: أكبر اللَّه، لم يجزه، والصحيح الأول.
ذكر في الحاوي: (أنه) 308 إذا فصل بين الاسم، وبين التكبير بشيء من صفات اللَّه نظر: فإن كان يسيرًا، لا يصير التكبير به مفصولًا عن الاسم كقوله: اللَّه لا إله إلا هو أكبر، (أو) 309 اللَّه عز وجل أكبر، أجزأه (وإن كبره) 310، وإن طال كقوله: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له أكبر، لم يجزه، وهذا فيه نظر.
(قال الشيخ الإمام رحمه اللَّه) 311: ولا اعتبار عندي في ذلك بالطول، والقصر، وإنما الاعتبار بنظام الكلام في مقصوده، فمتى كان مقصود الكلام التكبير، بأن يكون قوله: أكبر متعلقًا به وخبرًا عنه، انعقد.
وإن تضمن تهليلًا كقوله: اللَّه لا إله إلا هو وحده لا شريك له أكبر، بخلاف قوله: لا إله إلا اللَّه أكبر، لأنه يسمى تهليلًا.
إذا أدرك الإمام راكعًا، فكبر تكبيرة ينوي بها تكبيرة الافتتاح، والركوع، لم يجزه عن الفرض.
وينبغي أن يكبر للإحرام قائمًا، ثم يكبر للركوع، وهل ينعقد نافلة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ينعقد.
الجزء: 2 - الصفحة: 91
والثاني: ينعقد، هذا إذا كان جاهلًا (بتحريم) 312 ذلك.
إذا كان يحسن العربية، فكبر بغيرها، لم تنعقد صلاته 313، وإن لم يحسن (العربية) 314 كبر بلسانه، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
ذكر في الحاوي: أنه إذا كان لا يحسن العربية، ويحسن بالفارسية، والسريانية، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يكبر بالفارسية.
والثاني: بالسريانية.
والثالث: بأيهما شاء.
وإن كان يحسن بالفارسية، والتركية، (فالفارسية) 315 أولى في أحد الوجهين:
والثاني: أنهما سواء.
وإن كان يحسن بالسريانية، والنبطية، (فالسريانية) 316 أولى في أحد الوجهين.
والثاني: أنه يخير بينهما.
وإن كان يحسن بالتركية، والهندية، فهما سواء وجهًا واحدًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 92
(قال الشيخ الإمام رحمه اللَّه) 317: وهذا التخريج فاسد، فإن اللغات بعد العربية سواء، وإنما اختصت العربية بذلك تعبدًا.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يكبر بغير العربية، وإن كان يحسن العربية.
وإن أتى بذكر غير واجب بغير العربية، لم تبطل الصلاة.
وقال القفال: تبطل صلاته، وليس بصحيح.
قال الشافعي رحمه اللَّه في "الأم": وكذلك: الذكر، والتكبير، والتشهد، والقرآن، وكذلك التعوذ، فإن قال ذلك بلسانه مع القدرة على العربية فقد أساء، وصلاته (مجزئة) 318.
وقال القفال: تبطل صلاته، وليس بصحيح.
فإن ضاق عليه الوقت عن التعلم، وخاف فوتها إن اشتغل به، صلاها على حسب حاله، وكبر بلسانه، ولا قضاء عليه.
ومن أصحابنا من قال: إذا لم يجد في موضعه من يعلمه، لا يلزمه أن (يرحل) 319 إلى موضع يجد فيه من يعلمه.
(قال الشيخ الإمام رحمه اللَّه) 320 وهذا عندي وهم، وليس بصحيح.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا صلى الظهر، ولم يعرف
الجزء: 2 - الصفحة: 93
أنها فرض، لم تصح صلاته، وكذا لو اعتقد في بعض الأركان أنه نفل، لم تصح صلاته، وإن اعتقد أن (جملة الهيئات والأركان) فرض، فهل تنعقد صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: تنعقد.
والثاني: لا تنعقد.
(قال الشيخ الإمام رحمه اللَّه) 321: وهذا عندي فيه نظر، لأنه إن اعتقد ذلك جاهلًا بأحكام الشرع، (فالجهل) 322 في الصلاة يؤثر في العفو، وإن كان (يعفى بترك) 323 التعلم، فلا يمنع الصحة كمن يعقد النكاح جاهلًا بشروطه، وقد حصلت شروطه، فإنه ينعقد.
والتكبير أول الصلاة، والتسليم آخرها.
وقال أبو الحسن الكرخي: الذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة، أن التكبير ليس من الصلاة.
الجزء: 2 - الصفحة: 94
فصل
(والسنة) 324: أن يرفع يديه في تكبيرة الإحرام حذو منكبيه وهو قول مالك 325. وقال أبو حنيفة: يرفعهما حيال أذنيه، (ويثبت) 326 مرفوعتين حتى يفرغ من التكبير ثم يحطهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 95
وقال أبو علي في الإفصاح: رأيت للشافعي رحمه اللَّه، (أنه) 327 إذا أراد أن يكبر (أسبل) 328 يديه ثم يرفعهما فيكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وانتهاؤه مع انتهائه.
وقال الشيخ أبو نصر: وما قاله أبو علي خلاف نصه.
وحكى القاضي حسين رحمه اللَّه وجهًا ثالثًا: أنه يرفع غير مكبر، (ويرسل) 329 غير مكبر، والأول أصح.
ثم يأخذ كوعه الأيسر بكفه الأيمن، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وداود، واختلفت الرواية عن مالك.
فروي عنه: ما ذكرناه.
وروي عنه: أنه يرسل يديه إرسالًا، وروي ذلك عن الحسن البصري، وابن سيرين.
وقال الليث بن سعد: أنه يرسل يديه، إلَّا أن يطيل القيام (فيعيا) 330.
وقال الأوزاعي: من شاء فعل، ومن شاء ترك.
ويضعهما تحت صدره وفوق سرته 331.
الجزء: 2 - الصفحة: 96
وقال أبو إسحاق المروزي: يجعلهما تحت سرته 332، وهو قول أبي حنيفة.
وعن أحمد: روايتان في ذلك.
والسنة: أن ينظر إلى موضع سجوده 333.
قال الشافعي رحمه اللَّه: وإن (رمى) 334 بصره أمامه كان حقيقًا، والخشوع أولى، وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: يكون بصره أمام قبلته.
= والساعد" رواه مسلم، "السنن الكبرى" للبيهقي 2/ 28. وانظر صحيح مسلم 4: 114.
الجزء: 2 - الصفحة: 97
فصل
ثم يأتي بدعاء الاستفتاح، فيقول: وَجَّهْتُ وجهيَ للَّذي فَطَرَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ حَنيفًا مُسْلِمًا ومَا أنا منَ المُشْرِكين، إنَّ صَلاتي وَنُسُكي، وَمَحْيَايَ وَمَمَاتي للَّه رَبِّ العَالمينَ، لا شَرِيك لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأنَا من المُسْلِمينَ 335 ".
الجزء: 2 - الصفحة: 98
وقال مالك: لا يسن ذلك، بل يكبر، ويفتتح القراءة.
وقال أبو حنيفة: السنة: أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وبه قال أحمد 336.
وقال أبو يوسف: يجمع بين الدعائين.
ثم (يتعوذ) 337 قبل القراءة فيقول: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم.
وقال مالك: لا يتعوذ في المكتوبة، ويتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ.
وحكى عن النخعي، وابن سيرين: أنهما كانا يتعوذان بعد (القراءة) 338.
وقال سفيان الثوري: يقول: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، إن اللَّه هو السميع العليم.
وقال الحسن بن صالح بن حي: يقول: أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم.
= من المسلمين، وفي بعضها: وأنا أول المسلمين، "السنن الكبرى" للبيهقي 2/ 32.
الجزء: 2 - الصفحة: 99
وقال أحمد: يقول: أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، إنه هو السميع العليم 339.
وفي الجهر بالتعوذ قولان، ويستحب التعوذ في كل ركعة (وهو قول أبي حنيفة) 340، وهو في الأولى آكد.
ومن أصحابنا من قال: فيما عدا الأولى قولان.
وقال أبو حنيفة: الإستعاذة في أول (ركعة) 341.
الجزء: 2 - الصفحة: 100
فصل
ثم يقرأ فاتحة الكتاب، وذلك فرض في الصلاة، وبه قال مالك، وأحمد.
ويحكى عن الحسن بن صالح، والأصم: أن القراءة سنة (في الصلاة) 342.
وقال أبو حنيفة: لا تتعين قراءة (فاتحة الكتاب في الصلاة) 343، وتجزئة قراءة آية 344.
وقال أبو يوسف ومحمد: يجب قراءة ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة كآية (الدين) 345.
الجزء: 2 - الصفحة: 101
ويبتدىء القراءة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وهى آية من الفاتحة، ومن كل سورة ذكرت في فاتحتها 346، وبه قال أحمد 347، وهو قول عطاء، والزهري، وعبد اللَّه بن المبارك 348، وكان ابن المبارك يقول: من ترك بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية من القرآن.
وذكر الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه: أن من أصحابنا من قال: للشافعي رحمه اللَّه (قول) 349 آخر في غير الفاتحة، أنها ليست من القرآن.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: هي آية من القرآن في كل موضع ذكرت فيه قطعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 102
وعامة أصحابنا قالوا: نثبتها في أول كل سورة حكمًا (في وجوب قراءتها) 350، وتعلق صحة الصلاة بها.
وقال أبو حنيفة، ومالك، وداود: ليست من فاتحة الكتاب، ولا من سائر السور غير النمل، وهي بعض آية في النمل.
وقال أبو الحسن الكرخي: ليس عن أصحابنا رواية في ذلك، ومذهبهم إخفاؤها، وذلك يدل على أنها ليست من فاتحة الكتاب، وكان أيضًا يقول: إنها من سورة النمل، ثم نقلت إلى أوائل السور للفصل، كذا حكى أبو بكر الرازي.
(وقال أبو بكر الرازي) 351: وسمعناه يقول بعد ذلك: إنها آية تامة مفردة في كل موضع أثبتت فيه، وليست من السورة، وهي بعض آية في سورة النمل.
قال الشافعي رحمه اللَّه: ويجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم قبل أم القرآن، وقبل السورة، وروي ذلك عن عطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، ومجاهد: أنهم كانوا يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، ويروى عن عمر ابن الخطاب 352، وابن عمر رضي اللَّه عنهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 103
قال ابن المنذر: كان إسحاق بن راهوية، يميل إلى الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم.
وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: يسرّ بها.
وقال مالك: المستحب أن لا يقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، بل يفتتح القراءة بالحمد للَّه رب العالمين.
وقال ابن أبي ليلى: إن جهرت فحسن، وإن أخفيت فحسن.
وكان النخعي يقول: الجهر بها بدعة.
وتجب الموالاة في القراءة، فإن نوى قطع القراءة وسكت، انقطعت.
وذكر في الحاوي: أنه إذا سكت طويلًا، انقطعت، وإن كان قليلًا ففيه وجهان.
أصحهما: أنها تنقطع، والأول أصح.
فإن قال الإمام: آمين، والمأموم لم يفرغ من الفاتحة، فقد ذكر أبو علي في "الإفصاح" أنه يقول: آمين، ولا تنقطع قراءته.
وكان الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه يقول: يستأنف القراءة، والأول أصح، وهو اختيار القاضي (أبي) 353 الطيب رحمه اللَّه.
= على خفيه فقيل له: تمسح قال: نعم، مسح عمر بن الخطاب ومن جعل عمر بن الخطاب بينه وبين اللَّه فقد استوثق، والمتأمل في كتابه إلى أبي موسى الأشعري وجد الفضل والفقه له، "مفتاح السعادة" 2/ 8 وتاريخ الفقه الإسلامي للشيخ محمد علي السايس: 53، 54، وأنظر "نظرية الغرر" 2/ 353 للمحقق غفر اللَّه له.
الجزء: 2 - الصفحة: 104
وتجب قراءة الفاتحة في كل ركعة 354.
وقال أبو حنيفة: لا تجب القراءة في أكثر من ركعتين 355.
وقال مالك: إذا قرأ في أكثر ركعات الصلاة، أجزأه، وروي أيضًا عنه نحو قولنا.
وقال الحسن البصري: إن قرأ في ركعة واحدة أجزأه.
وهل تجب (القراءة على المأموم) 356 في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة؟ فيه قولان:
أصحهما: أنها تجب.
والثاني: أنها لا تجب، وبه قال مالك، وأحمد، وداود.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يقرأ المأموم بحال.
فإذا قلنا بالثاني: فجهر الإمام بالقراءة فى الصلاة التي يسر فيها، يسقط فرض القراءة عنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط، وبالعكس من هذا، وأسر بالقراءة في صلاة
الجزء: 2 - الصفحة: 105
الجهر، فيه وجهان: وعلى هذا لو كان بعيدًا عن الإمام بحيث لا يسمع، هل يقرأ على وجهين، ذكر ذلك (كله) 357 القاضي حسين.
والصحيح: أن تعتبر حال الصلاة في وضعها، (ولا يتغير) 358 فرضه بإساءة الإمام بالجهر في موضع الإسرار خاصة.
فإن ترك القراءة ناسيًا، لم تصح صلاته في قوله الجديد.
وقال في القديم: تصح صلاته.
ويجوز أن يقرأ (من) 359 المصحف في الصلاة ناظرًا، وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته 360 إذا قرأ من المصحف، إلا أن يقرأ آية قصيرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 106
فصل
361 فإذا فرغ من الفاتحة أمّن، والتأمين سنة 362 يجهر363364365
الجزء: 2 - الصفحة: 107
(به) 366 الإمام (في صلاة الجهر) 367 وبه قال عطاء، وأحمد، وداود 368.
وقال أبو حنيفة: يخفيه الإمام، وهو إحدى الروايتين عن مالك 369، والرواية الثانية وهي الأظهر عندهم، أن الإمام لا يقولها.
وأما المأموم، فقد قال في الجديد: يسمع نفسه.
وقال في القديم: يجهر، فمن أصحابنا من قال فيه قولان:
أحدهما: يجهر به وهو قول أحمد 370.
والثاني: يسر به وهو قول أبي حنيفة، والثوري.
= 5 - وعن وائل بن حجر رضي اللَّه عنه قال: "سمعت أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين، مد بها صوته" رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وفي رواية أبي داود "رفع صوته" أنظر الترمذي 2/ 27، و"سنن أبي داود" 1/ 214.
الجزء: 2 - الصفحة: 108
ومن أصحابنا من قال: إن كان المسجد كبيرًا والخلق كثيرًا جهر (به) 371 المأموم، وإن كان صغيرًا يسمعون تأمين الإمام لم يجهر المأموم، فإن نسي التأمين حتى شرع في السورة لم يأت به، وقيل؛ يأتي (به) 372، والأول أصح.
فإن لم يحسن الفاتحة وأحسن غيرها من القرآن، قرأ سبع آيات، وهل يعتبر أن يكون فيها بعدد حروف الفاتحة؟ فيه قولان:
أصحهما: أنه يعتبر ذلك.
فإن لم يحسن شيئًا من القرآن أتى بذكر، وفي قدره وجهان:
قال أبو إسحاق: يأتي من الذكر بمقدار حروف الفاتحة.
وقال أبو علي الطبري: يأتي بما نص عليه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من غير زيادة، وهو سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إِلا باللَّه 373، والمذهب الأول.
فإن أحسن آية من الفاتحة، وأحسن غيرها من القرآن، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يقرأ الآية، ثم يقرأ ست آيات من غيرها.
والثاني: أنه يكرر الآية، وحكى الشيخ أبو حامد في ذلك قولين:
الجزء: 2 - الصفحة: 109
فإن لم يحسن شيئًا من القرآن، ولا من الذكر، قام بقدر سبع آيات، وعليه أن يتعلم.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يحسن من القرآن شيئًا، وقف ساكتًا.
وقال مالك: يسقط عنه القيام أيضًا.
وإنما ينتقل إلى الذكر عندنا، من لا يقدر على التعلم، فأما من قدر على التعلم، واتسع الزمان له، ووجد من يعلمه، فصلى بغير (القراءة) 374، وجب عليه إعادة ما صلى إذا تعلم القرآن، وفي قدر ما يعيده وجهان:
أصحهما: أنه يعيد كل صلاة صلّاها إلى أن تعلم.
والثاني: أنه يعتبر ذلك من وقت (قدرته) 375 على التعلم إلى أن تعاطى التعلم وأخذ فيه.
فإن قرأ القرآن بالفارسية، لم يجزه 376.
وقال أبو حنيفة: إن شاء قرأ بالعربية، وإن شاء (قرأ) 377 بالفارسية تفسير القرآن.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن الفاتحة، لم يجزه تفسيرها، وإن كان لا يحسنها فقرأ تفسيره (بلغته) 378، أجزأه.
الجزء: 2 - الصفحة: 110
فصل
ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة، وذلك سنة 379.380381382
الجزء: 2 - الصفحة: 111
وروى ابن المنذر عن عثمان بن أبي العاص (387) أنه قال: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات بعدها.
ويستحب قراءة السورة في الأوليين، (وفي استحبابها في الأخريين قولان):383384385386 = وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر قدر الأخيرتين من الظهر، وحزرنا قيامه في الأخيرتين من العصر على النصف من ذلك، رواه مسلم 4/ 172.
الجزء: 2 - الصفحة: 112
أحدهما: لا يستحب وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: يستحب، وهو الأصح.
ويستحب التسوية بين الركعتين الأولتين في القراءة.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: سمعت أبا الحسن (الماسرجسي) 388 يقول: يستحب للإمام أن تكون قراءته في الركعة الأولى (من كل صلاة) 389 أطول من قراءته في الثانية، ويستحب ذلك في الفجر أكثر.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يستحب ذلك في الصبح خاصة، (ويقرأ في الصبح بطوال المفصل) 390، فإن كان في يوم الجمعة، استحب أن يقرأ ألم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان 391.
وحكى عن أبي حنيفة أنه قال: يقرأ في الأولى (من) 392 ثلاثين آية إلى ستين آية، وفي الثانية من عشرين (آية) 393 إلى ثلاثين آية، ويقرأ في الظهر نحو ما يقرأ في الصبح.
= أقره على ولايته، وكذلك عمر في زمنه، قدم على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في وفد ثقيف، توفي في خلافة معاوية، "تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 321.
الجزء: 2 - الصفحة: 113
وروى أبو الحسن الكرخي: مثل ذلك عن أبي حنيفة.
ويقرأ في العصر، والعشاء بأوساط المفصل، سورة الجمعة، والمنافقين.
وحكي عن أبى حنيفة أنه قال: يقرأ في العصر (في) 394 الأوليين في كل ركعة قدر عشرين آية سوى (فاتحة) 395 الكتاب، وكذا في العشاء.
وقال أحمد: يقرأ خمس عشرة آية، وذلك نحو قولنا.
ويستحب للمنفرد، الجهر بالقراءة فيما يجهر فيه.
وقال أبو حنيفة: لا يسن ذلك.
فإن فاتته صلاة بالنهار فقضاها بالليل أسر، وإن فاتته صلاة بالليل فقضاها بالنهار أسر 396.
وقال الشيخ الإمام أبو إسحاق رحمه اللَّه: يحتمل أن يجهر.
(وقد حكى أبو ثور عن الشافعي رحمه اللَّه: أنه يجهر) 397، وبه قال أبو حنيفة في (الإمام) 398.
الجزء: 2 - الصفحة: 114
فإن فاتته صلاة الليل، فقضاها بالليل جهر.
وقال الأوزاعي: إن شاء جهر، وإن شاء أسر.
فإن اتفقت جنازة بالليل، فقد حكى بعض أصحابنا (فيها) 399 وجهين:
أصحهما: أنه يسر.
وحكى بعض أصحاب مالك أنه قال في (نفل) 400 النهار: يجهر.
وقيل: يكره 401.
الجزء: 2 - الصفحة: 115
فصل
ثم يركع مكبرًا 402.
عن سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز أنهما قالا: لا يكبر إلا عند الافتتاح.
وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يرفع يديه إلا في تكبيرة الافتتاح.
وعن مالك في ذلك: روايتان:
الجزء: 2 - الصفحة: 116
ويضع يديه على ركبتيه 403.
ورُوي أن أبن مسعود: كان إذا ركع طبق يديه، وجعلهما بين ركبتيه، ومات على ذلك، وروي ذلك عن الأسود 404، وشريك 405.
ويبتدىء بالتكبير قائمًا، وينحني حتى تبلغ راحتاه ركبتيه، ويطمئن، والطمأنينة واجبة 406.
وقال أبو حنيفة: إذا حنى ظهره قليلًا كفاه، ولا تجب الطمأنينة.
ويقول: سبحان ربي العظيم، وذلك سنة.
الجزء: 2 - الصفحة: 117
وقال أحمد وداود: (هو واجب) 407 في الركوع، والسجود مرة واحدة، وكذلك التكبيرات في التسميع، والدعاء بين السجدتين، إلا أن ذلك عند أحمد، إذا ترك (إحدى) 408 ذلك ناسيًا لا تبطل صلاته.
وعند داود: لا تبطل بتركه عامدًا أيضًا.
ويسبح ثلاثًا 409.
وحكى الطحاوي عن الثوري أنه كان يقول: ينبغي للإمام أن يقول: سبحان ربي العظيم خمسًا، حتى يدرك المأموم أن يقول خلفه ثلاثًا.
فإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع، ابتدأ قوله سمع اللَّه لمن حمده رافعًا يديه، فإذا استوى قائمًا قال: ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد 410، ولا فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد وبه قال عطاء.
الجزء: 2 - الصفحة: 118
وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: لا يزيد الإمام على قوله سمع اللَّه لمن حمده، ولا يزيد المأموم على قوله: ربنا لك الحمد، وبه قال محمد، وأبو يوسف.
وقال مالك: المنفرد يقولهما.
والرفع من الركوع، والاعتدال فيه واجب 411.
وقال أبو حنيفة: الرفع من الركوع غير واجب، ويجوز أن ينحط من الركوع إلى السجود.
واختلف أصحاب مالك.
فمنهم من قال: هو واجب.
ومنهم من قال: هو غير واجب 412. = روى أبو سعيد الخدري رضي اللَّه عنه أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "كان إذا رفع رأسه من الركوع قال ذلك" صحيح رواه مسلم بلفظه 4/ 194. ويقول في الاعتدال: ثبت عن رفاعة بن رافع رضي اللَّه عنه قال: كنا نصلي وراء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقال رجل وراءه، ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف، قال: "من المتكلم"، قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول" رواه البخاري 1: 144 وأنظر "السنن الكبرى" 2/ 95.
الجزء: 2 - الصفحة: 119
فصل
413 ثم يسجد وهو فرض 414، ويكبر (عند) 415 الهوي، ويضع ركبتيه، ثم يديه ثم جبهته وأنفه، وبه قال أحمد، وأبو حنيفة 416. وقال الأوزاعي: يضع يديه ثم ركبتيه.417
الجزء: 2 - الصفحة: 120
وقال أصحاب مالك: إن شاء وضع اليدين، وإن شاء وضع الركبتين، ووضع اليدين أحسن، فإن اقتصر على وضع الجبهة أجزأه، (ومن) 418 اقتصر على وضع الأنف لم يجزه 419.
وقال أبو حنيفة: يجوز الاقتصار على الأنف.
= 3 - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد ولم يضعفه أبو داود، "مختصر سنن أبي داود" 1/ 398، وأنظر "المجموع" 393، 394، و"المغني" لابن قدامة 1/ 37.
الجزء: 2 - الصفحة: 121
وقال أحمد في (إحدى) 420 الروايتين عنه: يجب السجود عليهما.
وقال إسحاق: إن تعمد ترك السجود على الأنف، بطلت صلاته، وهو قول بعض أصحاب مالك.
وقال ابن القاسم من أصحابه: إن اقتصر على وضع الجبهة، أعاد في الوقت، وإن اقتصر على الأنف، أعاد أمدًا.
ويجب كشف الجبهة في السجود.
وقال أبو حنيفة: يجوز السجود على كور العمامة، وبه قال مالك وأحمد، وزاد أبو حنيفة فقال: أكره أن يسجد على يده، فإن سجد عليها، أجزأه.
فإن كان على جبهته عصابة لعلة بها، فسجد عليها، أجزأه، ولا إعادة عليه.
ومن أصحابنا من (قال) 421: خرَجَ فيه قولًا آخر في وجوب الإعادة من المسح على الجبيرة 422.
فأما وضع اليدين والركبتين والقدمين، ففيه قولان:
أحدهما: (أنه) 423 يجب السجود عليها، وهو قول أحمد 424.
والثاني: يجب، وهو قول أصحاب مالك.
الجزء: 2 - الصفحة: 122
ويقول سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، ويطمئن في سجوده، وهو واجب.
وقال أبو حنيفة: الطمأنينة فيه غير واجبة، ثم يرفع مكبرًا حتى يعتدل جالسًا، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: الاعتدال غير واجب.
ويكفيه في الرفع مثل حد السيف، ويجلس على صدور قدميه، والأول أصح، ثم يسجد سجدة أخرى مثل الأولى، ثم يرفع رأسه (مكبرًا) 427، وقال: فإذا استوى جالسًا نهض.
وقال في "الأم": (يقوم) (4) من السجدة الثانية.
فمن أصحابنا من قال: يجلس إن كان (يضعف) (5) عن النهوض من السجود، ويقوم من السجود إن كان لا يضعف عن ذلك.
ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: أنه يقوم من السجود، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد.
والثاني: أنه يستحب أن يجلس للاستراحة، وهذه الجلسة من الركعة الثانية.425426 = أعضاء، يديه وركبتيه وأطراف أصابعه وجبهته" رواه البخاري، ومسلم 2/ 440، ولا يجب كشف القدمين والركبتين، لأن كشف الركبة يفضي إلى كشف العورة، فتبطل صلاته، والقدم قد يكون في الخف، فكشفها يبطل المسح والصلاة.
الجزء: 2 - الصفحة: 123
قال أبو إسحاق: يقوم منها من غير تكبير.
ومن أصحابنا من قال: يمد التكبير إلى أن ينهض قائمًا، فيكون ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع، وانتهاؤه مع استوائه قائمًا، وهو الأصح.
وينهض معتمدًا على يديه، وبه قال مالك وأحمد 428.
وقال أبو حنيفة: يقوم غير معتمد على الأرض بيديه، ولا يرفع يديه في السجود، ولا في القيام من السجود.
وقال أبو علي في "الإفصاح": يستحب له رفع اليدين كلما قام في الصلاة من التشهد الأول والسجود، واختاره ابن المنذر.429430431432
الجزء: 2 - الصفحة: 124
فصل
فإن كانت الصلاة تزيد على ركعتين، جلس للتشهد الأول في الركعتين مفترضًا يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: يجلس في جميع جلسات الصلاة متوركًا، وإذا التشهد، والجلوس فيه سنة.
وقال أحمد، وداود، أبو ثور: جميع ذلك واجب.
ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى مبسوطة، (فأما) 433 يده اليمنى، فقد ذكر في "الأم": أنه يقبض أصابع يده اليمنى إلّا المسبحة، ويضعها على فخذه اليمنى.
وفي كيفية وضع الإبهام على هذا القول وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 125
أحدهما: أنه يضعها (تحت) 434 المسبحة على حرف راحته، كأنه عاقد ثلاثة وخمسين.
والثاني: (أنه) 435 يضعها على حرف أصبعه الوسطى، ويشير بالمسبحة للإخلاص في الشهادة.
وقال في "الإملاء": إذا جلس وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وبسطها، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه الثلاث، الخنصر، والبنصر، والوسطى، وبسط المسبحة، والإبهام.
والثالث: أنه يقبض الخنصر، والبنصر، ويحلق بالإبهام مع الوسطى حلقة، ويشير بالمسبحة، والأول هو المشهور، وهل يحركها؟ فيه وجهان:
قال الشيخ أبو نصر: يحركها طوال التشهد.
والثاني: لا يحركها وهو الأظهر.
وأفضل التشهد، تشهد عبد اللَّه بن عباس 436 رضي اللَّه عنهما رواه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه علمه إياه، وبه قال أحمد، وسفيان، وأبو ثور: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات للَّه سلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، سلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه".
الجزء: 2 - الصفحة: 126
وقال مالك: أحب التشهد، تشهد عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه "التحيات للَّه الزاكيات للَّه، الطيبات (الصلوات) 437 للَّه، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه (وبركاته) 438، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه (وحده لا شريك له) 439، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وقال أبو حنيفة: أفضل التشهد تشهد عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه "التحيات (للَّه) 440 والصلوات والطيبات، والسلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه (وبركاته) 441، (السلام) 442 علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبه قال الثوري.
وقال أبو علي في "الإفصاح": الأفضل أن يقول: "بسم اللَّه وباللَّه، التحيات المباركات الزاكيات، الصلوات، الطيبات" (ليجمع) 443
الجزء: 2 - الصفحة: 127
بين الألفاظ، وهذا غير صحيح، (لأن) 444 ذكر التسمية غير صحيح.
(وهل) 445 يسن فيه الصلاة على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فيه قولان:
قال في القديم: لا يسن.
وقال في الجديد: يسن فيه الصلاة على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا يزيد عليه.
وقال مالك: يدعو فيه بما شاء: كالتشهد الأخير.
ثم يقوم إلى الركعة الثالثة، ويبتدىء بالتكبير من ابتداء القيام ويمده إلى حال استوائه.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يكبر حتى يستوي قائمًا.
ويعتمد على يديه في نهوضه، ويكره تقديم إحدى رجليه على الأخرى في نهوضه.
وحكي عن مالك أنه قال: لا بأس به.
(وحكي) 446 عن مجاهد: أنه رخص فيه للشيخ، فإذا بلغ إلى آخر صلاته، يجلس للتشهد الأخير متوركًا، فيخرج رجليه من جانب وركه الأيمن، ويفضي بوركه (إلى) 447 الأرض، وينصب رجله اليمنى.
الجزء: 2 - الصفحة: 128
وقال أبو حنيفة: يجلس مفترشًا في جميع جلسات الصلاة.
وهذا التشهد، والقعود فيه فرض، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: القعود بقدر التشهد واجب 448، والتشهد فيه غير واجب.
وقال مالك: القعود والتشهد فيه جميعًا سنة، وروي ذلك عن الزهري.
ويصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيقول: "اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم 449، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
والصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا التشهد واجبة، (وهو) 450 قول أحمد في إحدى الروايتين عنه.
وقال أبو حنيفة: الصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصلاة غير واجبة 451، وبه قال مالك 452.
الجزء: 2 - الصفحة: 129
وفي الصلاة على (آل) 453 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وجهان:
أحدهما: لا تجب، وبه قال أحمد.
وآله -صلى اللَّه عليه وسلم-: بنو هاشم، وبنو المطلب، وقد نص الشافعي رحمه اللَّه على ذلك 454.
وقيل: آله، أهل دينه وأمته، فإن قال صلى اللَّه على محمد، فقد حكي فيه وجهان، كما لو قال: عليكم السلام.455456
الجزء: 2 - الصفحة: 130
ويدعو بما أحبّ من دين ودنيا 457.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز له أن يدعو في صلاته إِلا بما يوافق لفظ القرآن والأدعية المأثورة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا يدعو بما يشبه كلام الآدميين.
ومن أصحابه من قال: ما لا يطلب إِلا من اللَّه، يجوز الدعاء به، وما يجوز أن يطلب من المخلوقين إِذا سأل اللَّه ذلك في الصلاة، بطلت صلاته.
ويكره أن يقرأ في التشهد، والركوع، والسجود، فإن قرأ، لم تبطل صلاته.
وحكي فيه وجه آخر: أنه إذا قرأ الفاتحة في هذا المحل بطلت صلاته.
الجزء: 2 - الصفحة: 131
فصل
458
ثم (يسلم) 459، والتحلل من الصلاة بالسلام واجب 460.
وقال أبو حنيفة: التحلل من الصلاة بالسلام مستحب، ويصح الخروج من الصلاة عنده بكل ما يضادها من قول، وفعل، من حدث وغيره، والخروج عنده واجب، غير أنه لا يتعين ما يخرج به والسلام من الصلاة.
وقال أصحاب أبي حنيفة: ليس هو من الصلاة، ويسلم تسليمة عن يمينه، وأخرى عن شماله في قوله الجديد.
الجزء: 2 - الصفحة: 132
وقال في القديم: إن كثر الناس واللغط، واتسع المسجد سلم تسليمتين 461، وإن قلّوا، أو سكتوا سلم تسليمة واحدة، والأول أصح، وهو قول أبي حنيفة وأحمد.
وقال مالك: يسلم تسليمة واحدة، إذا كان إمامًا أو منفردًا.
وحكى الطحاوي عن الحسن بن صالح بن حي الكوفي: أنه يجب (التسليمتان) 462 جميعًا، وهو أصح الروايتين عن أحمد.
والأكمل من السلام أن يقول: السلام عليكم ورحمة اللَّه، والواجب: السلام عليكم، وبه قال مالك: فإن قال: سلام عليكم، أجزأه في أقيس الوجهين، فإن قال: عليكم السلام، أجزأه في أصح الوجهين، وينوي بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة، (والسلام) 463 على الحفظة، والسلام على من (على) 464 يمينه من المأمومين إن كان إمامًا، وفي نية الخروج من الصلاة وجهان:
أحدهما: (أنها) 465 واجبة، وما سواها مستحب.
الجزء: 2 - الصفحة: 133
فصل
والسنة: أن يقنت في صلاة الصبح 466، (رواه) 467 الشافعي رضي اللَّه عنه في القديم عن الخلفاء الأربعة رضي اللَّه عنهم، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وسفيان والثوري: لا يسن القنوت في الصبح 468.
وقال أحمد: القنوت للأئمة يدعون للجيوش، فإن ذهب إليه ذاهب فلا بأس به.
الجزء: 2 - الصفحة: 134
وقال (أبو) 469 إسحاق: هو سنة عند الحوادث لا تدعه الأئمة.
وقال أبو يوسف: إذا قنت الإمام، فاقنت معه 470.
وفي رفع اليد فيه وجهان.
أحدهما: لا يرفع اليد، وهو اختيار الشيخ الإمام أبي إسحاق، وقول القفال.
والثاني: أنه يرفع اليد، واختاره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه، وكان مالك، والليث بن سعد، والأوزاعي، لا يرفعون أيديهم في القنوت، ومحله بعد الركوع في الثانية.
وقال مالك: محله قبل الركوع.
ذكر في الحاوي: أنه إذا قنت قبل الركوع وكان شافعيًا، ففيه وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 135
أحدهما: لا يجزئه (ويعيده) 471، وهو المذهب.
والثاني: يجزئه ولا يعيده.
وفي السجود وجهان:
أحدهما: يسجد لتقديمه على محله.
ذكر في الحاوي: أنه بأي شيء قنت من الدعاء، أجزأه عن قنوته، حتى لو قرأ آية فيها دعاء، كآخر سورة البقرة أجزأه، وإن لم يتضمن دعاء كآية الدين، ففيه وجهان:
أحدهما: يجزئه.
والثاني: لا يجزئه.
قال الشيخ الإمام: (وهذا الذي ذكره، عندي سهو) 472 على المذهب، ولا يجزئه غير القنوت المروي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 473، فلو ترك منه كلمة، سجد للسهو، وكذلك إذا عدل إلى غيره.
فأما المأموم، فقد (قال) 474 القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أنه لا يحفظ للشافعي رحمة اللَّه (فيه) 475 شيء.
الجزء: 2 - الصفحة: 136
(وقد) 476 روي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقنت ونحن نؤمن خلفه".
ومن أصحابنا من قال: يؤمن فيما كان دعاء من القنوت دون الثناء.
وذكر الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: أن الشافعي رحمه اللَّه (أنه) 477 قال: إذا مرّت به آية رحمة سألها، وكذلك المأموم، فشرّك بينهما، فينبغي أن يكون المأموم بالخيار.
والمرأة كالرجل في أفعال الصلاة، إلّا في بعض الهيئات، وهو ما يكون في فعله ترك للتستر، وقعودها في التشهد كقعود الرجل.
وقال الشعبي: تجلس كما يتيسر عليها، وكان ابن عمر رضي اللَّه عنهما يأمر نساءه، أن يجلسن متربعات.
وحكى في الحاوي: أن صوتها عورة، وفيه نظر، فإنه لو كان عورة لما جاز سماع صوتها في شهادة، ولا رواية واللَّه أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 137
باب صلاة التطوع
أوكد (السنن) 478 الراتبة مع الفرائض: الوتر، وركعتا الفجر، والوتر آكدهما في أصح القولين، وهو قول مالك.
والثاني: ركعتا الفجر وهو قول أحمد.
وقال أبو حنيفة: الوتر واجب وليس بفرض.
قال ابن المنذر: لم يذهب إلى هذا غير أبي حنيفة، فإن قلنا: ركعتا الفجر آكد، فيليهما الوتر، وإن قلنا: الوتر، فيليهما ركعتا الفجر.
وحكى أبو إسحاق عن بعض أصحابنا: الوتر، ثم التهجد، ثم ركعتا الفجر وليس بصحيح.
وحكى ابن عبد الحكم 479، وأصبغ من أصحاب مالك: أن ركعتي
الجزء: 2 - الصفحة: 138
الفجر ليست بسنة، وإنما هي من الرغائب.
وقال أشهب 480: هما سنة، وأدنى السنن الراتبة مع الفرائض ثمان ركعات سوى الوتر، ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، والوتر ثلاث ركعات، فيصير إحدى عشرة ركعة.
وقيل: أقله: عشر ركعات سوى الوتر، فزاد ركعتين بعد العشاء، وأكثرها ثمان عشرة ركعة، فزاد على ما ذكرنا، ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وأربعًا قبل العصر، والسنة في تطوع الليل والنهار: أن يسلم من كل ركعتين، وهو قول مالك، وأحمد، فإن سلم من ركعة (واحدة) 481 جاز.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يسلم من ركعة.
فإن جمع بين ركعات بتسليمة جاز، ويتشهد في كل ركعتين، (فإن) 482 اقتصر على تشهد واحد جاز.
= وهب وأشهب من أصحاب مالك، وصحب الشافعي وتفقه عليه، انتهت إليه الرياسة بمصر، مات في سنة نيف وستين ومائتين، الشيرازي: 99 والسبكي: 1/ 223، والانتقاء: 113.
الجزء: 2 - الصفحة: 139
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا جمع بين ست ركعات، اقتصر على تشهدين، تشهد عقيب الرابعة، وتشهد عقيب السادسة، فإن تشهد عقيب الثانية، بطلت صلاته، وشرط أن يكون بين التشهدين ركعتان، ولا تزيد على تشهدين أيضًا، والصحيح ما ذكرناه، فإنه أشبه بالفرض، وما ذكره (تحكم) 483.
وقال أبو حنيفة في صلاة الليل: إن شاء (صلى) 484 ركعتين، وإن شاء صلى أربعًا، أو ستًا، أو (ثماني) 485 ركعات بتسليمة واحدة، وبالنهار يسلم من كل أربع.
وقال أبو يوسف ومحمد: صلاة الليل مثنى مثنى.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا أحرم بالنفل مطلقًا، (فبماذا) 486 ينعقد إحرامه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينعقد بركعتين.
والثاني: ينعقد بركعة بناء على أن مطلق النذر يحمل على أقل ما يتقرب به، أو على أقل ما فرض في الشرع، وفيه وجهان.
قال: وعندي أن قضية صلاة النفل، أن يصلي أي قدر شاء، ما لم يقطعه بسلام، وهذا الذي ذكره فيه نظر، بل يجب أن ينعقد نفله بركعتين، وكذا ينبغي أن يحمل النذر على ما ينعقد بالشرع، فإما أن يحمل المشروع على المنذور، (أو فلا) 487.
الجزء: 2 - الصفحة: 140
وذكر أيضًا: أنه إذا نذر أن يصلي ركعتين، فصلى أربع ركعات، هل يخرج به (من) 488 نذره؟ فيه جوابان:
أصحهما: أنه لا يخرج من نذره.
فإن نذر أن يصلى أربع ركعات، قال: إن قلنا: إن نذره يحمل على واجب الشرع، تشهد تشهدين، وإن قلنا: على أقل ما يتقرب به كفاه تشهد (واحد) 489.
(قال الشيخ الإمام) 490: وعندي: أن هذا ينبغي أن يكون إذا نذر أربع ركعات بتسليمة واحدة.
والصحيح: أن يتشهد تشهدين.
وذكر أيضًا: أنه إذا نذر أن يصلي السنن الراتبة قائمًا، أن من أصحابنا من قال: لا ينعقد نذره.
قال: وعندي: أنه ينعقد نذره، وهذا صحيح.
وما كان من السنن الراتبة قبل الفرض، يدخل وقته بدخول وقت الفرض، وما كان بعد الفرض، يدخل وقته بفعل الفرض، ويفوت الجميع بفوات وقت الفرض 491
الجزء: 2 - الصفحة: 141
ومن أصحابنا من قال في ركعتي الفجر: إن وقتها يبقى إلى الزوال، وليس بصحيح.
وقال أصحاب مالك: إذا صلى الصبح، لم يصل ركعتي الفجر.
وأقل الوتر (ركعة) 492، وأكثره إحدى عشرة ركعة 493، وأدنى الكمال ثلاث ركعات بتسليمتين، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة (لا) 494 يزاد عليها، ولا ينقص منها.
وقال مالك: الوتر ركعة قبلها شفع منفصل عنها، ولا حدّ لما قبلها من الشفع وأقله ركعتان.
يقرأ عندنا في الأولى بعد فاتحة الكتاب سبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة قل هو اللَّه أحد والمعوذتين، وبه قال مالك.
= فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" رواه الخمسة إلا الترمذي، وفي لفظ لأبي داود "الوتر حق على كل مسلم" رواه ابن المنذر، وقال فيه: الوتر حق وليس بواجب، سنن أبي داود جـ 1: 328 وانظر "المهذب" للشيرازي 1/ 90.
الجزء: 2 - الصفحة: 142
وقال أبو حنيفة وأحمد: يقرأ في الثالثة، سورة الإخلاص وحدها.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أن من أصحابنا من قال: الأفضل أن يوتر بواحدة.
ومنهم من قال: ثلاث بتسليمة واحدة.
والأصح: أن يكون بتسليمتين، وتشهدين.
فإن اعتقد أنه صلى العشاء فأوتر، ثم تذكر أنه لم يكن صلاها، فإنه يصليها ويعيد الوتر، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يعيد الوتر.
فإن صلى الوتر في أول الليل، ثم قام للتهجد، فإنه يصلي مثنى مثنى ولا يعيد الوتر.
وبه قال أبو حنيفة (ومالك) 495.
وقال أحمد: ركعة وتره قد (انتقضت) 496 فيشفعها بركعة ثم يتهجد.
والسنة: أن يقنت في النصف الأخير من شهر رمضان في الوتر، وبه قال مالك.
وعنه رواية أخرى: أنه لا يسن في رمضان أيضًا.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يقنت في الوتر في جميع السنة، وهو قول أبي عبد اللَّه الزبيري من أصحابنا، ومحله بعد الركوع.
الجزء: 2 - الصفحة: 143
ومن أصحابنا من قال: محله في الوتر قبل الركوع، بخلاف الصبح، والمذهب الأول.
ومن السنن الراتبة: صلاة التراويح، وهي عشرون ركعة بعشر تسليمات 497، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وفعلها في الجماعة أفضل، نصّ عليه في البويطي.
ومن أصحابنا من قال: فعلها في البيت أفضل ما لم (تختل) 498 الجماعة في المسجد بتأخره، والمذهب الأول.
وقال مالك: قيام رمضان في البيت لمن قوي عليه أحب إلي.
وقال أبو يوسف: من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي (مع) 499 الإمام في رمضان، (فأحب إلي) 500 أن يصلي في بيته.
حكي عن مالك أنه قال: صلاة التراويح (ست وثلاثون) 501 ركعة (تعلقًا) 502 بفعل أهل المدينة، وإن فاته شيء من السنن الراتبة، فهل يسن قضاؤه، فيه قولان:
الجزء: 2 - الصفحة: 144
أحدهما: يقضي، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين، وهو اختيار المزني.
والثاني: لا يقضي، وهو قول مالك.
وقال أبو إسحاق: يقضي قولًا واحدًا.
وذكر في الحاوي: أنا إذا قلنا: لا يقضي فهل يسقط فعلها بدخول وقت الصلاة أو بفعلها، فيه وجهان: والجميع فاسد، وإنما (يخرج بخروج) 503 وقت الفريضة.
وقال أبو حنيفة: يقضيها مع الفريضة إذا فاتت.
ويجوز أن يصلي النفل قاعدًا، فإذا أراد الركوع، قام وقرأ آيات وركع، ويجوز أن يفتتحه قائمًا ويتمه جالسًا، وبه قال بعض أصحاب مالك.
ومنهم من قال: لا يجوز أن يتمها جالسًا.
وحكى القاضي حسين في فعل النفل مضطجعًا وجهين، فإن دخل المسجد، وقد أقيمت (الصلاة) 504 لم يصل التحية ولا غيرها من السنن.
وقال أبو حنيفة: إذا أمن فوات الركعة الثانية من صلاة الصبح، اشتغل بركعتي الفجر خارج المسجد، ولا يصليها في المسجد خشية أن يحمل ذلك على الرغبة عن الجماعة، وهو قول مالك حكاه عنه أصحابه.
الجزء: 2 - الصفحة: 145
باب سجود التلاوة
سجود التلاوة سنة للقارىء، والمستمع، وبه قال الجماعة 505. وقال أبو حنيفة: سجود التلاوة واجب 506، فأما من سمع القارىء من غير استماع لا يتأكد السجود في حقه 507. وقال أبو حنيفة: السامع والمستمع سواء في السجود.
الجزء: 2 - الصفحة: 146
وسجدات التلاوة أربع عشرة سجدة على قوله الجديد، وبه قال أحمد، وهو رواية عن مالك.
وقال إسحاق: سجدات التلاوة خمس عشرة سجدة، فعد سجدة (ص) منها، عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ 508، واختاره أبو العباس، وأبو إسحاق.
وقال في القديم: سجود التلاوة إحدى عشرة سجدة، فلم يثبت سجدات المفصل 509، وبه قال مالك، إلَّا أنه عد سجدة (ص)، ولم يعد السجدة الثانية في الحج من غير عزائم السجود - (ووافق) 510 أبو حنيفة مالكًا في هذين المحلين (ووافقنا) 511 في العدد.
وقال أبو ثور: سجدات التلاوة أربع عشرة سجدة، فعد سجدة (ص) ولم يعد سجدة النجم.
وموضع السجود في (حم) السجدة عند قوله (تعالى) 512 ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما.
وحكي عن مسروق أنه قال: كان أصحاب ابن مسعود رضي اللَّه عنه يسجدون في الأولى وهو قول مالك.
الجزء: 2 - الصفحة: 147
فإن كان التالي في غير صلاة، والمستمع في صلاة، لم يسجد المستمع في الحال، ولا إذا فرغ من صلاته.
وقال أبو حنيفة: إذا فرغ من صلاته سجد بناء على أصله، أن السجود واجب على السامع والمستمع.
فإن سجد في الحال، بطلت صلاته.
وذكر القاضي حسين: أنه لو قيل لا تبطل صلاته، لم (يبعد) 513 وهذا بعيد جدًا.
وحكم سجود التلاوة حكم (صلاة) 514 النفل في الشروط 515.
وحكي عن سعبد بن المسيب أنه قال: الحائض تومي برأسها إذا سمعت قراءة السجدة.
ويقول: سجد وجهي للذي خلقه، ولا يقوم الركوع مقام السجود.
وقال أبو حنيفة: يقوم مقامه استحسانًا.
ولا يكره (للإمام) 516 قراءة آية السجدة في الصلاة.
.
وقال أبو حنيفة: يكره قراءتها في الصلاة التي يُسرُّ فيها بالقراءة،
الجزء: 2 - الصفحة: 148
ولا يكره في الصلاة (التي يجهر فيها بالقراءة، وبه قال أحمد) 517، حتى أنه قال: لو أسر بها لم يسجد.
ذكر القاضي حسين أنه إذا سجد الإمام للتلاوة تابعه المأموم، فإن لم يفعل، بطلت صلاته كما لو ترك التشهد معه والقنوت.
ويحتمل وجهًا آخر: أنها لا تبطل.
فإن سجد للتلاوة في الصلاة، سجد بتكبير ورفع بتكبير، ولا يرفع يديه.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يكبر للسجود ولا للرفع منه، وإن كان في غير الصلاة، رفع يديه للتكبيرة الأولى، وكبر للسجود، ولم يرفع اليد ويكبر للرفع.
وقال أبو جعفر الترمذي: يكبر تكبيرة واحدة للسجود، وليس بصحيح.
وفي افتقاره إلى السلام قولان:
أظهرهما: أنه يسلم ولا يفتقر إلى التشهد، وقيل: يتشهد.
وحكى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه يكبر للسجود والرفع، ولا يسلم وهو قول مالك.
وروى الحسن بن زياد: أنه لا يكبر إذا انحط، ويكبر إِذا رفع.
وقال أحمد: يكبر إِذا انحط، وإذا رفع يسلم.
وذكر القاضي حسين: أنه إذا كرر قراءة آية سجدة، وكان غير متطهر، فإنه يتطهر، ويأتي بجميع السجدات (ولا تداخل) 518، وكذا إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 149
سمع آية سجدة وهو في الصلاة ففرغ، سجد إذا قلنا: إن النوافل تقضى، وهذا فيه نظر، لأن القضاء (إنما) 519 يكون مؤقتًا دون ما يفعل (لعارض) 520 والسجدات تتداخل إذا كرر القراءة قبل أن يسجد، وإنما يتكرر السجود إذا (كان) 521 قد سجد بعد القراءة، خلافًا لأبي حنيفة فإنه يقول: السجدة عن القراءة الأولى (تغني) 522 عن تكرار السجود بتكرار القراءة في المجلس الواحد.
ويستحب لمن تجددت عنده نعمة، أو اندفعت عنه نقمة، أن يسجد شكرًا للَّه عز وجل، وبه قال أحمد 523.
وقال الطحاوي: أبو حنيفة لا يرى سجود الشكر.
وروى محمد عن أبي حنيفة: أنه كرهه، وهو قول مالك، ومحمد: لا يكرهه.
ويستحب للمصلي إذا مرت به آية رحمة أن يسألها، وإذا مرت به آية عذاب أن يستعيذ (منه) 524.
وقال أبو حنيفة: يكره ذلك في الفرض، ولا يكره في النفل.
الجزء: 2 - الصفحة: 150
باب ما يفسد الصلاة ويكره فيها
(إذا) 525 قطع شرطًا من شروط الصلاة، كالطهارة، ونحوها بطلت صلاته، (وإن) 526 سبقه الحدث، ففيه قولان:
قال في الجديد: تبطل صلاته 527، وبه قال مالك.
وقال في القديم: لا تبطل، وهو قول أبي حنيفة، وداود، فيتوضأ ويبني على صلاته 528.
الجزء: 2 - الصفحة: 151
وقال الثوري: إذا كان حدثه رعافًا، أو قيئًا، توضأ وبنى، وإن كان بولًا، أو ريحًا، أو ضحكًا أعاد الوضوء والصلاة.
وعند مالك: الرعاف ليس بحدث، فيغسل الدم، ويبني على صلاته 529.
وإن تكلم في صلاته 530، أو سلم ناسيًا، أو جاهلًا بالتحريم، أو سبق لسانه، إليه (ولم يطل) 531، لم تبطل صلاته، وبه قال مالك، وأحمد 532.
وقال أبو حنيفة: تبطل بالكلام، ولا تبطل بالسلام ناسيًا في غير محله.
= "السنن الكبرى" للبيهقي 2/ 155 بإسناد ضعيف من رواية إسماعيل بن عياش، عن ابن جريح، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، والاحتجاج في إسماعيل بن عياش مختلف فيه، وابن جريح: حجازي مكي مشهور، فيحصل الاتفاق على ضعف روايته لهذا الحديث، وهذا الحديث أحد ما أنكر على إسماعيل بن عياش، والمحفوظ أنه مرسل، "المجموع" 4/ 4.
الجزء: 2 - الصفحة: 152
وحكي عن عبيد اللَّه بن الحسن العنبري 533 أنه قال: تبطل الصلاة بسلام الناسي أيضًا.
وإن طال الكلام ناسيًا، ففيه وجهان:
أحدهما: تبطل صلاته.
قال الشيخ أبو نصر: وهو الأصح.
وحكى عن مالك أنه قال: كلام (العامد) لمصلحة الصلاة، لا يبطلها، كإعلام الإمام بسهوه إذا لم ينتبه عليه إلّا بالكلام.
وحكي عن الأوزاعي أنه قال: كلام العامد فيما فيه مصلحة، لا = أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فقام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فصلى اثنتين أخريين ثم سلم"، "السنن الكبرى" للبيهقي 2/ 250، وكذلك عند المالكية: إن الكلام لإصلاحها لا يبطلها، الدسوقي على "الشرح الكبير" 1/ 250، وانظر "المغني" لابن قدامة 2/ 36، أما التحريم: فلما روى معاوية بن الحكم السلمي قال: "بينما أنا أصلي مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك اللَّه، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أبينا، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتوني، لكني سكت، فلما صلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فبأبي وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فواللَّه ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمنى" ثم قال: "إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنظر "السنن الكبرى" للبيهقي 2/ 250، فلم يأمره بالإعادة، فدل على صحتها، أنظر "المغني" لابن قدامة 2/ 36.
الجزء: 2 - الصفحة: 153
يبطل الصلاة، وإن لم تكن عائدة إلى الصلاة كإرشاد ضال، وتحذير ضرير.
وذكر (بعض) 534 أصحابنا: أنه إذا تنحنح الإمام، فما يصنع المأموم؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يخرج من صلاته، ومتى أقام على متابعته، بطلت صلاته.
والثاني: أنها لا تبطل 535.
وذكر أنه إذا قال: (حدثني حديثًا متفرقًا) 536، لم تبطل صلاته، وإن كان موصولًا، بطلت صلاته.
(قال الشيخ الإمام) 537: وعندي، لا فرق بين الحالين، لأنه ليس بقرآن ولا ذكر.
فإن رأى ضريرًا يقع في بئر فحذره بالقول، لم تبطل صلاته في أصح الوجهين، وهو قول أبي إسحاق، فإن (ناب) 538 المصلي في صلاته شيء، سبح الرجل، وصفقت المرأة، فتضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، وقيل: تضرب بأصبعي يمينها (على) 539 كفها الأيسر 540.
الجزء: 2 - الصفحة: 154
وذكر في الحاوي: أن ظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه، أنها كيف ما صفقت، جاز.
وقال أبو سعيد الإصطخري: لا تصفق بباطن الكف على باطن الكف.
وقال مالك: يسبحان جميعًا.
فإن أفهم الآدمي بالتسبيح، بأن استأذنه (في الدخول) 541، أو سلم عليه فقال: سبحان اللَّه، بقصد (الإذن) 542 له، أو قصد تحذير ضرير من الوقوع في بئر، لم يبطل صلاته، ولا سجود عليه.
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته، إلَّا أن يقصد (تنبيه) 543 الإمام، أو دفع المار بين يديه، وكذا قال: إذا أخبر في الصلاة بخبر يسوؤه فقال: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون، بطلت صلاته.
وعندنا: إذا قصد به قراءة القرآن، لم تبطل صلاته 544.
إذا سلّم على المصلي، رد بالإشارة بيده، أو (برأسه) 545. = شيء في الصلاة فليسبح الرجال، وليصفق النساء" رواه البخاري ومسلم، أنظر "صحيح مسلم" 4/ 13، و"السنن الكبرى" للبيهقي 2/ 246.
الجزء: 2 - الصفحة: 155
وحكى ابن المنذر عن جماعة: كراهة السلام على المصلي، منهم عطاء.
وعن مالك: روايتان في ذلك، وكان أحمد لا يرى بذلك بأسًا.
وقال أبو حنيفة: لا يرد.
وحكي عن عطاء، والثوري: أنه يرد عليه بعد فراغه.
وقال سعيد بن المسيب، والحسن: يرد عليه لفظًا.
فإن شمت العاطس في الصلاة، بطلت صلاته على المذهب 546.
وحكى يونس بن عبد الأعلى) 547: أن الشافعي رحمه اللَّه قال: لا بأس به 548، وليس بصحيح.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه أنه قال: يرحمك اللَّه، بطلت صلاته، وإذا قال: يرحمه اللَّه، لم تبطل، وكذا إذا سلم فقال: وعليك السلام، بطلت صلاته، وإذا قال: وعليه السلام، لم تبطل، وفي هذا نظر، لأن الجميع خطاب آدمي، يحصل به الجواب.
فإن عمل في صلاته عملًا من جنسها في غير محله عمدًا، بطلت
الجزء: 2 - الصفحة: 156
صلاته 549 بأن سجد في محل الركوع، أو ركع في محل السجود، أو قعد في محل القيام.
وقال أبو حنيفة: لا تبطل (صلاته) 550 ما لم يقيد الركعة بسجدة.
وإن قرأ الفاتحة مرتين عامدًا، لم تبطل صلاته في أصح الوجهين، وإن مرّ بين يديه مار (فله) 551 دفعه، ولا تبطل صلاته 552.
قال الشافعي: قال أحمد: يقطع الصلاة، الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء.
وقال إسحاق: يقطعها الكلب الأسود.
فإن زاد فيها عملًا من غير جنسها، فالفعل الواحد، لا يبطل، والثلاثة تبطل، والفعلان لا يبطلان في أصح الوجهين.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا عمل عملًا لو نظر إليه إنسان، ظن أنه ليس في صلاة، فهو كثير، وإن كان يظن أنه في صلاة فهو قليل.
وقال العامري 553: كل عمل يحتاج فيه إلى اليدين، فهو كثير،
الجزء: 2 - الصفحة: 157
كتكوير العمامة، وعقد السراويل، وكل عمل لا يحتاج فيه إلى اليدين، فهو قليل، (وما ذكرناه) 554 فيه نظر.
(وإن أكل، أو شرب عامدًا) 555: بطلت صلاته 556.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا وضع في فيه سكرة (أو) 557 ما يذوب، ووصل إلى جوفه، ففي بطلان صلاته وجهان:
أظهرهما: (أنه) 558 تبطل.
وحكي عن سعيد بن جبير: أنه شرب الماء في صلاة النفل.
وعن طاووس أنه قال: لا بأس بشرب الماء في النافلة.
ولا يكره قتل الحية والعقرب في الصلاة 559. = الصلاة، وروى عنه حديث: فيمن صلى في رحله ثم أدرك جماعة يصلون يعيدها معهم، وهو حديث حسن، أنظر "تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 160، 161.
الجزء: 2 - الصفحة: 158
وقال النخعي: يكره.
فإن عدّ الآي في الصلاة عقدًا ولم يتلفظ به، لم تبطل صلاته، وتركه أولى 560.
وقال مالك: لا بأس به.
وقال أبو حنيفة: يكره ذلك، وهو قول محمد.
وقال أبو يوسف: في التطوع لا بأس به.
الجزء: 2 - الصفحة: 159
باب سجود السهو
561 إذا شك في ركعة من ركعات الصلاة، أفعلها أم لا فإنه يبني الأمر على اليقين.
الجزء: 2 - الصفحة: 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = اللَّه: أقصرت الصلاة، أم نسيت، فنظر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يمينًا وشمالًا فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق لم تصل إلا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم ثم كبر، ثم سجد ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع" رواه البخاري، ومسلم 5/ 67، 68. الثالث: عن عبد اللَّه بن بحينة رضي اللَّه عنه: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قام من صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته، سجد سجدتبن يكبر في كل سجدة، وهو جالس، قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس" رواه البخاري ومسلم، مسلم 5/ 59. الرابع: عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود رضي اللَّه عنه قال: "صلى رسول اللَّه -قال إبراهيم زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول اللَّه: أحدث في الصلاة شيء قال: وما ذاك؟ قالوا، صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة، فسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: أنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين" رواه البخاري ومسلم إلا قوله (فإذا نسيت فذكروني) فإنه للبخاري وحده، مسلم 5/ 61، 62. الخامس: عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، أثلاثًا ام أربعًا، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى أتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان، رواه مسلم 5/ 60. السادس: عن عبد الرحمن بن عوف رضي اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه يقول: "إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى، او اثنتين، فليبن علي واحدة، فإن لم يدر، اثنتين صلى أم ثلاثًا فليبن علي اثنتين فإن لم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا، فليبن علي ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، "الجامع الصحيح" للترمذي 2/ 245.
الجزء: 2 - الصفحة: 161
وهو الأقل 562 فإن شك أنه صلى واحدة، أو اثنتين، فإنه يبني الأمر على أنه صلى ركعة، وبه قال مالك، وبه قال أحمد في المنفرد، وعنه في الإمام روايتان:
إحداهما: أنه يبني على اليقين.
والثانية: أنه يبني على غالب الظن.
وقال أبو حنيفة: إن كان شكه في ذلك أول مرة، بطلت صلاته وإن كان الشك يعتاده ويتكرر له، يبني على غالب ظنه بحكم التحري، فإن لم يقع له ظن بنى على الأقل 563.
وقال الحسن البصري: يأخذ بالأكثر ويسجد للسهو.
وقال الأوزاعي: متى شك في صلاته، بطلت.
وإن نسي ركعة من ركعات الصلاة، وذكرها بعد السلام، فإن لم يتطاول الفصل، أتى بها وبنى على صلاته، وإن تطاول الفصل، استأنفها.
وفي حد التطاول أوجه:
الجزء: 2 - الصفحة: 162
أحدها: قال أبو إسحاق: إن مضى قدر ركعة فهو تطاول، وقد نص عليه الشافعي رحمه اللَّه في البويطي.
والثاني: أنه يرجع فيه إلى العرف والعادة، فإن مضى ما يعد تطاولًا استأنف، وإن مضى ما لا يعد تطاولًا بنى.
والثالث: قال أبو علي بن أبي هريرة: إن مضى قدر الصلاة التي نسي فيها، استأنف، وإن كان دون ذلك، بنى 564، وليس للشافعي رحمه اللَّه ما يدل على ذلك.
وقد ذكر في حد التطاول (الرجوع) 565 إلى فعل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، (فإنه سلم) 566، وقام ومشى، (فراجعه) 567 ذو اليدين، وسأل رسول اللَّه (-صلى اللَّه عليه وسلم- الصحابة) 568 عن ذلك فأجابوه، وعاد إلى الصلاة، فإن زاد عليه فهو كثير.
ولو شك في ترك ركن بعد السلام، لم يؤثر ذلك.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: (أنه) 569 على قوله الجديد، يلزمه الإتمام مع القرب، والاستئناف مع البعد، وهذا غلط، فإنه لا يعرف القولان فيه، والمعنى لا يقتضيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 163
فإن نسي فرضًا من فروض الركعة، أو شك فيه وهو في الصلاة، فإنه (لا يعتد له) 570 بما فعله بعد المتروك حتى يأتي بما تركه.
فإن نسي سجدة من الأولى (فذكرها) 571 وهو قائم في الثانية، فإن كان قد جلس عقيب السجدة الأولى، خرّ ساجدًا في أصح الوجهين.
وقال أبو إسحاق: يلزمه أن يجلس ثم يسجد 572، وإن لم يكن (قد) 573 جلس عقيب السجدة الأولى (حتى قام) 574، ثم ذكر، فإنه يجلس ثم يسجد.
ومن أصحابنا من قال: يخر ساجدًا، والأول أصح.
وإن كان قد جلس عقيب السجدة الأولى جلسة يعتقدها جلسة الاستراحة، ثم قام وذكر، خرّ ساجدًا في أحد الوجهين.
وقال أبو العباس بن سريج: يلزمه أن يجلس ثم يسجد، فإن لم يتذكر حتى سجد في الثانية (سجدتين فبأيتهما الأولى، يبني على الوجهين فيه إذا ذكر قبل أن يسجد في الثانية) 575، فعاد (وإن لم يكن) 576 قد جلس حلسة الفصل، فعلى قول أبي إسحاق يعتد له بالسجدة الثانية.
الجزء: 2 - الصفحة: 164
وعلى قول الأكثر: نعتد بالأولى.
وقال مالك: إذا ذكر بعد الركوع أو السجود في الثانية، صحت الركعة الثانية وبطلت الأولى.
وقال أحمد: إذا ذكرها بعد القراءة في الثانية، بطلت الأولى وتمت الثانية.
فإن ذكر في الركعة الرابعة أنه نسي من كل ركعة سجدة، فإن كان قد جلس عقيب كل سجدة جلسة الفصل، (تحصل) 577 له ركعتان.
وعند مالك: يصح له (الركعة) 578 الرابعة إلَّا سجدة، ويلغوا ما تقدم.
وقال أبو حنيفة: يأتي بأربع سجدات ويجزئه، وهو قول الثوري.
وحكى الطحاوي عن الحسن بن صالح: أنه إن نسي ثماني سجدات، أتى بهن متواليات وأجزأه.
فإن نسي خمس سجدات من أربع ركعات، ولم يعرف موضعها، فإنه يحصل له ركعتان إلّا سجدتين، لأن أسوأ أحواله أن يترك من الأولى سجدة ولم يسجد في الثانية، ولا في الرابعة، (ويسجد) 579 في الثالثة سجدتين، فإنه يتم الأولى (بالثانية) 580 ويبقى له الركوع (من) 581 الرابعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 165
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: يمكن أن يكون أسوأ من ذلك، وهو من يكون قد ترك من الأولى سجدة، ومن الثانية سجدتين، ومن الثالثة، سجدتين، (ويسجد) 582 في الرابعة سجدتين، فإنه يتم الأولى بالرابعة، (ويحصل) 583 له ركعة واحدة.
فإن نسي التشهد الأول فذكر (وقد) 584 انتصب قائمًا، لم يعد إليه وإن ذكر قبل أن ينتصب قائمًا عاد إليه.
وحكى ابن المنذر عن مالك: أنه إن فارقت أليته الأرض لم يرجع.
وقال النخعي: يركع ما لم يشرع في القراءة.
وقال الحسن البصري: يرجع ما لم يركع.
وقال أحمد: إن ذكر بعدما انتصب قائمًا قبل أن يقرأ كان مخيرًا، (والأولى) 585 أن (لا يرجع) 586.
وإن نسي تكبيرات العيد حتى افتتح (القراءة) 587 ففيه قولان:
قال في القديم: يأتي بها.
وقال في الجديد: (يسقط) 588.
الجزء: 2 - الصفحة: 166
فإن ذكر قبل انتصابه، فعاد إلى الجلوس، فهل يسجد للسهو، فيه قولان:
أحدهما: أنه يسجد، وهو قول أحمد.
والثانية: لا يسجد، وبه قال الأوزاعي.
فإن كان الإمام قد نسي التشهد الأول، فذكر قبل انتصابه قائمًا، والمأموم قد حصل في القيام، فرجع الإمام إلى التشهد، تابعه المأموم على أصح الوجهين.
فإن قام إلى ركعة خاصة ناسيًا، ثم ذكر، فإنه يجلس، فإن لم يكن قد تشهد في الرابعة، تشهد، (وسجد) 589 للسهو، وإن كان قد تشهد في الرابعة، فالمذهب أنه يجلس للسهو ويسلم، وبه قال مالك وأحمد.
وفيه وجه آخر: أنه يعيد التشهد.
قال أبو حنيفة: إن ذكر قبل أن يسجد في الخامسة، رجع إلى الجلوس على ما قلناه، وإن ذكر بعد ما سجد (في الخامسة سجدة) 590، فإن كان قد قعد في الرابعة قدر التشهد، فقد تمت صلاته، ويضيف إلى هذه الركعة ركعة أخرى، تكونان له نافلة، وإن لم يكن (قد) 591 قعد في الرابعة قدر التشهد، بطل فرضه، وصار الجميع نفلًا.
ذكر في الحاوي: أنه إذا صلى نافلة فقام إلى ثالثة، فلا خلاف
الجزء: 2 - الصفحة: 167
بين العلماء أنه يجوز أن يتمها أربعًا، ويجوز أن يرجع إلى الثانية ويسلم، وأي ذلك فعل، سجد للسهو، والأولى: أن يرجع إلى الثانية.
ولا فرق بين صلاة الليل، وصلاة النهار.
وقال آخرون: إن كانت صلاة نهار، فالأولى أن يتمها أربعًا، وإن كانت صلاة ليل، فالأولى أن يعود إلى الثانية.
فإن نسي تكبيرة الافتتاح، وذكر في أثناء الصلاة، كبر للافتتاح، واستأنف الصلاة في الحال.
وقال مالك: إن كان مأمومًا، مضى مع الإمام في صلاته، إن كان قد كبر للركوع، فإذا فرغ استأنفها.
وعنده: أن المأموم، إذا قهقه في صلاته، يمضي فيها مع الإمام وإن كانت باطلة، فإن فرغ الإمام استأنفها.
ذكر في الحاوي: أنه إذا نسي سجدتين من (صلاته) 592، ثم سجد في آخر صلاته سجدتين للسهو، لم يقع عن فرضه، وهذا فيه نظر، بل يجب أن ينصرف إلى فرضه.
ولا يتعلق سجود السهو عندنا بترك مسنون سوى التشهد الأول، والقنوت، والصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، في التشهد الأول 593.
الجزء: 2 - الصفحة: 168
وقال أبو حنيفة: إن ترك تكبيرات العيد، سجد للسهو، وكذا الإمام عنده يسجد للسهو (بالجهر) 594 في موضع الإسرار، والإسرار في موضع الجهر.
وقال مالك: إن جهر في موضع الإسرار، سجد سجدتين بعد السلام، وإن أسرَّ في موضع الجهر، سجد قبل السلام.
وقال أحمد: إن سجد فحسن، وإن ترك فلا بأس.
فإن قرأ في حال الركوع، أو السجود؛ أو التشهد؛ سجد للسهو، نص عليه الشافعي رحمه اللَّه.
وقيل: إن قرأ غير الفاتحة ففي السجود وجهان: والمذهب الأول.
فإن ترك التشهد الأول، أو القنوت في محله عمدًا، سجد سجدتي السهو.
وقيل فيه قول آخر: أنه لا يسجد، وهو قول أبي جنيفة.
فإن أحرم بالصبح، (فشك) 595 في حال القيام أنها أولاه، (أو ثانيته) 596 ثم تذكر أنها أولاه، أو ثانيته، فى حال القيام أو الركوع أو السجود قبل أن يرفع رأسه من السجدة الأخيرة.
= الصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في التشهد الأول: إن قلنا إنها سنة، لأنه ذكر مقصود في موضعه، فهو كالتشهد الأول، وإن قلنا: إنها ليست بسنة فلا يسجد، "المجموع" 4/ 53.
الجزء: 2 - الصفحة: 169
قال القفال: ليس عليه سجود.
ولو تذكر بعد رفع رأسه من السجدة الثانية، سجد للسهو، وفي هذا نظر، فإن حاله بعد الرفع كحاله قبل الرفع (وأنه) 597 لم يحصل في صلاته زيادة ولا نقصان، ولا (تجويز زيادة) 598 ولا نقصان.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أن الإمام إذا قام إلى خامسة، فلم يخرج المأموم نفسه من صلاته، فإنه لا يتابعه في فعله، ولكنه ينتظره قاعدًا ليتابعه في التشهد، ويسلم، ويسجد للسهو متابعة لإمامه.
فإن لم يسجد الإمام، سجد المأموم.
فإن حضر مأموم والإمام في خامسة، فأحرم ينوي الائتمام به ولم يعلم بحاله، اعتد له بالركعة، وإن علم بحاله، فهل ينعقد إحرامه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ينعقد.
والثاني: ينعقد، ولكنه لا يتابعه في الأفعال، (وينتظره) 599 قاعدًا حتى يفرغ من السجود فيتابعه.
والشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: ذكر أنه إذا قام إلى خامسة، فإنهم ينوون مفارقته، وهذا هو الصحيح، ومتى أقام على متابعته، بطلت صلاته، ولا ينعقد إحرامه مع العلم بحاله ابتداء.
وذكر أيضًا: أنه إذا كان خلف إمام (فترك) 600 سجدة، وقام لم
الجزء: 2 - الصفحة: 170
يتابعه المأموم، ولا ينتظره قاعدًا، بخلاف ما لو قام إلى خامسة، فإنه ينتظره في التشهد قاعدًا، وكذلك إذا ترك التشهد الأول، وعاد إليه بعدما انتصب قائمًا، فإنه ينتظره في القيام، وهذا الذي (ذكره) 601 فيه نظر، فإن انتظاره (للإمام) 602 في فعل لا يعتد به على طوله لا معنى له، وفرقه بين انتظاره في السجود (والقعود تحكم) 603.
فإن شك مأموم في حال الركوع، هل قرأ في حال القيام، أو لم يقرأ، أو شك في حال السجود هل ركع أم لا؟
فإن أخرج نفسه، وعاد إلى ما تركه، فأتى به، جاز، وإن أراد أن يعود إلى ما تركه، فيأتي به، ثم يعود إلى متابعته، بطلت صلاته.
فإن تابع الإمام حتى فرغ من الصلاة، جاز، ولا يحتسب له بما بعد ذلك الركن، فإذا سلم الإمام، أتى به، ثم إن تحقق أنه لم يترك، لم يسجد للسهو.
وإن كان شاكًا، فقد قال القاضي حسين رحمه اللَّه: (قد) 604 كنت أقول قبل هذا يسجد للسهو، والآن أقول: لا يسجد، وفي هذا الذي ذكره نظر، قوله: إنه إذا عاد إلى ما تركه فأتى به، ثم عاد إلى متابعة إمامه، لم يجز، قد ذكر أصحابنا في مثله طريقين:
الجزء: 2 - الصفحة: 171
وهو: إذا كان (خلف) 605 (إمام) 606 ففعل (فلم) 607 يشعر حتى حصل الإمام في الركوع في الركعة الثانية، فهل يشتغل بقضاء ما فاته، أو يتابع الإمام في الركوع؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين في (المزحوم) 608.
والثاني: أنه يتابع الإمام في الركوع قولًا واحدًا، لأنه مفرط (فينبغي) 609 أن يخرج هذا على هذين الطريقين.
وقوله: أنه إذا أخرج نفسه من صلاة الإمام جاز، فينبغي أن يبني على مفارقة الإمام من غير عذر، وقوله الأول في السجود للشك أولى.
وذكر: أنه لو كان يصلي صلاة السر خلف (إمام) 610، فسجد الإمام، فتابعه، يعتقدها سجدة تلاوة، فسجد سجدة أخرى، لم يتابعه، ولو تابعه فيها، بطلت صلاته، ولكنه إن شاء، أخرج نفسه، وإن شاء، عاد إلى القيام وانتظره قائمًا.
ولو كان هذا في الركعة الأولى (فقام) 611 الإمام معتقدًا القيام إلى الثانية، تابعه في الركوع والسجود (فيها) 612، فإذا قعد للتشهد على ظنه
الجزء: 2 - الصفحة: 172
أنه الأول، لم يتابعه، فلو تابعه، بطلت صلاته، ولكنه ينتصب قائمًا، فإذا وصل إلى التشهد في الرابعة، وجلس للتشهد على ظنه أنه تابعه (رابعة) 613، فعلى المأموم أن يخرج نفسه من صلاته ولا يتابعه، وليس عليه سجود السهو فيما لحقه، وهذا فيه (نظر بل) 614 يلزمه إذا سجد سجدة ثانية أن ينوي مفارقته ولا ينتظره.
وذكر في مأموم (أدرك) 615 بعضى صلاة الإمام، فلما قعد (معه) 616 في التشهد سمع صوتًا، فظن أن الإِمام قد سلم فقام وأتم صلاته، فسلم الإِمام، وجب عليه أن يعيد ما فعله ولا يعتد له به، لأنه (ساه) 617، وليس عليه سجود السهو، لأنه تابع الإِمام، وفي هذا نظر، لأن قيامه بهذا الظن يتضمن مفارقة الإِمام.
الجزء: 2 - الصفحة: 173
فصل
إذا تكرر منه السهو في الصلاة، كفاه للجميع سجدتان.
وحكي عن الأوزاعي أنه قال: إذا كان من جنس واحد كفاه للجميع سجدتان، وإن كان من جنسين، كالزيادة، والنقصان، سجد لكل سهو سجدتين.
وحكي في الحاوي عن ابن أبي ليلى أنه قال: يسجد لكل سهو سجدتين.
فإن سجد للسهو ثم سها، ففيه وجهان:
أحدهما: يسجد، قاله ابن القاص.
وقيل: لا يسجد 618.
الجزء: 2 - الصفحة: 174
فإن سها خلف الإمام، لم يسجد، فإن سها الإِمام، لحقه حكم سهوه، فإن لم يسجد الإِمام سجد المأموم، وبه قال مالك، وإحدى الروايتين عن أحمد.
وقال المزني، وأبو حفص (الباب شامي) 619، لا يسجد، وبه قال أبو حنيفة، وهو رواية عن أحمد، والمذهب الأول.
وإن سبقه الإِمام ببعض الصلاة، وسها فيما أدركه معه، فإن يسجد مع إمامه إذا سجد قبل السلام.
وحكى عن ابن سيرين: أنه لا يتابعه.
وإن سجد الإِمام بعد السلام، لم يتابعه فيه.
وعند أبي حنيفة: يتابعه، لأن محل (سجود السهو) 620 بعد السلام، فإن سجد مع الإِمام قبل السلام، وقضى ما عليه، فهل يعيد السجود؟ فيه قولان:
قال في "الأم": يعيد وهو الأظهر.
وقال في القديم: لا يعيد.
= بالسجود، والإمام يتحمل سهوه ولا يسجد واحد منهما، الحديث صحيح، انظر "سنن البيهقي الكبرى" 2/ 250، وانظر "المجموع" 4/ 64.
الجزء: 2 - الصفحة: 175
فإن سها إمامه فيما أدركه معه، وسها هو بعد (مفارقة) 621 فيما بقي عليه.
فإن قلنا: لا يعيد سجوده مع الإِمام، كفاه سجدتان، وإن قلنا: يعيد سجوده معه، أو لم يسجد الإمام، فالنصوص أنه يكفيه سجدتان، وقيل: يسجد أربع سجدات، والأول أصح.
فإن سها الإِمام فيما لم يدركه المسبوق معه، فإنه يلزم المأموم حكم سهوه.
وقيل: لا يلزمه.
فإن صلى رجل ركعة منفردًا من صلاة رباعية، وسها فيها، ثم نوى متابعة إمام مسافر نوى القصر، فإنه يجوز على أحد القولين أن ينقل صلاته من الانفراد إلى الجماعة، فسها الإمام، فلما سلم الإِمام قام المأموم إلى رابعته فسها فيها، ففيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه يكفيه سجدتان.
والثاني: أنه يفتقر إلى أربع سجدات 622.
والثالث: يفتقر إلى ست سجدات 623.
فإن أدرك مأموم الامام بعد الرفع من الركوع، فإنه يحرم (ويتبعه) 624 فيما بقي من الركعة من السجدتين، ولا يحتسب له بها، فإذا فرغ الإِمام، أتى بما بقي عليه من الركعة، ولم يسجد لذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 176
وحكي عن عبد اللَّه بن عمر وابن الزبير 625 رضي اللَّه عنهم: أنه يسجد لذلك في آخر صلاته.
إذا شك الإِمام في عدد ركعات الصلاة، فهل يقلد المأمومين، فيه وجهان حكاهما القاضي حسين رحمه اللَّه.
أحدهما: أنه يرجع إليهم إذا كثر عددهم.
والثاني: أنه يعمل (بيقين) 626 نفسه.
وكذا إذا شك أحد المأمومين في ذلك، هل يقلد الإِمام؟ وبقية المأمومين على الوجهين، وإن كان المأموم واحدًا، أو اثنين، لم يقلد بعضهم بعضًا.
وسجود السهو سنة 627.
وقال مالك: هو واجب إذا كان لنقصان.
الجزء: 2 - الصفحة: 177
وقال أحمد: هو واجب بكل حال 628.
وقال أبو الحسن الكرخي حكاية عن أبى حنيفة: إن سجود السهو واجب، وليس بشرط في صحة الصلاة 629.
ومحل سجود السهو قبل السلام، وهو قول الزهري 630.
وفيه قول آخر: أنه إن كان لزيادة، سجد بعد السلام، وإن كان لنقصان فقبل السلام، وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة، والثوري: محل بعد السلام بكل حال.
وقال أحمد: لا يسجد قبل السلام إلَّا في المواضع التي ورد فيها الأثر، واختاره ابن المنذر.
فإن سلم قبل أن يسجد، ولم يتطاول الفصل (سجد) 631، وإن تطاول الفضل (ففيه) قولان:
أصحهما: أنه لا يسجد.
الجزء: 2 - الصفحة: 178
-فمن قال سجود السهو بعد السلام، سجد للسهو، ثم يتشهد ويسلم، - ومن قال محله قبل السلام، فإذا نسيه حتى سلم، فإنه يسجد ويسلم في أصح الوجهين، وهو قول مالك في إحدى الروايتين.
وفيه وجه آخر: أنه يتشهد، ثم يسلم، وهو الرواية الثانية عن مالك.
وحكم السلام في الجهر، والإسرار، حكم تسليم الصلاة.
وعن مالك في ذلك: روايتان:
إحداهما: (يخفي) 632 السلام.
وسجود السهو يتعلق بالفرض، والنفل.
ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر: أنه لا يسجد للنفل.
فإن صلى المغرب أربعًا ساهيًا، سجد سهوًا، وأجزأته صلاته.
وقال الأوزاعي: يضيف إليها أخرى ويسجد، كيلا تكون المغرب شفعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 179
باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها
الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها خمسة، وقتان نهي عن الصلاة فيهما لأجل الفعل، وهما بعد صلاة العصر حتى تصفر الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس 633، وثلاثة نهي عن الصلاة فيها لأجل الوقت وهي: إذا طلعت الشمس حتى ترتفع -وعند الاستواء حتى تزول- وعند الاصفرار حتى تغرب 634، ولا يحرم في هذه الأوقات فعل الصلاة الواجبة، وما له سبب من النوافل.
الجزء: 2 - الصفحة: 180
وروي عن علي رضي اللَّه عنه: أنه دخل فسطاطه، فصلى ركعتين بعد العصر، وروي جواز النفل في هذه الأوقات عن جماعة من الصحابة رضي اللَّه عنهم، وهو قول داود.
وقال أبو حنيفة: (في) 635 الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها لأجل الوقت، لا يجوز أن يفعل فيها (شيئًا) 636 من انصلوات الواجبة، سوى عصر يومه عند اصفرار الشمس.
والوقتان اللذان نهي عن الصلاة فيهما لأجل الفعل، لا يجوز فيهما فعل النوافل، ولا فعل المنذورة، ويجوز سجود التلاوة.
وقال مالك: يجوز أن تقضى الفوائت في وقت النهي، ولا تفعل النوافل، وبه قال أحمد، إلَّا أنه أجاز فيها فعل ركعتي الطواف، وصلاة الجماعة مع إمام الحي، واختلف عن مالك في صلاة الكسوف، وسجود القرآن في وقت النهي.
فإن نذر فعل صلاة في وقت النهي، لم ينعقد نذره.
وقيل: ينعقد وليس بصحيح.
ومن دخل المسجد لفرض، جاز أن يصلي تحية المسجد في وقت النهي، وإن لم يدخل إلَّا ليصلي التحية في وقت النهي ثم يخرج، ففيه وجهان:
(أحدهما: يجوز) 637. = ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة وحين تضيف الشمس للغروب" رواه مسلم وفيه زيادة "وحين تقوم قائم الظهيرة حتى تزول"، مسلم 6/ 114، وانظر "المجموع" 4/ 76 و"المهذب" 1/ 99.
الجزء: 2 - الصفحة: 181
فإن صلى ركعتي (الفجر) 638 فهل يكره التنفل بعدها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكره، وهو الظاهر، وهو قول أبي حنيفة وأحمد.
والثاني: لا يكره وهو قول مالك.
ولا يكره التنفل في أوقات النهي بمكة 639.
ومن أصحابنا من قال: يختص ذلك بركعتي الطواف 640.
وقال أبو حنيفة وأحمد: تكره بها أيضًا.
ولا يكره التنفل عند الاستواء يوم الجمعة لمن حضر الجامع.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يكره.
ومن أصحابنا من قال: من لم يحضر الجامع أيضًا، يجوز له التنفل في هذا الوقت، وليس بشيء.
الجزء: 2 - الصفحة: 182
باب صلاة الجماعة
الجماعة فرض على الكفاية في قول أكثر أصحابنا، يجب إظهارها في الناس، فإن امتنعوا قوتلوا عليها، وهو المنصوص عليه في الإِمامة 641. ومن أصحابنا من قال: إنها سنة، وهو قول مالك 642.
الجزء: 2 - الصفحة: 183
وقال أحمد وداود: إنها فرض على الأعيان، وليست شرطًا في صحة الصلاة 643. وجماعة النساء في بيوتهن أفضل (ولسن) 644 فيها في التأكيد بمنزلة الرجال، ولا يكره لهن فعلها ولا تركها، وبه قال عطاء وأحمد 645. وقال أبو حنيفة ومالك: يكره لننساء الجماعة في الصلاة 646.
الجزء: 2 - الصفحة: 184
وقال الشعبي: يكره للمرأة الإمامة في الفرض دون النفل.
وتقف إمامتهن وسطهن 647.
ولا بد من نية الجماعة في حق المأموم، ولا يفتقر إلى نية الإمام لها، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وحكي عن الثوري وأحمد: أنه لا تصح الجماعة حتى ينوي الإِمام الإِمامة.
والمستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها.
وقال (أبو) 648 إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولى، أسرع، ؤالمذهب الأول.
ويستحب أن لا تفوته التكبيرة الأولى مع الإِمام، وحتى لكون مدركًا لها؟ حكي فيه وجهان:
أحدهما: أنه يكون مدركًا لها ما لم يحصل في الركوع، ويحكى عن أبي حنيفة.
والأصح: أن يكون مدركًا لها، إذا تابعه قبل الشروع في الفاتحة، كذا ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه، ولم يذكر لواحد من الوجهين دليلًا.
= حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي.
قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقص بيت من بيتها، فكانت تصلي فيه، حتى لقيت اللَّه عز وجل" رواه أحمد ورواه البيهقي بمعناه، "السنن الكبرى" للبيهقي 3/ 133.
الجزء: 2 - الصفحة: 185
ولو قيل (عندي) 649: أنه يدرك هذه الفضيلة، بأن تكون تكبيرته عقب تكبيرة الإِمام على ما جرت العادة به، لم يكن به بأس.
فإن دخل في فرض الوقت، فأقيمت الجماعة، فالأفضل أن يقطعها، ويدخل (في) 650 الجماعة، فإن نوى الدخول مع الجماعة من غير قطع لصلاة نفسه ففيه قولان:
قال في الإِملاء: لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة 651.
وقال في الجديد: يصح وهو الأصح، وهو اختيار المزني 652.
ومن أصحابنا من قال: إن كان ركع في حال الانفراد، (لم) 653 يجز قولًا واحدًا، وقبل الركوع قولان:
ومنهم من يقول: قبل الركوع يجوز قولًا واحدًا، وبعد الركوع قولان، واختاره أبو إسحاق والقاضي أبو الطيب.
- فإذا قلنا: يجوز، (فإن) 654 كان قد سبق الإِمام بركعة، ثم تبعه
الجزء: 2 - الصفحة: 186
فإنه يتابعه إلى الرابعة، ولا يتابعه بعدها، ويجلس، ويتشهد، ثم إن شاء أخرج نفسه من متابعة الإِمام، وإن شاء انتظره، وهذا فيه (نظر، بل) 655 لا ينتظره ويسلم.
فإن قرأ بعض الفاتحة، فركع الإِمام، ركع مع الإِمام، وترك بقية الفاتحة، على أصح الوجهين.
فإن (أدركه) 656 وهو راكع كبر للإِحرام، وكبر للركوع، فإن كبر تكبيرة ينوي بها الإِحرام والركوع، (لم يجزه) 657 عن الفرض، وهل ينعقد له نفل؟ فيه وجهان:
فإن رجع الإِمام إلى الركوع بعدما رفع رأسه منه ليسبح، وكان قد ترك التسبيح فيه جاهلا بتحريم عوده، (فأدركه) 658 مأموم في هذا الركوع فتابعه، لم يكن مدركًا للركعة بذلك، في أصح الوجهين.
وقال أبو علي الطبري: يحتمل أن يقال: يكون مدركًا للركعة، وليس بصحيح.
فإن أدرك الإمام ساجدًا، كبر للإِحرام وسجد من غير تكبير، واختاره الشيخ الإِمام أبو إسحاق.
وقيل: يكبر للسجود.
وقال الشيخ أبو نصر: وهذا أصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 187
فإن أدرك معه الركعة الأخيرة، كان ذلك أول صلاته فعلًا وحكمًا 659، وإن كان آخر صلاة الإمام وما يأتي به بعد مفارقة، أخر صلاته فعلًا وحكمًا، وبه قال الزهري، واختاره ابن المنذر.
وقال أبو حنيفة: آخر صلاة الإِمام، آخر صلاة المأموم حكمًا إذا كان مسبوقًا، وهو قول سفيان، وأحمد، ومالك في المشهور عنه.
قال الشافعي رحمه اللَّه: فإن فات رجلًا مع الإِمام ركعتان من الظهر، قضاهما بفاتحة الكتاب وسورة.
فقال أبو إسحاق وأكثر أصحابنا: إنه يقرأ السورة فيهما، وإن كانتا آخر صلاته.
ومن أصحابنا من قال: إنما قال ذلك على القول الذي يقول: إن السورة تقرأ في كل ركعة، والأول أصح، ويسر بالقراءة فيما يأتي (به) 660، من الركعتين، نص عليه الشافعي رحمه اللَّه.
ومن أصحابنا من قال: قد نص (عليه) 661 في موضع آخر، أنه يجهر فيكون ذلك على قولين:
أصحهما: أنه يسر.
فإن حضر والإِمام قال فرغ من الصلاة، فإن كان المسجد في غير ممر الناس، كره أن يستأنف فيه جماعة، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
الجزء: 2 - الصفحة: 188
وقال أحمد: لا يكره إقامة الجماعة بعد الجماعة بحال، وهو قول داود.
ومن صلى منفردًا، ثم أدرك جماعة يصلون، استحب أن يصليها معهم، وحكي ذلك عن علي، وحذيفة 662، وأنس 663 رضي اللَّه عنهم، إلَّا أنه حكي في المغرب أنه يصليها، ويضيف إليها ركعة أخرى فتصير شفعًا، كيلا تصير الصلاتان (بمجموعهما) 664 شفعًا، وبه قال سعيد بن جبير، وابن المسيب، والزهري.
ومن أصحابنا من قال: إن كان صبحًا، أو عصرًا، لم يستحب ذلك، وحكي عن الحسن وأبي ثور، والمذهب الأول 665.
الجزء: 2 - الصفحة: 189
فإن صلى في جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى يصلون، فهل يصلي معهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يصليها معهم 666، وهو قول أحمد، إلَّا أنه قال: لا يصلي الصبح والعصر إلَّا مع إمام الحي دون غيره.
وقال مالك: إن كان قد صلاها في جماعة لم يعدها، وإن كان قد صلاها منفردًا، أعادها في الجماعة إلَّا المغرب.
وقال الأوزاعي: يصلي ما عدا الصبح والمغرب.
وقال أبو حنيفة: لا يعيد إلَّا الظهر والعشاء.
وإذا صلى ففرضه الأولى (منهما) 667، (والثانية) 668 تطوع، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
وعلى قوله القديم: يحتسب اللَّه له بأيتهما شاء.
وحكي عن الأوزاعي والشعبي: (أنهما) 669 قالا: هما جميعًا فرضه.
فإن أحس الإِمام بداخل وهو راكع، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يكره انتظاره، وهو قول أبي حنيفة ومالك 670.
الجزء: 2 - الصفحة: 190
والثاني: أنه مستحب وهو الأصح 671.
وإن أدركه وهو في التشهد الأخير، ففي انتظاره وجهان:
قال الشيخ أبو حامد: لا يستحب قولًا واحدًا، وإنما القولان في الكراهة.
وقال أحمد والشعبي: لا يكره.
فإن سجد الإِمام سجدتين، والمأموم قائم في الرفع من الركوع، ففيه وجهان:
أحدهما: تبطل صلاته.
وقال أبو إسحاق: لا تبطل.
وحكى الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه: أن الشافعي رحمه اللَّه ذكر في "الأم" والقديم: أن المستحب للمأموم أن يتابع الإِمام، فلا يتقدمه بركوع ولا سجود 672، فإن رفع المأموم رأسه من الركوع قبل رفع الإِمام فعليه أن يرجع، فإن لم يرجع كرهت، وأجزأه، وكذا إن ركع قبله، استحب أن يرجع إلى القيام حتى يركع مع إمامه.
وذكر بعض أصحابنا الخراسانيين: أنه إذا ركع قبل إمامه أثم، ولا
الجزء: 2 - الصفحة: 191
ينبغي أن يرفع رأسه، بل يصير على حاله حتى يلحقه إمامه، فإن رفع رأسه من غير أن ينوي مفارقة الإمام، بطلت صلاته 673.
فأما إذا ركع فظن أن إمامه قد ركع، فعلم أنه لم يركع، فعليه أن يعود إلى القيام، فلو عزم على أن لا يعود، وثبت راكعًا حتى يلحقه الإِمام.
فمن أصحابنا من قال، يحتسب له.
ومنهم من قال: يلزمه أن يعود قائمًا.
فإذا قلنا: عليه أن يعود إلى القيام، فقصد ذلك، فقبل أن يعتدل قائمًا ركع الإِمام، فهل عليه أن يعتدل؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسقط عنه الإعتدال.
والثاني: أنه يلزمه.
فإن رفع رأسه قبل الإِمام من السجدة الأولى عمدًا، وسجد السجدة الثانية، فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان (بناء) 674 على أصل، وهو أن الجلسة بين السجدتين والاعتدال من الركوع، هل يعد ركنًا مقصودًا أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يعد ركنًا مقصودًا.
والثاني: لا يعد.
الجزء: 2 - الصفحة: 192
فأما إذا ركع الإِمام، (ولم) 675 يركع المأموم معه حتى رفع رأسه، لم تبطل صلاته، لأنه ركن واحد، ولو تأخر عنه بركنين بطلتا صلاته، هذا على طريقة (القاضي) 676 حسين رحمه اللَّه.
فأما على طريقة الشيخ أبي حامد، فالتقدم والتأخر سواء.
قد ذكرنا أن (الإِمام) 677 إذا ركع قبل فراغ (المأموم) 678 من الفاتحة فإنه يقطع القراءة (وشتبعه) 679، (وهي) 680 طريقة أبي زيد، فعلى هذا لو أكمل الفاتحة ولم يسبقه الإمام إلا بركن واحد، فصلاته صحيحة، وإن سبقه بركنين، فإنه يكون كالمتخلف عن إمامه بغير عذر، فتبطل صلاته.
وقيل: لا تبطل.
ثم إن سبقه الإِمام بثلاثة أركان، فاشتغل بالرابع ففيه وجهان:
أحدهما: تبطل صلاته.
والثاني: لا تبطل.
وإن سبقه بأركان كثيرة، وجرى على نظام صلاته خلف الإِمام،
الجزء: 2 - الصفحة: 193
(كان) 681 كما يقول في المزحوم ثم اختلف أصحابنا في الأركان التي لو سبق الإِمام بها، تبطل صلاته.
فمنهم من قال: (أن) 682 يركع، ثم يرفع ويشتغل بالسجود، فإن ركع قبل أن يرفع الإِمام رأسه من السجود، [(ومضى) 683 في صلاته، وإن لم يركع حتى رفع الإِمام رأسه من السجود 684] فقد سبقه بثلاثة أركان، فتبطل صلاته.
ومنهم من قال: الاعتدال ليس بركن مقصود، وكذا الجلسة بين السجدتين، وإنما يعتبر الركوع، والسجدة الأولى والثانية.
فإن رفع رأسه من السجدة الثانية، وقد اشتغل هو بالركوع، مضى في صلاته، وإن لم يكن قد اشتغل بالركوع، ففيه وجهان:
(قال) 685 والشيخ الإِمام أبو إسحاق رحمه اللَّه: حكى في المهذب أنه لا يجوز أن يرفع رأسه قبل الإِمام، فإن فعل، لزمه أن يعود إلى متابعته، وهذا كله خلاف (ظاهر) 686 كلام الشافعي رحمه اللَّه، والذي حكاه الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه هو الصحيح، ولم يقل أحد من الأئمة أن التقدم بركن واحد، يبطل الصلاة، والفعل الواحد من غير جنس الصلاة، لا يبطل الصلاة، ولا يحرم فيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 194
فإن أحدث الإِمام فاستخلف، ففيه قولان: قال في القديم: لا يجوز ذلك 687. وقال في الجديد: يجوز، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد 688. فعلى هذا، يجوز أن يستخلف من كان قد دخل معه في الركعة الأولى (أو) 689 الثالثة 690، ولا يجوز أن يستخلف من دخل معه في (الثانية) 691 أو الرابعة 692، كذا ذكر الشيخ الإِمام رحمه اللَّه في المهذب،
الجزء: 2 - الصفحة: 195
ولا أدري من أين أخذ ذلك، وقد ذكر أصحابنا خلاف ذلك في الاستخلاف في صلاة الجمعة.
فإن (سلم) 693 الإِمام وقد بقي على بعض المأمومين بعض الصلاة، فقدموا من يتم بهم الصلاة، ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز.
والثاني: لا يجوز.
فإن نوى المأموم مفارقة الإِمام 694 من غير عذر، لم تبطل صلاته في أصح القولين 695.
وفي الثاني: تبطل، وهو قول أبي حنيفة، ومالك 696، ولم يفرق بين وجود العذر وعدمه.
الجزء: 2 - الصفحة: 196
باب صفة الأئمة
تصح إمامة الصبي الذي تصح صلاته في غير الجمعة 697 وفي الجمعة قولان: قال في "الأم": لا يجوز 698. وقال في "الإِملاء": يجوز 699. وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز أن يكون إمامًا في النفل دون الفرض.
الجزء: 2 - الصفحة: 197
وروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أنه (قال) 700: لا يؤم حتى يحتلم 701.
ولا تصح إمامة الكافر، فإن صلى بقوم لم يحكم بإسلامه.
وذكر القاضي أبو الطيب: أن الشافعي رحمه اللَّه قال في المرتد: إذا قامت البينة على رجل بالردة، فقال ورثته: إنه رجع إلى الإسلام، وأقاموا بينة أنهم رأوه يصلي بعد الشهادة عليه بالردة صلاة المسلمين، قبلت (تلك) 702 منهم، فإن كان هذا في بلاد الإِسلام، لم يحكم بإسلامه.
فمن أصحابنا من قال: يجب على هذا أن الكافر إذا صلى في دار الحرب مثل المرتد.
وحكى القاضي حسين رحمه اللَّه: أن الشافعي رحمه اللَّه نص على أن مسلمًا لو سجد للصنم في دار الحرب لم يحكم بردته، ولو أنه في دار الإِسلام ألقى (العسلي) 703 على كتفيه، وشد الزنار على وسطه (أن) 704 يحكم بردته.
وقال أبو حنيفة: إذا صلى الكافر في جماعة، أو بجماعة، حكم بإسلامه وكذا إن صلى منفردًا فى مسجده وكذا إن أذن حيث يؤذن المسلمون.
الجزء: 2 - الصفحة: 198
وقال أحمد: يحكم بإسلامه بالصلاة بكل حال، فإن سمع (منه) 705 لفظ الشهادتين من غير استدعاء لذلك منه، أو إشهاد على نفسه حكم بإسلامه في أصح الوجهين، وكذا إن سمع منه لفظ الشهادة في الصلاة، فإنه على الوجهين.
فأما صلاة من صلى خلف الكافر، (فإنه إن كان) 706 مستترًا بكفره كالزنديق ففي صلاته (خلفه) 707 مع الجهل بحاله وجهان.
وتصح إمامة الفاسق وإن كرهت.
وقال مالك: لا يصح الائتمام بالفاسق بغير تأويل، والفاسق بتأويل يعيد (الصلاة) 708 خلفه في الوقت.
وعن أحمد في إمامة الفاسق: روايتان.
ولا تصح إمامة المرأة للرجال 709.
وحكي عن أبي ثور، وابن جرير الطبري: أنه يجوز إِمامتها في صلاة التراويح إذا لم يكن هناك قارىء غيرها.
وتقف خلف الرجال.
فإن صلى رجل خلف خنثى مشكل، ولم يعلم بحاله، حتى فرغ من الصلاة، وجب عليه الإِعادة، فإن لم يعد حتى زال الإِشكال، لم تسقط عنه الإِعادة على الصحيح من المذهب.
الجزء: 2 - الصفحة: 199
وفيه قول آخر: أنه لا إعادة عليه.
فأما المختلفون في أحكام الشرع، فإذا ائتم بمن يخالفه في (شرط) 710 من شروط الصلاة، ولم يعلم بإخلاله بذلك الشرط، فصلاته خلفه صحيحة، وإن علم بتركه الفاتحة، فقياس المذهب أن صلاته لا تصح.
وحكي عن القاضي حسين: أن الأستاذ أبا إسحاق قال: لا يصح اقتداؤه به قرأ الفاتحة، أو لم يقرأ، والأول أصح.
فإن اقتدى الشافعي بالحنفي في صلاة الصبح، فأطال الإِمام القيام في الرفع من الركوع بحيث يمكنه القنوت، قنت ولا شيء عليه، وإن لم يقف بحيث يمكنه القنوت خلفه، وأخرج نفسه (من صلاته) 711 وقنت ولا شيء عليه، وإن لم يخرج نفسه من صلاته، وقنت والإِمام ساجد ولم تطل المدة، فالمذهب: أن صلاته تبطل، ويحتمل أن يقال: لا تبطل.
وإن ترك القنوت وتابعه، فالعراقيون من أصحابنا قالوا: يسجد للسهو.
وقال القفال: ليس عليه سجود، وهذا (بناؤنا) 712 على أصل، وهو أن الشافعي رحمه اللَّه اقتدى بالحنفي، فلم يقرأ الفاتحة.
فعند القفال: صلاة المأموم صحيحة.
وقال غيره: لا تصح، وهذا الذي ذكره عندي فيه نظر.
الجزء: 2 - الصفحة: 200
أما قوله: إنه إذا إطال الإِمام قنت، لا سجود عليه خطأ، بل ينبغي أن يسجد.
وقوله: إذا قنت والإِمام ساجد، بطلت صلاته، ليس بمذهب.
وقوله: إذا أخرج نفسه يجزئه، فينبغي أن يبنى على القولين في مفارقة الإِمام لغير عذر.
وأما أذا تابعه، فحكايته لقول أهل العراق، وبناؤه على أصل، ليس بأولى من الفرع، والأمر مبني على اعتقاد المأموم دون الإِمام في ذلك.
ولا تجوز الصلاة خلف المحدث 713، فإن لم يعلم بحاله صحت صلاته في غير الجمعة، فأما في الجمعة، فإن تم العدد دونه، صحت صلاة من خلفه.
وذكر ابن القاص قولًا آخر مخرجًا: إنه لا يصح لهم الجمعة، وإن تم العدد به، لم تصح الصلاة خلفه، (وبقولنا) 714 قال أحمد.
وقال الشعبي وأبو حنيفة: تبطل صلاة من خلفه بكل حال.
وقال مالك: إن كان الإِمام ناسيًا لحدث نفسه، فصلاة المأموم خلفه صحيحة، وإن كان الإِمام عالمًا بحدث نفسه، بطلت صلاة المأموم خلفه.
وقال عطاء: إن كان حدثه جنابة، بطلت صلاة المأموم خلفه، وإن كان غيرها (أعادها) 715 في الوقت.
الجزء: 2 - الصفحة: 201
فإن علم المأموم بحدث الإمام في أثناء الصلاة، فأقام على متابعته، بطلت صلاته، فإن خرج الإِمام ليتوضأ وكان موضعه قريبًا، أشار إليهم كما أنتم ومضى وتوضأ إذا كان ذلك قبل الركوع، وعاد وأتم (بهم) 716 الصلاة.
وإن كان بعيدًا، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه في القديم: يصلون لأنفسهم.
فمن أصحابنا من قال: إنما قال ذلك، لأنه على قوله القديم، لا يجوز الاستخلاف.
ومنهم من قال: إنما قال ذلك، ليخرجوا من الخلاف في الصلاة بإمامين.
وفي صلاة (الطاهرة) 717 خلف المستحاضة وجهان:
أحدهما: يصح كالمتوضىء خلف المتيمم 718.
وتصح صلاة القائم خلف القاعد، وبه قال أبو حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك 719.
الجزء: 2 - الصفحة: 202
وعن مالك رواية ثانية: أنه لا تصح صلاة القائم خلف القاعد، وهو قول محمد بن الحسن 720.
وقال أحمد، والأوزاعي: يصلون خلفه قعودًا، واختاره ابن المنذر 721.
ويجوز للراكع والساجد أن يأتم بالمومىء، إلى (الركوع والسجود) 722.
وقال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك: لا يجوز أن يكون المومىء إمامًا للراكع والساجد.
= بالناس جالسًا وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر" رواه البخاري ومسلم، "الفتح الباري" 2/ 307.
الجزء: 2 - الصفحة: 203
فإن قدر القاعد على القيام في أثناء الصلاة، أو المومىء على القعود أو القيام، فإنه يقوم ويقعد ويبني على صلاته.
وقال أبو حنيفة: المومىء إذا قدر على القعود أو القيام، بطلت صلاته، وكذلك العريان إذا وجد سترة، والأمي إذا تلقن، بطلت صلاته عنده.
وقال محمد: في القاعد إذا قدر على القيام، بطلت صلاته أيضًا، فإن لم يقم الإِمام مع قدرته عليه وعلم المأموم حاله، وأقام على متابعته، بطلت صلاته.
وقيل: تصير صلاته نفلًا، ذكره في الحاوي، وليس بصحيح.
وفي صلاة القارىء خلف الأمي قولان 723:
أحدهما: وهو اختيار المزني، أنها تصح.
والثاني: وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، أنها لا تجوز.
وقيل: فيه قول آخر على قوله القديم، أنه إن كان في صلاة يجهر فيها بالقراءة، لم يجز، وإن كان في صلاة يسر فيها بالقراءة جاز.
وذكر في الحاوي: أنه إذا علم القارىء بحال الأمي، لم تصح صلاته خلفه قولًا واحدًا، وإن لم يعلم بحاله حتى فرغ من الصلاة، ففي بطلان صلاته ووجوب الإِعادة ثلاثة أقوال:
فإن قلنا: إن صلاة القارىء تبطل، فإن صلاة الأمي لا تبطل، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاة الأمي أيضًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 204
حكي عن أبي حازم 724 من أصحابه أنه قال: إنما أبطل صلاته، لأنه يمكنه أن يقتدي بالقارىء.
فعلى هذا يقتضي أن لا يصلي وحده.
وقال أبو الحسن الكرخي: إنما أبطل صلاته، لأنه لما أحرم خلفه صار محتملًا للقراءة عنه مع عجزه، فإن اختلف عن الإِمام والمأموم، ففيه وجهان:
أحدهما: تصح صلاته خلفه.
والثاني: لا تصح وهو الأصح، إذا قلنا: لا تصح صلاة القارىء خلف الأمي.
فإن قرأ الروايات الشاذة في الصلاة.
ذكر القاضي حسين: أن صلاته لا تبطل، قال: وفيه إشكال.
قال الشيخ (الإمام) 725: وعندي أنه ينبغي أن يقال: إن كان يحيل المعنى عن القراءة المعروفة بطلت الصلاة، وإن كان لا يحيل المعنى، لم تبطل ويكره 726.
الجزء: 2 - الصفحة: 205
ويجوز أن يأتم المفترض بالمتنفل، والمتنفل بالمفترض، والمفترض بالمفترض وفرضهما مختلف إذا اتفقت الصلاتان في الأفعال الظاهرة، وبه قال عطاء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختاره ابن المنذر 727.
وقال أبو حنيفة، ومالك، وهو الرواية الأخرى عن أحمد: (أنه) 728 لا يجوز أن يأتم المفترض بالمتنفل ولا المفترض وفرضهما مختلف 729.
ويجوز أن يأتم المتنفل (بالمفترض) (4).
وحكى في الحاوي: المنع من الائتمام مع اختلاف الصفة بكل حال، فلا يأتم المتنفل (بالمفترض) (5)، وهو قول مالك، والزهري.
ولا يجوز أن يصلي الجمعة خلف من يصلي الظهر 730.
ومن أصحابنا من قال: يجوز في فعل الجمعة خلف المتنفل قولان.
ولا يختلف أصحابنا بالعراق أنه لا يجوز فعل صلاة الكسوف خلف من يصلي الصبح، ولا الصبح خلف من يصلي الكسوف، ولا فعل
الجزء: 2 - الصفحة: 206
إحدى الصلوات الخمس خلف من يصلي صلاة الجنازة، ولا صلاة الجنازة خلف من يصلي غيرها.
وحكى القاضي حسين عن القفال: فيمن صلى الفرض خلف من يصلي صلاة الجنازة، أنها تنعقد، فإذا كبر الإِمام التكبيرة الثانية لم يكبر معه، وعلى هذا صلاة الجنازة خلف من يصلي صلاة الفرض تنعقد عنده، والفرض خلف صلاة الكسوف على طريقته (تنعقد) 731 وعلى طريقة غيره: فيه وجهان:
أحدهما: لا تنعقد.
والثاني: تنعقد.
فإذا اشتغل الإِمام بالقيام الثانى، فارقه، وهذا القول بعيد (عن) 732 المذهب جدًا.
وذكر: أنه يصلي الفرض خلف من يصلي صلاة العيد، ثم إن شاء، وافقه في التكبير، وإن شاء، خالفه.
السنة: أن يؤم القوم أفقههم وأقرؤهم 733، فإن زاد أحدهما في الفقه والآخر في القراءة، فالأفقه أولى، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
الجزء: 2 - الصفحة: 207
وقال الثوري وأحمد: الأقرأ أولى واختاره ابن المنذر 734.
فإن استويا في جميع ذلك، فقد قال بعض المتقدمين: يقدم أحسنهم.
فمن أصحابنا من قال: أحسنهم صورة.
ومنهم من قال: أحسنهم ذكرًا 735.
فإن اجتمع هؤلاء مع صاحب المنزل، فصاحب المنزل أولى 736، فإن اجتمع السلطان مع هؤلاء فهو أولى من صاحب المنزل وغيره.
وحكى في الحاوي (قولًا آخرًا) 737: أن صاحب المنزل أولى من السلطان إذا حضر عنده.
الجزء: 2 - الصفحة: 208
فإن اجتمع المستعير والمعير في الدار المستعارة، فالمستعير أولى في أحد الوجهين:
والثاني: أن المعير أولى.
فإن اجتمع حر وعبده، فالحرّ أولى.
وحكي عن أبي مجلز: أنه كره إمامة العبد.
وقال مالك: لا يؤم في جمعة ولا عيد.
وحكي عن الأوزاعي أنه قال: أربعة لا يؤمون الناس، ذكر منهم العبد، إلَّا أن يؤم أهله.
وهل يحتاج العبد أن يستأذن مولاه في الإِمامة، وحضور الجماعة؟
ذكر القاضي حسين: أنه إن كانت صلاته لا تزيد على صلاته منفردًا، لم يلزمه الاستئذان.
(قال الشيخ الإِمام) 738: وعندي: أنه إن كان في أول الوقت احتاج إلى إستئذانه، وإن كان في آخر الوقت (فعلى) 739 التفصيل.
ويكره إمامة من لا يعرف أبوه، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وقال أحمد: لا تكره إمامته، ورواه ابن المنذر عن مالك واختاره.
وكره عمر بن عبد العزيز: إمامة ولد الزنا.
فإن اجتمع بصير وأعمى، فالمنصوص في الإِمامة (أنهما) 740 سواء.
الجزء: 2 - الصفحة: 209
وقال أبو إسحاق المروزي: الأعمى أولى.
وقال الشيخ الإِمام أبو إسحاق الشيرازي رحمه اللَّه: (عندي أن البصير) 741 أولى (من الأعمى) 742.
وقال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: والوجهان (مخالفان) 743 نص الشافعي رضي اللَّه عنه.
وحكي عن ابن سيرين: أنه يكره إمامة العبد.
الجزء: 2 - الصفحة: 210
باب موقف الإِمام والمأموم
السنة: أن يقف الرجل الواحد عن يمين الإِمام 744.
وحكي عن سعيد بن المسيب أنه قال: يقف عن يسار الإمام.
وقال النخعي: يقف خلفه إلى أن يركع، (فإن) 745 جاء آخر وإلَّا تقدم، ووقف عن يمينه إذا ركع، فإن حضر رجلان اصطفا خلفه 746.
الجزء: 2 - الصفحة: 211
وحكي عن عبد اللَّه بن مسعود 747 رضي اللَّه عنه أنه قال: يقف الإِمام بينهما.
فإن وقفت (امرأة) 748 في الصف بين الرجال، لم تبطل صلاة واحد (منهم) 749.
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاة من على يمينها وشمالها من المأمومين 750، ولا تبطل صلاتها.
فإن أحرمت امرأة خلف الرجل في صلاة مؤتمة به، صح إحرامها، ولا يحتاج أن ينوي الإِمام إمامتها.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن: لا يصح ائتمامها به حتى ينوي إمامتها.
فإن وقف خلف الصف (وحده) 751 (مقتديًا) 752 بالإِمام، كره، وأجزأه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ومالك.
الجزء: 2 - الصفحة: 212
وقال أحمد: تبطل صلاته 753.
فإن دخل المسجد، فلم يجد في الصف فرجة، فإنه يصلي وحده.
وذكر الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه: أنه يجذب رجلًا من الصف ليصلي معه، فإن لم يفعل كره.
وحكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أن الشافعي رحمه اللَّه نص (أنه) 754 لا يجذب (رجلًا) 755، (ويقف) 756 حيث شاء.
فإن وقف المأموم قدام الإمام مقتديًا به، لم تصح صلاته في أصح القولين، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد.
وقال في القديم: تصح صلاته، وهو قول مالك.
فإن حضر رجال وصبيان، وقف الرجال في الصف الأول، ثم الصبيان.
ومن أصحابنا من قال: يقف بين كل رجلين صبي ليتعلم منهم الصلاة، وهو قول مالك.
الجزء: 2 - الصفحة: 213
فإن وقف مأموم بجنب الإِمام، ورؤوس أصابعه مع رؤوس أصابعه، وعقبه متقدمة على عقبه لقصر قدمه، فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يصح اعتبارًا بالمساواة في العقب.
والسنة: أن لا يكون موضع الإِمام أعلى من موضع المأموم، إلَّا أن يقصد تعليم المأمومين، فيستحب أن يكون موضعه أعلى 757.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكره ذلك بكل حال.
وحكى الطحاوي: أنه يكره إذا كان ارتفاعه يجاوز القامة.
وقال أبو بكر الرازي: لا يعرف ذلك.
فإن كانت الجماعة في المسجد فلا اعتبار فيها بالمشاهدة، واتصال الصفوف وإنما يعتبر العلم بصلاة الإِمام.
وإن خرجت الجماعة عن المسجد، فإن اتصلت الصفوف إلى من في المسجد، فالصلاة صحيحة، وإن كان بين الصفين فصل قريب، وهو
الجزء: 2 - الصفحة: 214
ثلاثمائة ذراع، وعلموا بصلاة الإِمام، فصلاتهم صحيحة، وهل ذلك تحديد أو تقريب؟ فيه وجهان:
فإن كان بينه وبين المسجد حائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة كالشباك، لم يمنع صحة الائتمام في أحد الوجهين، (والاعتبار في المسافة) 758 التي ذكرناها بحائط المسجد.
واختلف أصحابنا في الطريق الذي أخذ عنه الشافعي رحمه اللَّه ذلك التقدير.
فمنهم من قال: أخذه من جهة العرف 759.
ومنهم من قال: أخذه من صلاة الخوف.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا وقف الإِمام في المسجد، وله باب مفتوح عن يمينه أو يساره، فوقف قوم خلفه، ووقف إنسان خارج المسجد، فإن اتصلت به الصفوف اتصال المناكب جاز، فإن لم يقف على العتبة أحد، وكان بين هذا الواقف وبين حائط المسجد فرجة يقف فيها رجل، لم تجز صلاته، وإن كان متصلًا بالمسجد ليس بينه (وبينه) 760 فرجة، ففيه وجهان، بناء على أن الاتصال يعتبر بالصف الذي في المسجد أو بالمسجد، وفيه وجهان، (وهذا يبطل به) 761 إذا كان الباب وراء الإِمام.
الجزء: 2 - الصفحة: 215
فإن صلى في دار، وبينهما حائط غير حائط المسجد، لم يصح الائتمام، ولا يختلف أصحابنا.
وقال مالك: يصح الائتمام به إلَّا في الجمعة إذا علم بصلاته.
فإن كان له باب مفتوح إلى المسجد يرى منه الإِمام، أو بعض من خلفه:
فقد قال أبو إسحاق: لا تصح صلاته حتى تتصل الصفوف (به) 762 اتصال العادة.
وقال أبو علي في "الإِفصاح": لا فرق بين الدار والصحراء في اعتبار القرب والبعد في الجميع، وهذا الصحيح عندي.
واختار القاضي حسين رحمه اللَّه قول أبي إسحاق وقال: الاعتبار بالأماكن وهي ثلاثة:
- صحراء: فيعتبر (فيها) 763 القرب.
- وأبنية: بنيت للعبادة، فيعتبر فيها العلم.
- وأبنية: بنيت للرفق، فيعتبر فيها اتصال الصفوف (حتى) 764 قال: لو كان الإِمام في (الصحراء) 765، والمأموم في الصفة، لم يصح الائتمام، وهذا تحكم.
الجزء: 2 - الصفحة: 216
فأما إذا صلى في علو دار بصلاة الإِمام في المسجد، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: وأما في علوها، فلا يجوز، لأنها (بائنة) 766 من المسجد.
ومعناه: أنه ليس بينهما قرار يمكن اتصال الصفوف فيه.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا صلى على سطح دار في جوار المسجد (لم يجز إلَّا على طريقه من) 767 -عن يمينه أو يساره- بصلاة الإِمام في المسجد (مع القرب) 768، فإن كان علو المسجد بحيث يحاذي رأس الواقف في المسجد رجل الواقف على السطح، ولم يكن بين الواقف على السطح، وبين الواقف في المسجد فرجة تتسع لوقوف واحد، فالاقتداء صحيح، وإن كان بينه وبينه فرجة، وكان الواقف على السطح على طرف السطح، ولم يكن بينه وبين المسجد فرجة، وإنما كان الواقف متباعدًا عن الحائط، فعلى وجهين، بناء على أن القرب من المسجد، هل يجعل بمنزلة القرب من (الصف) 769؟
وأما إذا كان الواقف على السطح متباعدًا عن طرفه بقدر موقف رجل لم يصح الاقتداء على ظاهر المذهب.
وأما إذا كان السطح أعلى من ذلك، فإن لم يقف على طرف
الجزء: 2 - الصفحة: 217
السطح، لم يجز إلَّا على طريقة من يعتبر القرب والمشاهدة، وإن وقف على طرف السطح، فعلى ما ذكرناه (من) 770 الوجهين في اعتبار القرب من المسجد أو من الصف.
وإن كان السطح خلف المسجد، وكان علو السطح بقدر قامة، ومن في المسجد وقوف بجنب الحائط، ولم يكن بين الواقف على السطح والواقف في المسجد إلَّا ما يكون بين الصفين، فالاقتداء صحيح، وإن لم يكن كذلك، فعلى ما ذكرناه.
وإن كان السطح عاليًا:
فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: لا يجزىء.
وعلى طريقة من يعتبر مجرد المشاهدة مع القرب، جاز، وهذا التفصيل الذي ذكره تحكم، وهو مخالف لنص الشافعي رحمه اللَّه، فإما أن يقول بقول عطاء، أو مالك، أو يصير إلى نص الشافعي (رحمه اللَّه).
فإن كان بين الإِمام (والمأموم) 771 نهر، أو طريق صح الائتمام، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يمنع ذلك صحة الائتمام.
وإن كان الإِمام في سفينة، والمأموم في أخرى غير مشدودة إليها، وبينهما مسافة قريبة، صح الائتمام.
وقال أبو سعيد الإِصطخري: لا يصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 218
والاعتبار عند عطاء: (العلم) 772 بصلاة الإِمام دون المشاهدة والحائل (وعدم) 773 الحائل وحكي ذلك (عن) 774 النخعي والحسن البصري.
الجزء: 2 - الصفحة: 219
باب صلاة المريض
إذا عجز عن الركوع والسجود لعلة بظهره، وقدر على القيام، فإنه يجب عليه القيام، وينحني في الركوع بحسب طاقته، أو يحني رقبته.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: يسقط عنه فرض القيام، فإن عجز عن القيام صلى قاعدًا 775.
وفي كيفية قعوده قولان:
أحدهما: أنه يقعد متربعًا 776، وحكي ذلك عن مالك، وأبي يوسف، ومحمد، وأحمد، وحكاه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة قال: إذا ركع ثنى رجليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 220
وحكى القاضي أبو حامد عن الشافعي رحمه اللَّه: أنه يجلس مفترشًا، وهو قول زفر 777.
وحكى محمد عن أبي حنيفة: أنه يجلس كيف شاء.
وإن عجز عن القعود، فقد نص الشافعي رحمه اللَّه على أنه يضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع، استلقى على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، وبه قال أحمد، ومالك 778.
(وقال) 779 أبو علي في "الإِفصاح": يستلقي على ظهره، ويستقبل القبلة برجليه، حتى يكون إيماؤه في الركوع والسجود إلى القبلة، وبه قال أبو حنيفة: والأول أصح.
فإن لم يستطع أن يومىء برأسه إلى الركوع والسجود، أومأ بطرفه.
وقال أبو حنيفة: إذا انتهى إلى هذه الحالة، سقط عنه فرض الصلاة.
وحكي عن مالك: أنه إذا دام (به) 780 الرعاف، فلم ينقطع أومأ إلى السجود، وأتى بالقيام والركوع، وفي الفرق بينهما نظر:
الجزء: 2 - الصفحة: 221
(قال) 781 في "الأم": إذا قدر أن يصلي قائمًا منفردًا يخفف القراءة، وإذا صلى مع الجماعة صلى بعضها من قعود، (فالأفضل) 782 أن يصلي منفردًا 783.
قال الشيخ أبو حامد: الإتيان بها مع القعود في بعضها في (الجماعة) 784 أولى، وحكي أنه مخير بينهما، والجميع خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه.
فإن كان بعينه وجع وهو قادر على القيام فقيل له: إن صليت مستلقيًا داويناك؟ 785.
فقد ذكر الشيخ أبو حامد: أن هذه المسألة غير منصوص عليها لأصحابنا.
وقد حكي عن أبي حنيفة، والثوري: جواز ترك القيام له.
وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز.
الجزء: 2 - الصفحة: 222
قال الشيخ أبو حامد: هذا هو الذي يقتضيه المذهب.
ومن أصحابنا: من حكى فيه وجهين 786.
ويجب القيام في الفرض في السفينة ما لم يخف الغرق، أو دوران رأسه.
وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه القيام فيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 223
باب صلاة المسافر
القصر جائز في السفر الجائز 787.
وحكي عن داود أنه قال: لا يجوز القصر إلَّا في سفر واجب، وحكي عنه: أنه يختص بسفر الخوف.
وقال عطاء: لا يجوز إلَّا في سفر طاعة، فأما سفر المعصية، فلا يجوز القصر فيه، ولا (الترخص برخص) 788. السفر (بحال) 789، وهو
الجزء: 2 - الصفحة: 224
قول مالك، وأحمد 790.
وقال أبو حنيفة: يجوز (الترخص) 791 فيه.
فإن سافر سفرًا مباحًا، ثم نوى إتمامه لمعصية، انقطع الترخص في أظهر الوجهين، وهل يجوز له أن يمسح يومًا وليلة في سفر المعصية؟ (فيه وجهان) 792.
فإن أقام في بلد (لمعصية) 793، فهل يجوز له المسح يومًا وليلة؟ فيه وجهان:
وإن تيمم في سفر المعصية، عند عدم الماء وصلى (فيه) 794، فهل يجب عليه الإعادة؟
فيه وجهان: وفرّع على هنا: إذا عجز العاصي بسفره عن استعمال الماء لجراحة ببدنه، وكانت قد أصابته في الحضر، يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه، وإن كانت قد أصابته في السفر، فهل يعيد ما صلاه بالتيمم على الوجهين؟ وهذا تشبيه بعيد في المعنى.
الجزء: 2 - الصفحة: 225
وعلى هذا قال: لو وثب من بناء عال لص (فانكسرت) 795 رجله فصلى قاعدًا، فهل يعيد؟ فيه وجهان: وهذا أبعد من الأول.
ولا يجوز القصر إلَّا في مسيرة يومين ستة عشر فرسخًا، وبه قال مالك، وأحمد 796.
وقال داود: يجوز القصر في طويل السفر وقصيره 797.
وقال الأوزاعي: يقصر في مسيرة يوم 798.
الجزء: 2 - الصفحة: 226
وعن الزهري: في مسيرة ثلاثين ميلًا.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجوز القصر في أقل من ثلاث مراحل - أربعة وعشرين فرسخًا 799.
فإن كان للبلد طريقان يقصر في أحدهما لطوله دون الآخر، فسلك الأبعد (لا لغرض) 800 سوى القصر، فإنه (لا يجوز) 801 له القصر في أحد (القولين) 802، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني.
والثاني: لا يقصر، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي.
فإن كان سفره مسيرة ثلاثة أيام (فالقصر) 803 فيه أفضل، فإن أتم جاز، وبه قال أحمد.
وفيه قول آخر: أن الائتمام أفضل، وهو اختيار المزني.
وقال أبو حنيفة والثوري: القصر عزيمة حتى قال أبو حنيفة: إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 227
صلى الظهر أربعًا، ولم يجلس بعد الركعتين، (بطلت صلاة ظهره) 804، وهو قول بعض أصحاب مالك.
وحكى ابن المنذر عن قتادة 805 أنه قال: إذا جاوز الجسر، أو الخندق، قصر.
وحكي عن مالك: روايتان:
إحداهما: أن يفارق بنيان بلده (ولا يحاذيه) 806 عن يمينه، ولا عن يساره منه شيء.
والثانية: أن يكون من المصر على ثلاثة أميال.
وروي عن (الحارث) 807 بن أبي ربيعة: أنه أراد سفرًا، فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد اللَّه.
وحكي عن عطاء أنه قال: إذا خرج الرجل حاجًا، فلم يخرج من بيوت القرية حتى دخل وقت الصلاة، فإن شاء، قصر وإن شاء، أوفى.
الجزء: 2 - الصفحة: 228
وحكي عن مجاهد أنه قال: إذا خرج نهارًا، لم يقصر حتى يدخل الليل، وإن خرج ليلًا، لم يقصر حتى يدخل النهار.
فإن كانت قرية وبقربها قرية أخرى، ففارق قريته، جاز له القصر.
وفيه وجه آخر: أنه إن كانت القريتان متقاربتين، لم يجز له القصر حتى يفارق القرية الأخرى.
فإن اتصلت (حيطان البلد بحيطان البساتين والمزارع، جاز له القصر إذا فارق حيطان البلد) 808.
وذكر القاضي حسين: أنه لا يجوز له القصر حتى يفارق حيطان البساتين.
وحكى بعض أصحابنا: أنه إذا كان على باب البلد نهرٌ، لم يجز له القصر حتى يعبره، وليس بصحيح.
وإن كان من أهل الخيام، فحتى يفارق جميع الخيام المجتمعة في العادة.
وذكر بعض أصحابنا: أنه يعتبر أن يفارق بيوت عشيرته، وكل موضع هو من مرافقهم، مثل مطرح الرماد، ومجتمع البهائم، (ومتحدث) 809 النادي، وهذا فيه نظر.
إذا خرج من بلده ينوي المقام في بلد آخر عينه، فحين قرب منه بدا له من المقام فيه، ونوى الاجتياز منه إلى بلد آخر، فإنه يجوز له (قصر) 810 الصلاة، فإن رجع إلى بلده، يريد الاجتياز به (إلى بلد
الجزء: 2 - الصفحة: 229
آخر) 811، لم يجز له القصر ما دام فيه، كذا ذكر في الحاوي، وفيه نظر.
وينوي القصر في الإِحرام، فإن لم ينو القصر، أو نوى الإِتمام، لم يجز له القصر.
وقال المزني رحمه اللَّه: إذا أطلق النية، جاز له القصر.
وقال المغربي 812: يجوز له القصر وإن نوى الإِتمام.
فإن شرع في الصلاة بنية القصر (فسها) 813 فصلاها أربعًا أجزأه، وسجد للسهو، ولو تعمد ذلك لم يسجد.
وحكى ابن المنذر عن الحسن: مثل ذلك.
وقال بعض أصحاب مالك: لا تجزئه هذه الصلاة.
فإن ائتم بمقيم في جزء من صلاته، لزمه الائتمام وهو قول أبي حنيفة وأحمد وداود.
وقال إسحاق بن راهوية: يجوز للمسافر القصر خلف المقيم.
وقال مالك: (إن) 814 أدرك من صلاة المقيم قدر ركعة، لزمه الإِتمام، وإن كان دون ذلك، لم يلزمه.
فإن ائتم مقيمون بمسافر يصلي صلاة الجمعة بهم، فاتم به مسافر ينوي الظهر قصرًا، لزمه الإِتمام، لأن صلاة الجمعة صلاة مقيم.
الجزء: 2 - الصفحة: 230
وحكي فيه وجه آخر: أنه يقصر، وليس بشيء.
وقيل: إن هذا يبتني على أن الجمعة ظهر مقصورة، فإن قلنا: إنها ظهر مقصورة، جاز له القصر، وإلَّا لم يجز.
فإن أحرم ينوي القصر، ثم نوى الإِتمام (أم) 815 الإِقامة، أتم ومن خلفه.
وقال مالك: لا يجوز له أن ينوي الإتمام، ولا يلزم المأمومين الإتمام، وإن لزم الإمام بنية الإِقامة، والأولى عنده: إذا نوى الإقامة وقد صلى ركعة أن يجعلها نافلة ويستأنف صلاة مقيم.
فإن سافر، وكان ملاحًا في سفينة فيها أهله وماله، فله أن يقصر، نص عليه الشافعي رحمه اللَّه.
وقال أحمد: لا يقصر.
ذكر ابن القاص: أنه إذا ائتم مسافر بمسافر، ونوى القصر، فذكر الإِمام في أثناء الصلاة أنه كان قد نوى الإِتمام وكان محدثًا، جاز للمأموم القصر.
ومن أصحابنا من قال: تبنى على صلاة المأموم خلف المحدث، هل هي صلاة انفراد أو صلاة جماعة؟ فإن قلنا: صلاة جماعة، لزمه الإِتمام، وليس بشيء.
فإن ائتم مسافر بمسافر ولم يعلم حاله، هل (نوى) 816 القصر أو لا؟ فنوى القصر خلفه جاز.
ومن أصحابنا من قال: يعلق نيته على نية الإِمام.
الجزء: 2 - الصفحة: 231
فإن أفسد الإِمام صلاته، وانصرف ولم يعلم حاله، لزمه الإِتمام على المنصوص، وهو قول أبي إسحاق المروزي.
ومن أصحابنا من قال: يجوز له القصر، والأول أظهر.
وقال أبو حنيفة: يلزمه القصر.
قال الشافعي رحمه اللَّه: فإن صلى مسافر بمقيمين، فرعف واستخلف مقيمًا، أتم الراعف.
فمن أصحابنا من قال: هذا على القول الذي يقول: إن صلاة الراعف لا تبطل، فيكون في حكم المؤتم (بالمقيم) 817.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه على القول الجديد أيضًا، وليس بشيء، وعلى قول أكثر أصحابنا المراد به: إذا غسل الدم وعاد، واتبع المقيم، وفي كلام الشافعي رحمه اللَّه ما يدل عليه.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه قال: لا يجب على المسافرين الإِتمام.
فإن ائتم مقيمون ومسافرون بمسافر (نوى) 818 القصر، فسلم الإِمام (وقام) 819 المقيمون لإِتمام صلاتهم، (فأراد) 820 أن يستخلف منهم مقيمًا يصلي بهم (بقية) 821 صلاتهم، يبني على القولين في جواز
الجزء: 2 - الصفحة: 232
الاستخلاف إذا أحدث الإمام، فعلى قوله القديم: لا يجوز، وعلى قوله الجديد: يجوز، (وسيأتي) 822 ذكره في الجمعة، فإن قلنا: فها هنا وجهان ولا يكره لمن يقصر النفل.
وحكي عن بعض الناس أنه قال: يكره.
إذا أحرم (الإِمام) 823 بالصلاة في سفينة في الحضر، فسارت السفينة، لزمه الإِتمام.
ذكر في الحاوي: إن هذا مذهب كافة الفقهاء إلَّا ما يحكى شاذًا منهم، أنه يجوز القصر، وهو خطأ.
إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام 824 غير يوم الدخول ويوم الخروج، صار مقيمًا، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (إذا نوى) 825 إقامة خمسة عشر يومًا، صار مقيمًا مع يوم الدخول ويوم الخروج.
وإن نوى أقل من ذلك، لم يصر مقيمًا، وبه قال الثوري، واختاره المزني رحمه اللَّه.
الجزء: 2 - الصفحة: 233
وروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أنه إن نوى إقامة تسعة عشر يومًا، لم يقصر، وإن كان أقل (يقصر) 826، وبه قال إسحاق.
وقال الليث بن سعد: إن نوى مقام أكثر من خمسة عشر يومًا، أتم.
وقال الحسن بن صالح: إن نوى إقامة عشرة أيام، أتم، وفيما يقصر.
وعن الأوزاعي أنه قال: (إن) 827 نوى مقام اثني عشر يومًا، أتم.
وعن أحمد: أنه إن نوى إقامة مدة يفعل فيها أكثر من عشرين أتم: وهذا قريب من مذهبنا.
إذا سافر إلى بلد يقصر فيه الصلاة، فمر في طريقه ببلد له فيه مال فنزل فيه، لم يلزمه الإِتمام.
وحكي فيه قول آخر: أنه لا يجوز له القصر، وليس بشيء.
فأما إذا نوى الإِقامة على (حرب) 828 أربعة أيام، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يقصر وتلغو نيته 829.
الجزء: 2 - الصفحة: 234
والثاني: أنه يتم.
ذكر بعض أصحابنا: أن نظير هذه المسألة، إذا نوى إقامة أربعة أيام في موضع لا يصلح للإِقامة من جبل أو برية، (فهل) 830 تنقطع الرخصة؟ فيه قولان، وهذا نظير بعيد، لأن المقيم على (الحرب) 831 مقيم بحكمها (لا باختياره) 832، والمقيم في الموضع الذي لا يصلح للإِقامة، مقيم باختياره.
فأما إذا نوى الإِقامة لغير حرب من بيع متاع واجتماع رفقة، ونوى إقامة أربعة أيام، لم يقصر.
وإن نوى أنه متى (انتجزت) 833 حاجته، سار ولم ينو مدة، فإنه يتحصل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقصر إلى أربعة أيام.
والثاني: أنه يقصر ثمانية عشر يومًا 834.
الجزء: 2 - الصفحة: 235
والثالث: أنه يقصر أبدًا، وهو قول أبي حنيفة، فأما المقيم على حرب إذا (انتجزت) 835 صار يقصر إلى ثمانية عشر يومًا، وفيما زاد على قولين.
الجزء: 2 - الصفحة: 236
فصل
إذا فاتته صلاة في الحضر، فقضاها في السفر، قضاها تامة 836.
قال ابن المنذر: لا أعرف فيه خلافًا إلَّا شيئًا يحكى عن الحسن البصري.
وروى الأشعث: أن الاعتبار بحال الفعل فيقصر.
وروى يونس 837: أن الاعتبار بحال الوجوب (فيه) 838 فيتم.
الجزء: 2 - الصفحة: 237
وحكى عن المزني في مسائله المعتبرة: أنه يقصر.
وإن فاتته صلاة في السفر فقضاها في الحضر، (ففيه) 839 قولان:
أحدهما: أنه يقصرها، وهو قول أبي حنيفة، ومالك.
والثاني: لا يقصر، وهو الأصح، وبه قال أحمد، وداود، واختاره المزني.
وإن فاتته صلاة في السفر، فقضاها في السفر، ففيه قولان:
أظهرهما: أنه يقصرها، ولا فرق بين أن يتحلل (بين) 840 القضاء والأداء حضرًا، وبين أن لا يتحللها حضرًا.
وحكي عن بعض أصحابنا: (أنه) 841 إذا تحللها حضرًا، لم يجز القصر، والمذهب الأول.
وعن أصحابنا من حكى (في ذلك) 842: ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقصر بكل حال.
والثاني: لا يقصر بحال.
والثالث: يقصر إذا قضى في السفر، ولا يقصر إذا قضى في الحضر.
(قال الشيخ الإِمام) 843: وعندي، لو بنى القضاء في الحضر على القولين في القضاء في السفر، كان حسنًا، فيقال:
الجزء: 2 - الصفحة: 238
- إذا قلنا: لا يقصر إذا قضى في السفر، فإذا قضى في الحضر أولى.
- وإن قلنا: يقصر إذا قضى في السفر، ففي الحضر قولان.
فإن دخل عليه وقت الصلاة في الحضر، ثم سافر، جاز له القصر.
وقال المزني رحمه اللَّه: لا يجوز له القصر إذا كان قد تمكن من الأداء في الحضر، وهو قول أبي العباس.
ذكر في الحاوي: أنه إذا سافر، وقد مضى من أول الوقت قدر ركعة، جاز له القصر إلَّا على قول أبي يحيى البلخي، فإن الفرض عنده (يستقر) 844 بقدر ركعة من أول الوقت، فلا يجوز (له) 845 القصر.
وينبغي أن يكون هذا على قوله، إذا كان يوافق المزني في السفر بعد الإِمكان في المنع من القصر فإن سافر بعدما ضاق وقت الصلاة، جاز له القصر.
وقال أبو الطيب بن سلمة: لا يجوز.
فإن كان قد بقي من الوقت قدر ركعة، ثم سافر، فهل يجوز له القصر؟ فإنه يبني على أنه يكون مؤديًا لما فعله خارج الوقت، وفيه وجهان: - فإن قلنا: بظاهر المذهب أنه يكون مؤديًا لجميعها، جاز له القصر.
- وإن قلنا: بقول أبي إسحاق، لم يقصر.
الجزء: 2 - الصفحة: 239
وحكي في الحاوي: في ذلك قولين.
أحدهما: وهو المنصوص عليه في عامة كتبه، أنه لا يقصر.
والثاني: نص عليه في الإِملاء، أنه يقصر.
فإن قدم البلد، وقد بقي من الوقت (قدر) 846 لا يتسع (لفعل) 847 ركعة، فهل يثبت له حكم المقيمين أم لا؟ فإنه يبني على أن إدراك هذا القدر من الوقت هل يتعلق به الوجوب أم لا؟ (فيه) 848 قولان، وهذا تخريج بعيد، لأن إدراك حكم المقيمين يكفي فيه إدراك جزء من الوقت.
الجزء: 2 - الصفحة: 240
فصل
يجوز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بقدر السفر 849، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة والنخعي: لا يجوز الجمع بين الصلاتين بقدر السفر بحال، واختاره المزني.
وفي الجمع في السفر القصير قولان:
أظهرهما: أنه لا يجوز.
الجزء: 2 - الصفحة: 241
والثاني: يجوز وهو قول مالك.
فإذا أراد الجمع بينهما في وقت الأولى، فلا بد من نية الجمع 850.
وقال المزني رحمه اللَّه: لا يحتاج إلى نية الجمع، وإنما يعتبر قرب الفصل بينها.
وفي وقت نية الجمع قولان:
أحدهما: تعتبر النية مع الإِحرام بالأولى.
والثاني: تعتبر قبل الفراغ من الأولى، وبعتبر أن يقدم الأولى على الثانية وبوالي بينهما، فإن فصل بينهما (بتنفل) 851، لم يصح الجمع.
وقال أبو سعيد الإِصطخري: لا يمنع ذلك صحة الجمع.
فإن دخل (بلد الإِقامة) 852 بعد الفراغ من الثانية، وقبل دخول وقتها فهل تجزئه؟ فيه وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 242
أحدهما: يجزئه، ذكره القاضي حسين رحمه اللَّه.
وذكر الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: نص الشافعي رحمه اللَّه في المطر على ما يخالف ذلك، فإن نوى الإِقامة بعد الشروع في الثانية، لم يجزه عن الفرض، وهل تبطل، أو تصير نفلًا؟ على قولين ذكره القاضي حسين رحمه اللَّه.
ويجوز الجمع بين الصلاتين بعذر المطر في وقت الأولى منهما 853.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز ذلك، واختاره المزني رحمه اللَّه.
وقال مالك وأحمد: يجوز الجمع بين المغرب والعشاء بعذر المطر، ولا يجوز بين الظهر والعصر 854.
وهل يجوز الجمع بين الصلاتين في وقت (الثانية) 855 منهما بعذر المطر؟ فيه قولان:
أحدهما: يجوز، وهو قول أحمد، (فأما الوصل) 856 من غير مطر، فلا يجوز الجمع به.
الجزء: 2 - الصفحة: 243
وقال مالك وأحمد: يجوز الجمع به 857، فإن كان في مسجد ليس في طريقه إليه مطر، ففي جواز الجمع قولان 858. ولا يجوز الجمع لمرض ولا خوف 859. وقال أحمد: يجوز الجمع للمرض والخوف 860. وحكى ابن المنذر عن ابن سيرين أنه (قال) 861: يجوز الجمع من غير مرض ولا خوف، واختاره ابن المنذر.
الجزء: 2 - الصفحة: 244
باب صلاة الخوف
صلاة الخوف ثابتة 862.
وقال المزني رحمه اللَّه: هي منسوخة.
وقال أبو يوسف: كانت مختصة برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 863.
ولا يؤثر الخوف في عدد ركعات الصلاة.
وحكي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: صلاة الخوف ركعة لكل طائفة، وللإِمام ركعتان، وبه قال الحسن البصري، وطاووس.
الجزء: 2 - الصفحة: 245
ولا تجوز صلاة الخوف في القتال المحظور 864.
وقال أبو حنيفة: تجوز.
فإن كان (العدو) 865 في غير جهة القبلة ولم يؤمنوا 866، وفي المسلمين كثرة، فإن الإِمام يفرق الناس فرقتين:
فرقة تقف في وجه العدو.
وفرقة تصلي معه.
فإن كانت الصلاة ركعتين: صلى بالطائفة الأولى ركعة، وثبت قائمًا في الثانية، (وأتمت) 867 الطائفة الأولى لنفسها وسلمت، ومضت إلى وجه العدو، وأتت الطائفة الثانية، فأحرمت خلف الإِمام، فيصلي بها الركعة الثانية.
وهل يقرأ الإِمام في حال انتظار (فراغ) 868 الأولى ومجيء الثانية؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على قولين.
أظهرهما: أنه يقرأ.
والطريق الثاني: أنه إن أراد تطويل القراءة، قرأ، وإن أراد أن يقرأ سورة قصيرة، لم يقرأ، حتى تأتي الطائفة الثانية، فيقرأ معها، فإذا
الجزء: 2 - الصفحة: 246
أحرمت الطائفة الثانية خلفه قرأ (بها) 869 وركع، وسجد، وقعد للتشهد، وتنهض الطائفة الثانية إلى الركعة الثانية من السجود، ولا تجلس معه في أظهر القولين.
وفي القول الثاني: تجلس معه، ثم تقوم قبل السلام، ويقف الإِمام ينتظرها حتى (تتم) 870 الركعة الثانية، وتجلس معه، ويتشهد ويسلم بها، فتفارقه هذه الطائفة فعلًا لا حكمًا حتى يلحقها حكم سهوه، ويتحمل سهوها، والطائفة الأولى تفارق الإِمام فعلًا وحكمًا.
وقال مالك: تتشهد مع الإمام، ويسلم الإِمام، فإذا (سلم) 871 قامت وأتمت لأنفسها.
وهل يتشهد الإِمام في حال انتظاره لها؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على (القولين) كالقراءة.
والثاني: أنه يتشهد قولًا واحدًا.
ومن أصحابنا من قال حيث قال يتشهد: أراد به إذا كانت الصلاة صلاة حضر، أربع ركعات، فإنه يتشهد بهم، لأنه محل تشهدهم، فيفارقونه بعده.
وحيث قال: يقومون قبل التشهد إذا كانت الصلاة ركعتين، ونحو قولنا.
وقال أحمد وداود: وهذه صفة صلاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بذات الرقاع.
وقال أبو حنيفة: يصلي الإِمام بالطائفة الأولى ركعة، وتمضي إلى
الجزء: 2 - الصفحة: 247
وجه العدو وهي في الصلاة، وتأتي الطائفة الثانية فتحرم خلف الإِمام، ويصلي بها الركعة الثانية ويسلم، وترجع الطائفة إلى وجه العدو وهي في الصلاة، وتأتي الطائفة الأولى من وجه العدو إلى موضع الصلاة مع الإِمام، فتصلي ركعة لنفسها منفردة وتسلم، وترجع إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى إلى ذلك المكان (فتتم) 872 صلاتها تقرأ فيها، والطائفة الأولى لا تقرأ في الركعة الثانية شيئًا.
فإن سها الإِمام في الركعة الأولى، لحق حكم سهوه (الطائفتين) 873، فإذا (أتمت) 874 الطائفة الأولى صلاتها، سجدت للسهو.
(قال) 875 الشافعي رحمه اللَّه: ويشير إليهم بما يفهمون أنه سها.
وقال في "الإِملاء": إن كان سهوًا ظاهرًا كالقيام في موضع القعود، لم يشر، وإن كان خفيًا، بأن يقرأ في حال ركوعه، أشار، واختار أبو إسحاق المروزي هذا.
وغيره قال: لا فرق بين الظاهر والخفي في الإِشارة، والأول أظهر.
وإن سها الإمام في الركعة الثانية، لحق الطائفة الثانية حكم سهوه، فإذا جلس الإمام للتشهد، فارقته فعلًا وانتظرها، فإذا سجد للسهو سجدت معه في أصح القولين.
الجزء: 2 - الصفحة: 248
- فأما إذا قلنا: إنها تفارقه بعد التشهد، فإنها تسجد معه للسهو، ثم تفارقه فعلًا، ويكون كالمسبوق على ما تقدم.
فإن صلى بهم الإِمام في الخوف صلاة أبي حنيفة (صحت) 876 صلاتهم.
وفيه قول آخر: إنها لا تصح.
فإن فرغت الطائفة الثانية، وجلست مع الإِمام للتشهد، وكان الإمام قد تشهد قبل إدراكها له، فسجد للسهو، (فهل) 877 تتبعه في السجود؟ فيه وجهان: أحدهما: أنها تسجد معه.
والثاني: أنها تتشهد، ثم تسجد بعد ما يسلم.
(فإذا) 878 قلنا: إنها تسجد معه، فهل تعيد السجود إذا (تشهدت) 879 على ما ذكرناه من القولين؟ والأصح: أن تتبعه في السجود.
(فإن) 880 أراد أن يصلي المغرب في حال الخوف، صلى بطائفة ركعة، وبطائفة ركعتين 881، وفي الأفضل قولان:
الجزء: 2 - الصفحة: 249
أصحهما: (أنه) 882 يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة 883، وبه قال مالك:
فعلى هذا تفارقه الطائفة الأولى بعد فراغه من التشهد 884.
قال الشافعي رحمه اللَّه في انتظار الإِمام: إن انتظرهم قائمًا فحسن، وإن انتظرهم جالسًا للتشهد فجائز 885.
فمن أصحابنا من (جعل) 886 في الأفضل قولين، والأول أصح.
وتجوز صلاة الخوف في الحضر، فيصلي بطائفة ركعتين، وبالأخرى ركعتين والانتظار على ما بينا.
وحكي عن مالك: أنه لا يجوز أن يصلي في الحضر صلاة الخوف، وذكر أصحابه جواز ذلك.
وإن فرقهم الإِمام أربع فرق، فصلى بكل فرقة ركعة، وانتظرها حتى أتمت (لنفسها) 887 ثلاث ركعات، ومضت إلى وجه العدو، وجاءت
الجزء: 2 - الصفحة: 250
الطائفة الأخرى، وفعل في حق كل طائفة مثل ذلك، فقد زاد انتظارين على الانتظار المشروع له، فهل تبطل بذلك صلاته؟ فيه قولان:
أصحهما: أنها لا تبطل، فعلى هذا تصح صلاة الطائفة الرابعة، وقد فارق الباقون الإمام من غير عذر، فتكون صلاتهم على القولين في ذلك.
وإن قلنا: إن صلاة الإِمام تبطل، ففي وقت بطلانها وجهان:
والمذهب: أنها تبطل بالانتظار الثاني، وهو انتظاره لمجيء (الطائفة) 888 الثالثة، فعلى هذا تبطل صلاة الطائفة الثالثة، والرابعة.
والوجه الثاني: أنها تبطل بالانتظار (الثالث) 889، وهو انتظاره لفراغ الثالثة، فعلى هذا تبطل صلاة الطائفة الرابعة دون غيرها.
وإنما تبطل صلاة المأموم، إذا علم (بحال) 890 الإِمام، وبماذا يعتبر علمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعتبر علمه بتفريق الإمام الناس، أربع فرق.
والثاني: يعتبر أن يعلموا أن ذلك مبطل لصلاتهم (لعسفان) 891.
فأما صلاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعسفان 892.
الجزء: 2 - الصفحة: 251
فشرطها: أن يكون العدو في جهة القبلة، وفي المسلمين كثرة، وهم على مستوى من الأرض، فيجعل (الإِمام) 893 الناس صفين، ويحرم بهم جميعًا، (ويقرأ) 894، ويركع بهم جميعا، ويرفع ويسجد 895، ويسجد الصف الذي يليه معه، ويقف الصف الثاني يحرسونهم، فإذا رفعوا رؤوسهم من السجود، قاموا، وسجد الصف (الذين) 896 حرسوا وقاموا فيقرأ بهم جميعًا ويركع، ويرفع بهم جميعًا ثم يسجد، ويسجد (معه) 897 الذين حرسوا في الأولى، ويقف الذين سجدوا، فإذا سجدوا (ورفعوا) 898، سجدوا ورفعوا، ويتشهد بهم جميعًا ويسلم بهم.
= اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكبرنا جميعًا، فركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود، والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحو العدو، فلما قضى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود، والصف الذي يليه كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحو العدو، فلما قضى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا، ثم سلم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وسلمنا جميعًا"، هذا لفظ مسلم 6/ 125، 127.
الجزء: 2 - الصفحة: 252
وذكر أصحابنا: أنه يحرسهم الصف الذي يليه، ويسجد الصف الآخر، كي (يسترونهم) 899 عن الكفار، والجميع جائز، وهذا أحوط.
فإن حرستهم طائفة واحدة في الركعتين، ففي صحة صلاتها وجهان، بناء على القولين فيه إذا فرقهم أربع فرق.
فإن صلى بهم صلاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بذات الرقاع في الأمن فصلاة الإِمام صحيحة.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: ينبغي أن ينبني ذلك على القولين فيه إذا فرقهم أربع فرق، في حال الخوف، (فالطائفة) 900 الأولى فارقت الإِمام من غير عذر، ففي بطلان صلاتها قولان، وصلاة الطائفة الثانية باطلة.
وقال أبو العباس، وأبو علي بن خيران: فيهما قولان.
وإن صلى في الأمن صلاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعسفان، فصلاة الإِمام ومن تبعه، ومن تبعه في السجود صحيحة، ومن تأخر عنه في السجود، قد سبق الإِمام بسجدتين وجلسة.
(ومن أصحابنا من قال 901: تبطل صلاتهم.
وقال أبو إسحاق: السجدتان بمنزلة الركن الواحد، والجلسة (للفصل) 902.
الجزء: 2 - الصفحة: 253
(وذكر) 903 الشافعي رحمه اللَّه: إذا أراد أن يصلي بهم الجمعة في حال الخوف، فصلى بطائفة ركعة، وفارقته، وجاءت الطائفة الثانية، فصلى بهم الركعة الثانية صحت الصلاة.
وإن كان (قد صار) 904 منفردًا في الركعة الثانية لمفارقة الإِمام (وفي) 905 انتظاره مجيء الثانية.
فمن أصحابنا من قال: ذلك جائز على أحد القولين في الانفضاض عن الإِمام، فإنه يتمها جمعة منفردًا.
ومنهم من قال: تصح هاهنا قولًا واحدًا، لأنهم معذورون في مفارقة الإِمام، ويحتاج أن تكون كل واحدة من الطائفتين أربعين، فإن كانت الطائفة الأولى أربعين، والثانية أقل.
فقد ذكر الشيخ أبو حامد: أنه لا نص في ذلك فتصح.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان.
ذكر في الحاوي: في تفريقهم أربع فرق وجهين:
أحدهما: أنهم معذورون في مفارقة الإِمام.
والثاني: أنهم غير معذورين.
فإن قلنا: إنهم معذورون، لم تبطل (صلاتهم) 906 قولًا واحدًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 254
وإذا قلنا: إن صلاة الإمام صحيحة، فهل تتبعه الطائفة الثانية في التشهد؟
فيه وجهان:
أحدهما: أنها لا تتبعه، وهو الأظهر.
هل يجب حمل السلاح في الصلاة؟ فيه طريقان 907:
أحدهما: أنه على قولين، وهو الأصح.
أحدهما: يجب وهو قول داود.
والثاني: (أنه) 908 يستحب، وهو قول أبي حنيفة.
ومنهم من قال: إن كان السلاح بما يدفع عن نفسه، كالسكين، والسيف، وجب عليه حمله، وإن كان مما يدفع به عن نفسه (وعن غيره) 909 كالرمح لم يجب.
(فأما) 910 حال المسابقة، والتحام القتال، فإنهم يصلون كيف ما أمكنهم، رجالًا وركبانًا مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، قعودًا على دوابهم وقيامًا على الأرض، يومئون إلى الركوع، والسجود برؤوسهم، ويكون (في) 911 السجود أخفض من الركوع 912.
الجزء: 2 - الصفحة: 255
وقال أبو حنيفة: لا يصلون في حال المسابقة، ولا مع المشي، ويؤخرون الصلاة إلى أن يقدروا.
فإن افتتح الصلاة راكبًا في شدة الخوف، ثم (أمن) 913، نزل، ولم يستدبر القبلة وبنى على صلاته.
وإن افتتح الصلاة نازلًا، فخاف، فركب (للصلاة) 914، استأنف الصلاة.
وقال في موضع آخر: يبني على صلاته.
فقال أبو إسحاق: إن فعل ذلك اختيارًا في طلب مشرك، بطلت صلاته، (وإن) 915 ركب لضرورة، بنى على صلاته.
ومن أصحابنا: من جعل ذلك على قولين.
فإن رأوا سوادًا، فظنوهم عدوًا، فصلوا صلاة شدة الخوف، يومئون إيماء، فبان أنهم لم يكونوا عدوًا.
فقد نص الشافعي رحمه اللَّه: في "الأم" على وجوب الإِعادة.
وقال في "الإِملاء": إن كانوا قد صلوا بخبر ثقة، فلا إعادة عليهم.
فمن أصحابنا من قال: إن كانوا قد صلوا بخبر ثقة، ففي الإِعادة قولان، وإن صلوا بظنهم، وجبت الإِعادة قولًا واحدًا.
= يومىء إيماء، رواه البخاري بقريب من معناه، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، "فتح الباري" 3/ 84، 85.
الجزء: 2 - الصفحة: 256
ومنهم من قال: في (الجميع) 916 قولان:
أحدهما: (لا تجب) 917 الإعادة، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي.
والثاني: تجب الإِعادة، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني.
ذكر القاضي حسين: (أن) 918 نظير هذه المسألة، الخنثى إذا مس رجلًا، وصلى، ثم بان (أنه) امرأة، في وجوب (الإِعادة) 919 قولان.
قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه: (وهذا) 920 ليس بنظير صحيح، وها هنا تجب الإعادة قولًا واحدًا، كما لو شك في الحدث بعد الطهارة وصلى، ثم بان أنه كان محدثًا.
ويجوز فعل الصلاة حال شدة الخوف راكبًا جماعة، وفرادى.
وقال أبو حنيفة: لا تفعل في جماعة.
فإن رأوا عدوًا فخافوهم، فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان (بينهم) 921 خندق، أو نهر يمنع، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين فيه (إذا) 922 رأوا سوادًا، فظنوهم عدوًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 257
والثاني: تجب الإعادة قولًا واحدًا.
قال الشافعي رحمه اللَّه: ولا بأس أن يضرب الضربة (و) 923 يطعن الطعنة فإن تابع، أو عمل ما يطول، بطلت صلاته.
وحكى الشيخ أبو حامد عن أبي عباس بن سريج: أنه إن لم يكن مضطرًا بطلت صلاته، وإن كان مضطرًا، لم تبطل، كالمشي.
ومن أصحابنا من قال: إن اضطر إليه فعل، ولكنه تلزمه الإِعادة.
وذكر أصحابنا: أن الضربة الواحدة لا تبطل، وفي الضربتين وجهان، والثلاث، تبطل في غير حال الخوف، فأما في (حالة) 924 الخوف:
فمن أصحابنا من قال: تبطل أيضًا.
وقال أبو العباس: لا تبطل وهو الأصح.
والشيخ أبو نصر: اختار أن يكثر العمل، أو يقل من غير اعتبار عدد.
وللشافعي رحمه اللَّه: كلام يدل عليه، وهو الأصح، رجوعًا إلى العرف.
ويحرم على الرجال، استعمال الحرير، في اللبس، والجلوس عليه، والاستناد إليه 925.
وقال أبو حنيفة: يحرم اللبس خاصة، دون ما سواه، فإن كان
الجزء: 2 - الصفحة: 258
الثوب معمولًا من إبريم 926، وقطن، أو كتان، وكان نصفين، حرم له في أحد الوجهين 927. ولا يكره أن يلبس (دابته، أو أداته) 928 جلد ميتة من حيوان طاهر 929. = قوله: "هو لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" وإلى قوله: "وأن نجلس عليه" فإنه في البخاري دون مسلم، "المجموع" 4/ 325.
الجزء: 2 - الصفحة: 259
وقيل: يكره كما يكره أن يلبسه في نفسه.
وحكى بعضهم: قولين في ذلك من غير فصل بين نفسه وأداته، وليس بشيء.
= إلا للحاجة وهي الصيد، وحفظ الماشية، والدليل عليه: قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية، نقص من أجرة كل يوم قيراطان" رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر هكذا، وفي بعض رواياتها قيراط، وفي أكثرها قيراطان.
انظر "فتح الباري" 12/ 27، وانظر "المجموع" 4/ 339.
الجزء: 2 - الصفحة: 260
باب صلاة الجمعة
930 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 2 - الصفحة: 261
الجمعة فرض على الأعيان 931، وغلط بعض أصحابنا فحكى: أنها فرض على الكفاية، وليس بشيء.
ولا تجب الجمعة على مسافر.
وقال الزهري والنخعي: تجب الجمعة على المسافر إذا سمع النداء.
ولا جمعة على العبد، وبه قال أبو حنيفة، ومالك.
وقال داود: تجب عليه الجمعة.
وعن أحمد: فيه روايتان.
وقال الحسن البصري وقتادة: تجب الجمعة على العبد الذي يؤدي الضريبة.
ولا جمعة على الأعمى، إذا لم يقدر على من يقوده، وإن كان له من يقوده، وجبت عليه.
وذكر القاضي حسين: أنه إذا كان يحسن المشي بالعصا من غير = الجمعة.
وهذا الحديث إسناده ضعيف، لضعف علي بن زيد بن جدعان، وعبد اللَّه ابن محمد العدوي، انظر "ابن ماجة" 1/ 343. وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" وزاد مالك في "الموطأ" وأبو داود وغيرهما بأسانيد على شرط البخاري ومسلم: "وفيه تيب عليه، وفيه مات، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين يصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل اللَّه شيئًا إلا أعطاه إياه"، "تنوير الحوالك" 1/ 131.
الجزء: 2 - الصفحة: 262
قائد، لزمه، وليس بصحيح، وذكر أيضًا: (أن) 932 من لا يقدر على المشي لزمانة، أو كبر سن، إذا قدر على من يحمله إلى الجامع، لزمه القصد إليه، وليس بصحيح.
ومن كان خارج المصر في موضع لا تجب فيه الجمعة، وسمع النداء من المصر، لزمه القصد إلى الجمعة، وبه قال مالك، وأحمد 933، غير أن مالكًا قدر ذلك بثلاثة أميال.
وحكي عن الزهري: أنه قدره بستة أميال.
وعن ربيعة 934: أنه قدره بأربعة أميال.
وقال أبو يوسف وأبو ثور: تجب الجمعة على من يؤويه الليل إلى منزله، ويروى ذلك عن عبد اللَّه بن عمر، وأنس، وأبي هريرة 935.
الجزء: 2 - الصفحة: 263
وقال أبو حنيفة: لا تجب الجمعة بسماع النداء.
قال الشافعي رحمه اللَّه: في بلوغ النداء، وتكون الأصوات هادئة، والرياح ساكنة، والمنادي صيتًا، ومن ليس بأصم مستمعًا، ويعتبر أن يقف في طرف البلد، وقيل: في وسطه.
وقيل: في الموضع (الذي) 936 تقام فيه الجمعة.
ولا يعتبر أن يصعد على منارة، أو (سور) 937.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: سمعت (شيوخنا) 938 يقولون: إلَّا بطبرستان، فإنها مبنية بين غياض وأشجار، تمنع بلوغ الصوت.
ويعتبر استواء الأرض، فلو كانت قرية على تلة جبل تُسمع النداء لعلوها، ولو كانت على مستوى من الأرض، لم تسمع لم يجب عليهم = لأنه كانت له هرة صغيرة يحملها معه، كان من أهل الصفة، أسلم عام خيبر، وشهدها مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم لزمه ثلاث سنين، وواظب عليه راغبًا في العلم، راضيًا بشبع بطنه، وكان يدور معه حيث دار، ويحضر ما لا يحضره أحد منهم، لملازمته النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
روى البخاري عنه: قال: يا رسول اللَّه أسمع منك أشياء فلا أحفظها، قال: أبسط ردائك، فبسطه، فبسط حديثًا كثيرًا، ثم قال أضممه، فما نسيت شيئًا حدثني به"، توفي سنة تسع أو ثمان، أو سبع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة بالمدينة أو بالعقيق، "مفتاح السعادة ومصباح السيادة" 2/ 70 - 71، و"غاية النهاية في طبقات القراء" للجزري 1/ 370، وانظر كتابنا "نظرية الغرر في الشريعة الإِسلامية" 2/ 336، 337.
الجزء: 2 - الصفحة: 264
الجمعة.
ولو كانت في واد لا تسمع لاستفالها ولو كانت في مستوى من الأرض لسمعت، وجب عليهم الجمعة.
وذكر الشيخ أبو حامد: أن من سمع النداء (لعلوه) 939، تجب عليه الجمعة، ومن لم يسمع لاستفالة لا جمعة عليه.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: والذي (ذكره) 940 القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه أشبه.
وذكر القاضي حسين: إذا كانت قرية على جبل تقام فيها الجمعة، وبحذائها قرية على جبل آخر تسمع النداء من القرية الأخرى، وبين الجبلين في الوادي قرية لا تسمع النداء، فعلى التي تسمع النداء حضور (الجمعة) 941، وأما التي في الوادي بينهما، (ففيها) 942 وجهان:
أحدهما: لا تجب.
والثاني: تجب، وهذه الطريقة عندي خارجة عن الطريقين المتقدمين، لأن على طريقة القاضي أبي الطيب، لا تجب الجمعة على (القرية) 943 التي تسمع النداء لعلوها على الجبل.
ولو كانت على استواء لم تسمع، ويجب على القرية التي في الوادي إذا كانت على مسافة لو كانت على استواء لسمعت.
الجزء: 2 - الصفحة: 265
وعلى طريقة أبي حامد: تجب الجمعة على القرية العالية، ولا تجب على المستفلة، وقد بينا الصحيح.
فإن اتفق يوم عيد (في يوم) 944 جمعة، فحضر أهل السواد، وصلوا العيد، جاز أن ينصرفوا، ويتركوا الجمعة.
ومن أصحابنا من قال: تجب عليهم الجمعة، ولا يسقط فرض الجمعة بفعل صلاة العيد.
وقال أحمد: يسقط فرض الجمعة بصلاة العيد، ويصلى الظهر.
وقال عطاء: يسقط الظهر والجمعة جميعًا في هذا اليوم بفعل صلاة العيد.
ومن لا جمعة عليه مخير بين فعل الجمعة والظهر، فإن صلى الظهر ثم زال عذره، والوقت باق، لم تجب عليه الجمعة.
وقال ابن الحداد: إذا صلى الصبي (الصبح) 945، ثم بلغ، وجب عليه حضور الجمعة.
ويستحب لأرباب الأعذار، أن يؤخروا فعل الظهر إلى أن تفوت الجمعة، ثم يصلونها جماعة.
وقال أبو حنيفة: يكره لهم فعلها في جماعة.
قال الشافعي رحمه اللَّه: واجب لهم إخفاؤها، لأن لا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإِمام.
الجزء: 2 - الصفحة: 266
قال أصحابنا: هذا يقتضي أن يكون ذلك في حق من يخفى عذره، فأما من كان عذره ظاهرًا، فلا يستحب له إخفاؤها.
ومن أصحابنا من قال: يكره لهم إظهارها بكل حال، والمذهب الأول.
فإن صلى المعذور ظهره، ثم حضر الجمعة فصلاها، فالأولى فرض، والجمعة تطوع.
(وقال) 946 الشافعي رحمه اللَّه في القديم: يحتسب اللَّه له بأيهما شاء.
وقال أبو حنيفة: يبطل ظهره بالسعي إلى الجمعة.
ومن كان من أهل فرض الجمعة، لا يجوز له فعل الظهر، قبل فوات الجمعة، فإن صلى الظهر قبل فعل الإِمام الجمعة، لم تصح في أصح القولين، وهو قوله الجديد، وبه قال مالك، وأحمد في إحدى الروايتين، وإسحاق وزفر.
وقال في القديم: يصح ظهره، وهو قول أبي حنيفة، وأصل الفرض عنده الظهر في يوم الجمعة، ويلزمه السعي إلى الجمعة، فإذا سعى إلى الجمعة (بطلت ظهره) 947.
وقال أبو يوسف ومحمد: تبطل بالإِحرام بالجمعة، لا بنفس السعي.
وقال أبو إسحاق المروزي: إذا اتفق أهل بلد على ترك الجمعة، وفعل الظهر، أثموا وتجزيهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 267
والصحيح: أنها لا تجزيهم على قوله الجديد.
ومن أصحابنا من قال: إذا أحرم بالظهر بعد فوات إدراك الجمعة، وذلك بفوات الركوع من الركعة الثانية، وقبل (فراغ) 948 الإِمام منها، جاز ذلك.
وظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه: (يقتضي) 949 أن لا يجوز الإِحرام بها، إلا بعد فراغ الإِمام من الجمعة، والمعنى: (يقتضي) 950 ما ذكره الأول.
ومن كان من أهل فرض الجمعة، وأراد السفر، ولم يخف فوات الرفقة، لم يجز (له) 951 بعد الزوال 952، وهل يجوز قبل الزوال؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يجوز، وهو قول أحمد، قال: إلَّا أن يكون سفر جهاد، ويروى عن عبد اللَّه بن عمر، وعائشة رضي اللَّه عنهم.
وقال في القديم: يجوز، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأصحابه.
وأما البيع بعد الزوال، وقبل ظهور الإِمام، فمكروه، ويحرم بعد
الجزء: 2 - الصفحة: 268
ظهور الإِمام وأذان المؤذن غير أنه يصح، وبه قال أبو حنيفة 953.
وقال أحمد، ومالك، وداود: لا يصح البيع.
ولا يحرم الكلام قبل افتتاح الإِمام (الخطبة) 954، وفي الجلوس بين الخطبتين، وإذا فرغ الإِمام من الخطبة إلى أن يشرع في الصلاة، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يحرم الكلام في جميع هذه الأحوال، كما يحرم في حال الخطبة، وكما يحرم التنفل فيها.
ولا تصح الجمعة إلَّا في أبنية يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة، من بلد، أو قرية 955.
وقال أبو حنيفة: لا تصح إلَّا في مصر جامع 956، ولا تجب الجمعة على أهل الخيام، والمظال.
وقال في البيوطي: تجب عليهم إذا كانوا مقيمين فيها، لا يظعنون عنها شتاء، ولا صيفًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 269
فحصل فيها قولان:
وقال أبو ثور: الجمعة كسائر الصلوات إلا أنه يعتبر (لها) 957 خطبة، فمتى كان هناك مأموم وخطيب أقيمت الجمعة.
فإن خرج أهل البلد إلى خارج المصر، فأقاموا الجمعة، لم تصح.
وقال أبو حنيفة: (تصح) 958 إذا كان قريبًا من البلد، كمصلى العيد.
ولا تنعقد الجمعة إلَّا بأربعين نفسًا من الرجال، أحرارًا، مقيمين في الموضع، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وأحمد 959.
وقال مالك: تنعقد بما دون الأربعين.
وقال ربيعة: تنعقد الجمعة باثني عشر رجلًا.
وقال الحسن بن صالح: تنعقد باثنين كالجماعة في سائر الصلوات.
وقال الأوزاعي، وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة.
وحكي في "الحاوي" عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه لا تصح الجمعة حتى يكون العدد زائدًا على أربعين.
الجزء: 2 - الصفحة: 270
وقال أبو حنيفة، والثوري: تنعقد بأربعة.
فإن اجتمع أربعون عبدًا، أو أربعون مسافرًا، وأقاموا الجمعة، لم تصح.
وقال أبو حنيفة: يصح إذا كانوا في موضع الجمعة.
وهل تنعقد الجمعة بمقيمين غير متوطنين؟ فيه وجهان:
قال أبو علي بن أبي هريرة: تنعقد.
وقال أبو إسحاق: لا تنعقد.
فإن أحرموا بالعدد، ثم انفضوا عنه، ففيه ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه إن نقص العدد عن أربعين، أتمها ظهرًا، وهو قول أحمد 960، وهو الأظهر.
والثاني: أنه إن بقي معه اثنان، أتمها جمعة 961.
والثالث: أنه إن بقي معه واحد، أتمها جمعة 962.
الجزء: 2 - الصفحة: 271
وخرج المزني رحمه اللَّه قولين آخرين:
أحدهما: أنه يتمها جمعة، وإن بقي وحده.
والثاني: أنه إن كان قد صلى ركعة، ثم انفضوا عنه، أتمها جمعة.
فمن أصحابنا: من لم يثبت هذين القولين.
وقال أبو حنيفة: (إن) 963 انفضوا عنه، وقد صلى ركعة، وسجد فيها سجدة، أتمها جمعة.
وقال مالك: إن انفضوا عنه بعد ما صلى ركعة بسجدتيها، أتمها جمعة.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن انفضوا عنه بعدما أحرم بها، أتمها جمعة.
ولا تصح الجمعة إلَّا في وقت الظهر، وكذلك (الخطبة) 964 لها.
وقال أحمد: يجوز أن تصلي الجمعة قبل الزوال 965.
فمن (أصحابه) 966 من يقول: أول وقتها، وقت صلاة العيد.
الجزء: 2 - الصفحة: 272
ومنهم من يقول: تجوز في الساعة السادسة.
فإن شرع في الجمعة، في وقتها، ثم خرج الوقت وهو فيها، أتمها ظهرًا.
وخرج القاضي حسين فى المسألة قولًا آخر: (أنه) 967 لا يتمها ظهرًا.
وهل تبطل، (أم) 968 تنقلب نفلًا؟ فيه (وجهان) 969 كمن غير النية من الفرض إلى النفل.
وقال أحمد: يتمها جمعة.
وقال أبو حنيفة: تبطل (صلاته) 970 بخروج الوقت، ويبتدىء الظهر.
إذا نسي الإِمام سجدة من الركعة الأولى من الجمعة، وقام إلى الثانية، فأدركه مأموم فيها وصلاها معه، ثم قام الإِمام إلى ثالثة لما تذكر سهوه، ولم يتشهد، فإن المأموم يقوم معه، ويصلي الركعة، وتحصل له الجمعة.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه (وقال: هذا) 971 بالعكس مما
الجزء: 2 - الصفحة: 273
(وضعت) 972 عليه الجمعة (فإنا رتبنا) 973 الجمعة في حقه على ركعة محسوبة من الظهر، وإنما تبنى الظهر على الجمعة.
(قال الشيخ الإِمام) 974: وعندي: أن هذا سهو، فإن المأموم في هذا الموضع ينوي الجمعة، ولا يجوز أن ينوي الظهر.
ولو بني هذا على اختلاف الشيخ أبي حامد، والقاضي أبي الطيب رحمهما اللَّه في فرع (في) 975 الزحام، وذلك إذا زحم المأموم عن السجود في الركعة الأولى، فزال الزحام والإِمام قائم، فسجد وتابعه في الثانية وركع معه، ثم زحم عن السجود فيها، فأتى بالسجود وهو في التشهد.
فاختار القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أنه يدرك الجمعة.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يدركها لأنها ركعة ملفقة، وها هنا المأموم في بعضها في حكم (إمامته) 976 والبعض على حقيقة المتابعة.
فإن أدرك مسبوق مع الإِمام ركعة (قائمة) 977، فإنه يدرك الجمعة وإن أدرك دون الركعة، لم يكن مدركًا لها، وصلى الظهر أربعًا، وهو قول الزهري، وأحمد، ومالك، ومحمد بن الحسن.
الجزء: 2 - الصفحة: 274
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يدرك الجمعة بأي قدر أدركه من صلاة الإِمام.
وقال طاوس: لا تدرك الجمعة (إلَّا) 978 بإدراك (الخطبتين) 979 أيضًا.
فإن أدرك مسبوق مع الإِمام ركعة، ثم خرج الوقت، أتمها ظهرًا.
وقال ابن الحداد: يتمها جمعة.
وحكى عن مالك أنه قال: يجوز أن ييتدىء (الجمعة) 980 بعد دخول وقت العصر، بتاء على أصله.
الجزء: 2 - الصفحة: 275
فصل
ولا تصح الجمعة حتى يتقدمها خطبتان 981.
وحكي عن الحسن البصري أنه قال: هما سنة.
ومن شرطهما: القيام مع القدرة، والفصل بينهما بجلسة.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجب فيهما القيام، ولا الجلسة 982.
الجزء: 2 - الصفحة: 276
وفي اشتراط الطهارة، فيهما قولان:
أصحهما: أنها شرط.
والثاني: لا تشترط، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي حنيفة 983.
وذكر القاضي حسين: أن ذلك (يبتنى) 984 على أن الخطبتين بدل (عن) 985 الركعتين، وفيه طريقان، ويعود الخلاف إلى أن الجمعة ظهر مقصورة، (وهذا) 986 بناء فاسد.
فيحمد اللَّه تعالى في الخطبة الأولى، ويصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ويوصي بتقوى اللَّه ويقرأ آية، ويحمد اللَّه تعالى في الثانية، ويصلي على رسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويوصي بتقوى اللَّه، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات 987. = حنيفة، لأنه ذكر ليس من شرطه الاستقبال، فلم يجب له القيام، انظر "المغني" لابن قدامة 2/ 224، وانظر "الهداية" مع "فتح القدير" 1/ 414.
الجزء: 2 - الصفحة: 277
وهل تجب القراءة في الخطبتين؟ فيه وجهان:
أحدهما: (تجب فيهما) 988.
وفي الثاني: تجب في إحداهما: وفي أيهما قرأ جاز.
ومن أصحابنا من قال في القراءة قول آخر: إنها غير واجبة في الخطبة بحال، والدعاء للمؤمنين، والمؤمنات مستحب، وقيل: (هو) 989 واجب، وبقولنا: قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا خطب بتسبيحة واحدة أجزأه.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئه حتى يأتي بكلام يسمى خطبة في العادة 990.
وعن مالك: روايتان.
إحداهما: أن من هلل، أو سبح، أعاد ما لم يُصَلّ.
والثانية: أنه لا يجزئه إلَّا (بما) 991 يسمى خطبة في العرف.
وإن صعد المنبر، سلم على الناس إذا أقبل عليهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 278
وحكي عن مالك أنه قال: يكره ذلك.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أن الخطبة لا تصح (إلَّا بالعربية) 992 على ظاهر المذهب إذا كان هناك من يحسنها.
وفيه وجه آخر: أنها تجوز بسائر اللغات.
ويرفع صوته بقدر ما يسمعه العدد المعتبر في الجمعة، فإن لم يسمعوا لبعدهم، أو لصمم بهم لم يجز.
وفيه وجه آخر: أنه يصح.
(قال الشيخ الإمام) 993: وعندي: أن الصمم بهم لا يؤثر، إذا كانوا بالقرب منه بحيث (يسمعون) 994 منه لو لم يكن بهم صمم، إذا رفع صوته على ما جرت العادة به، ولم يشترط (أحمد) 995 في الخطبة، السمع.
فإن خطب بالعدد، ثم انفضوا عنه، وعادوا قبل الإِحرام، ولم يطل الفصل، صلى الجمعة، وإن (طال) 996 الفصل، فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: أحببت أن يبتدىء (بخطبة) 997 ثم يصلي الجمعة، فإن لم يفعل، صلى الظهر، واختلف أصحابنا:
الجزء: 2 - الصفحة: 279
فقال أبو العباس بن سريج: يجب إعادة الخطبة، ثم يصلي الجمعة بعدها، وما نقله المزني: لا نعرفه.
وقال أبو إسحاق: يستحب إعادة الخطبة، ويجب فعل الصلاة، فإن صلى بهم الظهر (جاز) 998، بناء على أصله فيه، إذا اجتمع أهل بلد على ترك الجمعة، (وفعل) 999 الظهر.
ومن أصحابنا من قال: يستحب إعادة الخطبة، وفعل الصلاة، على ظاهر النص، وهو قول أكثر أصحابنا.
وذكر في "الحاوي" طريقة أخرى: أنه إن كان العدد باقيًا، خطب استحبابًا، وإن كان قد زال، خطب واجبًا، ثم قال: هذا (لا وجه) 1000 له.
وإن انفضوا في أثناء الخطبة، وعادوا وقد طال الفصل، فالمذهب أنه يجب استئناف الخطبة.
ويعتبر في الخطبة، العدد المعتبر (عندنا) 1001 في الجمعة.
وعن أبي حنيفة: روايتان.
إحداهما: أنه يعتبر فيها العدد المعتبر عنده في الجمعة.
(والثانية) 1002: أنها تصح (فيه) 1003 وحده.
الجزء: 2 - الصفحة: 280
ذكر في "الحاوي" أن من أصحابنا من قال: إذا استدبر الناس في حال الخطبة، صحت الخطبة (كالأذان) 1004، ثم قال: والذي عليه الجمهور، أنه لا يصح، وفي هذا نظر.
فإن قرأ في حال الخطبة آية سجدة، فنزل وسجد، جاز، فإن طال الفصل، ففيه قولان:
قال في القديم: يبني.
وقال في الجديد: يستأنف.
فإذا فرغ من الخطبة، صلى الجمعة ركعتين 1005، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة، سورة الجمعة، وفي الثانية بعد الفاتحة، سورة المنافقين 1006.
وقال أبو حنيفة: لا تختص القراءة بسورة دون سورة.
الجزء: 2 - الصفحة: 281
باب (الهيئة) (1) للجمعة (والتبكير) (2) إليها
السنّة: لمن أراد الجمعة، أن يغتسل لها 1009.
وقال الحسن البصري: الغسل لها واجب.
والمستحب: أن يكون الغسل لها عند الرواح إليها.
ووقت جوازه، من طلوع الفجر الثاني 1010.10071008
الجزء: 2 - الصفحة: 282
وقال مالك: لا يصح الغسل للجمعة إلا عند الرواح إليها 1011.
وقال الأوزاعي: يصح الغسل لها قبل طلوع الفجر.
وفي الساعة الأولى التي عفق عليها الفضيلة (في التبكير) 1012 اختلاف.
فقيل: من حين طلوع الفجر.
وقيل: من حين طلوع الشمس.
(فإن) 1013 أرادت المرأة حضور الجمعة، استحب لها (الغسل) 1014.
وقال أحمد: لا يستحب لها الغسل وإن حضرت 1015.
(وقال) 1016 أبو ثور: (يستحب) 1017 الغسل يوم الجمعة لمن حضرها، ومن لم يحضرها، كما يستحب في يوم العيد.
الجزء: 2 - الصفحة: 283
ومن أصحابنا من قال: غسل الجمعة سنة لمن لزمه حضور الجمعة، ومن لا يلزمه حضورها لا يسن له.
وإن كان من أهلها، غير أنه منعه من فعلها العذر، (ففيه) 1018 وجهان:
أحدهما: لا يسن له.
والثاني: يسن (له) 1019.
والصحيح: تعلق ذلك بالحضور دون لزومه.
فإن اغتسل يوم الجمعة، وهو جنب، ينوي الجمعة والجنابة، أجزأه عنهما.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يجزئه عن واحد منهما، فإن نوى بغسله الجمعة أو العيد، لم يجزه عن الجنابة، نص عليه الشافعي رحمه اللَّه، ولا يجزئه عن الوضوء أيضًا.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: وفي هذا نظر، وهل يجزئه للجمعة (أو العيد) 1020؟ فيه قولان:
وحكي عن جماعة من أصحاب مالك: أنه يجزئه عن الجنابة على ما تقدم ذكره.
فإن نوى غسل الجنابة يوم الجمعة، فهل يجزئه عن غسل الجمعة؟
نقل المزني رحمه اللَّه: أنه يجزئه.
وقال في الإملاء: لا يجزئه.
الجزء: 2 - الصفحة: 284
فإن دخل رجل والإِمام على المنبر، صلى تحية المسجد، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكره (له) 1021 ذلك.
وفي وجوب الإِنصات (للإِمام) 1022 قولان:
قال في القديم: هو واجب، والكلام حرام في حال الخطبة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك وأحمد.
وقال في الجديد: هو مستحب، وهو قول الثوري، فإذا قلنا: الكلام (حرام) 1023، فالقريب ينصت، والبعيد يشتغل بذكر اللَّه، أو قراءة (القرآن) 1024.
وحكى القاضي حسين رحمه اللَّه وجهًا آخر: أن البعيد أيضًا يسكت، وهو قول أبي حنيفة، فإن سلم عليه رجل، أو عطس، فإن قلنا: الإِنصات مستحب، ردّ السلام، وشمّت العاطس، وإن قلنا: الإِنصات واجب، لم يرد السلام، ولم يشمت العاطس.
وقيل: لا يرد السلام، ويشمت العاطس، وليس بشيء.
(إذا) 1025 دخل جماعة على واحد فسلم (بعضهم، سقط) 1026
الجزء: 2 - الصفحة: 285
كراهة ترك السلام في حق الباقين، وكان أصل السلام في حقهم سنة على الكفاية، كما أن ردّ السلام فرض على الكفاية، وهذا ليس بصحيح، فإنا ما رأينا سنة على الكفاية، ورأينا فرضًا على الكفاية وفيه فائدة.
وإن سلم على جماعة فيهم صبي، فرد الصبي وحده السلام، فقد قيل: إنه لا يسقط به فرض الرد.
(قال الشيخ الإِمام) 1027: وعندي: أنه يصح رده، ويسقط به الفرض، كما يصح أذانه للرجال.
(فإن) 1028 سلم الصبي على رجل، فهل يجب عليه الرد؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يجب، وبناه على صحة إسلامه، وهذا بناء فاسد.
وذكر أيضًا القاضي حسين رحمه اللَّه: إذا إلتقى رجلان، فقال كل واحد منهما لصاحبه السلام عليكم (إما دفعة) 1029 واحدة، أو أحدهما بعد الآخر، كان كل واحد منهما مسلمًا على الآخر، مستحقًا للجواب عليه، وهذا فيه نظر.
(لأن) 1030 هذا اللفظ يصلح للجواب، فإذا كان بعده، كان جوابًا، وإذا وقعا دفعة واحدة، لم يكن أحدهما جوابًا للآخر.
الجزء: 2 - الصفحة: 286
وذكر أيضًا: (أن) 1031: السلام عند المفارقة للجماعة في معنى الدعاء، لأن التحية إنما تكون للدخول.
(قال الشيخ الإِمام) 1032: وهذا عندي فاسد، بل السلام (سنة) 1033 عند الإِنصراف، كما أنه يسن عند الدخول، وفيه حديث صريح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
الجزء: 2 - الصفحة: 287
فصل
فإن زحم المأموم عن السجود في الجمعة، وقدر أن يسجد على ظهر إنسان، سجد، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد 1034. ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر، قاله في القديم: إنه إن شاء سجد على ظهره، وإن شاء، ترك حتى يزول الزحام، وهو قول الحسن البصري 1035.
الجزء: 2 - الصفحة: 288
وقال مالك: يلزمه أن يؤخر السجود، حتى يسجد على الأرض، وبه قال عطاء.
وإن لم يتمكن من السجود بحال، فانتظر زوال الزحام، فزال الزحام والإِمام قائم في الثانية، فإنه يسجد، ويتبعه 1036، فإن فرغ من السجود، (وقد) 1037 حصل الإِمام في الركوع في الثانية، فهل يتبعه، أو يشتغل بالقراءة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه يتبعه، ويكون مدركًا للجمعة.
والثاني: أنه يقرأ.
فإن خاف فوت الركوع (إذا تمم القراءة) 1038، فهل يتمم القراءة؟ فيه وجهان كالوجهين فيه: إذا ركع الإِمام قبل فراغ المأموم من الفاتحة،
وإن زال الزحام، والإِمام رافع من الركوع في الثانية، أو ساجد فيها، سجد معه 1039 فيحصل له ركعة ملفقة، وفي إدراك الجمعة بها وجهان:
أظهرهما: أنه يدركها 1040.
الجزء: 2 - الصفحة: 289
وإن زال الزحام، والإمام راكع في الثانية، فهل يشتغل بقضاء ما فاته، أو يتابعه؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يشتغل بالقضاء 1041، وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: يتابعه في الركوع، وهو قول مالك، فعلى هذا إذا فعل ذلك، حصل له ركوعان، (وبأيهما) 1042 يحتسب له؟ فيه قولان:
أظهرهما: أنه يحتسب (بالأول) 1043، فيكون له ركعة ملفقة، وفي إدراك الجمعة بها وجهان:
والثاني: يحتسب له بالركوع الثاني، فيكون مدركًا للجمعة وجهًا واحدًا، فإن قلنا: إنه لا يدرك الجمعة بالركعة الملفقة، فإنه يتمها ظهرًا.
وقيل: إنه يبنى ذلك على من صلى الظهر قبل فراغ الإِمام من الجمعة من غير عذر.
ففي أحد القولين، لا يصح ظهره، فيستأنف الظهر ها هنا، وهذا بناء باطل.
ومن أصحابنا من قال: (على هذا القول) 1044، هل تنقلب صلاته نفلًا، أو تبطل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 290
على قولين، وإن قلنا: (إن) 1045 الظهر يصح قبل فوات الجمعة، (يبنى) 1046 ها هنا على أصل آخر، وهو: أن الجمعة ظهر مقصورة، أو فرض آخر.
فإن قلنا: إنها ظهر مقصورة، فالقدر الذي فعله معتد به (فيتمها) 1047 ظهرًا.
فإن قلنا: إنها فرض آخر، (لم) 1048 يحتسب له ظهر، وما ذكرناه أصح.
فأما إذا اشتغل بقضاء ما فاته على هذا القول، واعتقد أن ذلك 1049 فرضه، لم يعتد بسجوده، غير أنه تبطل صلاته (لجهله) 1050 فإن فرغ منه، وأدرك الإِمام ساجدًا في الثانية، تبعه فيه، وحصل له ركعة ملفقة.
وإن فرغ من السجود، والإِمام في التشهد، تبعه فيه، فإذا سلم الإِمام، قضى السجود، ولا يكون مدركًا للجمعة، وهل يبني عليها الظهر على ما ذكرناه من الطريقين؟
الجزء: 2 - الصفحة: 291
وإن اعتقد أن (فرضه) 1051 متابعة الإِمام وخالفه، ولم ينو مفارقته، بطلت صلاته 1052، وإن نوى مفارقته، ففي بطلان صلاته قولان 1053:
(فأما) 1054: إذا قلنا: إن فرضه الاشتغال بالقضاء، ففعل ذلك وأدرك الإِمام راكعًا في الثانية، تبعه فيه وتمت له الجمعة، وإن أدركه رافعًا من الركوع، أو ساجدًا، فهل يشتغل بقضاء ما فاته من (الركعة الثانية) 1055، أو يتابعه، فيما أدركه منها؟ ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يتابعه.
والثاني: لا يتابعه.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه على هذا، إذا لم يسبقه الإِمام بثلاثة أركان، مضى على صلاته حتى يلحقه، وإن كان قد سبقه بثلاثة أركان، ففيه وجهان:
وحكي أن من أصحابنا من قال: يؤمر بالإِنفراد عن الإِمام، وقد حصل له ركعة، فيضيف إليها أخرى، وهذا فاسد.
فإن زحم عن السجود في الأولى، فقضى ما عليه، (وأدركه) 1056 في القيام، ثم زحم عن السجود في الثانية، فسجد وأدركه في التشهد.
الجزء: 2 - الصفحة: 292
فقد ذكر الشيخ أبو حامد: أنه تجزئه الجمعة.
وذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أنه يبني على الوجهين في الركعة الملفقة.
وقال الشيخ أبو نصر: وهذا ضعيف.
إذا دخل رجل (والإمام في الركوع) 1057، فتبعه فيه، فلما سجد، زحم عن السجود، فلما زال الزحام، سجد، وتبعه في التشهد، فهل يكون مدركًا للجمعة على الوجهين؟ فإن زحم عن الركوع، فزال الزحام والإمام راكع في الثانية، فإنه يركع معه، ويحصل له ركعة.
قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: وهي ملفقة.
وذكر الشيخ أبو حامد: أنه يكون مدركًا للجمعة وجهًا واحدًا.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: (وهذا) 1058 أشبه.
فإن ركع مأموم مع الإِمام ثم سها عن السجود، حتى حصل الإِمام في الركوع في الركعة الثانية، فهل يتابعه فيه؟
من أصحابنا من قال: فيه قولان كالزحام.
ومنهم من قال: يتبعه قولًا واحدًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 293
فصل
إذا أحدث الإِمام في الصلاة، ففي الاستخلاف قولان:
فعلى قوله الجديد: يجوز، وهو قول أبى حنيفة، ومالك، وأحمد.
وعلى قوله القديم: لا يجوز، فعلى هذا، إذا أحدث الإِمام بعد الخطبة وقبل الإِمام بالصلاة، لم يجز أن يصلي بهم الجمعة غيره 1059، وإن أحدث بعد الإِحرام بالجمعة، ففيه قولان:
أحدهما: أنهم يتمون الجمعة فرادى 1060.
الجزء: 2 - الصفحة: 294
والثاني: أنه إن كان ذلك قبل أن يصلي بهم ركعة، صلوا الظهر، وإن كان قد صلى بهم ركعة، صلوا (ركعة) 1061 أخرى فرادى 1062.
وإن قلنا بقوله الجديد، فأحدث بعد الخطبة، وقبل الصلاة، استخلف من حضر الخطبة، (وإن) 1063 أحدث في أثناء الخطبة، فهل يجوز أن يستخلف من يتمها؟ فيه وجهان:
وإن أحدث بعد الإحرام بالصلاة، فإن كان في الركعة الأولى، جاز أن يستخلف من كان معه قبل الحدث، وإن لم يكن قد سمع الخطبة.
ومن أصحابنا: من حكى وجهين في استخلاف من لم يسمع الخطبة، ولا يستخلف من يكن معه قبل الحدث.
وإن كان 1064 في الركعة الثانية، جاز أن يستخلف من دخل في الصلاة معه قبل الركوع، (أو) 1065 في الركوع وقبل الحدث (والمستخلف) 1066 يتم جمعة.
وإن استخلف من دخل معه في الصلاة قبل الحدث، ولكن بعد الركوع ففرضه الظهر.
وفي فعل الجمعة خلف من يصلي الظهر وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 295
إن قلنا: يجوز، جاز الاستخلاف، بناء على الوجهين، (فهل) 1067 يكون الإِمام من جملة العدد، أو زائدًا عليه؟
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا فرغ من صلاة الجمعة، لم يصل السنة (لها) 1068 حتى يفصل بينهما بالانتقال إلى مكان آخر، وذكر فيه حديثًا.
والذي يقتضيه المذهب: أنه لا فرق بين الجمعة، وبين غيرها.
(والسنة) 1069: أن لا تقام الجمعة إلَّا بإذن السلطان، فإن أقيمت بغير إذنه، صحت، وبه قال مالك، وأحمد 1070.
وقال أبو حنيفة: لا تنعقد الجمعة إلَّا بإذن السلطان 1071.
وتصح الجمعة خلف العبد، والمسافر، إذا كان زائدًا على العدد، وبه قال أبو حنيفة.
الجزء: 2 - الصفحة: 296
وقال مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما: لا تصح (الجمعة) 1072 خلف العبد.
وفي صحة الجمعة خلف الصبي وجهان، وخلف المتنفل قولان.
ولا يجوز أن تقام في بلد أكثر من جمعة واحدة، وبه قال مالك 1073.
وقال أبو يوسف: إذا كان البلد جانبين، جاز أن تقام فيه جمعتان، وهو قول أبي الطيب بن سلمة، وحمل بغداد على ذلك 1074.
الجزء: 2 - الصفحة: 297
وقال محمد بن الحسن: يجوز أن تقام في البلد الواحد جمعتان.
وإن كان جانبًا واحدًا (فليس) 1075 عن أبي حنيفة في ذلك شيء.
وقال أحمد: إذا عظم البلد وكثر أهله، كبغداد، والبصرة، جاز أن تقام فيه جمعتان، وإن لم يكن بهم حاجة إلى أكثر من جمعة، لم يجز، وعلى هذا (حمله) 1076 أحمد أبو العباس بن سريج، وأبو إسحاق، أمر بغداد في جوامعها.
وقيل: إن (بغداد) 1077 كانت في الأصل قرى متفرقة، وفي كل قرية جمعة، ثم إتصلت العمارة بينها، فبقيت الجمع على حالها.
وقال داود: الجمعة كسائر الصلوات، يجوز أن يصلوها في مساجدهم، فإن عقد جمعتان، في بلد، والإِمام مع واحدة منهما، وسبقت إحداهما، صحت السابقة، وبماذا يعتبر السبق؟ فيه قولان:
أصحهما: أنه يعتبر (السبق) 1078 بالإِحرام.
والثاني: بالفراغ.
وإن كان الإِمام مع الثانية، ففيه قولان:
أحدهما: أن الأولى هي الصحيحة.
والثاني: أن الثانية هي الصحيحة.
وإن علم سبق إحداهما: ولا إمام مع واحدة منهما، ولم تتعين حُكِمَ ببطلانها.
الجزء: 2 - الصفحة: 298
وحكى الشيخ أبو حامد عن المزني أنه قال: لا تجب (عليهم) 1079 الإِعادة.
فإذا قلنا: يجب عليهم الإِعادة، ففيما (يعيدون) 1080 قولان:
أحدهما: (يلزمهم) 1081 الجمعة، إن كان الوقت باقيًا.
والثاني: أنهم يصلون الظهر.
الجزء: 2 - الصفحة: 299
باب صلاة العيدين
1082 صلاة (العيد) 1083 سنة 1084. وقال أبو سعيد الإِصطخري: هي فرض على الكفاية 1085. فإذا قلنا: إنها سنة (واتفق) 1086 أهل بلد على تركها، فهل يقاتلون؟ فيه وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 300
أظهرهما: أنهم لا يقاتلون 1087.
وينادى لها: الصلاة جامعة 1088.
وروي عن ابن الزبير: أنه أذّن لصلاة العيد.
وقال سعيد بن المسيب: أول من أذن لصلاة العيد (معاوية) 1089 رضي اللَّه عنه.
والسنّة: أن يغتسل للعيدين 1090، وفي وقت الغسل قولان:
الجزء: 2 - الصفحة: 301
أحدهما: بعد الفجر الثاني، وهو قول أحمد.
والثاني: يجوز في النصف الثاني من الليل، كذا ذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: ويحمل أن يجوز في جميع الليل.
ويكره للإِمام التنفل قبل صلاة العيد وبعدها، ولا يكره للمأموم 1091.
وقال مالك وأحمد: يكره للمأموم أيضًا.
وعن مالك رواية أخرى: أنه إذا صلى في المسجد، يجوز له التنفل 1092.
وقال أبو حنيفة والحسن: يكره (له) 1093 التنفل قبلها، (ولا يكره) 1094 بعدها 1095.
الجزء: 2 - الصفحة: 302
وصلاة العيد ركعتان 1096، يكبر في الأولى سبع تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام.
وفي الثانية: خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام، وبه قال الليث، وداود 1097.
وقال مالك وأحمد: التكبيرات الزوائد في الأولى ست تكبيرات، وهو قول المزني (وأبو) 1098 ثور 1099.
وقال أبو حنيفة: التكبيرات الزائدة في الركعتين جميعًا ست تكبيرات، ثلاث في الأولى وثلاث في الثانية، ويرفع يديه في التكبيرات 1100، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد 1101. = على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقيل له: ألا تنهاهم، فقال: أكره أن أكون الذي ينهى عبدًا إذا صلى، أنظر البابرتي مع "فتح القدير" 1/ 424. أما الجواز -فقياسًا على الصلاة في الأرض المغصوبة- والنهي لأمر خارج عن الصلاة.
الجزء: 2 - الصفحة: 303
وقال مالك والثوري: لا يرفع يديه إلَّا في (تكبيرة) 1102 الافتتاح.
(فإذا) 1103 كبر تكبيرة الإِحرام، أتى بدعاء الافتتاح عقيبها، ثم يكبر تكبيرات العيد، ثم يتعوذ، ويقرأ، وبه قال أحمد، ومحمد بن الحسن، ولا يعرف لأبي حنيفة فيه شيء.
وقال أبو يوسف: يتعوذ قبل (التكبيرات) 1104، والتكبيرات (فيهما) 1105 جميعًا قبل القراءة.
وقال أبو حنيفة: القراءة في الركعة الثانية قبل التكبير 1106.
وعن أحمد: روايتان.
(إذا) 1107 نسي تكبيرات العيد حتى شرع في القراءة، لم يأت بها في أصح القولين.
وقال في القديم: يأتي بها، ويقطع القراءة، وإن كان قد فرغ من القراءة، أتى بها ولم يعد القراءة.
فإن حضر مأموم وسبقه (الإِمام) 1108 بالتكبيرات، أو (ببعضها) 1109
الجزء: 2 - الصفحة: 304
لم يقض في قوله الجديد 1110.
وقال في القديم: يقضي.
(فإن) 1111 أدركه راكعًا 1112 كبر وركع 1113، ولا يقضي (تكبيرات) 1114 العيد قولًا واحدًا، وبه قال أحمد، وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يكبر تكبير العيد في حال الركوع.
ويقف بين كل تكبيرتين يهلل ويحمد بقدر آية، لا طويلة ولا قصيرة 1115.
وقال أبو حنيفة: يأتي بالتكبيرات نسقًا من غير ذكر.
وقال مالك: يقف بين كل تكبيرتين على ما ذكرناه من غير ذكر.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: ولم أره لأصحابه.
الجزء: 2 - الصفحة: 305
وما يعتاده الناس من (الذكر) 1116 بين التكبيرات، من قولهم: اللَّه أكبر كبيرًا، والحمد للَّه كثيرًا، وسبحان اللَّه بكرة وأصيلًا، حسن.
ومن أصحابنا من قال: يقول لا إله إلا اللَّه وحده، لا شريك له، وله الحمد بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
ثم يتعوذ، ويقرأ بعد الفاتحة في الأولى سورة (ق)، وفي الثانية: اقتربت الساعة 1117.
وقال أبو حنيفة: لا تختص القراءة بسورة دون سورة.
وقال مالك وأحمد: يقرأ سبح اسم ربك الأعلى والغاشية.
والسنّة: إذا فرغ من الصلاة، أن يخطب خطبتين 1118، يستفتح الأولى بتسع تكبيرات نسقًا، (والثانية بسبع تكبيرات نسقًا) 1119.
ذكر الشيخ أبو حامد: (التكبيرات) 1120 قبل الخطبة، والخطبة بعده، وهذا فيه نظر (ويشبه) 1121 أن يكون من الخطبة.
الجزء: 2 - الصفحة: 306
وهل يجلس إذا صعد (المنبر) 1122؟ فيه وجهان:
وعن مالك: روايتان.
فإن دخل رجل المسجد، والإِمام يخطب.
فقد قال أبو علي بن أبي هريرة: يصلي تحية المسجد، ولا يصلي صلاة العيد.
وقال أبو إسحاق المروزي: (يصلي العيد) 1123، وتحصل له تحية المسجد.
روى المزني رحمه اللَّه: أنه يجوز صلاة العيد للمنفرد، والمسافر، والعبد والمرأة.
وقال في القديم: لا يصلي العيد حيث (لا يصلي الجمعة) 1124.
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أصحهما: أنهم يصلونها.
ومنهم من قال: (لا يصلونها) 1125 قولًا واحدًا.
والذي يقتضيه ظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه: أنها بمنزلة الجمعة في اعتبار الجماعة على قوله القديم.
وأن لا يقام إلَّا في موضع واحد من المصر، إلَّا أنه لا يعتبر فيها
الجزء: 2 - الصفحة: 307
عدد الجمعة، والبنيان، فإنه يجوز فعلها في المصلى، وقوله القديم: قول أبي حنيفة، وأحمد في (إحدى) 1126 الروايتين.
فإن شهد شاهدان يوم الثلاثين من رمضان بعد الزوال برؤية الهلال، قضيت صلاة العيد في أصح القولين.
والثاني: لا تقضى وهو قول مالك، فإن لم (يمكن) 1127 جمع الناس في اليوم، صليت في الغد، وهو قول أحمد 1128.
وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة: أنها لا تقضى.
وقال أبو يوسف ومحمد: تقضى صلاة عيد الفطر في اليوم الثاني، وصلاة عيد الأضحى في الثاني والثالث من أيام التشريق.
(وقال) (4) أصحاب أبي حنيفة: مذهب أبي حنيفة كمذهبهما.
واختلف أصحابنا في علة تأخير الصلاة إلى الغد.
فقال أبو إسحاق: العلة تعذر اجتماع الناس في اليوم.1129
الجزء: 2 - الصفحة: 308
وقيل: العلة أن (يؤتى بها) (1) في الوقت الذي (يؤتى بها فيه) (2)، والأول أصح.
(1)، (2) (يؤتى بها): في، جـ، وفي أ: يؤديها.
الجزء: 2 - الصفحة: 309
فصل
والتكبير سنة في العيدين 1130، وبه قال مالك، وأحمد.
وحكى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن يكبر يوم الأضحى في ذهابه إلى المصلى، ولا يكبر يوم الفطر، وروي عنه: نحو قولنا.
وحكي عن إبراهيم النخعي أنه قال: إنما يفعل ذلك (الحواكون) 1131.
وقال داود: التكبير واجب (في العيد) 1132.
الجزء: 2 - الصفحة: 310
ويأتي بالتكبير نسقًا، فإن فصل (بينه) 1133 بذكر، كان حسنًا.
وذكر في التعليق: أن المستحب أن لا يذكر اللَّه (بينه) 1134 وهذا خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه.
ذكر "الحاوي": فيما فعله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (لمعنى) 1135، وزال ذاك المعنى.
فقال أبو إسحاق: لا يفعل إلَّا بدليل.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يفعل.
(روي) 1136 أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: كان يغدو في العيد في طريق، ويعود في أخرى.
فقيل: إنه فعل ذلك لأجل الزحام.
وقيل: بل لأن الطريق الذي كان يذهب فيه أطول.
وقيل: (ليشهد) 1137 له الطريقان.
وقيل: ليدخل المسرة على أهل الطريقين.
وأول وقت تكبير الفطر: إذا غابت الشمس من آخر يوم من الشهر 1138.
الجزء: 2 - الصفحة: 311
(وقال) 1139 أحمد: يكبر في يوم الفطر 1140.
وقال إسحاق، وأبو ثور: يكبر إذا غدا إلى المصلى.
فأما آخر وقت التكبير.
فقد نقل المزني رحمه اللَّه: أنه يكبر إلى أن يخرج الإِمام إلى الصلاة 1141.
وقال في رواية البويطي: إلى أن يفتتح الصلاة 1142.
وقال في القديم: إلى أن ينصرف الإِمام من الصلاة 1143.
وحكى الشيخ أبو حامد: (والخطبتين) 1144.
فمن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال على ظاهر النقل.
ومنهم من قال: المسألة على قول واحد، أنه يكبر إلى أن يفتتح الإِمام الصلاة.
الجزء: 2 - الصفحة: 312
وهل يسن التكبير المقيد (للمنفرد) 1145 في عيد الفطر؟ فيه وجهان 1146:
أظهرهما: (أنه) 1147 لا يستحب 1148.
وقيل: فيه قولان: قوله الجديد، أنه لا يستحب.
والسنّة: أن يكبر ثلاثًا نسقًا.
وقال مالك: إن شاء كبر ثلاثًا، وإن شاء كبر مرتين.
وقال أبو حنيفة: يكبر مرتين.
وفي وقت تكبير عيد الأضحى ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه يكبر من الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال مالك 1149.
والثاني: أنه يكبر من المغرب ليلة النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق.
والثالث: أنه يكبر من الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام
الجزء: 2 - الصفحة: 313
التشريق، وبه قال أحمد 1150، وإسحاق، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد (بن الحسن) 1151، ويروى عن عمر وعلي رضي اللَّه عنهما.
وحكي في "الحاوي" عن أبي علي بن أبي هريرة وأبي إسحاق: أن المسألة على قول واحد، وهو الأول وما سواه حكاه عن غيره، والطريق الأول: أصح.
وقال الأوزاعي: يكبر من الظهر يوم النحر إلى الظهر من اليوم الثالث من أيام التشريق.
(وقال داود: يكبر من الظهر يوم النحر إلى العصر آخر التشريق) 1152.
وقال أبو حنيفة: يكبر من الصبح يوم عرفة إلى العصر من يوم النحر.
ويكبر خلف الفرائض في هذه الأيام، وهل يكبر خلف النوافل 1153، فيه طريقان:
أحدهما: أنه يكبر قولًا واحدًا 1154.
والثاني: فيه قولان 1155.
الجزء: 2 - الصفحة: 314
ذكر في "الحاوي": فيه طريقة ثالثة: أنه يكبر (خلفها) 1156 قولًا واحدًا.
وقيل: (ما سن) 1157 له الجماعة من النوافل يكبر عقيبه، وما لم يسن له الجماعة لا يكبر عقيبه.
وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: إنه لا يكبر خلفها بحال.
(فإن نسي التكبير) 1158، أتى به في أي وقت ذكره.
وقال أبو حنيفة: إذا تكلم، أو خرج من المسجد، سقط.
فإن (فاتته) 1159 صلاة في هذه الأيام، فقضاها فيها، هل يكبر عقيبها؟ فيه وجهان 1160:
(قال الشيخ الإِمام 1161: وعندي: أنه ينبغي أن يكون هذان الوجهان على القول الذي يقول أنه لا يكبر خلف النوافل.
(وذكر) 1162 في "الحاوي": (أنه) 1163 على قول من فرق بين (ما
الجزء: 2 - الصفحة: 315
يسن) 1164 له الجماعة، وبين ما لم يسن له.
(وفي) 1165 صلاة الجنازة وجهين:
أحدهما: يكبر.
والثاني: (لا يكبر) 1166.
وحكى القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه لا يكبر خلفها وجهًا واحدًا.
(قال الشيخ الإِمام) 1167: وعندي: أنه ينبغي أن يبنى على النفل، فإن قلنا: يكبر خلفها، فهذه أولى، وإن قلنا: لا يكبر (خلفها) 1168 (بنيت) 1169 على الفوائت المقضية في أيام التشريق، (لأنه) 1170 لا وقت لها.
فإن أدرك مع الإِمام بعض صلاة العيد، فسلم الإِمام، قام وأتم صلاته، ولم يتابع الإِمام في التكبير الذي يتبع الصلاة.
وحكي عن ابن أبي ليلى أنه قال: يكبر مع الإِمام، ثم يقوم إلى ما فاته.
ويكبر المنفرد، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: لا يكبر.
الجزء: 2 - الصفحة: 316
باب صلاة الكسوف
1171 صلاة الكسوف سنة 1172، وهي: ركعتان، في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، وسجودان، فيقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة، سورة البقرة، أو بقدرها، ثم يركع، ويسبح بقدر مائة آية، ثم يرفع، ويقرأ في القيام الثاني بعد الفاتحة بقدر مائتي آية من سورة البقرة، ثم يركع، (ويسبح بقدر مائتي آية) 1173، ثم يسجد كما يسجد في غيرها.
الجزء: 2 - الصفحة: 317
وقال أبو العباس بن سريج: يطيل السجود 1174، ولم يذكره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه (ولا غيره) 1175.
والشيخ الإِمام أبو إسحاق قال: الأول أصح.
ثم يصلي الركعة الثانية، فيقرأ بعد الفاتحة، مائة وخمسين آية، ثم يركع بقدر سبعين آية، ثم يرفع ويقرأ بعد الفاتحة بقدر مائة آية، ثم يركع بقدر خمسين آية، ثم يرفع ويسجد، وبه قال مالك، وأحمد 1176.
وقال أبو حنيفة: يصلي ركعتين مثل صلاة الصبح.
(ويسر) 1177 بالقراءة في كسوف الشمس 1178، وبه قال أبو حنيفة، ومالك.
الجزء: 2 - الصفحة: 318
وقال أبو يوسف ومحمد، وأحمد: يجهر بالقراءة فيها.
فإن زال الكسوف (وهو في الصلاة، فأتمها، وترك القيام الزائد، والركوع الزائد، ففيه وجهان:
أحدهما: أنها لا تصح.
والثاني: أنها تصح وهو الأصح.
فإن ترك الركوع والقيام الزائد مع بقاء الكسوف) 1179 لم تصح صلاته.
ذكر القاضي حسين: وفيه نظر.
والسنة: أن يصلي في خسوف القمر أيضًا في جماعة.
وقال أبو حنيفة: يصلون فرادى في بيوتهم.
ويسن أن يخطب بعد صلاة الكسوف ليلًا ونهارًا 1180.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يسن الخطبة بعد هذه الصلاة.
فإن أدرك (مسبوق) 1181 الإِمام في الركوع الثاني من صلاة = بإسناده الصحيح عن سمرة قال: "صلى بنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في كسوف لا نسمع له صوتًا"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، أنظر "الترمذي" 2/ 451، وأنظر "المجموع" 5/ 51.
الجزء: 2 - الصفحة: 319
الكسوف، لم يكن (مدركًا) 1182 (للركعة) 1183 في أصح الوجهين.
والثاني: أنه يكون مدركًا وهو قول مالك.
فإن اجتمع كسوف، وجمعة، في وقت الجمعة، والوقت واسع، بدأ بالكسوف، ويقرأ في كل قيام فاتحة الكتاب، وقل هو اللَّه أحد.
فإذا فرغ، خطب خطبة للجمعة والكسوف، وصلى الجمعة.
وذكر القاضي حسين: أن الشافعي رحمه اللَّه نص في البويطي، أنه يبدأ بالجمعة والخطبة لها، ثم إن بقي الكسوف، صلى له، والأول أولى، فإن طلع الفجر ولم ينجل القمر، صلى في أظهر القولين.
وتصلى صلاة الكسوف، جماعة وفرادى.
وحكي عن الثوري، ومحمد بن الحسن أنهما قالا: إن صلى الإِمام، صلوها معه، ولا تصلى فرادى.
ولا تسن هذه الصلاة لآية سوى الكسوف، من الزلازل، والصواعق، والظلمة بالنهار 1184.
وحكي عن أحمد أنه قال: يصلى في جماعة لكل آية.
وحكى في "الحاوي": أن الشافعي رحمه اللَّه حكى في اختلاف علي، أنه صلى في زلزلة.
وحكي أن الشافعي رحمه اللَّه قال: إن صح، قلت به.
الجزء: 2 - الصفحة: 320
- فمن أصحابنا من قال: أراد إن صح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
- ومنهم من قال: أراد إن صح عن علي (رضي اللَّه عنه) 1185.
- ومنهم من قال: قلت به، أراد في الزلزلة خاصة.
- ومنهم من قال: في سائر الآيات.
والأصح: ما ذكرناه.
فإن زاد في الصلاة قيامًا ثالثًا، أو ركوعًا لطول الكسوف، فقد حكى القاضي حسين: أنه يجوز (ذلك) 1186، ورواه (مسلم) 1187. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز وتبطل الصلاة بذلك وهو الصحيح.
فإن فرغ من الصلاة والكسوف باق، لم يزد في الصلاة، واشتغل بالخطبة.
وحكي فيه وجه آخر: أنه يصلي مرة ثانية: وهو نص الشافعي رحمة اللَّه عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 321
باب صلاة الإِستسقاء
1188
يكون مشيه في خروجه للإِستسقاء، وجلوسه، وكل أمره في تواضع واستكانة.
وذكر بعض أصحابنا: (أنه لو أراد) 1189 أن يخرج حافيًا ومكشوف الرأس، لم يكره، وهذا بعيد جدًا.
قال الشافعي رحمه اللَّه: ولا آمر بإخراج البهائم.
الجزء: 2 - الصفحة: 322
وقال أبو إسحاق: (أستحب) 1190 إخراجها لعل اللَّه يرحمها 1191.
وقيل: يكره إخراج البهائم.
قال: وأكره إخراج من خالف الإسلام للاستسقاء في موضع مستسقى المسلمين، فإن خرجوا تميزوا (عن) 1192 المسلمين في المكان، ولا فرق بين أن يكون (ذلك) 1193 في يوم خروج المسلمين، أو في غيره في أصح الوجهين، ذكره في "الحاوي".
والثاني: أن الإِمام يأذن لهم في الخروج في غير اليوم الذي يخرج فيه المسلمون.
وكتب يزيد بن عبد الملك 1194 بإخراج أهل الذمة للاستسقاء إلى عماله، فلم (يعب) 1195 عليه أحد في زمانه.
الجزء: 2 - الصفحة: 323
وقال مكحول 1196: لا بأس بإخراج أهل الذمة مع المسلمين للإستسقاء.
وقال إسحاق: لا يأمرهم به ولا ينهاهم عنه.
وصلاة الإستسقاء ركعتان كصلاة العيد، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وإحدى الروايتين عن أحمد.
وقال مالك: يصلي ركعتين من غير تكبير زائد، وهي الرواية الثانية عن أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يصلي للإستسقاء.
(وقال) 1197 أصحابه: يعني أنها ليست (بسنة) 1198.
ويقرأ في الأولى سورة (ق)، وفي الثانية اقتربت الساعة.
ومن أصحابنا من قال: يقرأ في الثانية سورة نوح، والأول أصح.
والسنّة: أن يخطب بعد الصلاة 1199.
الجزء: 2 - الصفحة: 324
وحكي عن ابن الزبير: أنه خطب وصلى، وبه قال الليث، ويروى عن عمر بن عبد العزيز.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يسن الخطبة بعد هذه الصلاة، ولم يذكر أحمد الخطبة.
ويستحب: إذا خطب في الثانية، أن يستقبل القبلة، ويحول رداءه وينكسه، فيجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، إن أمكنه، وكذلك المأموم.
وقال أبو حنيفة: لا يستحب ذلك.
وحكى الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال: يحول الإمام رداءه دون المأمومين.
إذا نذر أن يستسقى (بالناس) 1200 ويخطب، لم يف بنذره حتى يخطب قائمًا، ولو خطب راكبًا للبعير، أجزأه، كذا ذكر في "الحاوي".
وفي (إجزائه) 1201 راكبًا نظر.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: (أنه) 1202 إذا نذر الاستسقاء في حال الجدوية، لزمه أن يصلي إن نذر الصلاة، وإن أطلق، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يلزمه أن يصلي.
= نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا"، "المهذب" مع "المجموع" 5/ 75.
الجزء: 2 - الصفحة: 325
وإن نذر في زمان الخطب أن يستسقي، ففيه وجهان.
أحدهما: يستسقي فيشكر اللَّه تعالى، ويسأله دوام (النعمة) 1203.
فإن استسقوا فلم يسقوا، عادوا من الغد.
وقال في القديم: يأمرهم الإمام أن يصوموا، ثلاثًا ثم يعودون.
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان.
قال ابن القطان 1204: ليس في الاستسقاء مسألة فيها قولان، سوى هذه المسألة.
وقيل: إنها ليست على قولين، وإنما جوز هذا وهذا 1205.
(وقال) 1206 الشيخ أبو حامد: (حيث قال) 1207 يوالون إذا لم يقطعهم عن معاشهم، وحيث قال: يصومون إذا كانت الموالاة تقطعهم عن معاشهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 326