حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ط الرسالة الحديثةكتاب الزكاة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

1 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الجزء: 3 - الصفحة: 7

لا تجب الزكاة إلّا على حر مسلم، فإن ملّك عبده مالًا، وقلنا: إنه (لا يملك) 2، لم يجب فيه الزكاة عليه، ولا على المولى.
وقيل: تجب الزكاة على المولى.
وأما المكاتب، فلا زكاة عليه، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو ثور: تجب عليه جميع الزكوات.
وقال أبو حنيفة: يجب العشر في زرعه، ولا يجب ما سواه.
ومن نصفه حر، ونصفه رقيق، إذا ملك بنصفه الحر مالًا، ففي وجوب الزكاة (فيه) 3 وجهان: وأما المرتد، فلا يسقط عنه بالردة ما وجب عليه من الزكاة في حال إسلامه 4. وقال أبو حنيفة: يسقط (عنه) 5. وأما إذا ما مضى عليه الحول في حال الردة، فالزكاة، (فيه) 6 تبنى على ملكه، وفيه ثلاثة أقوال: = فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث معاذًا إلى اليمن فقال: "أعلمهم أن اللَّه افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم".
متفق عليه، وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها، أنظر "المغني" لابن قدامة 2/ 427.

الجزء: 3 - الصفحة: 8

أحدها: أنه (باق) 7 فتجب الزكاة فيه.
والثاني: أنه موقوف، فتكون الزكاة موقوفة.
والثالث: أنه زائل، وهو قول أبي حنيفة.
وتجب الزكاة في مال الصبي والمجنون 8، ويخرجهما الولي من مالهما.
ويروى عن عمر، وعلي، وابن عمر، وعائشة 9 رضي اللَّه عنهم وبه قال مالك، وأحمد، وابن أبي ليلى.
وقال الأوزاعي والثوري: تجب الزكاة في ماله، غير أن الولي لا يخرجهما حتى يبلغ الصبي، ويفيق المجنون، فيخرج.

الجزء: 3 - الصفحة: 9

وقال أبو حنيفة: لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون 10 ويجب العشر في زرعهما.
فأما المال الموقوف للحمل بحكم الإرث إذا كان يبلغ نصابًا، وهو من جنس مال الزكاة، هل يجري في الحول (حتى تجب) 11 فيه الزكاة إذا انفصل 12؟ فيه وجهان: أحدهما: يجري في الحول.
والثاني: لا يجري في الحول حتى ينفصل وهو الصحيح.
ومن وجبت عليه الزكاة، وقدر على إخراجها، لم يجز له تأخيرها 13؟ فإن آخر إخراجها مع القدرة ضمنها ولا تسقط عنه بتلف المال، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: تسقط بتلف المال، ولا تصير مضمونة عليه.
وقال أكثر (أصحابه) 14: إذا طالبه الإمام بها فلم يدفعها فهلك المال، ضمنها.
وقال أبو سهل الزجاجي 15 من أصحابه: لا يضمنها أيضًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 10

ووجوب الزكاة عندنا على الفور، وهو قول أبي الحسن الكرخي 16 من أصحاب أبي حنيفة.
وكان أبو بكر الرازي يقول: إنها ليست على الفور.
وإن امتنع من إخراج الزكاة (بخلًا) 17، أخذت منه وعزر 18. = الكرخي، وأخذ العلم عنه عن أبى سعيد البردعي عن إسماعيل بن حماد ابن أبي حنيفة عن أبيه عن جده، ثم رجع إلى نيسابور فأقام بها حتى مات، درس عليه أبو بكر أحمد بن علي الرازي وفقهاء نيسابور، ويذكر بالغزالي تارة وبالعراقي تارة، وبالزجاجي تارة، أنظر "اللكنوي": 81.

الجزء: 3 - الصفحة: 11

وقال في القديم: يؤخذ شطر ماله معها 19. وقال أبو حنيفة: يحبس حتى يؤدي الزكاة، ولا يؤخذ من ماله قهرًا.
وليس في (المال) 20 حق سوى الزكاة.
وقال مجاهد والشعبي: يجب عليه إذا حصد الزرع، أن يلقي شيئًا من السنابل إلى المساكين، وكذا إذا جد النخل، يلقي إليهم شيئًا من الشماريخ.

الجزء: 3 - الصفحة: 12

باب صدقة المواشي

لا تجب الزكاة في غير الإبل، والبقر، والغنم من الماشية، كالخيل، والبغال، والحمير، وروي عن عمر، وعلي، وبه قال عطاء، ومالك وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد 21. وقال أبو حنيفة، وزفر، وحماد بن أبي سليمان 22: تجب الزكاة

الجزء: 3 - الصفحة: 13

في الخيل إذا كانت إناثًا سائمة، أو ذكورًا وإناثًا، ويعتبر فيها الحول، ولا يعتبر النصاب، وهو بالخيار بين أن يخرج عن كل دينار فرس (أو) 23 عشرة دراهم، وبين أن يقومه، ويخرج من كل مائتي درهم خمسة دراهم 24 وإن كانت ذكورًا منفردة، ففي وجوب الزكاة فيها روايتان: ولا تجب الزكاة فيما (تولد) 25 بين الظباء والغنم وبين بقر الوحش، وبقر الأهل.
وقال أبو حنيفة: هو تابع للأم في الزكاة، والأضحية، ووجوب الجزاء، فإن كانت الأمهات من الغنم، وجب (فيها) 26 الزكاة (وأجزأته) 27 في الأضحية، ولم يجب الجزاء على المحرم بقتله.
وقال أحمد: تجب الزكاة فيه بكل حال، وتجب الزكاة عنده (في) 28 بقر الوحش في إحدى الروايتين.
وأما الماشية الموقوفة عليه، فلا زكاة فيها إذا قلنا إن الملك ينتقل إلى اللَّه تعالى في الوقف، وإن قلنا: ينتقل إلى الموقوف عليه، ففي وجوب الزكاة فيه وجهان: أحدهما: لا زكاة فيها.

الجزء: 3 - الصفحة: 14

وأما المال المغصوب، والضال إذا عاد إليه من غير نماء، فهل يزكيه لما مضى؟ فيه قولان: قال في القديم: يستأنف عليه الحول من حين عوده (إليه) 29 ولا زكاة فيه لما مضى، وهو قول أبي حنيفة، وأكثر أصحابه، وإحدى الروايتين عن أحمد.
وقال في الجديد: يجب عليه إخراج الزكاة عنه لما مضى، وهو قول زفر من أصحاب أبي حنيفة.
وقال مالك: إذا عاد إليه، زكاة لحول واحد.
وإن كان معه أربعون شاة، فضلت واحدة منها، انقطع الحول إِذا قلنا: لا تجب في الضال الزكاة، وإن قلنا: تجب، لم ينقطع، وإن عاد المال الضال إليه مع نمائه ففيه طريقان: وقال أبو العباس (وأبو إسحاق) 30: يزكيه لما مضى قولًا واحدًا.
وقال: أبو علي بن أبي هريرة، وأبو علي الطبري: هو أيضًا على القولين وهو الأصح.
وإن أبق العبد، أو غصب، ففي وجوب زكاة الفطر عنه طريقان: أحدهما: أنه على القولين.
والثاني: تجب الزكاة فيه قولًا واحدًا.
وإن وقع المال الضال في يد ملتقط، ففرّ منه حولًا ولم يتملكه،

الجزء: 3 - الصفحة: 15

وقلنا: بالصحيح من المذهب أنه لا يملكه (إلَّا باختيار) 31 التملك، فهل تجب على مالكه الزكاة في هذا الحول؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه على القولين، كما لو لم يقع بيد ملتقط.
والثاني: (لا يجب) 32 قولًا واحدًا.
وإن كان عليه دين يستغرق النصاب، أو ينقصه، ففيه قولان: قال في القديم: يمنع وجوب الزكاة فيه، وهو قول أبي حنيفة، وبه قال عطاء، وطاوس.
ولا يمنع وجوب العشر عند أبي حنيفة 33. وقال في الجديد: لا يمنع وجوب الزكاة 34. وإن حجر عليه في المال، فحال الحول عليه، ففيه ثلاثة طرق: أحدها: وهو الصحيح أنه على القولين، واختاره القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه 35. والثاني: (ذكره) 36 أبو علي في الإفصاح: أنه تجب الزكاة فيه قولًا واحدًا 37.

الجزء: 3 - الصفحة: 16

والثالث: وهو قول أبي إسحاق: أنه إن كان المال ماشية، وجبت الزكاة فيه، وإن كان غير الماشية، لم تجب 38. وعن أحمد: في الأموال الظاهرة روايتان.
وقال مالك: الدين يمنع وجوب الزكاة في الذهب والفضة، ولا يمنع (في) 39 الماشية.
(وإذا) 40 قلنا بقوله القديم، فلا فرق بين ديون اللَّه، وبين ديون الآدميين في منع وجوب الزكاة، وبين زكاة الأموال الظاهرة، وبين زكاة الأموال الباطنة.
وذكر البيهقي 41 في كتابه: أن الشافعي رحمه اللَّه، نص على الفرق بين الأموال الظاهرة، والباطنة، والمذهب الأول.

الجزء: 3 - الصفحة: 17

وقال أبو حنيفة: ديون الآدميين تمنع وجوب الزكاة، والزكاة (تمنع) 42 وجوب الزكاة، وديون اللَّه كالكفارات لا تمنع، وهو قول محمد.
وقال زفر: الزكاة لا تمنع وجوب الزكاة كالكفارة.
وقال أبو يوسف: إن كانت واجبة في العين، منعت وجوب الزكاة، وإن كانت واجبة في الذمة (بأن) 43 استهلك النصاب لم يمنع، ولا فرق بين أن يكون الدين من جنس مال الزكاة، وبين أن يكون من غير جنسه.
فإن كان له نصابان، أحدهما (من) 44 جنس الدين والآخر من غير جنسه، فهل (ينص) 45 عليهما؟ فيه وجهان: أحدهما: (ينص) 46 عليهما، فلا تجب الزكاة في واحد منهما.
والثاني: أنه ينصرف إلى جنس الدين (ذكر) 47 (ذلك) 48 القاضي حسين رحمه اللَّه ويبني ذلك عليه: إذا امتنع الغريم من قضاء دينه ووجد له (مالًا) 49، فهل له أخذه من دينه؟ فيه وجهان:

الجزء: 3 - الصفحة: 18

(وذكر) 50: أن الأظهر في الغريم أن لا يأخذ، وفي الدين أن (ينص) 51 عليهما، والجميع عندي: ليس بصحيح، بل يجب (صرف) 52 الدين إلى جنسه، وتجب الزكاة في النصاب الآخر، كما لو كان له نصاب وعليه دين يستغرقه، وله عقار يفي بالدين فإنه لا يمنع وجوب الزكاة في النصاب، ذكره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه، والبناء الذي ذكره فاسد، فإن الوجهين هناك (في) 53 مباشرة بيعه في حق نفسه، (فأما) 54 أخذه بدينه، فلا يجوز وجهًا واحدًا، فإن لم يكن الدين من جنس واحد في النصابين: قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: الذي يقتضيه المذهب، أنه يراعى في ذلك حظ المساكين كما صرفناه عن مال الزكاة إلى غير مال الزكاة.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا كان عليه خمس من الإبل وله خمس من الإبل ومايتا درهم، جعل الدين في الدراهم.
فإن رفعه غرماؤه إلى الحاكم فجحدهم، وحلف لعدم البينة، فهل تجب الزكاة عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو قول كافة أصحابنا، أن جحوده لا يؤثر، فيكون على القولين مع بقاء الدين.

الجزء: 3 - الصفحة: 19

والثاني: أنه يصير في حكم من لا دين عليه، فتجب الزكاة قولًا واحدًا.
إذا قال: إن شفى اللَّه مريضي فلله علي أن أتصدق بمائة، فشفى اللَّه (تعالى) 55 مريضه قبل الحول، لزمه الوفاء بما نذره، وهل يمنع وجوب الزكاة؟ على قوله القديم: فيه وجهان.
أصحهما: أنه يمنع ذكر ذلك في "الحاوي"، وذكر أيضًا، أنه إذا كان معه مايتا درهم فقال: إن شفى اللَّه تعالى مريضي فلله علي أن أتصدق بماية منها، فشفى اللَّه تعالى مريضه قبل تمام الحول (فالحكم) 56 بالعكس من ذلك، إن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة، ففي هذا الدين وجهان: أحدهما: أنه يمنع وجوب الزكاة.
والثاني: أنه لا يمنع وليس بشيء (عندي) 57. إذا كان له أربعون من الغنم فاستأجر لها راعيًا بشاة موصوفة في الذمة ولم يكن له مال غير هذه الأغنام، بني على القولين في الدين، هل يمنع وجوب الزكاة؟ وإن كان له نخيل خمسة أوسق من الثمر فاستأجر رجلًا يعمل عليها (بثمرة واحدة) 58 منها بعينها قبل بدء الصلاح بشرط القطع، فلم يقطع حتى بدا صلاحها، بني ذلك على الخلطة في غير الماشية، فعلى قوله الجديد، يصح.

الجزء: 3 - الصفحة: 20

فإن كان له مايتا درهم (فرهنها) 59 على مايتي درهم استقرضها من رجل ولم يكن له (مال) 60 سوى المرهون، والمال الذي اقترضه: فعلى قوله الجديد: يجب عليه زكاة أربعماية.
وعلى قوله القديم: لا تجب إلّا فيما فضل عن قدر الدين.
ومن أصحابنا من قال: إن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة، ففي وجوب الزكاة في المرهون قولان: بناء على الضال والمغصوب.
ومنهم من قال: تجب الزكاة قولًا واحدًا.
وإن لم يكن في ملكه إلّا المرهونة، وقلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين تعلق الشركة، أو تعلق أرش الجناية، قُدِّم على الدين، وإن قلنا: تعلق الرهن فقد ساوى دين الزكاة دين الرهن، فيكون على الأقوال في ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 21

فصل

السوم شرط في وجوب الزكاة في الماشية، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد 61، وأبو ثور.
وقال مالك ومكحول: تجب الزكاة في معلوفة الماشية ومستعملها.
وحكي عن داود أنه قال: تجب الزكاة في عوامل الإبل والبقر، ومعلوفتها دون معلوفة الغنم، فإن علفت الماشية في بعض الحول، فإن كان ذلك في مدة يبقى الحيوان فيها (من غير علف، كاليوم واليومين، لم يؤثر، وإن كان في مدة لا يبقى الحيوان فيها) 62 من غير علف، انقطع الحول، وقدر أبو إسحاق ذلك بثلاثة أيام.

الجزء: 3 - الصفحة: 22

ومن أصحابنا من قال: إنما يثبت حكم العلف بأن ينوي علفها ويفعله، وإن كان مرة واحدة، كما لو نوي صياغة الذهب وصاغه حليًا مباحًا.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ظاهر المذهب.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يراعى السوم في أكثر الحول، فإن كان الغالب السوم، كانت سائمة، وإن كان الغالب العلف، كانت معلوفة، وحكاه الشيخ أبو حامد عن بعض أصحابنا.
فإن كان عنده نصاب من السائمة، فغصبها غاصب وعلفها، ففيه طريقان: أحدهما: أنه كالمغصوب الذي لم يعلفه فيكون على قولين.
والثاني: أنه لا زكاة فيه قولًا واحدًا، وهو الأصح.
وإن غصب نصابًا من المعلوفة (فأسامه) 63 حولًا كاملًا، ففيه طريقان: أحدهما: أنه بمنزلة السائمة المغصوبة على القولين.
ومنهم: من قال قولًا واحدًا، لا تجب الزكاة.
إذا (ندت) 64 الماشية المعلوفة فرعت حولًا، فقد ذكر في وجوب الزكاة (فيها) 65 وجهان: وشبه ذلك باسامة الغاصب.

الجزء: 3 - الصفحة: 23

ثم قيل: إذا قلنا: تجب باسامة الغاصب، الزكاة على المالك فأداها رجع بها على الغاصب، وهل يؤثر الغاصب بالإخراج؟ ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: فيه وجهان، (ولا معنى للجميع في الرجوع) 66 على الغاصب والإِخراج.

الجزء: 3 - الصفحة: 24

فصل

67 ولا تجب الزكاة في النصاب حتى يحول عليه الحول من حين ملكه 68. وحكي عن ابن عباس وابن مسعود رضي اللَّه عنهما: أنهما قالا: تجب الزكاة عليه حين ملكه، ثم إذا حال (الحول) 69 بعد ذلك (زكاة) 70 مرة ثانية.

الجزء: 3 - الصفحة: 25

وكان ابن مسعود رضي اللَّه عنه: إذا أخذ عطاءه زكاة.
فإن كان عنده نصاب، فباعه، أو بادله بجنسه، أو بغير جنسه في أثناء الحول، انقطع الحول فيه، وكذا إذا بادل بعضه.
وقال أبو حنيفة: لا ينقطع الحول بالمبادلة في نصاب الذهب والفضة، وينقطع في الماشية.
وقال مالك: إذا بادله (بجنسه) 71، بني على حوله، وإن بادله بغير جنسه، ولكنه من جنس الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، ففيه روايتان.
وإن بادل الحيوان بالأثمان انقطع الحول.
وقال أحمد: إذا بادله بجنسه من الحيوان، بني على حوله، (وإذا) 72 بادله بغير جنسه، لا يبني، ويبني حول الذهب على حول الفضة.
فإن تلف بعض النصاب، أو أتلفه قبل تمام الحول، انقطع الحول فيه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك وأحمد: (إذا قصد بإتلافه) 73 الفرار من الزكاة، لم ينقطع الحول، (ووجبت) 74 عليه الزكاة عند تمامه.
فإن مات في أثناء الحول، ففيه قولان:

الجزء: 3 - الصفحة: 26

أصحهما: أن الحول ينقطع.
الثاني: أن الوارث بني على حول الموروث.
فإن كان عنده نصاب من الماشية فاستفاد في أثناء الحول من جنسه ببيع، أو هبة ما يبلغ به النصاب الثاني، لم (يضم) 75 إلى ما عنده في حوله، بل يستأنف به الحول.
وقال أبو حنيفة: (بضمه) 76 إلى ما عنده (في جوابه) 77 وكذلك في غير الماشية.
وقال مالك: (يضم) 78 في الماشية (ولا يضم) (5) في الذهب والفضة.
ويضم المستفاد إلى ما عنده في النصاب.
وفيه وجه آخر: أنه لا يضم إليه (أيضًا) 79 في النصاب، ويكون منفردًا بنفسه، حكاه ابن سريج.
وفيه طريقة أخرى: أن المستفاد لا يعد في (الحال) 80، ولا يستأنف (له) 81 الحول حتى (يتم) 82 أصل المال، ثم يستأنف

الجزء: 3 - الصفحة: 27

(الحول) 83 على الجميع، (والجميع) 84 فاسد.
فإن كان المستفاد نصابًا في نفسه ولكنه لا يبلغ النصاب الثاني، ويتصور ذلك في صدقة الغنم، بأن يكون عنده أربعون من الغنم مضى عليها بعض الحول (واستفاد) 85 (أربعين) 86 أخرى، ففي الأربعين الأولى شاة إذا تم حولها، وأما الأربعون المستفادة إذا تم حولها (ففيها) 87 ثلاثة أوجه: أصحها: أنه لا يجب فيها شيء.
والثاني: أنه يجب فيها نصف شاة.
والثالث: أنه يجب فيها شاة.
(فإن) 88 أدى الزكاة من الأربعين عند تمام حولها، (وقلنا) 89: إن الزكاة (تجب في العين ما لم) 90 يجب في الزيادة شيء وجهًا واحدًا.
فأما إذا كان عنده ماشية فنتجت في أثناء الحول حتى بلغت النصاب الثاني، فإنها تضم إلى الأمهات فتجب فيها الزكاة بحولها.

الجزء: 3 - الصفحة: 28

وقال الحسن البصري والنخعي: لا تضم السخال إلى الأمهات في حولها، بل يعتبر (حولها) 91 بنفسها، وهو قول داود.
ولا تضم السخال إلى الأمهات حتى تكون الأمهات نصابًا.
وقال مالك: تضم إليها، وإن لم يكن نصابًا إذا كملت السخال نصابًا فتزكى بحول الأمهات وإن تماوتت الأمهات وبقيت السخال نصابًا، لم ينقطع الحول فيها، وبه قال مالك.
وقال أبو القاسم بن (يسار) 92 الأنماطي: إذا نقص نصاب الأمهات، انقطع الحول في السخال.
وقال أبو حنيفة: إذا بقي من الكبار واحدة، لم ينقطع الحول في السخال، وإن لم يبق منها شيء انقطع الحول في السخال، وعنده أن السخال المنفردة لا تنعقد عليها الحول حتى تصير جذاعًا (أو) 93 ثنايا.
وعندنا: يؤخذ من السخال الباقية سخلة عند تمام الحول، وبه قال أبو يوسف.
وقال مالك: لا يؤخذ منها إلّا الجذعة والثنية، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
وإن تماوتت الأمهات بعد تمام الحول، وقبل إمكان الأداء، وقلنا: (إن) 94 الإمكان شرط في الضمان، وجب عليه أن يشتري كبيرة بقيمة واحدة من الصغار إذا بقيت الصغار نصابًا، كذا ذكر القاضي أبو الطيب.

الجزء: 3 - الصفحة: 29

قال الشيخ أبو نصر: ينبغي عندي أن تجب صغيرة على هذا القول، كما تجب على القول الآخر.
فإن ملك رجل أربعين شاة في أول المحرم، وأربعين في أول صفر، وأربعين في أول ربيع الأول وحال الحول على الجميع، ففيه قولان: قال في القديم: تجب في الجميع شاة في كل أربعين ثلثها 95. وعلى قوله الجديد: في الأربعين الأولى شاة، وفي الأربعين الثانية وجهان: أحدهما: تجب فيها شاة.
والثاني: تجب فيها نصف شاة، وأما الأربعون الثالثة ففيها وجهان: أحدهما: يجب فيها شاة.
والثاني: يجب فيها ثلث شاة.
والصحيح: أن لا يجب فيما زاد على الأربعين شيء.

الجزء: 3 - الصفحة: 30

فصل

إذا حال الحول على النصاب ففي إمكان الأداء قولان: أحدهما: وهو قوله القديم: إنه شرط في الوجوب، وهو قول مالك، حتى أنه قال: لو أتلف النصاب قبل الإمكان، لم يضمن الزكاة إلّا أن يقصد الفرار من الزكاة، فتجب الزكاة على هذا القول بثلاث شروط، النصاب، والحول، وإمكان الأداء.
والقول الثاني: إنه شرط في الضمان، وهو قول أبي حنيفة.
وقال أحمد: إذا تلف النصاب قبل التمكن من الأداء، لم تسقط الزكاة.
وصفة الإمكان: أن يقدر على (الدفع) 96 إلى الإمام، أو نائبة، أو المختصين في الأموال الباطنة، وكذا الأموال الظاهرة، إذا جوزنا أن

الجزء: 3 - الصفحة: 31

يفرّق بنفسه، وعلى القول الآخر (أن يقدر على الإمام) 97 أو نائبه.
فإن كان عنده خمس من الإبل، فهلك منها واحدة بعد الحول وقبل التمكن من الأداء، وقلنا بقوله القديم، لم يجب عليه شيء، وإن قلنا بالجديد، سقط عنه خمس شاة.
فإن كان عنده ماشية فتوالدت بعد تمام الحول وقبل (الإمكان) 98 ففيه طريقان: أحدهما: أنه يبني على القولين، فإن قلنا بقوله القديم، ضمت السخال إلى الأمهات وهو قول مالك.
وإن قلنا بالجديد: استأنف الحول عليها.
والطريق الثاني: أنها على (قولين) 99 من غير بناء على القولين.
أحدهما: يضم 100. والثاني: لا يضم وهو الصحيح.
وهل تجب الزكاة في الذمة، أو في العين؟ فيه قولان:

الجزء: 3 - الصفحة: 32

قال في القديم: تجب في الذمة، أو في العين؟ فيه قولان: قال في القديم: تجب في الذمة وجزء من المال مرتهن بها 101. وقال في الجديد: وهو الأظهر.
إنها استحقاق جزء من المال، فيملك أهل السهمان قدر الفرض من المال (غير أن له) أن يؤدي من غيره، وهو قول مالك.
وذكر في "الحاوي" على قوله الجديد: في كيفية (وجوب) الزكاة في العين قولين: أحدهما: وجوب استحقاق ملك وشركة.
والثاني: وجوب مراعي لا وجوب ملك كتعلق أرش الجناية بالرقبة، وهذا ليس بمعروف على المذهب.
وقال أبو حنيفة: تتعلق الزكاة بالعين كتعلق أرش الجناية بالرقبة الجانية ولا يزول ملكه عن شيء من المال إلّا بالدفع إلى المستحق، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
ومذهب أبي حنيفة: يخالف القولين جميعًا، لأنها لا تجب عنده في الذمة، ولا يزول بها ملكه عن شيء من المال.

الجزء: 3 - الصفحة: 33

باب صدقة الإبل

تجب في كل خمس من الإبل شاة، إلى أربع وعشرين، فإذا صارت خمسًا وعشرين (وجبت) 102 فيها بنت مخاض 103.

الجزء: 3 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل، فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة.
وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين، ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة، ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة، ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، وفي الرقة ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعين ومائة، فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها".
وفي هذا الكتاب: "ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه وليس معه شيء، ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين استيسرتا له، أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا بنت لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطي شاتين أو عشرين درهمًا، ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين.
ومن بلغت صدقته بنت لبون، وليست عنده، وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهمًا أو شاتين، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا ما شاء المصدق، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالتسوية" رواه البخاري في صحيحه متفرقًا في كتاب "الزكاة"، أنظر "فتح الباري" 4/ 58، وأنظر "المجموع" 5/ 345، 346.

الجزء: 3 - الصفحة: 35

وروي عن علي رضي اللَّه عنه (أنه) 104 قال: في خمس وعشرين، خمس شياه، فإذا صارت ستًا وعشرين وجبت فيها بنت مخاض.
وفي ست وثلاثين، بنت لبون، وفي ست وأربعين، حقة، وفي إحدى وستين جذعة، وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين، ثم تستقر الفريضة بالزيادة على ذلك، فيجب في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، فإذا زادت واحدة، وجب فيها ثلاث بنات لبون.
وروي نحو قولنا: عن الأوزاعي، وأبي ثور، ورواه الخرقي عن أحمد.
وقال مالك، وأحمد: لا يتغير الفرض بالزيادة على مائة وعشرين حتى يبلغ عشرًا فيجب فيها حقة، وبنتا لبون.
وعن مالك رواية أخرى: أن الفرض يتغير بزيادة الواحدة إلى تخيير الساعي بين الحقتين، وبين ثلاث بنات لبون.
وقال أبو حنيفة والثوري، والنخعي: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، (استؤنفت) 105 الفريضة، في خمس، شاة إلى عشرين، فيجب فيها أربع شياة، فإذا بلغت (خمسة) 106 وأربعين، وجبت فيها حقتان، وبنت مخاض، وإذا بلغت مائة وخمسين، وجب منها ثلاث حقاق، على هذا يستأنف الفريضة حتى تبلغ إلى الخمسين (فيرجع) 107 إلى الحقاق.

الجزء: 3 - الصفحة: 36

وقال ابن جرير الطبري: يتخير بين مذهبنا، ومذهب أبي حنيفة.
فإن كانت الزيادة على مائة وعشرين أقل من واحد، فهل (يتغير) الفرض؟ فيه وجهان: أحدهما: (لا يتغير) 108. وقال أبو سعيد الإصطخري: يتغير الفرض، فيجب ثلاث بنات لبون.
(وبنت مخاض: (وهي) 109 التي لها سنة ودخلت في الثانية، وبنت لبون: هي التي لها سنتان ودخلت في الثالثة، والحقة: هي التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة.
والجذعة: هي التي لها أربع سنين ودخلت في الخامسة) 110. وروي في كتاب الصدقة: فمن (سألها) 111 على وجهها فليعطه، ومن سأل فوقها، فلا يعطه.
فمن أصحابنا من قال: أراد أنه لا يعطي شيئًا بحال.
ومنهم من قال: يعطي قدر الفرض، ولا يعطي ما طلب من الزيادة، وهو الأصح، وهذا إذا كان طلبه للزيادة (بغير) 112 تأويل.
وفي الوقص: وهو ما بين النصابين قولان:

الجزء: 3 - الصفحة: 37

(أظهرهما) 113: تعلق الفرض بالنصاب دون ما زاد عليه، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني.
والقول الثاني: (أن) 114 فرض النصاب يتعلق به، وبما زاد عليه إذا تم الحول، وهو قول محمد بن الحسن 115. (وإذا) 116 ملك تسعًا من الإبل، فحال عليها الحول، فهلك منها أربع قبل التمكن، فإن قلنا بالأول: لم يسقط من الفرض شيء، وإن قلنا بالثاني: سقط من الفرض أربعة (اتساعه) 117، فيجب عليه خمسة (أتساع) 118 شاة.
ومن أصحابنا من قال: لا يسقط بهلاكه شيء، حكاه القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه عن أبي إسحاق المروزي.
فإن كان عنده خمس وعشرون من الإبل، فتلف منها خمسة بعد الحول، وقبل التمكن، فإن قلنا: إن الإِمكان من شرائط الوجوب،

الجزء: 3 - الصفحة: 38

وجب عليه أربع شياة، وإن قلنا: (أنه) 119 من شروط الضمان، وجب عليه أربعة أخماس بنت مخاض، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (يجب عليه أربع شياة) 120 وجعل التالف كأنه لم يكن.
وروي عنه محمد في "الجامع": فيمن كان معه أربعون من الإبل، فتلف منها عشرون، أنه يجب (أربع شياة) 121. (وروي أبو يوسف في الأمالي) 122 عنه: (أنه) 123 إذا كان معه (مائة وإحدى) 124 وعشرون شاة، فتلف منها إحدى وثمانون شاة، أنه يجب عليه أربعون (جزءًا من مائة وإحدى وعشرون جزءًا) 125 من شاتين، وهذا خلاف الذي قبله.

الجزء: 3 - الصفحة: 39

فصل

ومن ملك دون خمس وعشرين من الإبل، فالواجب عليه الغنم، فإن أخرج بعيرًا أجزأه، وإن كان قيمته دون قيمة شاة، وهل يكون جميعه واجبًا؟ فيه وجهان: أحدهما: أن جمعيه واجب.
والثاني: أن الواجب بقسطه من النصاب، وكذا الوجهان في المتمتع، وجب عليه شاة، فنحر بدنة.
أحدهما: أن جميعها واجب.
والثاني: أن سبعها واجب.
قال الشيخ أبو نصر: إلّا أنه في البدنة يجزئه أن يخرج سبع بدنة، فيجوز أن يقال: سبعها واجب: ولا يجوز أن يخرج في الزكاة بعض (البعير) 126 مكان الشاة.

الجزء: 3 - الصفحة: 40

حكي القاضي حسين رحمه اللَّه وجهًا عن أبي العباس بن سريج: أنه إذا كان قيمة البعير دون قيمة شاة، لم يجز، وذكر أنه قيل: أن الشافعي رحمه اللَّه بناه على أصل وهو: أن الشاة في خمس من الإبل أصل، أو بدل، وهذا فاسد، بل الشاة أصل.
وقال داود، ومالك: لا يقبل بغير مكان الشاة بحال.
ولا يقبل منه دون الجذع من الضأن، والثنية من المعز، من غالب غنم البلد، ويخيّر بين الضأن والمعز 127. وحكي عن مالك أنه قال: يعتبر في الضأن والمعز الغالب أيضًا، فإن كان الغالب (الضأن) 128، لم يجز المعز، وإن كان الغالب المعز، لم يجز الضأن، وحكي ذلك عن بعض أصحابنا.
وهل يجزىء الذكر؟ فيه وجهان: أحدهما: (أنه) 129 لا يجزئه.
وقال أبو إسحاق: يجزئه 130. وإن كانت الإبل مراضًا، ففي شاتها وجهان: أظهرهما: أنه لا يجزىء إلّا ما يجزىء في الصحاح.

الجزء: 3 - الصفحة: 41

وقال أبو علي بن خيران: يجب شاة بالقسط، فيقوم الإبل الصحاح والشاة الواجبة فيها، وتقوم المراض، فتجب صحيحة بالقسط.
ذكر الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: (أنه) 131 إذا كانت الإبل سمانًا كرامًا 132، كانت الشاة كذلك، وإن كانت الإبل ليامًا 133 كانت الشاة كذلك.
قال الشيخ الإمام: وعندي أنه يجب (أن) 134 يكون ذلك على أحد الوجهين في أخذ المريضة من المراض، لأن اللوم نقص.
فإن وجبت عليه بنت مخاض، فأعطى بنت لبون، أو حقة من غير طلب (جيران) 135، قبل منه 136. وقال داود: لا يقبل منه ذلك، وإنما يؤخذ المنصوص عليه خاصة.
فإن وجبت عليه جذعة وحقة، فأعطى بنت لبون.
قبل منه على الصحيح من المذهب.
وقيل: لا يجزىء.

الجزء: 3 - الصفحة: 42

فإن (وجبت) 137، عليه بنت مخاض وليست عنده، وعنده ابن لبون، قبل منه، (فإن) 138 لم يكن عنده بنت مخاض، ولا ابن لبون، فهو بالخيار إن شاء اشترى بنت مخاض، وإن شاء اشترى ابن لبون 139. وقال ملك: يلزمه أن يشتري بنت مخاض، وحكاه الخراسانيون وجهًا لأصحابنا.
فإن كانت عنده بنت مخاض، لم يؤخذ منه ابن لبون.
وقال أبو حنيفة: تؤخذ بالقيمة.
فإن (كانت) 140 إبله مهازيل، أو ليامًا، وفيها بنت مخاض سمينة كريمة، لم يلزمه دفعها، ويشتري بنت مخاض، ولا يجوز أن ينتقل إلى ابن لبون.
وقيل: يجوز له الانتقال إليه، وهو المنصوص عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 43

فإن (كانت) 141 عنده بنت مخاض، لا تجزىء عن إبله كالمعيبة، جاز له الانتقال إلى ابن لبون.
وذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أنه إذا كانت إبله ليامًا، وفيها بنت مخاض (كريمة) 142، لم يجز له الانتقال إلى ابن لبون وجهًا واحدًا، وإن كانت الإبل كرامًا وفيها بنت مخاض لييمة، ففي جواز الانتقال إلى ابن لبون وجهان، والصحيح الأول.
وإن لم يكن عنده بنت مخاض وعنده ابن لبون، وبنت لبون، فبذل بنت لبون مع أخذ الجبران، لم يجز.
وقيل: يجوز وليس بصحيح.

الجزء: 3 - الصفحة: 44

فصل

وإن وجهت عليه سن وليست عنده، وعنده دونها (بسنة) 143 من سن الصدقة، فإنه يؤخذ منه (مع) 144 شاتين، أو عشرين درهمًا، وإن كانت عنده ما فوقه بسنة، أخذ منه، ودفع إليه شاتان، أو عشرون (درهمًا) 145 جبرانًا لما بين (السنين) 146. وحكي عن سفيان أنه قال: الجبران بين السنين شاتان، أو عشرة دراهم.
وإن وجبت عليه بنت مخاض وليس عنده، وعنده جذعه، فإنها

الجزء: 3 - الصفحة: 45

تؤخذ منه وتدفع إليه ثلاث جبرانات، وكذلك إذا وجبت عليه جذعة وليست عنده، وعنده بنت مخاض (وليس) 147 عنده غيرها، فأعطى معها ثلاث جبرانات، قبل منه.
ومن الناس من قال: لا يقبل الجبران إلّا لسنة واحدة، واختاره ابن المنذر رضي اللَّه عنه.
وإن لم يكن عنده السن (الذي) 148 يجب عليه، وعنده ما فوقه بسنة، وما فوقه بسنتين فأراد أن ينتقل إلى الأبعد مع (جبرانين) 149 ويترك الأقرب مع جبران واحد، لم يجز في أظهر الوجهين.
وإن وجبت عليه حقة، أو جذعة، (فأعطى) 150 مكانها بنتي لبون، أو حقتين أجزأه.
وقيل: لا يجزئه.
والخيار في الشاتين، والعشرين درهمًا، إلى من يعطي ذلك، والخيار في الصعود والنزول عند عدم الفرض مع الجبران، إلى الساعي على المنصوص.
وقيل: بل الخيار إلى رب المال.

الجزء: 3 - الصفحة: 46

فصل

إذا اتفق نصاب فرضين في مال واحد وذلك في مائتين من الإبل فيها نصاب، أربع حقاق، ونصاب خمس بنات لبون، ففي الواجب فيها طريقان: أحدهما: أنه يجب الحقاق قولًا واحدًا.
والثاني: فيه قولان.
أحدهما: أنه يجب أربع حقاق.
والثاني: وهو الأصح، أنه يجب أحد الفرضين 151، ويتخير الساعي بينهما على المذهب كما قلنا في الصعود والنزول، (فإن) 152 أخذ الساعي المصنف الأدنى من الفرضين، والحظ في الآخر.

الجزء: 3 - الصفحة: 47

قال الشافعي رحمه اللَّه: كان عليه أن يخرج الفضل.
فمن أصحابنا من قال: أراد به قوله على الجديد، إذا لم يكن هناك تفريط من واحد منهما، بأن أحضر له الفرضين (فاجتهد) 153 الساعي في أخذ أحدهما (وأخطأ) 154، فإنه يخرج التفاوت بين الصنفين، (وإن) 155 كان بتفريط من الساعي بأن لم يجتهد، أو لم يحضر له رب المال الفرضين، وجب رد المأخوذ إن كان باقيًا، ورد بدله إن كان تالفًا، ويأخذ المصنف الآخر.
وقال أبو إسحاق: من أصحابنا من قال: يجزئه المأخوذ بكل حال ويخرج الفضل.
وقيل: إن كان المأخوذ باقيًا، رده وأخذ الأحظ، وإن كان تالفًا، أجزأه، وأخرج رب المال الفضل، والأول أصح، وهل يكون إخراج الفضل (واجبًا) 156؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه واجب، وهو ظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه 157، فإن كان يمكن أن يشتري به جزء من حيوان، فهل يجب ذلك؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه لا يجب، ويتصدق به.

الجزء: 3 - الصفحة: 48

قال الشافعي رحمه اللَّه فيما نقل المزني: أخذ الذي وجد (ولا تفرق الفريضة) 158 ونقل الربيع 159 عن "الأم" 160: ولا يفارق الفريضة.
فمن أصحابنا من قال: الصحيح ما نقله الربيع، أنه لا يترك الفريضة (ويعدل) 161 إلى غيرها، لأن تفريق الفريضة جائز، بأن يعطي أربع بنات لبون وحقة، وهو قول أبي علي بن خيران.
ومنهم من قال: الجميع صحيح.
ومعنى كلام المزني: إذا أعطاه أربع بنات لبون وحقة، وطلب الجبران والفرض الكامل موجود، لم يجز تفريق الفريضة.
فإن (كانت) 162 عنده ثلاث حقاق، وأربع بنات لبون، فأعطى حقة، وثلاث بنات لبون مع كل بنت لبون جبرانًا، لم يقبل منه في أصح الوجهين.
فإن كانت الإبل أربع مائة، وجب فيها ثمان حقاق، أو عشر بنات لبون فإن أراد أن يعطي خمس بنات لبون، وأربع حقاق، قبل منه.
وقال أبو سعيد الإصطخري: لا يقبل منه.

الجزء: 3 - الصفحة: 49

باب صدقة البقر

أول نصاب البقر ثلاثون، وفيه تبيع، وهو الذي له سنة ودخل في الثانية، وفي أربعين مسنة، وهي التي لها سنتان ودخلت في الثالثة، وتستقر الفريضة على هذا، في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة 163. قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: من أصحابنا من غلط فقال: إنما (تستقر) 164 فريضة البقر إذا بلغت ستين، وليس بصحيح، بل تجب مستقرة من الابتداء، ولا شيء فيما دون الثلاثين من البقر.

الجزء: 3 - الصفحة: 50

وحكي عن سعيد بن المسيب، والزهري أنهما قالا: تجب في كل خمس من البقر شاة إلى ثلاثين كما يجب في الإبل.
وحكي في الحاوي عن أبي قلابة 165: أن نُصَبَها كنصب الإبل إلى عشرين، فيجب أربع شياه، ثم لا يجب في زيادتها شيء حتى يبلغ ثلاثين.
وعن أبي حنيفة: فيما زاد على أربعين من البقر ثلاث روايات.
إحداها: مثل قولنا، وبه قال مالك وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد.
والثانية: هي رواية الأصل عندهم، أنه يجب فيما زاد على (الأربعين) 166 بحسابه، في كل بقرة ربع عشر مسنة.
والرواية الثالثة: رواها الحسن بن زياد، أنه لا شيء في الزيادة حتى يبلغ عشرًا، فيجب فيها مسنة، وربع مسنة، وعلى هذا (قول أحمد) 167.

الجزء: 3 - الصفحة: 51

باب صدقة الغنم

(أول) 168 نصاب الغنم أربعون، وفيها شاة، إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة، ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة، وجب (فيها) 169 ثلاث شياة إلى ثلاثمائة، ثم تستقر الفريضة بعد ذلك، في كل مائة شاة (شاة) 170 فيجب في أربع مائة أربع شياة 171.

الجزء: 3 - الصفحة: 52

(وحكي) 172 عن الحسن، والنخعي أنهما قالا: في ثلاثمائة أربع شياة، وفي أربع مائة خمس شياة، وعلى هذا 173. والشاة الواجبة هي الجذعة من الضأن، أو الثنية من المعز، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: ولا يجزىء من الضأن أيضًا إلّا الثنية، أو الثني، وهي التي لها سنتان.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: نحو قولنا.
وقال مالك: تجزىء الجذعة من الضأن والمعز، وهي التي لها سنة، كما تجزىء الثنية.
فإن كانت الأغنام متساوية السن مختلفة الصفة، أخذ الساعي الأحظ لأهل السهمان.
وقال أبو إسحاق: يأخذ الوسط.
فإن كانت مراضًا، لم يكلف عنها صحيحة.
وقال مالك: لا تقبل منه إِلّا (الصحيحة) 174، فإن كان بعضها مراضًا أخذ منها صحيحة (بالقسط) 175. وحكى القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا وجب عليه فرضان في نصاب.
وأحدهما مريض، والآخر صحيح، (وجهين) 176.

الجزء: 3 - الصفحة: 53

أحدهما: أنه يقبل منه (صحيح ومريض) 177، وليس بصحيح، بل يطالب بصحيح آخر بالقسط.
قال الشافعي رحمه اللَّه: (ويأخذ خير المعيب) 178 نقله المزني رحمه اللَّه، ولا يختلف أصحابنا أنه إذا كان الجميع معيبًا، أنه لا يأخذ خيّره.
فمن أصحابنا من قال: أراد به، إذا كان في المال فرضان، كمائتين من الإبل، فيأخذ خير الفرضين.
وقيل: أراد به، إذا خيره رب المال.
وقيل: أراد بالخير الوسط.
وقيل: (على هذا الوجه يأخذ الوسط في العيب) 179. وذكر في الحاوي: الوسط في القيمة.
وإن كانت الماشية صغارًا، فإن كانت من الغنم، أخذ منها صغيرة 180. وقال مالك: لا يؤخذ منها إلّا كبيرة.
وإن كانت من الإبل، والبقر ففيه وجهان:

الجزء: 3 - الصفحة: 54

أحدهما: وهو قول أبي إسحاق، أنه يؤخذ منه كبيرة بالقسط، فيقوم النصاب من الكبار فيقال: يساوي ماية، والفرض الذي يجب فيه، يقال: يساوي عشرة، والنصاب من الصغار يساوي (خمسين) 181، فيقال له: اخرج كبيرة تساوي خمسة.
وقيل: إن كان مما يتغير الفرض فيه بالسن، وجب المنصوص عليه، وإن كان مما يتغير الفرض فيه بالعدد، وجبت صغيرة، والأول أصح.
وذكر الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه وجهًا آخر: أنه يؤخذ صغيرة من الصغار بكل حال، كما يؤخذ من الغنم وليس بشيء.
وإن كانت الماشية إناثًا، أو إناثًا وذكورًا، لم يجز فيها إلّا الأنثى 182 إلّا في خمس وعشرين من الإبل، فإنه يجزىء فيها ابن لبون، وفي ثلاثين من البقر، فإنه يجزىء فيها تبيع.
وقال أبو حنيفة: يجزىء في الغنم، الذكر بكل حال.
وإن كانت ذكورًا، فإن (كانت) 183 من الغنم، وجب فيها ذكر، وإن كانت من الإبل، (أو من الأربعين) 184 من البقر، ففيه وجهان: أحدهما: قال أبو إسحاق: يؤخذ أنثى بالقسط، فيقوم النصاب من الإناث، والفرض الذي فيه، والنصاب من الذكور، ويجب أنثى بالقسط بحسب التفاوت.

الجزء: 3 - الصفحة: 55

وقال أبو علي بن خيران: يؤخذ (الذكور) 185، غير أنه يؤخذ من ست وثلاثين من الإبل الذكور، ابن لبون، أكثر قيمة من ابن لبون، يؤخذ في خمس وعشرين مكان بنت مخاض، وهو قول مالك.
وإن كانت الماشية أنواعًا مختلفة كالضأن، والمعز، والجواميس، والبقر والبخاتي، والعراب ففيه قولان: أظهرهما: أنه يؤخذ من كل نوع بقسطه باعتبار القيمة، (فإذا) 186 كان عنده عشرون من الضأن، وعشرون من المعز، قوم الضأن، فيقال: يساوي مائة، والواحدة منها يساوي عشرة، والمعز تساوي خمسين، فيعطي شاة تساوي سبعة ونصف جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز من أي النوعين شاة (شاء) 187. قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: والذي يقتضيه المذهب، أن يأخذ ذلك من أعلى النوعين، ولكن بالحصة كما قلنا في الصحاح والمراض، (إنه) 188 يأخذ صحيحة بالقسط 189. والوجه الثاني: أنه يأخذ من الغالب، فإن استويا أخذ 190 من أيهما شاء بحكم الأحظ، كذا ذكر أبو إسحاق.

الجزء: 3 - الصفحة: 56

قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: ويجب أن يسقط هذا القول عند تساوي الأصناف.
ذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: أنه إذا كان عنده نصاب من الضأن، فأراد أن يخرج عنه من المعز، أو نصاب من المعز فأراد أن يخرج عنه من الضأن ففيه وجهان: أحدهما: يجوز.
والثاني: (أنه) 191 (لا يجوز) 192 أن يخرج الضأن (عن) 193 المعز، ولا يخرج المعز عن الضأن، (فإن) 194 أخرج ثنية من (الضأن) 195 عن المعز (أجزأه) 196 وإن أخرج جذعة من الضأن عن ثنية من المعز ففيه وجهان: أحدهما: يجوز.
فإن كان له عشرون من الغنم في بلد، وعشرون في بلد آخر وجب عليه فيهما شاة.
وقال أحمد: إن كان البلدان متباعدين، لم يجب عليه فيهما شيء.
وقال أيضًا: إذا كان له في كل واحد من البلدين أربعون شاة، وجب عليه شاتان.

الجزء: 3 - الصفحة: 57

فصل

قال الشافعي رحمه اللَّه: والإبل التي فريضتها الغنم، فيها قولان: أحدهما: أن الشاة التي فيها في رقابها، يباع منها بعير، فيؤخذ منها إن لم يأت بها.
والثاني: أن في خمس من الإبل حال عليها الحول ثلاثة أحوال (ثلاث) 197 شياة، في كل حول شاة، وهذا الذي ذكره مبني على أن الزكاة تتعلق بالذمة، أو بالعين.
فإن قلنا: إنها تجب في الذمة، وإن الدين لا يمنع وجوب الزكاة، وجب عليه في كل حول شاة، إذا لم يكن له مال سوى الإبل.
وإن قلنا: إن الدين يمنع وجوب الزكاة، وجبت عليه شاة في العام الأول دون ما بعده.

الجزء: 3 - الصفحة: 58

وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين، فقد نص الشافعي رحمه اللَّه في الجديد على قولين في ذلك.
أحدهما: أنه باستحقاق المساكين للشاة بسبب الخمس من الإبل يزول ملكه عن جزء من الإبل، فلا يجب (فيها) 198 بعد الحول شيء آخر.
والقول الثاني: أنه يجب عليه (فيه) 199 ثلاث شياة، ويجعل ذلك وجوبًا في ذمته أو متعلقًا بالمال (تعلق) 200 الدين بالرهن.

الجزء: 3 - الصفحة: 59

باب صدقة الخلطاء

للخلطة تأثير في الزكاة، وهو أن يجعل مال الرجلين والجماعة بمنزلة مال الرجل الواحد في وجوب الزكاة وسقوطها 201، بشرط أن يكونا

الجزء: 3 - الصفحة: 60

من أهل الزكاة، ويبلغ المال المختلط نصابًا، وأن يمضى عليه حول كامل، وأن لا يتميز أحدهما عن الآخر في المراح، والمسرح، والمشرب، والراعي، والمحلب، والفحل 202. وفي اشتراط نية الخلطة وجهان 203: وبقولنا: قال أحمد، وظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه في "الأم": إن إطلاق الخلطة يتناول خلطة الأعيان 204، وخلطة الأوصاف 205. = ومثال التقلل: ثلاثة رجال لكل واحد أربعون خلطوها، يجب على كل واحد ثلث شاة، ولو انفرد، لزمه شاة كاملة، "المجموع" 5/ 407. والشركة قد تفيد تخفيفًا على أحدهما، وتثقلًا على الآخر، كأن ملكا ستين لأحدهما ثلثاهما، وللآخر ثلثها، "نهاية المحتاج" للرملي 3/ 60.

الجزء: 3 - الصفحة: 61

ونص في القديم: على أن إطلاق الخلطة (ينصرف إلى) 206 خلطة الأوصاف والصحيح هو الأول.
وذكر في "الحاوي": أن خلطة الأوصاف، تسمى خلطة لغة وشرعًا، وخلطة الأعيان تسمى خلطة شرعًا (لا لغة) 207. وقال مالك: إنما تؤثر الخلطة، إذا كان مال كل واحد منهما، يبلغ نصابًا.
وقال أبو حنيفة: الخلطة لا تؤثر (في الزكاة) 208 بحال، ويزكيان زكاة الانفراد 209 واختلف أصحاب مالك في شرط الخلطة.
فمنهم من قال: يراعى الاختلاط في شرطين من هذه الشروط.
ومنهم من قال: يراعي الرعي، والراعي.
ومنهم من قال: يكفي الاتفاق في الراعي.
ولا يختلف أصحابنا في اعتبار (الحلاب) 210، واختلفوا (ما هو؟ ) 211، فظاهر ما نقله المزني، وعليه عامة أصحابنا: أن يحلب لبن أحدهما على الآخر.
وقال أبو إسحاق: أن يكون الحالب واحدًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 62

وذكر في "الحاوي": أن يكون مكان الحلب واحد.
فأما إذا ثبت لكل واحد منهما حكم الانفراد بالحول في بعضه، ثم خلط المالين، فإن اتفق حولهما، ففيه قولان: قال في القديم: (يبنى) 212 حول الخلطة على حول الانفراد، فيزكيان زكاة الخلطة عند تمام الحول 213. وقال في الجديد: لا يبنى حول الخلطة على حول الانفراد، فيزكي كل واحد منهما زكاة الانفراد عند تمام الحول 214، فأما 215 في الحول الثاني وما بعده، فيزكيان زكاة الخلطة 216. وقال أبو العباس بن سريج: يزكيان زكاة الانفراد (بالحول) 217 دون الآخر، بأن ملك أحدهما أربعين شاة في أول المحرم، وملك

الجزء: 3 - الصفحة: 63

الآخر أربعين (شاة) 218 في أول صفر، وخلطاهما، ثم باع الثاني الأربعين التي ملكها مختلطة من آخر، فإن الأول قد ثبت له حكم الانفراد، والمشتري من الخليط لم يثبت له حكم الانفراد.
فعلى قوله القديم: يجب على كل واحد منهما عند تمام حوله، نصف شاة.
وعلى قوله الجديد: يجب على الأول عند تمام حوله، شاة.
وفي الثاني: وجهان 219. أحدهما: أنه يجب عليه أيضًا شاة 220. والثاني: أنه يجب عليه نصف شاة، وهو الأصح 221. فأما إذا ملك رجل أربعين شاة، ومضى عليها نصف الحول، فباع نصفها مشاعًا، فإذا تم حول البائع، وجب عليه نصف شاة.
وقال أبو علي بن خيران: يبنى ذلك على القولين: فعلى قوله القديم: يجب على الأول نصف شاة.
وعلى قوله الجديد: ينقطع حول البائع فيما بقي على ملكه، فيستأنف فيه الحول، وهذا غلط، لأن (قول) 222 الشافعي رحمه اللَّه لا

الجزء: 3 - الصفحة: 64

يختلف، أن حول الخلطة يبنى على حول الانفراد، وإنما القولان في قدر الزكاة، هل يعتبر بحول الانفراد، أو بحول الخلطة؟ فأما المشتري، فإنه إذا تم حوله من حين الشراء، وجب عليه نصف شاة.
إذا قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة، وإن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
وإن قلنا: إن الزكاة تجب في العين، لم يجب عليه شيء لنقصان النصاب بما وجب على البائع من نصف الشاة.
وقال أبو إسحاق: فيه قول آخر: أنه يجب عليه الزكاة، لأنه إذا أخرجها من غيره ثبت أن ملكه لم يزل، وهذا فاسد.
(فأما إذا باع) 223 منها عشرين (معينة) 224 وسلمها من غير تفريق بسوق الجميع (لم) 225 ينقطع الحول.
وقيل: ينقطع وليس بشيء.
فإن ملك رجل أربعين من الغنم، وملك آخر أربعين من الغنم وحولهما متفق، فباع كل واحد (منهما) 226 نصف غنمة بنصف غنم الآخر، انقطع حولهما فيما تبايعاه قولًا واحدًا، ولا ينقطع فيما لم يتبايعاه على طريقة أبي إسحاق، وعامة أصحابنا وهي (الصحيحة) 227، وعلى قول ابن خيران فيه قولان:

الجزء: 3 - الصفحة: 65

فإذا قلنا: لا ينقطع، فيجب عند تمام الحول على قوله القديم نصف شاة بحكم الخلطة على كل واحد منهما ربع (شاة) 228، وعلى قوله الجديد: يجب (فيها) 229 شاة بحكم الانفراد، على كل واحد منهما نصفها.
وأما الذي (تبايعاه) 230 إذا تم حوله وجعلنا الحكم للخلطة، وجب فيه نصف شاة على الخليطين، وإن جعلنا الحكم للانفراد فيما لم يتبايعاه، فالذي يتبايعاه عند تمام حوله، يبني على (من) 231 ملك أربعين في المحرم، ثم ملك أربعين في صفر، فأخرج زكاة الأول عند تمام حوله، هل تجب في (الباقي) 232 إذا تم حوله الزكاة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تجب، فلا (تجب) 233 ها هنا فيما تبايعاه شيء.
وإن قلنا: (الزكاة) 234 تجب في (الزائد) 235 على النصاب، وجبت فيما تبايعاه في مسألتنا عند تمام حوله، وفي قدرها وجهان: أحدهما: شاة.
والثاني: نصف شاة.

الجزء: 3 - الصفحة: 66

إذا كان لرجلين أربعون من الغنم مختلطة (لكل) 236 واحد عشرون، ولأحدهما أربعون منفردة، وتم الحول، ففيه أربعة أوجه: أحدهما: وهو المنصوص عليه، واختاره القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه، أنه تجب شاة، ربعها على صاحب العشرين، والباقي على صاحب الستين 237. والثاني: أنه يجب على صاحب الستين ثلاثة أرباع شاة، وعلى صاحب العشرين نصف شاة 238. والثالث: أنه يجب على صاحب العشرين نصف شاة، وعلى صاحب الستين شاة 239. والرابع: أنه يجب على صاحب الستين (شاة) 240 إلّا نصف سدس

الجزء: 3 - الصفحة: 67

شاة، ثلثا شاة بسبب الأربعين المنفردة، وربع شاة بسبب العشرين المختلطة، وعلى صاحب العشرين نصف شاة، وأقل عدد له، ثلثان وربع، اثنا عشر، وليس بصحيح 241. ويتفرع على ما ذكرناه: إذا كان له ستون من الغنم فخالطه بكل عشرين منها رجل له عشرون ففيه ثلاثة أوجه: فعلى (منصوص) 242 الشافعي رحمه اللَّه في المسألة المتقدمة: يضم الغنم بعضها إلى بعض، فيجب فيها شاة، على صاحب الستين نصفها، وعلى الخلطاء الثلاثة نصفها، على كل واحد منهم سدس شاة.
وعلى قول القائل الثاني (هناك) 243: تجب ها هنا على صاحب الستين نصف شاة، وعلى كل واحد من الخلطاء نصف شاة.
وعلى الوجه الرابع: يجب على صاحب الستين ها هنا ثلاثة أرباع شاة، وعلى كل واحد من الخلطاء نصف شاة.

الجزء: 3 - الصفحة: 68

ولا يجيء ها هنا الوجه الثالث، لأن صاحب الستين، ليس له غنم منفردة، فيجب عليه باعتبارها شاة.
وحكى القاضي حسين رحمه اللَّه وجهًا آخر: أنه يجب على صاحب الستين، شاة ونصف، وهذا في غاية الفساد.
ذكر ابن الحداد: إذا كان لرجل أربعون شاة، فخالط بعشرين منها أربعين لرجل، وبعشرين أربعين لآخر، فإنه يجب على كل واحد من خليطيه ثلثا شاة، وعلى صاحب الأربعين ثلث شاة، (على) 244 طريقة أبي علي بن أبي هريرة، وعلى ما حكيناه من منصوص الشافعي رحمه اللَّه، يجب عليهم شاة، على كل واحد منهم ثلثها.
وحكي فيه وجه آخر: أنه يجب على كل واحد ثلثا شاة، فيكون في كل ستين شاة، وهو وجه بعيد.
ذكر عن ابن الحداد أيضًا: رجل معه (عشر) 245 من الإبل، فخالط بخمس منها، خمسة عشر لرجل، وبالخمس الأخرى، خمسة عشر لآخر، فقال: يجب على صاحب العشرة، ربع بنت مخاض، وعلى كل واحد من خليطيه (ثلاث شياة) 246 وهذا على طريقته المتقدمة.
وعلى ما حكيناه عن الشافعي رحمه اللَّه: يجب على الكل بنت لبون، على صاحب العشرة ربعها وعلى الخليطين ثلاثة أرباعها.
وقيل: لا يمكن ضم (مال) أحدهما إلى الآخر، وإنما يضم ماله إلى أحد خليطيه، والمسألة التي ذكرها الشافعي رحمه اللَّه، ليس فيها ضم مال أحد الخليطين إلى الآخر.

الجزء: 3 - الصفحة: 69

فصل

(وأما) 247 أخذ الزكاة من مال الخلطة، ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق: أنه وجد ما يجب على كل واحد منهما في ماله أخذه منه، ولم (يأخذه) 248 من مال الآخر، وإن لم يجب الفرض إلَّا في مال أحدهما أخذه، ورجع المأخوذ من نصيبه على صاحبه بقسط فرضه.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: له أن يأخذ من أي المالين شاء ما يجب عليهما، (سواء) 249 وجده في نصيب أحدهما، أو في نصيبهما، وهو ظاهر كلام الشافعي رحمه اللَّه.
فإن أخذ الساعي من أحدهما أكثر

الجزء: 3 - الصفحة: 70

من الفرض بتأويل، (بأن) 250 أخذ كبيرة من الصغار، (أو) 251 صحيحة من المراض على قول مالك، فإنه يرجع عليه بنصف ما أخذ منه، وإن أخذ منه قيمة الفرض، ففيه وجهان: أصحهما: أنه يرجع 252. والثاني: لا يرجع 253. وفي الخلطة في غير المواشي من الأثمان والحبوب والثمار قولان: قال في القديم: لا تأثير لها، وبه قال مالك 254. وقال في الجديد: يؤثر فيها، فعلى هذا خلطة الشركة صحيحة (فيها) 255 وفي خلطة الأوصاف وجهان 256.

الجزء: 3 - الصفحة: 71

باب زكاة الثمار

تجب الزكاة في ثمرة الكرم، والنخيل 257 دون (غيرهما) 258 من الثمار وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: العشر يجب في جميع الثمار 259.

الجزء: 3 - الصفحة: 72

وقال أبو يوسف ومحمد: يجب في سائر الثمار الباقية.
وقال أحمد: يجب في سائر الثمار التي تكال حتى أوجبها في اللوز، وأسقطها في الجوز.
ولا يجب في الزيتون في قوله الجديد 260، ويجب في القديم 261، وبه قال مالك، فإن كان مما يقصد زيته، فإن شاء أخرج عشره زيتونًا، وإن شاء زيتًا.
وذكر في "الحاوي": قولين.
أحدهما: أنه يعتبر أن يبلغ خمسة أوسق زيتًا فعلى هذا يخرج عشره زيتًا.
والثاني: يعتبر خمسة أوسق زيتونًا.
والشيخ أبو نصر رحمه اللَّه ذكر: أنه يخرج زيتونًا.
وحكم الورس في ذلك حكم الزيتون.
قال الشافعي رحمه اللَّه: ومن قال لا عشر في الورس، لم يوجب في الزعفران، ومن قال: يجب في الورس، يحتمل أن يوجب في الزعفران، ويحتمل أن لا يوجب.
وقال في القديم: يجب في العسل العشر.
= له ثمرة باقية، أو لم تكن له ثمرة باقية كأصناف الفاكهة الرطبة، أو من الخضروات والرطاب والرياحين، "تحفة الفقهاء" 1/ 495.

الجزء: 3 - الصفحة: 73

وقال في الجديد: لا عشر فيه.
وقال أبو حنيفة: إذا كان في غير أرض الخراج، وجب فيه العشر، وهو قول أحمد فيجب عنده بكل حال.
(وقال) 262 في القديم: يجب العشر في حب القرطم إن صح فيه حديث أبي بكر رضي اللَّه عنه.
وقال في الجديد: لا يجب.
ولا يجب العشر في الثمرة حتى تبلغ نصابًا وهو خمسة أوسق 263. وقال أبو حنيفة: من الفقهاء وحده، يجب العشر في قليل ذلك وكثيره، (وخالفه) 264 صاحباه أبو يوسف ومحمد.
والوسق: ستون صاعًا 265، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث، فيكون الجميع ألف وستمائة رطل بالبغدادي، وهل ذلك تقريب أو تحديد؟ فيه وجهان: وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض، وإن كان بينهما زمان، هذا نص الشافعي رحمه اللَّه في "الأم".

الجزء: 3 - الصفحة: 74

وذكر في "الحاوي": أنه إذا أطلع النجدي، وقد جد التهامي، لم يضم إليه، وإن أطلع النجدي قبل بدو الصلاح في التهامي، ضم إليه، وإن أطلع بعد بدو الصلاح في التهامي، وقبل جداده، ففيه وجهان: أحدهما: لا يضم، وهو قول أبي إسحاق.
وقيل: إنه إذا بدا الصلاح في النجدي، وقد جد التهامي، لم يضم إليه، وإن كان قبل أن يجد، ضم إليه.
وقيل: (إنه) 266 إن أطلع النجدي قبل أوان جداد التهامي، ضم إليه، وإن أطلع بعد أوان جداده، لم يضم إليه.
فإن كانت (الثمرة) 267 رطبًا لا يجيء (منها) 268 (ثمرًا أو عنبًا) 269 لا يجيء منه زبيب، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يعتبر نصابه (بنفسه إذا جف.
والثاني: يعتبر بغيره.
وذكر في "الحاوي" وجهًا آخر) 270: أنه يعتبر نصابه رطبًا.
والواجب فيما سقي بغير مؤونة ثقيلة، وفيما سقي بمؤونة ثقيلة، نصف العشر.

الجزء: 3 - الصفحة: 75

(فإن سقي نصفه بالسيح، ونصفه بالنضح، ففيه ثلاثة أرباع العشر) 271 وإن سقي بأحدهما أكثر، ففيه قولان: أحدهما: أنه يعتبر الغالب.
والثاني: أنه يعتبر عدد السقيات فيقسط عليها، فإن جهل (القدر) 272، جعل بينهما نصفين.
وذكر في "الحاوي": أنه يجب زيادة على نصف العشر وإن قل، ويتوقف فيما زاد وليس بشيء.
فإن أراد بيع الثمار قبل بدو الصلاح 273 لحاجة، لم يكره، وإن كان للفرار من الزكاة كره ومنع وجوب الزكاة 274. وعند مالك: أنه يحرم ولا تسقط الزكاة.
فإن باع بعد بدو الصلاح، ففي البيع في قدر الفرض القولان: أحدهما: (أنه) 275 يبطل، وهل يبطل فيما زاد عليه؟ يبنى على القولين في تفريق الصفقة، وإذا قلنا: يصح البيع (فبماذا) 276 (يمسكه) 277 فيه قولان:

الجزء: 3 - الصفحة: 76

أصحهما: أنه يمسكه بحصته من الثمن.
وقال مالك: البيع صحيح، والزكاة على البائع.
ومن أصحابه من قال: يؤخذ من المشتري ويرجع بها على البائع.
وقال أبو حنيفة: يصح البيع في الجميع، وهو قول أحمد.
فإن اشترى ثمرة (ولم) 278 يبد صلاحها بشرط القطع، فلم يقطعها حتى بدا صلاحها، فإن اتفقا على التبقية إلى أوان الجداد، أخذت الزكاة منها.
وذكر الشيخ أبو حامد في التعليق: أن أبا إسحاق قال فيه قولًا آخر: إنه يفسخ البيع، وهذا ليس بشيء.
وإن اختلفا، فطلب البائع القطع دون المشتري، فإنه يفسخ البيع ويجب العشر على البائع.
وذكر في "الحاوي".
أنه لا زكاة على المشتري، وفي البائع وجهان: أصحهما: (أنها) 279 تجب عليه.
وذكر القاضي حسين رحمه اللَّه: فيمن يجب عليه العشر بعد الفسخ وجهين، بناء على أن الفسخ للعقد من وقته، أو من أصله، (فيه) 280 وجهان:

الجزء: 3 - الصفحة: 77

أصحهما: أنه فسخ من وقته، فتكون الزكاة على المشتري.
وإن طلب المشتري قطعها دون البائع، فهل يفسخ البيع؟ فيه قولان: أحدهما: يجبر على التبقية.
والثاني: لا يجبر، وله فسخه.
فإن بدا الصلاح في الثمرة في مدة الخيار ففسخ البيع وعادت الثمرة إلى البائع، فقد ذكر في "الحاوي" في الزكاة وجهين، وبناهما على أن الزكاة تجب في الذمة أو في العين.

  • فإن قلنا: في الذمة، وجبت على المشتري، وهذا ليس بصحيح، وإنما الصحيح أن يبنى على الملك، وهي من فوائد الملك.
    يكره للرجل أن يشتري صدقة، فإن اشتراها صح، وبه قال أبو حنيفة، ومالك والظاهر من قول أحمد.
    ومن أصحاب أحمد من قال: يبطل البيع، وحكى أصحابنا ذلك عن أحمد و (أنكره) 281 أصحابه فإن كان لرب المال على رجل من أهل السهمان دين، لم يجز أن يجعله قصاصًا عما يجب عليه من الزكاة، وإنما يدفع إليه بقدره من الزكاة ليعيده إليه (عن) 282 دينه.
    وحكى عن مالك أنه قال: يجوز (وهذا) 283 ظاهر الفساد.
    وتخرص الثمرة 284.

الجزء: 3 - الصفحة: 78

وحكي في "الحاوي" عن أبي حنيفة: ، وسفيان: أن الخرص لا يصح.
وذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه في التعليق: أن هذا لا يصح عنه.
فإن كان له حائطان قد بدا الصلاح في أحدهما دون الآخر، اعتبر كل واحد منهما بنفسه في الخرص في أصح الوجهين.
وهل يجزىء خارص واحد؟ فيه طريقان: قال أبو إسحاق المروزي، وأبو العباس بن سريج: يجزىء خارص واحد 285. وقال غيرهما من أصحابنا: فيه قولان.
أحدهما: يجزىء خارص واحد، وهو قول مالك، وأحمد.
قال الشافعي رحمه اللَّه: (ويطيف) 286 بالنخلة فيخرصها رطبًا.
ذكر في "الحاوي": في ذلك ثلاثة أوجه: أحدهما: أن ذلك احتياط واستظهار.
والثاني: أنه شرط.
والثالث: وهو الأصح، أن الثمرة إن كانت بارزة يرى جميعها، فليس بشرط، وإن كانت مستورة، فهو شرط.
فإن ادعى رب المال هلاك الثمرة بجائحة ظاهرة لم يقبل دعواه إلَّا

الجزء: 3 - الصفحة: 79

ببينة على وجود الجائحة، (فإذا) 287 ثبتت الجائحة، فالقول قوله في الهلاك بها مع يمينه، وفي كون اليمين واجبة وجهان 288: ثم ينظر (في الباقي) 289، فإن نقص عن نصاب قبل الإمكان، وقلنا الإمكان من شرائط الوجوب، لم يجب عليه شيء.
ذكر في "الحاوي": أن من أصحابنا من قال: تجب الزكاة في الباقي قولًا واحدًا، وليس بشيء.
وإن ادعى الهلاك بسبب خفي كالسرقة، فالقول قوله مع يمينه، وهل اليمين واجبة على الوجهين 290. ولا تؤخذ الزكاة من الثمار إلَّا بعد الجفاف 291، فإن أخذها رطبًا، وجب ردها إن كانت باقية ورد قيمتها إن كانت تالفة.
وقيل: يرد مثله، والمذهب الأول 292.

الجزء: 3 - الصفحة: 80

فإن كانت الثمرة أنواعًا مختلفة قليلة، أخذ من كل نوع بقسطه على صفته في جودته ورداءته، وبه قال مالك 293. ومن أصحابه من قال: يطالب عن الرديء بجيد كالماشية.
فإن كثرت الأنواع، أخذ من أوسطها (لا) 294 من النوع الجيد ولا من الرديء.
وحكي فيه وجه آخر: أنه إذا اختلفت (تقادير) 295 الأنواع من نوع عشرة، ومن نوع عشرون، ومن نوع ثلاثون، أخذ من الأغلب قدرًا.
وعن مالك: في ذلك روايتان.
إحداهما: يؤخذ من الأوسط.
والثانية 296: يؤخذ من كل نوع بقسطه.
وإذا قلنا: يفتقر (في) 297 الخرص إلى عدد، فهل يجوز أن يكون أحدهما امرأة؟ فيه وجهان: (فإن) 298 أصاب النخل عطش بعد بدو الصلاح في الثمرة، قطعها حفظًا للأصول، وفي القسمة قولان:

الجزء: 3 - الصفحة: 81

  • إن قلنا: إن القسمة فرز النصيبين، جاز قسمة الثمرة.
    ويأخذ الساعي نصيب المستحقين يصرفه إليهم إن رأى، أو يبيعه ويصرف ثمنه.
  • وإن قلنا: إن القسمة بيع، لم تجز القسمة (ويسلم) 299 إلى الساعي عشرها مشاعًا لتعين حق المستحقين، ثم يبيع نصيب الفقراء من رب المال، (أو غيره إن شاء) 300. فإن قطعت الثمرة، وقلنا: القسمة فرز النصيبين، جازت القسمة كيلًا ووزنًا.
    وإن قلنا: إنها بيع، لم يجز وسلمت مشاعًا ليبيعه ويفرق ثمنه.
    وقال أبو إسحاق: وأبو علي بن أبي هريرة: يجوز المقاسمة كيلًا ووزنًا، وليس بصحيح.

الجزء: 3 - الصفحة: 82

باب صدقة الزروع

تجب الزكاة في كل ما تخرجه الأرض (مما) 301 يقتات، ويدخر، وينبته الآدميون كالحنطة، والشعير، والذرة، والقُطنية 302. وقال الحسن، وابن سيرين: تجب في الحنطة، والشعير لا غير.
وقال أبو ثور: تجب في الحنطة والشعير، والذرة.
وقال عطاء: تجب في كل زرع نبت من بذرة وأخذ بذره من زرعه.

الجزء: 3 - الصفحة: 83

وقال مالك: تجب في الحبوب المأكولة غالبًا من الزروع.
وقال أبو يوسف: تجب في الحبوب المأكولة والقطن.
وقال أحمد: تجب في الحبوب التي تكال، أنبته الآدمي، أو نبت بنفسه.
وقال أبو حنيفة: تجب في كل مزروع، ومغروس من فاكهة، وبقل وخضر.
ولا تجب إلَّا في نصاب من كل جنس 303، ولا يضم جنس إلى جنس آخر.
وقال مالك: تضم الحنطة إلى الشعير في إكمال النصاب، والقطنية يضم بعضها إلى بعض.
وعنه رواية أخرى: أنها أجناس كالربا.
واختلفت الرواية: عن أحمد.
ويضم العدس إلى الحنطة، ولا يضم (السلت) 304 إلى الشعير.
وقال أبو علي الطبري: يضم إليه، وهذا خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه في "البويطي" 305. (وإن) 306 اختلفت أوقات الزرع، ففيه أربعة أقوال:

الجزء: 3 - الصفحة: 84

أحدها: أنه يعتبر الاتفاق في وقت الزراعة، (وكل) 307 زرعين اتفقت زراعتهما في فصل من (ربيع أو) 308 صيف، أو خريف، ضم أحدهما إلى الآخر، وإن اختلف حصادهما 309. والثاني: أنه يعتبر وقت الحصاد 310 (فإذا) 311 اتفقا فيه، ضم أحدهما إلى الآخر.
والثالث: أنه يعتبر الأمران جميعًا، (فإذا) 312 اتفقا (فيهما) 313، ضم أحدهما إلى الآخر.
والرابع: (أنه) 314 يعتبر أن يكون من زرع عام واحد كما قلنا في الثمار وهو أصحهما.
ولا يجب (العشر) 315 حتى ينعقد الحب، فإن حصدت الذرة، ثم استخلف مكانها وتسنبل، فهل يضم الثاني إلى الأول؟ فيه وجهان:

الجزء: 3 - الصفحة: 85

أحدهما: يضم على القول الذي يعتبر الاتفاق في الزراعة، أو في زرع عام واحد 316 وإن كان الزرع لواحد، والأرض (لآخر) 317، وجب العشر على مالك الزرع كالمستأجر مع المؤجر، وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يجب العشر على المؤجر.
وإذا أخرج العشر من الحب، أو الثمرة، وبقي عنده سنتين بعد ذلك، لم يجب عليه فيه (شيء) 318 آخر.
وقال الحسن البصري: كلما حال عليه الحول، وجب فيه العشر، حكاه القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه.
وإن كان على الأرض خراج، وجب الخراج في وقته، والعشر في الزرع 319 وبه قال أحمد، ومالك.
وقال أبو حنيفة: لا يجب العشر في الأرض الخراجية.
وإن كان لمسلم أرض (لا خراج) 320 عليها، فباعها من ذمي، فلا عشر عليه، ولا خراج 321.

الجزء: 3 - الصفحة: 86

وقال أبو حنيفة: يجب عليه الخراج 322. وقال أبو يوسف: يجب عليه عشران 323. وقال محمد بن الحسن: يجب عليه عشر واحد.
وقال مالك: لا يصح بيعه 324.

الجزء: 3 - الصفحة: 87

باب زكاة الذهب والفضة

لا تجب الزكاة في غير الذهب والفضة 325 من الجواهر، (ومن) 326 الياقوت، والفيروزج، وهو قول الكافة.
وحكي عن الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وأبي يوسف القاضي: أنه يجب في العنبر الخمس.
وقال عبيد اللَّه بن (الحسن) 327 (العنبري) 328: تجب الزكاة في

الجزء: 3 - الصفحة: 88

جميع ما يستخرج من البحر (إلَّا السمك) 329، ولا تجب الزكاة فيما دون النصاب.
(ونصاب الذهب: عشرون مثقالًا) 330. ونصاب الفضة: مائتا درهم وازنة دراهم الإسلام، كل عشرة دراهم سبع مثاقيل 331. وحكي عن المغربي من أهل الظاهر، (وبشر) المريسي 332: أن الاعتبار بالعدد في الدراهم دون الوزن وهذا خلاف النص والإجماع.
فإن نقص عن نصاب ما لم يجب فيه شيء، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: إذا نقص نصاب الدراهم نقصانًا يسيرًا، (يجوز) 333 جواز الوازنة، (وجبت فيها الزكاة) 334. = قال محمد بن سعد كان محمودًا ثقة عاقلًا، روى له مسلم في صحيحه ومن غرائبه: أنه يجوز التقليد في العقائد والعقليات، وخالف في ذلك العلماء كافة، أنظر "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي 1/ 311.

الجزء: 3 - الصفحة: 89

وحكي عن محمد بن مسلمة من أصحابه: أنها إذا (نقصت) 335 ثلاثة دراهم، وجبت فيها الزكاة.
وروي عن أحمد: نحو قول مالك.
وروي عنه أيضًا: أنها إذا نقصت دانقًا، أو دانقين، وجبت الزكاة.
وحكي عن عطاء، وطاوس أنهما قالا: نصاب الذهب (معتبر بالفضة) 336 فيعتبر أن يبلغ قيمته مائتي درهم، حتى لو كان معه خسمة عشر مثقالًا من الذهب تبلغ قيمتها مائتي درهم، وجبت فيها الزكاة، وإن كان معه عشرون مثقالًا تساوي دون مائتي درهم، لم يجب فيها شيء.
وحكي عن الحسن البصري: أنه لا يجب في الذهب شيء حتى يبلغ أربعين مثقالًا، فيجب مثقال في إحدى (الروايات) 337 عنه.
وفرضها: ربع العشر، ولا يضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب، (وبه قال أحمد) 338. (وقال أبو حنيفة: يضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب بالقيمة) 339. وقال مالك، وأبو يوسف: يضم إليه بالأجزاء.

الجزء: 3 - الصفحة: 90

وتجب فيما زاد على النصاب، (بحسابه) 340 في قليله وكثيره، وبه قال مالك وأحمد، وداود، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجب فيما زاد على نصاب الذهب حتى يبلغ الزيادة، (أربعة) 341 دنانير في الذهب، وأربعين درهمًا في الفضة.
وإن كان معه مايتا درهم، (فأخرج عنها خمسة دراهم) 342 نبهرجة لم يجزه ويخرج الجيدة.
وقال أبو حنيفة: يجزئه.
وقال محمد: يخرج الفضل.
وقال أبو يوسف: إن (كانت) (4) فضة رديئة أجزأه، وإن (كانت) (5) نبهرجة، لم يجزه، وهل له الرجوع في الرديئة؟ ذكر أبو العباس بن سريج: فيه وجهين: أحدهما: (له) 343 الرجوع، وهذا إذا كان قد شرط في الدفع أنها زكاة فإن كان له إناء من فضة وزنه مائتان (وقيمة الصنعة) 344 ثلاثمائة، فأخرج خمسة دراهم فضة من غيره، لم يجزه.

الجزء: 3 - الصفحة: 91

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجزئه.
وقال محمد بن الحسن: لا يجزئه حتى يسلم ربع العشر منه مشاعًا، أو يخرج قيمة ربع العشر ذهبًا، فإن أخرج عنه خمسة دراهم فضة، لم يجزه عنده جميعًا حتى يكون بقيمته خمسة دراهم منه.
فإن كان معه فضة مغشوشة، أو ذهبًا مغشوشًا، وكان الذهب أو الفضة لا يبلغ نصابًا، لم يجب فيه شيء، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا كان الغش أقل (وجبت) 345 الزكاة وإن جهل قدره، سبكه، وفي مئوونة السبك وجهان: أظهرهما: أنها على المالك، ولا يخرج أحد النوعين عن الآخر.
وقال مالك: يجوز ذلك ويكون بدلًا لا قيمة، واختلف أصحابه في كيفية الإِخراج بالقيمة (أو بالتعديل) 346. فإن كان له دين لازم على مقر مليء، لزمه زكاته، ولزمه إخراجها.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجب عليه إخراجها حتى (يقبض الدين، وإن كان الدين على جاحد في الظاهر، مقر في الباطن وجبت عليه (الزكاة) 347 غير أنه لا يلزمه إخراجها حتى يصل إليه الدين) 348. وقال أبو يوسف: لا زكاة عليه فيه.

الجزء: 3 - الصفحة: 92

وإن (كان الدين) 349 على جاحد في الظاهر والباطن، أو على معسر، كان على القولين في وجوب الزكاة في الضال والمغصوب.
وأبو حنيفة: وافق في وجوب الزكاة في الدين على معسر، والدفين في ملكه إذا خفي عليه موضعه، ثم وصل إليه، (أنه) 350 يزكيه لما مضى.
وقال مالك: (في الدين) 351 إذا كان من فرض، أو ثمن مبيع، فمضى عليه أحوال، ثم أخذه زكاة لحول واحد، وكذا إذا اشترى عرضًا للتجارة، وباعه بعد أحوال، (زكاة) 352 لحول واحد.
وإن كان له بالدين المجحود بينة، أو كان الحاكم يعلم حاله.
قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: الذي يقتضيه المذهب أنه تجب فيه الزكاة.
وقال محمد بن الحسن: إن علم به الحاكم، وجبت فيه الزكاة، وإن كان له بينة، لم يجب وإن كان الدين مؤجلًا، ففيه طريقان: وقال أبو إسحاق: هو بمنزلة الدين الحال على معسر، (أو مليء) 353 جاحد، فيكون على قولين.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا تجب الزكاة فيه قولًا واحدًا، والأول أصح.

الجزء: 3 - الصفحة: 93

فإن كان له مائة حاضرة، ومائة غائبة، أو عين ودين، وقلنا: لا زكاة في الدين والغائب، فلا زكاة في العين والحاضر.
وإن قلنا: تجب (عليه) 354 الزكاة في الدين والغائب، بني الإِخراج (عن) 355 الحاضر على إمكان الأداء، فإن قلنا: إنه شرط في الوجوب، لم يجب الإِخراج (عن) 356 الحاضر، وإن قلنا: أنه شرط في الضمان، لزمه الإِخراج عنه.
فأما الثمن في البيع قبل القبض، والأجرة في الإجارة قبل استقرارها، فقد ذكر الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه: أن الزكاة تجب فيها قولًا واحدًا، وفي إخراجها في (الحال) 357 قولان: وحكى القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أن القولين في وجوب الزكاة فيها.
فإذا أجر دارًا أربع سنين بمائة دينار، فالأجرة حالة، وهل يجب إخراج الزكاة عن جميع الأجرة؟ فيه قولان: نص في "البويطي": أنه يزكي الجميع.
وقال في "الأم" ونقله المزني: أنه يخرج زكاة ما استقر ملكه عليه.
فعلى القول الأول: يزكي جميع المائة في السنة الأولى، والثانية، والثالثة، والرابعة إذا كان قد أدى ما وجب من الزكاة من غيرها، أو لم يؤدها، وقلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة، وإن كان قد أدى ما

الجزء: 3 - الصفحة: 94

وجب عليه من الزكاة (فيها) 358 منها، زكى بعد ذلك ما بقي بعدما أدى.
وإن قلنا: بالقول الثاني: أخرج الزكاة في السنة الأولى عن خمس وعشرين، نصف مثقال وثمن، وفي السنة الثانية عن خمسين إذا لم يخرج زكاة السنة الأولى منها، وقلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة، فيخرج دينارًا وربع دينار.
وإن قلنا: إن الزكاة تجب في العين أو في الذمة، وقلنا: إن الدين يمنع وجوب الزكاة، زكى خمسين دينارًا (إلَّا) 359 قدر ما وجب عليه في السنة الأولى، وفي السنة الثالثة يخرج عن خمسة وسبعين على التفصل (المتقدم) 360، وفي الرابعة، يخرج (عن) 361 مائة وقد ذكر لهذه المسألة أحسن من هذا المثال وأسهل.
وذلك: بأن تكون الأجرة، مائة وستين دينارًا، ففي السنة الأولى، يلزمه زكاة أربعين دينارًا، وذلك دينار، وفي السنة الثانية: زكاة ثمانين دينارًا لسنتين وذلك أربعة دنانير، وقد أخرج دينارًا عن السنة الأولى، (وفي السنة الثالثة) 362، يلزمه زكاة مائة وعشرين دينارًا لثلاث سنين، وذلك تسعة دنانير، وقد أخرج أربعة، فيخرج خمسة، وفي السنة الرابعة، يلزمه لأربع سنين، زكاة مائة وستين، وذلك (ثمانية) 363 عشر، وقد أخرج تسعة فيخرج ما بقي.

الجزء: 3 - الصفحة: 95

فصل

ومن ملك مصوغًا من الذهب والفضة وكان معدًا لاستعمال مباح، كحلي النساء، وما (اتخذ لهن) 364، وخاتم الفضة للرجل، ففي وجوب الزكاة فيه قولان: أحدهما: لا زكاة فيه 365، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور.
والقول الثاني: (تجب) 366 فيه الزكاة، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وأصحابه 367.

الجزء: 3 - الصفحة: 96

تمويه السقوف بالذهب والفضة، حرام.
وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة: إلى جوازه.
وفيما لطخ به اللجام من الفضة وجهان: قال أبو الطيب بن سلمة: (هو) 368 مباح.
وقال أبو إسحاق: هو حرام.
فأما (إذهاب) 369 محراب المسجد، فحرام، نص عليه الشافعي رحمه اللَّه.
وحكى بعض أصحابنا: فيه وجهًا آخر: أنه يجوز.
وحكى بعضهم: في تحلية الصبيان وجهًا: أنه لا يجوز وليس بشيء.
وحكى بعضهم: في تحلية المصحف بالذهب وجهين، وذكر أن أصحهما: أنه يجوز إعظامًا للقرآن، وحكي أيضًا: في تعليق قناديل الذهب والفضة في الكعبة والمساجد وجهين: فإن كان للمرأة حلي فانكسر (بحيث) 370 لا يمكن لبسه، ولكنه يمكن إصلاحه، لم تجب الزكاة فيه في أحد القولين: = مسكتان غليظتان من الذهب، فقال لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أتعطين زكاة هذا؟ فقالت: لا، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أيسرك أن يسورك اللَّه بهما سوارين من نار، فخلعتهما وألقتهما إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقالت: هما للَّه ولرسوله" رواه أبو داود وغيره، أنظر "السنن الكبرى" للبيهقي 4/ 140. وأنظر سنن أبي داود 1: 358.

الجزء: 3 - الصفحة: 97

(وإن) 371 كان (لها) 372 حلي معد للإجارة، وجبت فيه الزكاة في أحد الطريقين.
والطريق الثاني: أنه على القولين.
وقال مالك: لا زكاة فيه.
وبعض أصحابه قال: تجب فيه الزكاة.
وحكي عن أبي عبد اللَّه الزبيري من أصحابنا أنه قال: اتخاذ الحلي للإجارة لا يجوز.
فإن وجبت الزكاة في حلي تنقص قيمته بالكسر، ملك الفقراء ربع العشر (منه مشاعًا) 373 وسلمه إليهم تسليم مثله كما قلنا في الرطب الذي لا يجيء منه تمر، وإن شاء أخرج مصوغًا بوزنه.
وقال أبو العباس (بن سريج) 374: يخرج زكاته بقيمته من غير جنسه، والأول أظهر (فإن) 375 أكرى (حلي) 376 الذهب بالذهب، أو حلي الفضة بالفضة، جاز في أصح الوجهين.

الجزء: 3 - الصفحة: 98

باب زكاة التجارة

تجب الزكاة في عروض التجارة، وبه قال الكافة 377. وقال دواد: لا تجب الزكاة (بحكم) 378 التجارة بحال.
ولا يصير العرض للتجارة إلَّا أن ينوي به التجارة في حال تملكه (بعوض) 379 فإن نوى به التجارة بعد التملك، أو نوى (بعوض) 380 القنية للتجارة، لم يصر للتجارة حتى يبيعه 381.

الجزء: 3 - الصفحة: 99

وقال الكرابيسي من أصحابنا 382: يصير بذلك للتجارة، وهو قول أبي ثور، وإحدى الروايتين عن أحمد، والمذهب الأول.
وإن نوى بعرض التجارة القنية، صار للقنية (بمجرد) 383 النية.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يصير للقنية (بمجرد) 384 النية.
فإن اشترى للتجارة ما تجب الزكاة في عينه كالسائمة، والكرم، والنخل وكمل الحول، ووجد نصاب كل واحد منهما، واتفقا في وقت الوجوب، ففيه قولان: أحدهما: أنه تقدم زكاة التجارة، وهو قول أبي حنيفة، وناقض في الثمار والزرع.
والثاني: (أنه) 385 يقدم زكاة العين، وهو قول مالك، هذا أصح الطريقين، وهو قول أبي إسحاق.
= فيه عوض كالبيع، والإجارة، والنكاح، والخلع، "المهذب" مع "المجموع" 6/ 45.

الجزء: 3 - الصفحة: 100

وقال القاضي أبو حامد: القولان في جميع الأموال، اتفق حولهما أو اختلف، فإن أثمرت نخل التجارة، وبدا صلاحها عند تمام الحول، وقلنا: نقدم زكاة التجارة، قوم الجميع، وأخرج زكاة التجارة.
(وإن) 386 قلنا: نقدم زكاة العين، أخرج العشر من الثمرة، وقوم النخيل في أصح القولين.
وإن اشترى عبدًا للتجارة، وجب عليه زكاة الفطر برؤية هلال شوال وزكاة التجارة بتمام الحول، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: تسقط زكاة الفطر.
فإن اشترى عرضًا للتجارة بما دون النصاب، انعقد عليه الحول من حين الشراء، ويعتبر كمال النصاب في القيمة عند تمام الحول، وبه قال مالك.
وقال أبو العباس: يعتبر كمال النصاب في جميع الحول، وهو قول أحمد.
وقال أبو حنيفة: يعتبر النصاب في طرفي الحول.
وإن اشتراه بنصاب من السائمة، استأنف الحول من حين الشراء على المذهب.
وقال أبو سعيد الإصطخري: يبنى حول التجارة على حول السائمة.
فإن اشترى عرضًا كان عند بائعه للقنية بعرض للتجارة، ففيه وجهان:

الجزء: 3 - الصفحة: 101

أصحهما: أنه (يصير) 387 للتجارة.
فإن باع عرض التجارة بعد تمام الحول بزيادة على ما اشترى به من النقد بأن اشتراه بمائتين فباعه بثلاثمائة، فإنه يزكي الجميع بحول رأس المال.
وحكي في "الحاوي": إذا كانت الزيادة على المائتين (بمحاباة) 388، أو غبن، ففي زكاتها بحول رأس المال وجهان: (أصحهما) 389: ما ذكرناه.
وإن (نضّ) 390 الربح في (أثناء) 391 الحول، ففيه طريقان: أحدهما: أنه يستأنف الحول للزيادة قولًا واحدًا.
وقال أبو إسحاق: في الزيادة قولان.
أصحهما: أنه يزكيها بحول رأس المال، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني وهو الأصح.
فإن اشترى عرضًا للتجارة بعرض للقنية، انعقد الحول (عليه) 392 من حين الشراء، وبه قال أبو حنيفة.

الجزء: 3 - الصفحة: 102

وقال مالك: لا يجري في حول التجارة حتى يكون قد اشتراه (بعين) 393. فإن كان عنده نصاب من الدراهم، فباعه بدراهم أو بدنانير للتجارة كما يفعله الصيارف، ففيه وجهان: أصحهما: أنه لا ينقطع الحول، وهو قول أبي إسحاق.
والثاني: ينقطع.
فإن باع العرض في أثناء الحول، بنصاب من الأثمان، ولكنه من غير جنس ما يقوم به، (بأن) 394 كان رأس المال دراهم، ونقد البلد دنانير (بني) 395 على حوله على أصح الوجهين.
(وإذا) 396 حال الحول، ووجبت الزكاة فيه، وكان قد اشتراه بعرض، قوم بنقد البلد، فإن كان للبلد نقدان وهما متساويان، يبلغ بكل واحد منهما نصابًا، قومه بما شاء منهما على أظهر الوجوه، وهو قول أبي إسحاق.
والثاني: يقوم بالأنفع للمساكين.
والثالث: يقوم بالدراهم.
والرابع: يقوم بنقد أقرب البلاد إليه.
فإن كان قد اشترى عرضًا للتجارة بما دون النصاب من النقود، ففيه وجهان:

الجزء: 3 - الصفحة: 103

أحدهما: أنه يقوم بنقد البلد.
والثاني: يقوم بما اشترى به، وهو قول أبي يوسف.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: يقوم بالأحظ للمساكين.
فإن قومه عند تمام الحول، ثم بادله بزيادة قبل إخراج الزكاة منه، (ففيه) 397 وجهان: أحدهما: أنه يستأنف الحول للزيادة.
والثاني: أنه يزكي الزيادة (للحول) 398 الماضي أيضًا.
فإن حال الحول على عرض التجارة، فقوم (ولم) 399 يبلغ نصابًا، (لم) 400 يجب الزكاة، فزادت قيمته بعد شهر، فبلغت نصابًا، ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: لا تجب الزكاة حتى يتم عليه الحول الثاني.
والثاني: تجب في الزيادة عند تمام النصاب، ويصير هذا آخر الحول وأوله بعد الشراء بشهر، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة.

الجزء: 3 - الصفحة: 104

فصل

إذا أراد إخراج الزكاة عن عرض التجارة.
قال في "الأم": يخرج (مما) 401 يقوم به.
وقال في القديم: فيه قولان: أحدهما: يخرج ربع عشر قيمته.
والثاني: ربع عشر العرض.
وقال في موضع آخر: لا يخرج إلّا العين، أو الورق، أو العرض.
ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: يخرج ربع عشر قيمته.
والثاني: ربع عشر العرض، وهو قول أبي يوسف ومحمد.

الجزء: 3 - الصفحة: 105

وقال أبو علي بن أبي هريرة: فيه قولان: أحدهما: يخرج (مما) 402 قوم به.
والثاني: (يخرج العرض.
وقال أبو إسحاق: فيه قولان: أحدهما: يخرج مما قوم به.
والثاني: يخير بينهما) 403. فإن كان معه مائتا درهم، فاشترى بها مائتي قفيز حنطة تساوي ثلاثمائة درهم (في آخر الحول) 404. فعلى قوله الجديد: يلزمه سبعة دراهم ونصف.
وعلى قوله القديم: (يلزمه) 405. وعلى قول أبي إسحاق: يتخير بينهما.
فإن زادت قيمة الطعام (فصارت) 406 تساوي أربعمائة بعد الوجوب، وقبل التمكن من الأداء.
فإن قلنا: إن التمكن شرط في الوجوب، وجب عليه عشرة

الجزء: 3 - الصفحة: 106

دراهم، على قوله الجديد، وعلى قوله القديم: يجب إخراج خمسة أقفزة حنطة (منها) 407 قيمتها ذلك.
وعلى القول الثالث: يتخير بينهما.
وإن قلنا: إن الإمكان (شرط) 408 الضمان، أو كانت الزيادة، قد حدثت بعد الإمكان: فعلى قوله الجديد: يجب عشرة دراهم.
وعلى قوله القديم: خمسة أقفزة (قيمتها عشرة دراهم) 409. وحكي فيه وجه آخر: أنه يجب خمسة أقفزة قيمتها (4) سبعة (دراهم) 410 ونصف.
وإن نقصت القيمة قبل الإمكان، فعادت إلى مائتين، وجبت عليه على قوله الجديد: خمسة دراهم، وعلى قوله القديم (خمسة) 411 أقفزة (منها قيمتها ذلك) 412، وعلى الثالث: يتخير بينهما.
وإن نقصت صفة الحنطة، وجب على قوله الجديد: خمسة دراهم، وعلى قوله القديم: خمسة أقفزة من حنطة على (صفتها) 413.

الجزء: 3 - الصفحة: 107

وإن حصل النقص بعد الإمكان، وجب عليه: على قوله الجديد: سبعة دراهم ونصف، وعلى قوله القديم: خمسة أقفزة، وللنقصان قفيزان ونصف.
ويتعلق زكاة التجارة بالقيمة في قوله الجديد، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: يتعلق بالعين، وهو مقتضى قول الشافعي رحمه اللَّه في القديم.
فإن باع العروض التي وجبت فيها الزكاة قبل أداء الزكاة، ففيه طريقان: أحدهما: أنه بمنزلة غيرها من (المال الذي وجب فيه) 414 الزكاة على قولين.
والثاني: أنه يصح البيع قولًا واحدًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 108

فصل

إِذا دفع رجل إلى رجل ألف درهم قراضًا على أن يكون الربح بينهما نصفين، فحال الحول (وقد) 415 صارت ألفين، ففي وقت ملك العامل لنصيبه من الربح قولان: فإن قلنا: يملك بالمقاسمة، فزكاة الجميع على رب المال، فإن أخرجها من المال، فمن أين تحتسب؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تحتسب من الربح.
والثاني: من رأس المال.
والثالث: منهما جميعًا، وفي ضمه إلى رأس المال في الزكاة ما ذكرناه من الاختلاف.
وإن قلنا: إِن العامل يملك نصيبه من الربح بالظهور، فزكاته عليه، ويستأنف (به) 416 الحول.

الجزء: 3 - الصفحة: 109

ومن أي وقت يعتبر حوله؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه يعتبر من حين ظهوره.
والثاني: من حين ينض، غير أنه لا يجب على العامل إخراجها إلَّا بعد المفاصلة.
فإن أراد أن يخرج زكاة نصيبه من المال، فهل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز.

الجزء: 3 - الصفحة: 110

باب زكاة المعدن والركاز

إذا استخرج حر مسلم من معدن في موات، أو (في) 417 أرض (يملكها) 418، نصابًا من الذهب، أو الفضة، وجبت عليه الزكاة 419. وإن استخرجه كافر ملكه، ولا زكاة عليه فيه، وكذا المكاتب 420. وقال أبو حنيفة: يجب على المكاتب حق المعدن.

الجزء: 3 - الصفحة: 111

وقال في الحربي: إذا لم يأذن له الإِمام في العمل، لم يملك ما أخذه، وإذا أذن له، أخذ منه الخمس.
وإذا استخرج غير الذهب، والفضة من الجواهر من معدن، لم يجب فيه شيء، وبه قال مالك.
وقال أبو حينفة: يتعلق حق المعدن بكل ما يستخرج من الأرض (مما ينطبع) 421 بالنار، كالحديد، والرصاص، ولا يتعلق بالفيروزج والبرام.
وقال أحمد: يتعلق حق المعدن بكل ما يستخرج من المعدن حتى القعر والكحل والنصاب معتبر في الحق الواجب في المعدن، وهو قول مالك، وأحمد.
وقيل: فيه وجه آخر، أنا إذا قلنا الواجب الخمس، لا يعتبر فيه النصاب، وليس بشيء.
وقال أبو حنيفة: لا يعتبر النصاب فيه.
فإن اتصل العمل وانقطع (النيل) 422، ثم عاد، ضم بعضه إلى بعض في أصح القولين، وهو قوله الجديد.
ويجب حق المعدن بالوجود من غير اعتبار حول، في أظهر القولين، وهو قول أبي حنيفة ومالك 423.

الجزء: 3 - الصفحة: 112

وقال في "البويطي": يعتبر فيه الحول، وذكر فيما علق عن القاضي حسين؛ إنَّا إذا قلنا: إن الواجب فيه ربع العشر، اعتبر فيه النصاب، وفي اعتبار الحول قولان: وإن قلنا: إن الواجب الخمس، لم يعتبر الحول.
وفي اعتبار النصاب قولان: وهذا بناء فاسد ظاهر الفساد، وفي زكاته ثلاثة أقوال: أحدها: أن الواجب فيه ربع العشر، وهو المشهور، وبه قال أحمد 424. والقول الثاني: أن الواجب فيه الخمس، وهو قول أبي حنيفة، ويحكى عن المزني 425. والثالث: أنه إن وجده دفعة واحدة، وجب فيه الخمس، وإن احتاج فيه إلى مؤونة، وتخليص، ففيه ربع العشر، وقد حكى ذلك عن مالك، وحكي أيضًا عنه: ربع العشر.
ولا يجوز صرف حق المعدن إلى من وجب عليه، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك لأنه عنده خمس لا زكاة.
ويجب إخراج حق المعدن بعد التمييز وما يلزمه من المؤونة في الإستخراج، يكون من ماله، وتخرج الزكاة من جميعه.
وقال أبو حنيفة: المؤونة تكون من أصل المال، بناء على أصله، أنه ليس بزكاة، وإنما هو خمس.

الجزء: 3 - الصفحة: 113

ولا يجوز بيع تراب المعادن الذي فيه ذهب أو فضة بجنسه، وغير جنسه.
وقال مالك: يجوز بيع تراب المعادن، ولا يجوز بيع تراب الصاغة.

الجزء: 3 - الصفحة: 114

فصل

ويجب في الركاز الخمس 426، والركاز ما وجد في موات (يملك بالأحياء) 427، ولا فرق بين أن يكون (ذلك) 428 في دار الحرب، وبين أن يكون في دار الإِسلام إذا لم يكن عليه علامة الإسلام.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إن كان في موات دار الحرب، كان غنيمة لواجده لا يخمس.
وإن وجده في أرض يعرف مالكها، فإن كان حربيًا، فهو غنيمة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف وأبو ثور: هو ركاز، فإن كان ساكنًا في دار غيره

الجزء: 3 - الصفحة: 115

بإجازة أو إعارة، ووجد فيها ركازًا، فادعاه أحدهما كان له، وإن اختلف المالك والساكن (فادعاه) 429 كل واحد منهما.
قال الشافعي رحمه اللَّه: القول قول الساكن.
وقال المزني: رحمه اللَّه: القول قول المالك.
ولا فرق بين أن يكون الواجد للركاز رجلًا، وبين أن (يكون) 430 امرأة، مكلفًا، أو غير مكلف، محجورًا عليه، أو مطلق التصرف، في وجوب الحق عليه.
وقال سفيان الثوري: لا يملك الركاز إلَّا رجل عاقل.
والكافر إذا وجد الركاز ملكه ولا شيء عليه (فيه) 431. وقيل: لا يملك الكافر الركاز، ولا المعدن، وليس بمذهب.
وإن كان عليه علامة الإِسلام، كان لقطة يعرفها سنة ويتملكها.
وحكى 432 القاضي حسين رحمه اللَّه عن القفال: أنه لا يتملكها، ويرفعها إلى الإِمام، والأول أصح.
وقد نص الشافعي رحمه اللَّه: على (أنه) 433 لقطة.

الجزء: 3 - الصفحة: 116

وإن لم يكن (عليه) 434 علامة الإِسلام ولا علامة الشرك كالأواني والدراهم (الطلس) 435 (فقد) 436 قال الشافعي رحمه اللَّه: استحب له أن يعرف (سنة) 437 (ويخمس) 438، قال: ولا أوجب التعريف.
ذكر الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه: أن الشافعي نص على أنه لقطه (تغليبًا) 439 (لحكم) 440 الإِسلام والأول أصح.
وما يجب في الركاز، والمعدن زكاة، يصرف مصرف الزكوات.
وقال أبو حنيفة: يصرف مصرف الفيء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو اختيار المزني وأبي حفص (بن) 441 الوكيل في الركاز دون المعدن، ويختص حق الركاز بجنس الأثمان في أصح القولين.
وقال في القديم: يخمس كل ما يوجد ركازًا، وبه قال أحمد وإحدى الروايتين عن مالك، وهو قول أبي حنيفة.
ولا يعتبر فيه الحول، وهل يعتبر النصاب؟ (فيه) 442 قولان:

الجزء: 3 - الصفحة: 117

قوله القديم: إنه يخمس قليله وكثيره، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، وأصح الروايتين عن مالك.
وقال في "الأم": يعتبر فيه النصاب، فعلى هذا إذا وجد مائة درهم من الركاز، ووافق وجود الركاز تمام الحول على مائة عنده، فالمنصوص في "الأم": أنه يضم إليه، ويخرج من الركاز الخمس.
وقيل: لا يجب فيه شيء، وهذا خلاف نص الشافعي رحمه اللَّه.
وأما المائة الأخرى، فقد ذكر أبو علي في "الإِفصاح": أنه يجب عنها ربع العشر.
والمذهب: أنه لا يجب فيها شيء، لأن الحول لا ينعقد على ما دون النصاب، ويستأنف الحول عليها من حين تم النصاب.

الجزء: 3 - الصفحة: 118

باب زكاة الفطر

زكاة الفطر واجبة على كل حر مسلم 443 يملك ما يخرجه (من) 444 صدقة الفطر، فاضلًا عن كفايته، وكفاية من تلزمه كفايته في ليلة الفطر ويومه.
وقال الأصم، وابن عُلِيَّة 445: زكاة الفطر مستحبة.

الجزء: 3 - الصفحة: 119

فأما الكافر: إن كان مرتدًا، ففيه الأقوال التي ذكرناها في زكاة المال.
وأما المكاتب: فلا تجب عليه زكاة الفطر على المذهب الصحيح، وهو قول أبي حنيفة ولا على مولاه بسببه.
وحكى أبو ثور قولًا عن الشافعي رحمه اللَّه: أنها تجب على مولاه، وقيل: تجب في كسبه.
وحكي عن الحسن البصري، وسعيد بن المسيب أنهما قالا: لا تجب إلا على من صلى وصام.
ذكر في "الحاوي" عن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه أنه قال: تجب على من أطاق الصلاة والصوم، وإن وجد بعض ما يؤدي في صدقة الفطر، ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه إخراجه.
والثاني: لا يلزمه.
ومن وجب عليه فطرة نفسه، وجب عليه (فطرة) 446 كل من تلزمه نفقته إذا كانوا مسلمين، وقدر على ما يؤدي عنهم فاضلًا عن النفقة من والد (وولد) 447، وعبد وأمة 448.

الجزء: 3 - الصفحة: 120

وقال داود: يجب على العبد فطرة نفسه، وعلى السيد تخليته لاكتساب ما يؤدي به زكاة الفطر، ولا يجب عنده على الإنسان فطرة غيره بسبب.
وهل تجب عليه فطرة عبده الآبق؟ فيه طريقان: أحدهما: (أنها) 449 تجب عليه قولًا واحدًا.
والثاني: أنها على (قولين) 450 كالمال المغصوب، والضال.
ويجب على الشريكين في العبد المشترك زكاة الفطر، وبه قال مالك وأحمد.
إلا أن أحمد قال: يؤدي كل واحد من الشريكين صاعًا كاملًا في إحدى الروايتين.
وقال أبو حنيفة: لا يجب عليهما عنه زكاة الفطر بحال.
ويجب على الزوج فطرة زوجته إذا وجب عليه نفقتها، وبه قال مالك، وأحمد وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجب عليه فطرتها.
ولا تجب الفطرة عن المؤدى عنه حتى يكون مسلمًا، فأما العبد الكافر فلا تجب عليه زكاة الفطر عنه، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: يجب عليه إخراج الفطرة عنه، والفطرة (عنده تتبع) 451 الولاية، فمن ثبت له عليه ولاية تامة، وجب عليه زكاة الفطر

الجزء: 3 - الصفحة: 121

عنه، (وناقض) 452 في الابن الصغير الموسر فقال: لا تجب فطرته على أبيه، وخالف محمد بن الحسن.
فقال: تجب فطرته عليه لثبوت ولايته، وبقولنا قال أحمد، إلَّا أنه قد خالفنا فيمن تجب عليه نفقته.
وهل تجب عليه فطرته ابتداء (أو) 453 على سبيل التحمل؟ فيه وجهان: أحدهما: أنها تجب على المؤدى عنه، ويتحملها المؤدي.
والثاني: أنها تجب على المؤدي ابتداء.
فإن كان للكافر عبد مسلم، (بأن) 454 أسلم في يده، وقلنا الفطرة تجب عليه ابتداء، لم تجب على الكافر فطرة العبد المسلم، وإن قلنا: إنها تجب عليه تحملًا، وجب عليه، وكذا في القرابة إذا كان الأب كافرًا، والابن مسلمًا وهو صغير، أو كبير (وهو معسر) 455 فهل تجب عليه زكاة الفطر عنه على الوجهين.
فإن أخرج المؤدى عنه زكاة الفطر عن نفسه بغير إذن من تجب عليه.
فإن قلنا: إنه متحمل أجزأه وسقط عن المؤدي فرضها.
وإن قلنا: تجب على المؤدي ابتداء، لم يجز عنه حتى يستأذنه

الجزء: 3 - الصفحة: 122

في أدائها عنه.
وإن (كانت) 456 له زوجة موسرة وهو معسر، فالمنصوص: أنه لا يجب عليها فطرة نفسها.
وقال في من زوَّج أمته من معسر: إن على المولى فطرتها.
فمن أصحابنا: من جعلها على قولين.
ومنهم: من فرق بينهما، وحمل النصين على ظاهرهما، والأول أصح، وأصل القولين ما ذكرناه من كون ذلك تحملًا، أم لا.
وإن فضل عما يلزمه من النفقة ما يؤدي به فطرة بعضهم، ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنه يبدأ بنفقته 457، فإن فضل صاع (آخر أخرجه) 458 عن نفسه، فإن فضل آخر، أخرجه عن زوجته، فإن فضل صاع آخر أخرجه عن أبيه، فإن فضل آخر 459، أخرجه عن أمه، فإن فضل آخر، أخرجه عن (ابنه) 460 الكبير.
والوجه الثاني: أنه يقدم فطرة الزوجة على فطرة نفسه.
والثالث: أنه يبدأ بفطرة نفسه، ثم بمن شاء.
والرابع: أنه مخير في حقه وحق غيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 123

(وإذا) 461 كان عنده صاع يفضل عن مؤنته، وملك عبدًا، هل يكون به غنيًا لتجب به زكاة الفطر عنه أم لا؟ (فيه) 462 وجهان: أحدهما: يصير به غنيًا حتى يجب بيع جزء منه لأداء زكاة الفطر عنه.
ومن نصفه حر، ونصفه رقيق، يجب عليه نصف الفطرة بحريته إذا وجد ما يؤدى (به) 463، وعلى مالك نصفه النصف، وبه قال أحمد.
وعن مالك: روايتان.
إحداهما: مثل قولنا.
والثانية: (أن على) 464 السيد بقدر ملكه، ولا شيء على العبد.
وقال أبو حنيفة: لا يجب (عنه) 465 زكاة الفطر، لأنه (مستسعي) 466 (عنده) 467 في (بقية) 468 قيمته، فهو كالمكاتب.
(وقال أبو ثور: يجب على كل واحد منهما صاع كامل) 469.

الجزء: 3 - الصفحة: 124

(وقال أبو يوسف: في ولد الحق بأبوين) 470 يجب على كل واحد منهما صاع كامل.
وقال محمد: يجب على كل واحد منهما نصف صاع، وهذا مناقضة منهما، وليس لأبي حنيفة نص في هذه المسألة) 471. ولا يعتبر النصاب في زكاة الفطر، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: يعتبر في وجوب زكاة الفطر أن يكون (مالك النصاب) 472 أو ما قيمته نصاب، فاضلًا عن مسكنه، وأثاثه، ومن تحل له الصدقة عنده، لا تجب عليه الفطرة.

الجزء: 3 - الصفحة: 125

فصل

وفي وقت وجوب الفطرة قولان: قال في القديم: تجب بطلوع الفجر من يوم العيد 473، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه وأبي ثور، وإحدى الروايتين عن مالك.
وقال بعض أصحاب مالك: يجب بطلوع الشمس من (يوم الفطر) 474. (وقال في الجديد: تجب بغروب الشمس من) 475 آخر يوم من

الجزء: 3 - الصفحة: 126

رمضان 476 وبه قال أحمد وهو الرواية الثانية عن مالك.
فإن دخل وقت الوجوب (وعنده) 477 من تجب عليه فطرته، فمات قبل التمكن من الأداء، ففيه وجهان: أحدهما: تسقط عنه، فإن وجبت عليه زكاة الفطر عن عبده وعليه دين، ففيه طريقان: أحدهما: فيه ثلاثة أقوال كزكاة المال مع الدين.
والثاني: (أنه) 478 تقدم زكاة الفطر قولًا واحدًا لاختصاصها بالعيد.
فإن وهب رجل من رجل عبدًا، وأهل هلال شوال قبل القبض وجب زكاة الفطر على الواهب.
وحكى الشيخ أبو حامد عن الشافعي رحمه اللَّه: أنها على الموهوب له.
قال أبو إسحاق: يحتمل أن يكون ذكر ذلك على مذهب مالك.
وذكر في "الحاوي": قولًا آخر في الهبة، إنما تتبين بالقبض، أنه ملك بالعقد.

الجزء: 3 - الصفحة: 127

فإن أوصى لرجل بعبد ومات الموصي، (أو) 479 أهل هلال شوال قبل القبول.

  • فإن قلنا: يملك بالقبول، فالزكاة على الورثة.
  • وإن قلنا: (إنا نتبين) 480، أنه ملك بالموت، فعلى الموصى له.
    وحكى ابن عبد الحكم قولًا للشافعي رحمه اللَّه: أنه بالموت يدخل في الموصى له، كالميراث، فتجب الزكاة على الموصى له، وسائر أصحابنا (امتنعوا) 481 من تخريج هذا قولًا للشافعي رحمه اللَّه.
    فإن مات الموصى له قبل القبول، فورثته يقومون مقامه، فإن قبلوا فزكاة الفطر في مال أبيهم.
    وحكي في "الحاوي" عن أبي حنيفة: أن الوصية تبطل، ولا يصح قبول الورثة.
    ويجوز إخراج زكاة الفطر في جميع شهر رمضان، ولا يجوز تقديمها عليه.
    والأفضل: أن يخرجها في يوم العيد قبل الصلاة 482. وقال أبو حنيفة: يجوز تقديمها على شهر رمضان.
    وقال مالك: لا يجوز إخراجها قبل وقت وجوبها.

الجزء: 3 - الصفحة: 128

ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد 483. وروي عن ابن سيرين، والنخعي: أنهما كانا (يرخصان) 484 في تأخيرها عن يوم الفطر.
وعن أحمد أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس.
والواجب: صاع بصاع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 485 وهو خمسة أرطال وثلث 486، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: الصاع ثمانية أرطال.
ولا يختلف الواجب عندنا باختلاف الأنواع، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: الواجب من البر نصف صاع، وفي الزبيب روايتان: (إحداهما) 487: نصف صاع.
والثانية: صاع، وبها قال أبو يوسف، ومحمد.

الجزء: 3 - الصفحة: 129

وفي الحب الذي يخرجه قولان: أحدهما: أنه يتخير بين الأجناس.
والثاني: وهو المنصوص عليه، أنها على الترتيب، فيخرج من الغالب، ومن أي غالب يخرج؟ فيه وجهان: وقيل في (الجملة) 488: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: (أنه) 489 يجوز أن يخرج من كل قوت 490. وقال أبو عبيد بن (حرب) 491: يخرج من غالب (قوت البلد) 492. (وقال أبو إسحاق، وأبو العباس: يجب من غالب قوت البلد) 493.

الجزء: 3 - الصفحة: 130

  • فإن قلنا: الإعتبار بقوت البلد، أو بقوته، فعدل عنه إلى ما دونه، لم يجزه، وإن عدل إلى ما فوقه، جاز.
    وقيل: فيه وجه آخر، أنه لا يجوز.
    وذكر فيه وجه آخر: أنه يجوز أن يعدل من الشعير إلى البر، وإن عدل إلى التمر عن الشعير لم يجزه.
  • وإن قلنا: إنه مخير بين الأنواع، فبعضها أولى من البعض (فالبر والتمر أولى من غيرهما وأيهما) 494 أولى.
    قال ابن المنذر: كان الشافعي رحمه اللَّه يميل إلى البر، وكان أحمد يميل إلى التمر، وهو قول مالك.
    قال القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: من أصحابنا من قال: الأفضل أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند الناس.
    وروي عن أحمد: أنه لا يجوز أن يخرج إلَّا من الأجناس الخمسة المنصوص عليها، وفي الأقط طريقان: قال أبو العباس: يجري في حق من هو قوتهم قولًا واحدًا 495. وقال القاضي أبو حامد: (فيه) 496 قولان: أصحهما: أنه يجزىء، وهو قول مالك وأحمد.
    والثاني: لا يجزىء 497.

الجزء: 3 - الصفحة: 131

وأبو حنيفة يقول: لا يجزىء أصلًا بنفسه، ويجزىء قيمته، فإن قلنا: يجوز الأقط، (فاللبن) 498 يجوز أيضًا.
قال الشيخ أبو حامد: (إنما) 499 يجوز (اللبن) 500 عند عدم الأقط.
وقال القاضي أبو الطيب: يجوز مع وجود الأقط.
فإن كان بين اثنين (في بلدين) 501 عبد مشترك.
قال أبو العباس: أخرج كل (واحد) 502 منهما من قوته، بل يخرجان من أدنى القوتين.
وقيل: يعتبر قوت العبد، أو البلد الذي فيه العبد.
ولا يجزىء في صدقة الفطر دقيق، ولا سويق.
وقال أبو حنيفة: يجزيان أصلًا بأنفسهما، وبه قال أبو (القاسم) 503 الأنماطي من أصحابنا.
وإذا أخرج صدقة، جاز له أن يأخذها إذا دفعت إليه وكان محتاجًا.
وقال مالك: لا يجوز أن يأخذها.

الجزء: 3 - الصفحة: 132

باب تعجيل الصدقة

كل مال وجبت الزكاة فيه بالحول والنصاب، لا يجوز تقديم زكاته على ملك النصاب 504، ويجوز تقديمها على تمام الحول 505، وبه قال أبو حينفة وأحمد.
وقال مالك وداود: لا يجوز تعجيل الصدقة قبل وجوبها، وسلم مالك، تقديم الكفارة على الحنث.
ويجوز تعجيل زكاة عامين إذا كان يملك زيادة على نصاب 506 في أصح الوجهين.

الجزء: 3 - الصفحة: 133

فإن ملك مائتين شاة سائمة، فعجل عنها وعما يحدث من سخالها أربع شياة، فنتجت (السخال) 507 سخالًا، فبلغت الجملة أربعمائة، فهل يجزؤه ما عجل من السخال؟ فيه وجهان: فإن كان عنده نصاب، فعجل زكاة نصابين، حتى إذا استفاد نصابًا آخر يقع عنه، لم يجزه زكاة ما زاد على نصاب، وهو قول أحمد، وزفر.
وقال أبو حنيفة: يجزئه 508 بناء على أصله في ضم المستفاد إلى ما عنده في الحول، فإن كان عنده خمس من الإِبل، وأربعون من الغنم، فعجل شاة عن خمس من الإِبل، فهلكت الإِبل، فهل يجوز صرفها إلى الغنم؟ قال الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: قد ذكر أصحابنا في نظير هذه المسألة أنه (لا يجوز) 509 ويحتمل: أن يجوز.
وإن ملك أربعين شاة، فعجل منها شاة، فنتجت أربعين سخلة فماتت الأمهات، وبقيت السخال، فهل يجزىء ما عجله (من الأمهات) 510 عن السخال؟ فيه وجهان: أحدهما: يجزىء.
(ولو) 511 كان عنده مائة وعشرون من الغنم، فعجل منها شاة ثم

الجزء: 3 - الصفحة: 134

نتجت سخلة وجبت عليه شاة أخرى، أو كان معه مائتا شاة فعجل منها شاتين ثم نتجت شاة سخلة، وجبت عليه شاة أخرى، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه شاة أخرى في جميع هذه المسائل، وعنده: لا يجوز أن يعجل عن النصاب شيئا، (ما لم) 512 يكن عنده زيادة على النصاب (قدر) 513 الفرض.
فإن عجل الزكاة (عن) 514 النصاب، فهلك أو نقص، خرج المدفوع (عن) 515 أن يكون زكاة، فإن كان قد شرط أنه زكاة معجلة، (جاز) 516 له استرجاعها، إن كانت باقية، والمطالبة بقيمتها إن كانت تالفة، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز له استرجاعها إلَّا أن تكون في يد الساعي (أو) 517 الإِمام "فإن 518 كان الدافع للزكاة (المعجلة) إلى المساكين هو الساعي، فتلف النصاب، كان له أن يرجع فيها، ولا فرق بين أن يبين أنها زكاة معجلة، أو لا يبين.
وفيه وجه آخر: أنه يعتبر أن يكون قد شرط ذلك كما يعتبر في رب

الجزء: 3 - الصفحة: 135

المال.
(وإن) 519 عجل الزكاة (من) 520 نصاب، ثم ذبح (منه) 521 شاة، أو أتلفها، (فهل له) 522 أن يرجع فيما عجله؟ فيه وجهان: فإن ثبت له الرجوع فيما دفعه، فوجده ناقصًا، لم يرجع بأرش النقص في أصح الوجهين، وإن كان (قد) 523 تلف ما عجله في يد الفقير، لزمه قيمته يوم دفعه في أظهر الوجهين، وهو قول أحمد.
والثاني: يلزمه قيمته يوم التلف.
وذكر فيه وجه آخر: أنه يرد مثل المدفوع، وليس بشيء.
وإن عجل الزكاة إلى فقير فمات الفقير، أو ارتد قبل تمام الحول، لم يجزه المدفوع عن الزكاة، وعليه أن يخرج الزكاة ثانيًا، (ويسترجع) 524 ما دفعه، إن كان قد شرط أنه زكاة معجلة، ويضمه إلى ما معه في أحد الوجهين إذا كان ماشية، كما لو كان ذهبًا أو فضة، وهل يخرجها بنفسها، أو يخرج بدلها؟ ذكر في "الحاوي": فيه وجهان: أصحهما: أنه مخير.
وإن كان قد عجل الزكاة إلى فقير، فاستغنى قبل تمام الحول من غير (وجه) الزكاة، فإنه يسترجع إذا كان قد شرط التعجيل.

الجزء: 3 - الصفحة: 136

وقال أبو حنيفة: لا يسترجع (حتى) 525 تتغير صفة المدفوع (إليه) 526 بموت أو ردة أو غنى.
فإن عجل الزكاة إلى فقير، فاستغنى في أثناء الحول، ثم افتقر قبل تمام الحول، أجزأه في أظهر الوجهين.
والصدقة المعجلة (تكون عند أبي حنيفة) 527 موقوفة بين الإجزاء عن الفرض، وبين التطوع، وعندما تكون موقوفة بين الإجزاء والاسترجاع.
فإن شككنا هل مات قبل تمام الحول، أو بعده، لم يسترجع في أظهر الوجهين.
فإن قال رب المال في الموضع الذي لم يشترط الرجوع بها، والإِمام الآخذ يعلم (أنه) 528 صدقة معجلة فأحلفه لي، حلّف على ذلك في أظهر الوجهين.
(وإذا) 529 اختلفا في شرط التعجيل، فالقول قول الفقير في أحد الوجهين.
إذا تسلف الساعي الزكاة بغير مسألة رب المال (وتلفت) 530 في يده واختل الوجوب في آخر الحول، ضمنها لرب المال.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يضمنها، وإن تسلفها بمسألة رب المال، كانت من ضمان رب المال.

الجزء: 3 - الصفحة: 137

وذكر في "الحاوي": أنه إذا كان قد تسلف بمسألة رب المال والعين باقية، كان له أن يرجع فيها، وفيه نظر.
وإن تسلفها بمسألة المساكين، كانت من ضمانهم، وإن تسلفها بمسألة المستحقين ورب المال، ففيه وجهان: أحدهما: أنه من ضمان (الفقراء) 531. والثاني: أنها من ضمان رب المال.
وذكر في "الحاوي": أن الإِمام إذا رأى (بأطفال) 532 المساكين حاجة إلى التعجيل (فاستسلف لهم، فتلف في يده) 533، فقد اختلف أصحابنا في استسلافه وضمانه على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق: أنه ليس له أن يستسلف (لهم) 534، وإذا استسلف لهم ضمنه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أن له أن يستسلف (لهم) 535 ولا ضمان (عليه) 536. والوجه الأول: ليس بشيء.
ولم أر هذين الوجهين إلا في "الحاوي".

الجزء: 3 - الصفحة: 138

وينبغي أن يكون الإستسلاف جائزًا وجهًا واحدًا، وفي وجوب الضمان وجهان: فأما ما تجب الزكاة فيه من غير حول كالعشر، وزكاة المعدن، والركاز فلا يجوز تعجيل زكاته قبل الوجوب 537. وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجوز تعجيل العشر، الأول أصح.
فإن عجل الزكاة عن نصاب ومات قبل تمام الحول، أجزأ المدفوع عن الوارث.
إذا قلنا: إنه يبنى حول الوارث على حول الموروث.

  • وإن قلنا: بقوله الجديد: استأنف الحول.
    (فإن) 538 تم حوله، أجزأه ما كان عجله موروثه على ظاهر المذهب.

الجزء: 3 - الصفحة: 139

باب قسم الصدقات

يجوز لرب المال تفرقة زكاة الأموال الباطنة بنفسه، وهي الذهب والفضة، وعروض التجارة، والركاز 539، وله أن يدفع إلى الإِمام، وفي الأفضل ثلاثة أوجه: أحدها: وهو الأظهر، أن تفرقته بنفسه أفضل.
والثاني: أن (الدفع) 540 إلى الإِمام أفضل 541.

الجزء: 3 - الصفحة: 140

والثالث: أن الإِمام إن كان عادلًا، فالدفع إليه أفضل، وإلَّا فتفرقته بنفسه أفضل 542 وأما الأموال الظاهرة وهي: الماشية و (الزروع) 543، والثمار، والمعادن-، فعلى قوله القديم: يلزمه (دفعها) 544 إلى الإِمام، وهو قول أبي حنيفة ومالك 545.

  • وعلى قوله الجديد: يجوز له تفرقتها بنفسه.
    وذكر في "الحاوي": أن الإِمام إذا كان جائرًا، لم يجز (الدفع) 546 إليه، ولا يجزئه.
    وقال أبو حنيفة: يجزئه دفعها إليه.
    وقال مالك: إن أخذها منه جبرًا أجزأه، وإن دفعها إليه (باختياره) 547 لم يجزه.
    ويجب على الإِمام أن يبعث السعاة لجباية الصدقات، ولا يبعث إلَّا = فقال: وفيم أنت من ذلك فقال: إنهم يشترون بها الأرض ويتزوجون بها النساء، فقال ادفعها إليهم، فإن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرنا أن ندفعها إليهم" رواه البيهقي في السنن الكبرى بإسناد فيه ضعف يسير، أنظر "السنن الكبرى" للبيهقي 4/ 115.

الجزء: 3 - الصفحة: 141

حرًا عدلًا فقيهًا، ولا يبعث هاشميًا ولا مطلبيًا إذا أراد أن يأخذ جزءًا من الزكاة.
وقيل: يجوز ذلك، وفي مواليهم وجهان: أحدهما: أنه يجوز أن يجعل عاملًا على الصدقات 548. فإن قال رب المال: بعت النصاب ثم اشتريته ولم يحل عليه الحول (أو) 549 قال: قد أديت زكاته وقلنا يجوز له تفرقته بنفسه، حلفه الساعي، وهل اليمين واجبة أو مستحبة؟ فيه وجهان: وكذا إن قال: هي وديعة ولم يصدقه الساعي، حلفه على ما ذكرناه.
وحكي عن بعض أصحابنا أنه قال: إذا قال هي وديعة عندي ودعواه لا تخالف الظاهر، فتكون اليمين مستحبة وجهًا واحدًا، وليس بصحيح.
وذكر في "الحاوي": أن الساعي يسأله عن مالك الوديعة، فإن لم يذكره، ففيه وجهان: أحدهما: أن قوله مقبول ولا زكاة عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 142

والثاني: وهو ضعيف، أنه تؤخذ منه الزكاة عند الإمتناع، وما ذكره الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه أصح.
فإن قال: بعته في أثناء الحول، ثم اشتريته، فشهد شاهدان على الماشية بأعيانها أنها لم تزل في ملكه من أول الحول إلى آخره (لا يعلمان) 550 أنها خرجت من ملكه قبلت شهادتهما.
ذكر في "الحاوي": (أنهما) 551 إذا كانا فقيهين في (جبران) 552 المال، لم تقبل شهادتهما، وإن لم يكونا من جبران المال قبلت، ولو قلت هذا (لكان) 553 أصوب.
ويسم الإِبل، والبقر في أفخاذها، والغنم في آذانها 554، ويكتب عليه زكاة أو صدقة.
وقال أبو حنيفة: يكره الوسم.
ولا يجوز للساعي ولا للإمام التصرف فيما يحصل من الزكاة حتى يوصلها بعينها إلى مستحقيها، فإن أخذ فى الزكاة نصف شاة، أو وقف عليه في الطريق شيء، جاز له بيعه.

الجزء: 3 - الصفحة: 143

وعند أبي حنيفة: يجوز أخذ القيمة في الزكاة ويصوفها فيما يراه مصلحة.
فإن لم يبعث الإِمام ساعيًا، وجب على رب المال تفرقة زكاته بنفسه.
ومن أصحابنا من قال: يجب عليه حملها إلى الإِمام على القول الذي لا يجوز له التفرقة بنفسه.

الجزء: 3 - الصفحة: 144

فصل

ولا يصح إخراج الزكاة إلَّا بالنية 555. وحكي عن الأوزاعي أنه قال: لا يفتقر إخراجها إلى النية.
وفي جوار تقديم النية على الدفع، بأن يعزل شيئًا بنية الزكاة، ثم يدفعها إلى الفقير من غير نية وجهان: أظهرهما: أنه يجوز.
فإن تصدق بجميع ماله ولم ينو به الزكاة، لم (يجزه) 556 شيء منه عن الزكاة.
وقال أصحاب أبي حنيفة: (يجزئه) 557 استحسانًا، وإن تصدق

الجزء: 3 - الصفحة: 145

ببعض ماله، ولم ينو به الزكاة، فقد قال محمد بن الحسن: يجزئه ذلك عن زكاة ذلك (البعض) 558. وقال أبو يوسف: لا يجزئه.
فإن حال الحول على ماله، فأفرد الزكاة ليحملها ويدفعها إلى أهلها فهلكت في الطريق، لم يجزه عن فرضه.
وقال مالك: يجزئه عن الزكاة.
وينوي الزكاة الواجبة، وإن نوى الزكاة أجزأه في أحد الوجهين (وإن) 559 وكل وكيلًا في دفع الزكاة، فنوى الوكيل عند الدفع إلى المستحق، ولم ينوِ رب المال، لم يجزه، وإن نوى رب المال ولم ينو الوكيل.
فمن أصحابنا من قال: يجزئه وجهًا واحدًا.
(ومن أصحابنا) 560 من قال: يبني على جواز تقديم نية الزكاة على الدفع.
وإن دفع الزكاة إلى الإِمام من غير نية، لم يجزه في أظهر الوجهين 561 كما لو دفع إلى المستحق.
فإن أخرج خمسة دراهم ونوى بجميعها الزكاة (وصدقة) 562

الجزء: 3 - الصفحة: 146

التطوع، لم يجزه عن الزكاة ووقع عن التطوع، وبه قال محمد بن الحسن.
وقال أبو يوسف: يجزئه عن الزكاة.
ويستحب للساعي أن يدعو لرب المال إذا أخذ الصدقة 563. وقال داود: يجب الدعاء له.
وحكي في "الحاوي": أن رب المال إذ سأله الدعاء، (هل) 564 يجب عليه؟ فيه وجهان وليس بشيء.

الجزء: 3 - الصفحة: 147

فصل

لا يجب صرف الزكاة إلى جميع الأصناف الثمانية المذكورين في الآية 565. وقال أبو حفص الباب شامي: يجوز صرف خمس الزكاة إلى من يصرف إليه خمس الفيء والغنيمة.
وقال أبو سعيد الإِصطخري: يجوز دفع زكاة الفطر إلى ثلاثة من الفقراء.
وقال أبو حنيفة والثوري: يجوز الإقتصار على بعض الأصناف في الصرف حتى أنه قال: لو دفعها إلى واحد من المستحقين، جاز.
وقال النخعي: إن كانت الزكاة كثيرة فرقها على الأصناف، وإن كانت قليلة دفعها إلى صنف واحد.

الجزء: 3 - الصفحة: 148

وقال مالك: يدفعها إلى أمسهم جاحة.
فإن كان الإِمام الذي يقسم الصدقة، قسمها على ثمانية أصناف، يبدأ بالعامل 566، فإن كان سهمه يزيد على أجرته، رد الفضل (على) 567 الباقين، وإن كان أقل من أجرته تمم له، ومن أين يتمم؟ . قال الشافعي رحمه اللَّه: يتمم من لهم المصالح، ولو قيل: يتمم من حق سائر الأصناف، لم يكن به بأس.
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: من بيت المال ولا يزاد على نصيبه.
والثاني: من الصدقة.
ومنهم من قال: هو 568 بالخيار، إن شاء تمم من سهم المصالح، وإن شاء من سهم الباقين ذكره أبو إسحاق.
ومنهم من قال: إن بدأ (بنصيبه) 569 فوجده ينقص عن أجرته تممه من سهام الباقين، وإن كان قد بدأ بسهام الأصناف، ففرقها، ثم وجد سهم (العاملين) 570 ينقص، تممه من سهم المصالح.
ومنهم من قال: إن فضل عن حاجة الأصناف شيء تمم منه، وإن

الجزء: 3 - الصفحة: 149

لم يفضل عن حاجة الأصناف شيء تمم من سهم المصالح، والصحيح: الطريق الأول.
ويعطى (الحاشر) 571، والعريف، (والكاتب) 572 من سهم العامل، ومؤونة النقال والحمال والحافظ من الوسط، وفي أجرة الكيال وجهان: قال أبو علي بن أبي هريرة: وهي على رب المال.
وقال أبو إسحاق: يكون على أهل السهمان، والأول أصح.
وفي أجرة الحفاظ والرعاة بعد قبضها وجهان: أحدهما: أنها من سهم العاملين.
والثاني: من أموال الصدقات (والأول أصح) 573.

الجزء: 3 - الصفحة: 150

فصل

وسهم (للفقراء) 574، والفقير أمس حاجة من (المسكين) 575، وهو الذي لا يجد ما يقع موقعًا من كفاية، فيدفع إليه ما تزول به حاجته 576، فإن كان قويًا وادعى أنه لا كسب له، قبل قوله وأعطي 577 (وحلف) 578

الجزء: 3 - الصفحة: 151

واجبًا في أحد الوجهين 579. وسهم (للمساكين) 580، والمسكين: هو الذي يجد ما يقع موقعًا من كفايته إلَّا أنه لا يكفيه كأنه يحتاج في كل يوم إلى عشرة دراهم، (ويكتسب) 581 كل يوم خمسة، فيدفع إليه تمام الكفاية.
وقال أبو حنيفة: المسكين أمس حاجة من الفقير، وبه قال الفراء، وثعلب 583 واختاره أبو إسحاق المروزي، وبقولنا قال مالك 584. فإن ادعى (عيلة) 585 لا يكتسب ما يكفيهم، لم يقبل قوله إلَّا ببينة في أحد الوجهين، فإن ادعى تلف ماله، لم يقبل إلَّا ببينة، لأنه روي في الخبر حتى (يشهد) 586 ثلاثة من ذوي (الحجى) 587 من قومه.582

الجزء: 3 - الصفحة: 152

فمن أصحابنا من قال: الثلاثة في هذه البينة.
وقيل: بل ذلك تغليظ.
فإن كان له كسب يكفيه على الدوام، أو ضيعة يستغلها ما يكفيه، لم يجز له أخذ الزكاة، وإن كان لا يكفيه، جاز له أخذ تمام الكفاية من الزكاة.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن معه نصاب، أو ما قيمته نصاب، جاز له أخذ الزكاة، ولا يمنع منها الكسب، وإن كان معه نصاب، أو ما قيمته نصاب فاضلًا عن سكنه، وخادمه، حرم عليه أخذ الزكاة وإن (كان) 588 لا يكفيه ذلك.
وقال أحمد: إذا ملك خمسين درهمًا، لم يجز له أخذ الزكاة.

الجزء: 3 - الصفحة: 153

فصل

(وسهم للمؤلفة) 589: وهم ضربان، مؤلفة المسلمين، ومؤلفة الكفار، (فمؤلفة الكفار) 590 ضربان: ضرب يرجى خيره، وضرب يخاف شره، وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يعطيهم، وهل يعطون بعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فيه قولان: أحدهما: يعطون ولكن من غير الزكاة 591. ومؤلفة المسلمين أربعة 592.

الجزء: 3 - الصفحة: 154

  • قوم لهم شرف، فيعطون ليرغب نظراؤهم في الإِسلام 593.
  • وقوم (نيتهم) 594 في الإِسلام ضعيفة، فيعطون لتقوى نيتهم، (وكان) 595 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يعطيهم 596، (وهل يعطون بعده -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فيه قولان: أحدهما: لا يعطون، وهو قول أبي حنيفة.
    والثاني: يعطون) 597. ومن أين يعطون؟ فيه قولان: أحدهما: من الصدقات.
    والثاني: من خمس الخمس.
  • والضرب الثالث: قوم من المسلمين (بينهم) 598 قوم من الكفار، (إن) 599 أعطوا قاتلوهم.
  • وقوم (يليهم) 600 قوم من أهل الصدقات، إن أعطوا أحبوا

الجزء: 3 - الصفحة: 155

الصدقات، وفيهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم يعطون من سهم المصالح.
والثاني: من سهم المؤلفة من الزكاة.
والثالث: من سهم الغزاة.
والرابع: وهو المنصوص عليه أنهم يعطون (من سهم) 601 الغزاة، وسهم المؤلفة.
واختلف أصحابنا في هذا القول.
فمنهم من قال: إنما أعطاهم من النصيبين على القول الذي يقول: إن من اجتمع فيه (سببان) 602 يعطى بهما، فأما إذا قلنا: يأخذ بأحدهما، فإنهم لا يعطون (بهما) 603. (ومنهم من قال: ها هنا يعطون من السهمين بخلاف غيرهم) 604. ومنهم من قال: من قاتل منهم مانعي الزكاة، أعطي من سهم المؤلفة من الزكاة، ومن قاتل منهم الكفار، أعطي من سهم الغزاة.
وقال أقضى القضاة الماوردي: الأصح عندي (أن) 605 يعطى بعضهم من سهم الغزاة، وبعضهم من سهم المؤلفة، فيمنع من الجمع في شخص واحد (من) 606 السهمين، ويكون الجمع بينهما للجنس.

الجزء: 3 - الصفحة: 156

فصل

وسهم (للرقاب): وهم المكاتبون، فيعطون عند حلول النجم، وهل يجوز أن يعطى قبل أن يحل عليه نجم؟ فيه وجهان:

  • فإن كان قد سلم ما أخذه من الزكاة إلى المولى وبقيت عليه بقية (فعجّزه) 607 المولى (وفسخ) 608 الكتابة، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يسترجع من المولى ذلك.
    وإن كان ما أخذه تالفًا قبل أن يمكنه دفعه إلى مولاه، لم يضمنه المكاتب، وهل يضمنه المولى؟ فيه وجهان: أحدهما: (أنه) 609 لا يضمنه.
    والثاني: يضمنه.

الجزء: 3 - الصفحة: 157

فإن ادعى أنه مكاتب، لم يقبل إلَّا ببينة، فإن صدقه المولى، ففيه وجهان.
أصحهما: أنه يقبل 610. والمراد بالرقاب (في الآية) 611: المكاتبون، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وروي عن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه.
وقالت طائفة: المراد به أن يشترى من الصدقة عبيدًا (فيفتدى) 612 عتقهم، روي ذلك عن ابن عباس، والحسن البصري، وبه قال مالك، وروي عن أحمد.

الجزء: 3 - الصفحة: 158

فصل

وسهم للغارمين: وهم ضربان.

  • ضرب غرم لإِصلاح ذات البين بأن (تحمل مالًا أتلف) 613 في (الحرب) 614 لتسكين فتنة، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يعطى مع الغنى.
    وقال أبو حنيفة: لا يدفع إليه مع الغنى.
  • وإن غرم لمصلحة نفسه في غير معصية، فهل يعطى مع الغني، فيه قولان: قال في "الأم": يعطى.

الجزء: 3 - الصفحة: 159

  • (وإن) 615 غرم في معصية (ثم) 616 تاب عنها، فهل يعطى مع الفقر؟ فيه وجهان: فإن دفع إليه من سهم الغارمين (ما يبرىء) 617 من الدين استرجع منه، فإن لم يسترجع حتى لزمه دين آخر، صار به غارمًا، فهل يسترجع منه؟ فيه وجهان:
  • فإن ادعى الغرم وصدقه الغريم، ففيه وجهان كالمكاتب.

الجزء: 3 - الصفحة: 160

فصل

وسهم في سبيل اللَّه: وهم الغزاة الذين إذا نشطوا غزوا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
وقال أحمد: يجوز أن يدفع ذلك إلى من يريد الحج.
ويدفع إلى الغازي مع الغني.
وقال أبو حنيفة: لا يدفع إليه، إلَّا أن يكون فقيرًا.
وسهم لابن السبيل: وهو المسافر، ومن ينشىء سفرًا وهو محتاج في سفر طاعة فيدفع إليه ما يبلغه (مقصده) 618 ويعود به، وإن كان سفره مباحًا، ففيه وجهان: ولا يعطى في سفر المعصية، والمريد للسفر، والقول قوله في إرادته السفر، وفي إحلافه على إرادته السفر وجهان: أحدهما: أنه لا يعطى إلَّا بعد اليمين، وهو قول أبي إسحاق.

الجزء: 3 - الصفحة: 161

وقال أبو علي بن أبي هريرة: (لا يحلف) 619. وقال أبو حنيفة ومالك: ابن السبيل هو المختار في السفر دون المنشيء له.
وعند أبي حنيفة: يجوز أن يدفع إليه في سفر المعصية.
ومن يأخذ (الصدقة) 620 مع الغنى خمسة: العامل، والغارم لإِصلاح ذات البين، والمؤلفة، والغازي، وابن السبيل إذا كان غنيًا في بلده محتاجًا في مكانه.
ومن يأخذ أخذًا غير مستقر أربعة: الغارم، والمكاتب، والغازي، وابن السبيل.
ويجب التسوية بين الأصناف في (السهام) 621 ويستحب أن يعمم كل صنف، وأقل من يجزىء الدفع إليه ثلاثة 622 فإن دفع إلى اثنين، ضمن نصيب الثالث، وفي قدر الضمان قولان: أحدهما: الثلث وهو القدر المستحب.
والثاني: أقل جزء من السهم وهو (القدر) 623 الواجب.
(وقال أبو حنيفة: يجوز أن يقتصر على بعض الأصناف في الدفع) 624.

الجزء: 3 - الصفحة: 162

فإن اجتمع في شخص واحد سببان يستحق بكل واحد منهما الأخذ من الزكاة، ففيه ثلاثة طرق: أحدها: أنه لا يعطى بالسببين، بل يقال له: اختر أيهما شئت لتعطى به.
والثاني: أنه إن كان السببان متجانسين أعطي بأحدهما بأن يستحق بهما لحاجته (إلينا) 625 كالفقير الغارم لمصلحة نفسه، (أو لحاجتنا إليه) 626 كالغازي الغارم لإِصلاح ذات البين، وإن اختلفا دفع إليه بهما 627. والثالث: فيه قولان:

  • فإن كان الإِمام هو الذي يفرق الزكاة، فهل يشتري الخيل (بسهم الغزاة) 628، أو يدفع إليهم أثمانها؟ فيه وجهان: ويجب صرف الزكاة إلى المستحقين في بلد المال 629، فإن نقل إلى الأصناف في غير بلد المال، ففيه قولان: أحدهما: يجوز.
    والثاني: أنه لا يجوز ولا يجزىء.

الجزء: 3 - الصفحة: 163

(ومن أصحابنا من قال) 630: القولان في جواز النقل، فأما إذا نقل، فإنه يجزئه قولًا واحدًا، ذكر هذه الطريقة الشيخ أبو حامد وقال: هي المذهب.
وفي زكاة الفطر وجهان: أحدهما: أن الاعتبار بالبلد الذي هو فيه (حاليًا) 631. (والثاني: أن الاعتبار بالبلد الذي هو فيه) 632. فإن نقل الصدقة إلى موضع (لا تقصر إليه) 633 الصلاة، ففيه طريقان: أظهرهما: أنه على القولين.
والثاني: أنه يجزئه قولًا واحدًا.
فإن كان البلد كبيرًا كبغداد، والبصرة، كان جيران المال أخص بها، وهل يمنع من النقل إلى غيرهم؟ ذكر في "الحاوي" وجهين: أحدهما: أنه على القولين في نقل الصدقة.
والثاني: يجوز قولًا واحدًا وهو الأصح، وذكر أن المذهب عندي فيمن هو خارج المصر أن يعتبر فيه، أن يكون ممن يلزمه (الحضور للجمعة) 634 في المصر، فيجوز النقل إليه، فهو أولى من الوجهين المتقدمين في اعتبار مسافة القصر.

الجزء: 3 - الصفحة: 164

فأما إذا وجد بعض (أهل السهمين) 635 في بلد المال دون بعض ووجدهم في بلد آخر، فمن أصحابنا من بنى ذلك على القولين في جواز النقل، فإن قلنا: يجوز (النقل) 636، وجب نقلها إلى بقية الأصناف، وإن قلنا: لا يجوز النقل، وجب صرفها إلى الموجودين.
ومنهم من قال: تنقل ها هنا قولًا واحدًا.
فإن كان له أربعون شاة، عشرون في بلد، وعشرون في بلد آخر.
فقد قال الشافعي رحمه اللَّه: إذا أخرج الشاة في أحد البلدين، كرهت وأجزأه.
(ومن) 637 أصحابنا من قال: إنما (ذلك) 638 على القول الذي يقول: إن نقل الصدقة جائز، وهو قول أبي حفص بن الوكيل.
ومنهم من قال: يجزئه قولًا واحدًا.
ومن قال بالأول قال: لو كان على قول واحد لما كرهه.
فإن ادعى أنه أخرج الشاة في أحد البلدين، (فكذبه) 639 الساعي فنكل عن اليمين الواجبة عليه في أحد الوجهين، أخذت منه الزكاة لما تقدم من الظاهر لا لنكوله.

الجزء: 3 - الصفحة: 165

ذكر في "الحاوي": قال 640 أبو العباس بن سريج: لا تؤخذ منه الزكاة بنكوله ولكنه يحبس حتى (يحلف أو يؤدي) 641. فإن كان من أهل الخيام الذين ينتجعون الماء والكلاء، فإن كانوا متفرقين، فموضع الصدقة من عند المال إلى حيث تقصر فيه الصلاة، وإن كانوا في حلل مجتمعة، ففيه وجهان: أحدهما: أن كل حلة (كبلدة) 642. والثاني: (أنها) 643 كالقسم (قبله) 644، وجيران المال في أحد الوجهين، أهل محلته إلى أربعين دارًا.
وقيل: (أهل) 645 البلد، فإن كان جيرانه أجانب، وأقاربه أباعد، فقد ذكر في "الحاوي" (أن) 646 الجيران أحق (به) 647. وقال أبو حنيفة: أقاربه أحق، وهذا الذي حكاه على مذهب الشافعي فيه نظر.

الجزء: 3 - الصفحة: 166

ولو قيل؛ (بالتسوية) 648 بينهم (لكان) 649 أقرب.
فإن قسمت الصدقة على الأصناف، فنقص نصيب بعضهم (عن كفايتهم) 650 وفضل نصيب بعضهم.

  • فإن قلنا: المغلب حكم المكان، صرف الفاضل إلى الباقين في بلد المال.
  • وإن قلنا: إن الغالب حكم الأصناف، صرف الفاضل إلى ذلك المصنف في غير بلد المال.
    ولا يجوز إخراج القيمة في الزكاة، وبه قال مالك وأحمد، إلَّا أن مالكًا قال: يجوز إخراج الذهب عن الفضة، والفضة عن المذهب على سبيل البدل.
    وعن أحمد: في إخراج الذهب عن الفضة روايتان.
    وقال أبو حنيفة: يجوز إخراج القيمة في ذلك، ولا يجوز إخراج المنافع، ولا إخراج نصف صاع من بر عن صاع من شعير في الفطرة.

الجزء: 3 - الصفحة: 167

فصل

ولا (يجوز صرف) 651 الزكاة إلى هاشمي 652 ولا مطلبي 653.

الجزء: 3 - الصفحة: 168

(وحكي فيه وجه آخر: أنه يجوز) 654. وقال أبو سعيد الإِصطخري: إن منعوا حقهم من الخمس، جاز أن يدفع إليهم من الزكاة، والمذهب الأول.
وفي مواليهم وجهان: وقال أبو حنيفة: لا تحرم الصدقة على آل المطلب، وإنما تحرم على ولد العباس، وعلي، وجعفر، وعقيل، والحارث بن عبد المطلب.
ولا تحرم صدقة التطوع على ذوي القربي، وهل كانت محرمة على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على قولين.
وقال أبي علي بن أبي هريرة: ما كان من صدقات التطوع على الأعيان، كان حرامًا عليه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وما كان مسبلًا على الكافة، لم يحرم عليه كصلاته في المساجد.
قال صاحب الحاوي: والأصح (عندي) 655، أن ما كان أموالًا (متقومة) 656، كانت عليه محرمة، وما لم تكن أموالًا (مقومة) 657 تحرم عليه.
ولا يجوز دفع الزكاة إلى كافر 658.

الجزء: 3 - الصفحة: 169

وحكي عن الزهري، وابن شبرمة 659 أنهما قالا: يجوز دفعها إلى أهل الذمة.
وقال أبو حنيفة: يجوز دفع زكاة الفطر (إليه دون) 660 غيرها.
ويجوز أن تدفع الزوجة من زكاتها إلى زوجها، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
فإن دفع الزكاة إلى من (ظاهره الفقر) 661، فبان غنيًا، فهل يضمن رب المال الزكاة؟ فيه قولان: أحدهما: أنها تجزئه، ولا ضمان عليه، وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: لا تجزئه، وله أن يسترجع ما دفع إن كان قد شرط أنه زكاة.
فأما إذا بان المدفوع إليه كافرًا، ففيه طريقان: أحدهما: أنه على القولين.
ومن أصحابنا من قال: إن كان الدفع من جهة الإِمام، ففيه قولان، وإن كان من جهة رب المال، فقولًا واحدًا يجب عليه الضمان.
ومن وجبت عليه زكاة، ومات قبل الأداء، وجب ضمانها في تركته.
وقال أبو حنيفة: يسقط بالموت.

الجزء: 3 - الصفحة: 170

فإن اجتمعت الزكاة ودين الآدمي، وضاق المال عن الوفاء بهما، ففيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه يقدم حق اللَّه عز وجل.
والثاني: يقدم دين الآدمي.
والثالث: أنه يقسم بينهما.

الجزء: 3 - الصفحة: 171

فصول الكتاب · 47 فصل
فصول حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ط الرسالة الحديثة
المقدمةمقدمة الطبعة الثانيةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب (الحج)كتاب البيوعكتاب التفليسكتاب -الصلح-كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب الإجارةكتاب اللقطةكتاب الوقفكتاب الهباتكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب (المكاتب)كتاب (1) عتق أمهات الأولادكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الخلعكتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب (1) العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب الدياتكتاب السيركتاب الحدودكتاب الأقضيةكتاب (الدعوى) (1) والبيناتكتاب الشهاداتكتاب (1) الاقرار
جارٍ التحميل