باب ولاية القضاة وأدب (القاضي)
1 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 8 - الصفحة: 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ سورة يونس: 19 لفصل الحكم وقطع.
وقال أبو ذئب:
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أوضع التوابع تبع
أي صنعهما وأحكم صنعتهما./ النظم المستعذب 2: 29.
قال السرخسي رحمه اللَّه: اعلم بأن القضاء بالحق من أقوى الفرائض بعد الإيمان باللَّه تعالى، وهو من أشرف العبادات، لأجله أثبت اللَّه تعالى لآدم عليه السلام اسم الخلافة فقال جل جلاله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ سورة البقرة: 30 وأثبت ذلك لداود عليه السلام فقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ سورة ص 26 وبه أمر كل نبي مرسل، حتى خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ سورة المائدة/ 47 وقال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ سورة المائدة/ 49.
وهذا لأن في القضاء بالحق إظهار العدل، بالعدل قامت السموات والأرض ورفع الظلم، وهو ما يدعو إليه عقل كل عاقل، وإنصاف المظلوم من الظالم، واتصال الحق إلى المستحق، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ولأجله، بعث الأنبياء، والرسل، صلوات اللَّه عليهم، وبه اشتغل الخلفاء الراشدون رضوان اللَّه عليهم أجمعين/ المبسوط للسرخسي 16: 59 - 60.
هذا والأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة، والإِجماع.
أما الكتاب: فقول اللَّه تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سورة ص/ 26.
وقول اللَّه تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ سورة المائدة/ 49، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ سورة النور/ 48، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ سورة النساء/ 65.
وأما السنة: فما روى عمرو بن العاص عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ له أجر) / السنن الكبرى 10: 118. =
الجزء: 8 - الصفحة: 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه، ولذلك جعل اللَّه فيه أجرًا مع الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ، ولأن فيه أمرًا بالمعروف، ونصرة المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، وردًا للظالم عن ظلمه، وإصلاحًا بين الناس، وتخليصًا لبعضهم من بعض، وذلك من أبواب القرب، ولذلك تولاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والأنبياء قبله، فكانوا يحكمون لأممهم، وبعث عليًا كرم اللَّه وجهه إلى اليمن قاضيًا، وبعث عبد اللَّه بن مسعود إِلى الكوفة قاضيًا، ولأن الظلم في الطباع، فلا بد من حاكم ينصف المظلوم من الظالم.
وقد روى عن ابن مسعود أنه قال: لأن أجلس قاضيًا بين اثنين أحب إلي من عبادة سبعين سنة.
وعن عقبة بن عامر قال: جاء خصمان يختصمان إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: (أقض بينهما) قلت: أنت أولى بذلك، قال: (وإن كان) قلت: علام أقضي؟ قال: (أقض، فإن أصبت فلك عشرة أجور، وإن أخطأت فلك أجر واحد) رواه سعيد في سننه، ورواه أيضًا ابن عدي وابن عساكر كما في منتخب كنز العمال جـ 2: 194.
وفيه خطر عظيم، ووزر كبير لمن لم يؤد الحق فيه، ولذلك كان السلف رحمة اللَّه عليهم يمتنعون منه أشد الامتناع، ويخشون على أنفسهم خطره.
قال خاقان بن عبد اللَّه: أريد أبو قلابة على قضاء البصرة، فهرب إلى اليمامة، فأريد على قضائها، فهرب إلى الشام، فأريد على قضائها وقيل: ليس هاهنا غيرك، قال: فأنزلوا الأمر على ما قلتم، فإنما مثلي مثل سابح وقع في البحر، فسبح يومه فانطلق، ثم سبح اليوم الثاني فمض أيضًا، فلما كان اليوم الثالث، فترت يداه، وكان يقال: أعلم الناس بالقضاء أشدهم له كراهة.
ولعظم خطره قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: (من جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين).
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقيل في هذا الحديث أنه لم يخرج مخرج الذم للقضاء، وإنما وصفه بالمشقة، فكان من وليه قد حمل على مشقه لمشقه الذبح/ المغني لابن قدامة 10: 32 - 33، والمبسوط للسرخسي 16: 59 - 60، والمهذب للشيرازي 2: 290 وبدائع الصنائع 6: 2 - / ونيل الأوطار 8: 269.
الجزء: 8 - الصفحة: 112
إذا اتفق جماعة يصلحون 2 للقضاء، اختار الإمام أورعهم، وقلده، فإن اختار غيره، جاز 3 وهل للإِمام أن يجبر واحدًا منهم على الدخول (فيه) 4؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن له إجباره 5.
والثاني: (أنه) 6 ليس له إجباره.
ولا يجوز أن يكون القاضي فاسقًا 7.
وقال الأصم: يجوز أن يكون القاضي فاسقًا، وكذلك (الأمير) 8
الجزء: 8 - الصفحة: 113
ولا يجوز أن يكون امرأة 9.
وقال ابن جرير الطبري: يجوز أن (تكون) 10 قاضية.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود، والقصاص 11.
وفي الأخرس الذي يفهم الإِشارة وجهان، كالشهادة، ولا يجوز أن يكون جاهلًا بطرق الأحكام، وبه قال أحمد 12. = (سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن أوقاتها، فصلوها لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة) أخرجه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط عن شداد بن أوس، وفيه راشد بن داود، ضعفه الدارقطني، ووثقه ابن معين/ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد جـ 1: 325 ومعنى سبحه.
نافلة.
الجزء: 8 - الصفحة: 114
واختلف أصحاب أبي حنيفة.
فمنهم من قال: بذلك.
ومنهم من قال: يجوز أن يكون عاميًا، فيقلد ويحكم 13. = الجنة، وأما اللذان في النار، فرجل عرف الحق فجار في حكمه فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار).
رواه ابن ماجه 2: 776. ولأنه إذا لم يجز أن يفتي الناس وهو لا يلزمهم الحكم، فلأن لا يجوز أن لا يقضي بينهم وهو يلزمهم الحكم أولى/ المهذب 2: 291.
الجزء: 8 - الصفحة: 115
واختلف فيمن طلب القضاء رغبة في الولاية، والنظر.
فقيل: (إنه) 14 يكره أن يكون طالبًا أو مجيبًا، إذا طلب، وهو ظاهر قول ابن عمر رضي اللَّه عنهما، ومكحول 15.
وقيل: يستحب ذلك، وهو ظاهر قول (ابن) 16 عمر، والحسن، ومسروق.
وقيل: يكره أن يكون طالبًا، ويستحب أن يكون مجيبًا إذا طلب، وهو قول المتوسطين من الفقهاء.
ولا يجوز للقاضي المجتهد أن يقلد غيره في الحكم، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، (وأحمد) 17.
وقال أبو حنيفة: يجوز له ترك رأيه إلى رأي من هو (أقوى) 18 رأيًا (منه) 19، وأفقه، فيقلده.
وقال القدوري من أصحابه: إنما أراد بذلك، إذا لم يبن له الحكم في الحادثة، فإما أن يعمل بقول غيره وهو يعتقد خطأه (فلا) 20 والأول هو المشهور من قوله.
الجزء: 8 - الصفحة: 116
وقال أبو العباس بن سريج: إذا خاف فوت الوقت إن اشتغل بالاجتهاد، جاز له التقليد بأن يكون الحكم بين مسافرين لا يمكنهم (التأخير) 21 عن الصحبة فإن كان يعتقد مذهب الشافعي رحمه اللَّه، فأداه اجتهاده إلى قول أبي حنيفة، أو كان يعتقد مذهب أبي حنيفة (فأداه) 22 اجتهاده في حادثة إلى قول الشافعي حكم (بما) 23 أداه اجتهاده إليه.
وحكي في الحاوي: قال بعض الفقهاء، وساعده بعض أصحابنا، أنه لا يجوز أن يحكم بمذهب غيره، لأنه (يتهم) 24.
وقال أبو حنيفة: (يتخير) 25 بين المذاهب.
فإن تحاكم رجلان إلى من يصلح أن يكون حاكمًا، ليحكم بينهما، جاز 26، وما الذي (يلزم) 27 به الحكم؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه لا يلزم إلا بتراضيهما، وهو اختيار المزني 28.
الجزء: 8 - الصفحة: 117
والثاني: أنه يلزم بنفس الحكم 29.
واختلف أصحابنا فيما يجوز فيه التحكيم.
فمنهم من قال: يجوز في كل ما يجوز التحاكم فيه 30.
ومنهم من قال: يجوز في الأموال دون النكاح، واللعان، والقصاص، وحد القذف 31.
وهل يملك القاضي قبض الصدقات إذا لم يكن لها ناظر بمطلق الولاية؟ فيه وجهان: وفي إقامة الجمعة، والعيد إذا لم ينتدب لها إمام، وجهان:
أحدهما: يقيمها القاضي.
والثاني: أن إقامتها إلى الأمير.
وهل يجوز أن يجعل القضاء إلى اثنين في مكان واحد، في زمان واحد، في حق واحد؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز 32.
والثاني: لا يجوز 33.
فإن قال: فوضت إليك القضاء، أو رددت إليك القضاء، أو
الجزء: 8 - الصفحة: 118
جعلت إليك القضاء، أو أسندت إليك القضاء، (ففيه) 34 وجهان:
أحدهما: أنه صريح، ، كقوله: (قلدتك) 35 القضاء، أو وليتك القضاء، أو استحلفتك على القضاء، أو استنبتك على القضاء.
والثاني: أنه كناية.
وذكر في الحاوي: أنه أصح كقوله: عولت عليك في القضاء أو اعتمدت عليك في القضاء.
وإذا ولاه القضاء على بلد، كتب له العهد 36، وأشهد على نفسه (بما كتبه له) 37، إن كان البلد بعيدًا (أو كان البلد قريبًا) 38 بحيث يتصل به (الخبر) 39 بالتولية، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق: أنه يجب الإشهاد 40.
والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري، أنه لا يجب الإِشهاد، ويكفي بلوغ الخبر بالإستفاضة 41.
الجزء: 8 - الصفحة: 119
فإن ولاه عملًا، (يقدر عليه) 42 ولم يأذن له في الاستخلاف، فهل يجوز (له الاستخلاف؟ ) 43 فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري، أنه يجوز 44.
والثاني: (أنه) 45 لا يجوز وهو المذهب.
(وإن كان قد ولاه عملًا لا يقدر أن يتولاه بنفسه 46، فإنه يجوز أن يستخلف فيما (لا) 47 يقدر عليه فيه.
(وهل يجوز أن يستخلف فيما يقدر عليه منه؟ ) 48 فيه وجهان:
أحدهما: أنه له ذلك 49.
والثاني: لا يجوز له 50. = الهجرة.
والمستحب أن ينزل وسط البلد ليتساوى الناس كلهم في القرب منه، ويجمع الناس ويقرأ عليهم العهد، وليعلموا التولية وما فوض إليه/ المهذب 2: 292.
الجزء: 8 - الصفحة: 120
باب ما على القاضي في الخصوم والشهود
(لا يجوز) 51 للقاضي أن يعزل من ولاه الإمام، إلا أن يكون قد جعله نائبًا عنه، ففي جواز عزله له وجهان:
أحدهما: أنه يجوز له عزله، كما لو استنابه هو.
ولا يجوز أن يحكم لولده، ولا لوالده وإن علا.
وقال أبو ثور: يجوز (له) 52 أن يحكم لكل واحد منهما (وإن تحاكم إليه) 53 ولده ووالده في خصومه بينهما.
فقد قال بعض أصحابنا: يحتمل وجهين.
الجزء: 8 - الصفحة: 121
أحدهما: أنه لا يجوز له الحكم بينهما 54.
والثاني: أنه يجوز 55.
(ذكر) 56 في الحاوي: في جواز حكمه لولده (ووالده) 57 ثلاثة أوجه.
أحدها: أنه لا يجوز كما لا يجوز أن يشهد له.
والثاني: أنه يجوز أن يحكم له، وإن لم يجز أن يشهد له.
والثالث: أنه يجوز أن يحكم بالإِقرار له، (ولا يجوز) 58 أن يحكم له بالبينة.
(وأخذ) 59 الرشوة على الحكم حرام 60، وأما الهدية 61.
الجزء: 8 - الصفحة: 122
فالذي ذكر أصحابنا: أن المهدي إِذا لم تجر عادته بالهدية قبل الولاية، فقبول الهدية منه بعد الولاية حرام 62.
والمحكي عن أبي حنيفة وأصحابه: جواز (قبولها) 63 وإن كره.
وإن كان ممن جرت عادته بالهدية له قبل الولاية، ففي قبول الهدية منه بعد الولاية وجهان.
= لكم، وهذا أهدي إليّ، ألا جلس في بيت أبيه أو أمه فينظر، أيهدى إليه أم لا، والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحد منها شيئًا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته) / السنن الكبرى 10: 138. فدل على أن ما أهدي إليه بعد الولاية لا يجوز قبوله.
الجزء: 8 - الصفحة: 123
وما الذي يصنع بما قبله؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يرد إلى بيت المال.
والثاني: أنه يرده على من دفعه إليه، وكذا حكم العامل في الصدقات إذا أخذ الهدية.
ويعتبر في تمام عقد الولاية، قبول (المولَّى) 64 فإن كان غائبًا (فشرع) 65 في النظر لما بلغه قبل القبول، فهل يكون ذلك (قبولًا) 66 فيه وجهان:
أحدهما: أنه يكون قبولًا.
والثاني: (أنه) 67 لا يكون قبولًا حتى يصرح بالقبول.
ولا يجوز للقاضي أن يسمع البينة على حكم نفسه، وبه قال أبو يوسف وأبو حنيفة.
وقال ابن أبي ليلى، وأحمد، ومحمد: يجوز للقاضي أن يسمع البينة على حكم نفسه كما يسمعها على حكم غيره.
= إلا من ذي رحم محرم عنه، فقد كان التهادي بينهم قبل ذلك عادة، ولأنه من جوالب القرابة وهو مندوب إلى صلة الرحم، وفي الرد معنى قطيعة الرحم، وقطيعة الرحم من الملاعن.
فأما في حق الأجانب، فقبول القاضي الهدية من جملة ما يقال: إذا دخلت الهدية من الباب خرجت الأمانة من الكوة/ المبسوط للسرخسي 16: 82، وأنظر الهداية 3: 76.
الجزء: 8 - الصفحة: 124
وإن شهد على حكمه عند غيره، ولم يكن قد أكذب الشهود، وإنما رد الشهادة على حكمه، لأنه لم يذكر حكمه، وهو لا يرى سماع الشهادة على حكم نفسه، فيجوز لغيره أن يحكم بها.
فإن كان الحاكم قد أنكر الحكم، ولم يكذِّب المشهود فلا يجوز لغيره أن يسمع الشهادة على حكمه مع إنكاره.
وقال مالك: يجوز أن يسمعها ويحكم بها.
فإن اتفق للقاضي خصومة، ارتفع إلى حاكم آخر، فإن ارتفع إلى بعض خلفائه (ففيه) 68 وجهان:
أحدهما: يجوز.
والثاني: لا يجوز وهو الأظهر.
ويكره الجلوس (للقضاء) 69 في المسجد.
وحكي عن الشعبي، ومالك، (وأحمد) 70، وإسحاق أنهم قالوا: لا يكره ذلك بحال.
وعن أبي حنيفة: روايتان:
الجزء: 8 - الصفحة: 125
إحداهما: يكره.
والثانية: لا يكره في المسجد الأعظم 71.
(وإن) 72 احتاج إلى كاتب، اتخذ كاتبًا أمينًا 73، وهل يجوز أن يكون كافرًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجوز 74.
والثاني: (أنه) 75 يجوز 76. = والفتيا، وغير ذلك من حوائجهم، وكان أصحابه يطالب بعضهم بعضا بالحقوق في المسجد، وربما رفعوا أصواتهم.
فقد روى عن كعب بن مالك أنه قال: تقاضيت ابن أبي حدرد دينًا في المسجد حتى ارتفعت أصواتنا، فخرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأشار إلي أن أضع من دينك الشطر، فقلت: نعم يا رسول اللَّه، قال: (فقم فاقضه).
أخرجه مسلم 3: 1192، وأخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
الجزء: 8 - الصفحة: 126
فإن سلَّم (أخذ الخصمين) 77 على القاضي، ففي فرض رده ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه (يرد) 78 عليه في الحال.
والثاني: (يرد) 79 عليه بعد الحكم.
والثالث: أنه يرد في الحال عليهما معًا.
ومنع بعض الفقهاء: (من) 80 الرد على الأحوال كلها.
وإذا شهد عند الحاكم شاهد، ولم يعلم حريته، سأل عنها، وهل يرجع إلى قوله (في حريته) 81؟ فيه وجهان.
أحدهما: وهو ظاهر النص، (أنها) 82 (تثبت) 83 بقوله.
والثاني: وهو الأظهر أنها (لا تثبت) 84 بقوله.
الجزء: 8 - الصفحة: 127
وإن جهل عدالته، وجب عليه السؤال عنها، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وأحمد 85.
وقال أبو حنيفة: يكتفى بظاهر العدالة إلا في (الحدود) 86 والقصاص، وإذا طعن الخصم 87.
واختلف أصحابنا فيمن ولي أمور المسلمين من القضاة، والأئمة في حضور الولائم على ثلاثة أوجه.
أحدها: أنها كغيرهم في الندب.
والثاني: أنه يسقط عنه فرض الإِجابة.
والثالث: أنه إن كان (مرتزقًا) 88، لم يحضر، وإن كان غير (مرتزق) 89 حضر.
ويتخذ قومًا من أصحاب المسائل ليتعرف بهم أحوال الشهود، وهل يعتبر العدد (فيهم) 90، (فيكون الحكم) 91 بشهادتهم، أو بشهادة المسؤولين من الجيران؟ فيه وجهان:
الجزء: 8 - الصفحة: 128
قال أبو إسحاق: يحكم بشهادة الجيران، لأنهم يشهدون (بالجرح) 92، فعلى هذا يقتصر على قول الواحد من أصحاب المسائل، ويعتبر العدد في المسؤولين، ولفظ الشهادة.
وقال أبو سعيد الاصطخري: وهو ظاهر النص يحكم شهادة أصحاب المسائل 93، ولا يحتاج إلى إحضار الجيران، فيعتبر العدد في أرباب المسائل، ولفظ الشهادة، ولا يعتبر العدد في المسؤولين، ويكفي واحد (فقد) 94 حصل من هذا، أنه لا بد من العدد في التزكية، والجرح، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يكون المزكي واحدًا 95. .
ولا يقبل الجرح إلا مفسرًا ببيان السبب، وبه قال أحمد 96.
(وقال أبو حنيفة: لا يحتاج إلى بيان السبب) 97.
الجزء: 8 - الصفحة: 129
قال الشافعي رحمه اللَّه: ولا يقبل التعديل حتى يقول: هو عدل عليّ ولي 98.
قال أبو سعيد الأصطخري: يكفي قوله عدل، وهو قول أبي علي الطبري، وهو مذهب أهل العراق، ومالك وأحمد 99.
وقال أكثر أصحابنا: بظاهره.
فإن قال المزكي: لا أعرف منه إلا خيرًا، لم يكف.
(وحكى الطحاوي) 100 عن ابن معبد عن أبي يوسف أنه قال: أقبل شهادته، ولم يذكر خلافًا.
فإن شهد مجهول العدالة فقال: (المشهود عليه) 101 هو عدل، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز للحاكم أن يحكم بشهادته 102. = الجارح فاسقًا ويوجب عليه الحد في بعض الحالات، وهو أن يشهد عليه بالزنا، فيفضي الجرح إلى جرح الجارح، وتبطيل شهادته، ولا يتجرح بها المجروح/ المغني لابن قدامة 10: 61.
الجزء: 8 - الصفحة: 130
(والثاني: أنه لا يجوز) 103. فإن ثبت عدالة الشاهد، ومضى على ذلك زمان طويل، ثم شهد عند الحاكم بحق 104، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يحكم بشهادته 105. والثاني: وهو قول أبي إسحاق، أنه لا يحكم حتى يعيد السؤال عن عدالته 106. وإن ولي قضاء بلد، فهل له أن (يتتبع) 107 قضاء القاضي الذي قبله من غير متظلم؟ (فيه) 108 وجهان: أحدهما: وهو اختيار الشيخ أبي حامد رحمه اللَّه، أنه يجوز 109. والثاني: (أنه) 110 لا يجوز.
الجزء: 8 - الصفحة: 131
فإن استعدى على القاضي الأول، خصم إليه، (لم يُعِد عليه) 111 حتى يسأل عن دعواه، فإن ادعى أنه حكم عليه بشهادة فاسقين، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يحضره 112. والثاني: أنه لا يحضره حتى يقيم البينة على ذلك 113. فإن حضر وقال: ما حكمت إلا بشهادة حرين عدلين، فالقول: قوله 114، وهل يحلف؟ فيه وجهان: أحدهما: يحلف 115. فإن قال المحبوس: حبسني وأنا معسر، وأقام البينة على ذلك، فقال المدعي: إن له دارًا، وأقام البينة على ذلك، (فقال) 116 المحبوس: (هذه) 117 الدار لزيد ليست لي 118، فصدقه زيد 119، ولم
الجزء: 8 - الصفحة: 132
يكن له بينة على أن الملك له فيها، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحكم بها لزيد، كما كان له بها بينة 120.
والثاني: (أنها تباع في الدين) 121.
(فإن) 122 كان قد أوصى إلى رجل في تفرقة ثلثه، وكان فاسقًا، وكان الوصية لموصوفين، فهل يجب عليه الغرامة؟ فيه وجهان.
أحدهما: (أنه) 123 لا يغرم، كما لو كانت (لمعينين) 124.
والثاني: (أنه) 125 يغرم.
(وعلى) 126 الحاكم أن يسوي بين الخصمين في مجلسه، ولحظه، وإشارته 127، فإن كان أحدهما ذميًا، والآخر مسلمًا، ففيه وجهان.
الجزء: 8 - الصفحة: 133
أحدهما: (أنه) 128 يسوي بينهما.
والثاني: (أنه) 129 يرفع المسلم عليه.
فإن ادعى أحد الخصمين (دعوى) 130 غير صحيحة، فهل للحاكم أن يلقنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري، أنه يجوزه 131.
والثاني: لا يجوز 132.
فإن كتب الطالب دعواه في رقعة، ودفعها إلى القاضي وقال: قد أثبت دعواي في (هذه) 133 الرقعة، وأنا مطالب له بما فيها، ففيه وجهان: = المسلمين، فليعدل بينهم في لحظة، ولفظه، وإشارته، ومقعده./ في السنن الأربعة، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وكتب عمر رضي اللَّه عنه إلى أبي موسى الأشعري: آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك./ السنن الكبرى 10: 135، ولأنه إذا قدم أحدهما على الآخر في شيء من ذلك، أنكر الآخر ولا يتمكن من استيفاء حجته/ المهذب 2: 300.
الجزء: 8 - الصفحة: 134
أحدهما: أن القاضي (لا يقبل ذلك منه) 134، حتى يذكره (لفظًا) 135 بلسانه، أو من ينوب عنه، وهو قول بن سريج.
والثاني: أن القاضي يجب عليه أن يقرأها على الطالب (ويقول له) 136: هكذا تقول، (أو تدعي) 137، فإذا قال: نعم، سأل المطلوب عن الجواب، ولا يجوز أن يسأله قبل قراءتها على الطالب واعترافه (بما تضمنته) 138، فإن توجهت اليمين على المدعى عليه، فنكل عنها ردت، على المدعي، (ولا) 139 يقضي عليه بالنكول، وبه قال مالك في الأموال خاصة، (فأما ما لا) 140 يثبت إلا بشاهدين، فلا (يرد) 141 فيه اليمين، بل يحبس حتى يقر، أو يحلف.
واختلف أصحابنا فيما يستقر به (نكوله) 142 على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج، أنه يستقر بإعلامه ولو دفعة واحدة.
الجزء: 8 - الصفحة: 135
والثاني: وهو قول العراق، (أنه لا) (1) يستقر نكوله حتى يعرض عليه ثلاثًا.
واختلفوا بعد استقرار النكول (حتى) (2) يفتقر إلى حكم الحاكم بنكوله على وجهين:
أحدهما: أنه لا ترد اليمين إلا أن يقول للمنكر: (قد) (3) حكمت عليك بالنكول (مطلقًا) (4).
والثاني: (أنه) (5) يجوز أن يردها قبل الحكم بالنكول.
وقال أبو حنيفة (وأحمد) (6): (لا ترد) (7) اليمين على المدعي، بل يقضي بنكول المدعي عليه.
(وتعرض) (8) اليمين على المدعي عليه في جميع الدعاوي، وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا تعرض) 143 اليمين في النكاح، والرجعة، والفيئة في الإِيلاء، ولا في الرق والإستيلاء، والولاء، والنسب.144145146147148149150151
الجزء: 8 - الصفحة: 136
وقال مالك وأحمد: (لا تعرض) 152 اليمين (فيما) 153 لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين.
وعن أحمد رواية أخرى: أنه يستحلف في القذف (والرق والطلاق والعتق) 154.
فإن كان للمدعي شاهد واحد (فاختار) 155 إحلاف المدعى عليه، وأن لا يحلف مع شاهده، كان له ذلك، فإن نكل المدعى عليه عن اليمين، فهل (ترد) 156 على (المدعي) 157؟ فيه وجهان، وقيل: قولان:
أصحهما: أنها ترد.
والثاني: (أنها) 158 لا ترد.
فإن ردت اليمين على المدعي، فتوقف عنها من غير استمهال، ففي الحكم عليه بالنكول في يمين النكول وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري، أنه يحكم عليه بالنكول، كما حكم على المنكر بالنكول فإن رام أن يحلف بعد الحكم بنكوله، لم يلتفت إليه كالمنكر.
الجزء: 8 - الصفحة: 137
والثاني.
ذكره في الحاوي، أنه أظهر إنه لا يحكم عليه، وإن حكم على المنكر، لأنه يتعلق بنكول المنكر (حق) 159 لغيره.
واختلف قول (الشافعي) 160 في اليمين المردودة بعد النكول، هل (تجري) 161 مجرى الإقرار، أو مجرى البينة على قولين.
أصحهما: أنها تجري مجرى الإقرار (1).
والثاني: أنها تجري مجرى البينة 163. .
فإن حصل النكول في موضع (لا يمكن) 164 رد اليمين، بأن يدعي من لا وارث له على رجل دينًا، فينكر المدعي عليه، وينكل عن اليمين، ومات المدعي، فإنه لا يمكن رد اليمين على المسلمين، ففيه وجهان.
قال أبو سعيد الاصطخري: (يقضي) 165 ها هنا بالنكول.162
الجزء: 8 - الصفحة: 138
والمذهب: أنه لا يقضي بالنكول، وإنما يحبس المدعى عليه حتى يقر، أو يحلف 166. فإن قال المدعي: ليس لي بينة حاضرة، ولا غائبة، (وكل بينة تشهد لي) 167، فهي كاذبة (وطلب) 168، إحلاف المدعى عليه 169، ثم أقام البينة 170، هل (تسمع) 171؟ فيه ثلاثة أوجه أصحها: أنها تسمع 172. والثاني: أنها لا تسمع بحال 173. والثالث: أنه إن كان هو الذي استوثق (بها ولم تسمع 174، وإن كان قد استوثق له غيره سمعت) 175 176.
الجزء: 8 - الصفحة: 139
فإن شهد له شاهدان، ولم يثبت عدالتهما عند الحاكم، فسأل أن يحبس إلى أن يسأل عن عدالتهما، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو ظاهر المذهب، أنه يحبس 177.
والثاني: (أنه) 178 لا يحبس.
وإن شهد له شاهد واحد، فسأل أن يحبس حتى (يقيم) 179 شاهدًا، آخر، ففيه قولان:
أصحهما: أنه لا يحبس 180.
والثاني: أنه يحبس 181.
الجزء: 8 - الصفحة: 140
وقال أبو إسحاق: إن كان الحق مما يقضي فيه بشاهد ويمين، حبس قولًا واحدًا 182. فإن حضر رجل وادعى حقًا، وذكر أنه له في ديوان الحكم حجة، فوجد الحاكم في ديوانه تحت ختمه ما ذكر من حجته، ولم (يذكر) 183 أنه حكم به، (توقف) 184 فيه، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين، وهو قول محمد 185. وقال (ابن) 186 أبي ليلى، وأبو يوسف: يجوز أن يحكم بذلك (وسلما أن) 187 الشاهد لا يشهد (بخطه) 188 وهو الرواية الأخرى عن أحمد.
الجزء: 8 - الصفحة: 141
وإن علم الحاكم (حقًا لآدمي) 189 فهل يجوز أن يحكم بعلمه؟ فيه قولان: أصحهما: أنه يجوز أن يقضي بعلمه، وهو اختيار المزني 190. والثاني: أنه لا يجوز 191. وإن كان الحق للَّه تعالى، ففيه طريقان: أحدهما: أنه على القولين، وهو قول أبي العباس، وأبي علي بن أبي هريرة 192. = لأنه إذا كان في قمطرة تحت ختمه، لم يحتمل أن يكون إلا صحيحًا./ المغني لابن قدامة 10: 67.
الجزء: 8 - الصفحة: 142
والثاني: (وهو قول) 193 أكثر أصحابنا، أنه لا يجوز أن يحكم فيه بعلمه قولًا واحدًا 194.
وقال أبو حنيفة: إن كان قد استفاد العلم به في زمن الولاية، وبلد الولاية، جاز أن يحكم به.
وإن كان قد استفاد قبل الولاية، أو في غير بلد الولاية، لم يجز أن يحكم به 195. (فإن) 196 شهد شاهدان عند الحاكم بما يعلم الحاكم خلافه، لم يجز أن يحكم (بعلمه) 197 وهل يجوز أن يحكم بشهادة الشاهدين؟ فيه (وجهان) 198.
أحدهما: أنه يحكم بها.
والثاني: وهو الأصح أنه لا يجوز (له) 199 أن يحكم بالشهادة.
الجزء: 8 - الصفحة: 143
فأما شهادة المتوسمين، وهو أن يحضر مسافران، فيشهدان عند الحاكم وهو لا يعرفهما وليس هناك من يعرفهما، فإنه لا يحكم بها 200.
وحكي عن مالك أنه قال: إذا رأى (فيهما) 201 سيما الخير، حكم بشهادتهما 202.
وهل يجوز أن يكون القاضي (أميًا) 203 لا يكتب؟ فيه وجهان:
أحدهما: (أنه) 204 يجوز.
(والثاني: لا يجوز) 205.
فإن بدأ الحاكم بسؤال المدعى عليه بعد الدعوى، وقبل سؤال المدعي إياه ذلك (فهل) 206 يجوز؟ فيه وجهان:
الجزء: 8 - الصفحة: 144
أحدهما: أنه لا يجوز.
والثاني: أنه يجوز، وعلى هذين الوجهين إذا حكم بالبينة قبل سؤال المحكوم له الحكم بها، وإذا حكم عليه بالبينة، لم يحلف الخصم على البينة.
وقال ابن أبي ليلى: لا أحكم بالبينة حتى يحلف معها، كما لا يحكم على الغائب.
فإن سأل احلاف المدعى عليه، فحلفه، ثم أقام البينة، حكم بها 207 (وسقط) 208 حكم اليمين.
وبه قال أبو حنيفة، وأكثر الفقهاء.
وقال ابن أبي ليلى، ومالك، وأبو عبيدة وإسحاق، وداود: (لا تسمع) 209 البينة بعد اليمين، هذا إذا قال لي بينة غائبة، (وأما إذا قال) 210 لي بينة حاضرة (ولكني) 211 أسأل إحلافه، فهل يحلف؟ فيه وجهان.
أحدهما: وهو قول أبي حنيفة أنه لا يجوز.
والثاني: وهو قول أبي يوسف، والأظهر، أنه يجوز.
الجزء: 8 - الصفحة: 145
فإن تحاكم إليه من لا يعرف لغته، افتقر في الترجمة إلى عدلين، وبه قال أحمد 212. وقال أبو حنيفة: يكفي مترجم واحد 213. (وإن) 214 ادعى على غائب حقًا (وأقام) 215 عليه بينة، سمعها وحكم بها 216، وبه قال مالك، وأحمد.
الجزء: 8 - الصفحة: 146
وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري: لا يجوز الحكم على الغائب (ما لم يكن هناك خصم حاضر.
وحكي في الحاوي عن مالك: أنه قال يجوز الحكم على الغائب) 217 فيما ينقل دون ما لا ينقل.
ولا يحكم على الغائب إلا بعد إحلاف الخصم أنه لم يقبض حقه، ولا شيئًا منه، ولا أبرأ عنه، ولا عن شيء منه 218.
وقال الكرابيسي: يطالب القاضي المحكوم له بكفيل.
وقال جمهور أصحابنا: وهو قول أكثر الفقهاء، (أنه لا يجب المطالبة بكفيل) 219 إذا استعدى رجل على رجل في البلد، لزم الحاكم أن يعدي عليه، سواء علم أن بينهما معاملة، أو لم يعلم، (وبه) 220 قال أبو حنيفة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد 221.
الجزء: 8 - الصفحة: 147
قال أبو حنيفة: وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
وقال مالك: لا يعدي عليه إلا أن يعلم أن بينهما معاملة، وهو الرواية الأخرى عن أحمد وروي ذلك عن علي رضي اللَّه عنه 222.
(فإن) 223 عاد العون، (وادعى) 224 أنه امتنع، قبل قوله، وإن أخبره المستعدي، لم يقبل قوله (بشاهدي) 225 عدل.
وقال أبو حنيفة: يقبل في ذلك شهادة، شاهدين، وإن لم يعرف عدالتهما.
فإن استعدى على غائب في موضع ليس فيه حاكم، ولا نائب (عنه) 226 لم يحضره حتى (يحرر) 227 دعواه، ويذكرها، فإذا (ذكر) 228 (ما يدعيه) 229، أحضره، قربت المسافة أو بعدت = شريح وحضر المنصور عند رجل من ولد طلحة بن عبيد اللَّه./ المغني لابن قدامة 10: 54.
الجزء: 8 - الصفحة: 148
(وقال) 230 أبو يوسف: إن كان على مسافة يمكنه أن يحضر، ثم يعود إلى موضعه، أحضره وإن كان لا يمكنه العود إلى موضعه، لم يحضره، وأنفذ من يحكم بينهما هناك 231.
وحكي عن بعض الناس أنه قال: إن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، أحضره، وإن كان على مسافة تقصر فيها الصلاة لم يحضره.
وإن ادعى على خصم حاضر في البلد غير مستتر، وأقام البينة (عليه) 232 فهل يجوز للحاكم أن يحكم عليه من غير (إحضاره) 233؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يسمع الدعوى، والبينة عليه حتى يحضر.
والثاني: أن البينة تسمع، ويحكم (عليه بها) 234، وإن لم يحضره.
ويجوز أن يكتب القاضي إلى القاضي فيما حكم (به) 235 لينفذه،
الجزء: 8 - الصفحة: 149
قربت المسافة، أو بعدت، وفيما ثبت عنده من الشهادة، ليحكم (به) 236 في المسافة البعيدة، وهل يجوز في المسافة القريبة؟ .
ذكر الشيخ أبو حامد أنه يقول: في كتابه، شهد عندي (فلان ابن فلان) 237 ولا يقبله المكتوب إليه في المسافة القريبة.
وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنه قال: يجوز للمكتوب إليه أن يقبله.
= هذا والأصل في كتاب القاضي إلى القاضي، والأمير إلى الأمير كالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقول اللَّه تعالى: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ سورة النمل: 29 - 31. وأما السنة: فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كتب إلى كسرى وقيصر، والنجاشي، وملوك الأطراف، وكان يكتب إلى ولاته، ويكتب لعماله، وسعاته، وكان في كتابه إلى قيصر (بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللَّه إلى قيصر عظيم الروم، أما بعد، فاسلم تسلم، وأسلم يؤتك اللَّه أجرًا عظيمًا، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم).
وروى الضحاك بن سفيان قال: (كتب إليّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها).
أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، ورواه مالك وزاد من رواية ابن شهاب عن عمر.
قال ابن شهاب وكان قتل أشيم خطأ/ موطأ مالك 2: 190. وأجمعت الأمة على كتاب القاضي إلى القاضي، ولأن الحاجة إلى قبوله داعية، فإن من له حق في بلد غير بلده ولا يمكنه اتيانه والمطالبة به إلا بكتاب القاضي فوجب قبوله/ المغني لابن قدامة 10: 80.
الجزء: 8 - الصفحة: 150
(وقال) 238 بعض المتأخرين من أصحابه: هذا مذهب أبي يوسف ومحمد.
والذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة: أنه لا يجوز كالشهادة على الشهادة 239.
(فإن) 240 كتب الحاكم بما سمع من الشهادة على الغائب بالحق، وذكر ثبوت ذلك عنده، فإنه يجوز (ذلك) 241، وهل يكون ذكره للثبوت حكمًا؟ فيه وجهان، ذكرهما في الحاوي.
أحدهما: أنه يكون حكمًا، وهو قول أبي حامد الأسفراييني.
والثاني: (أنه) 242 لا يكون حكمًا، وهو اختيار القاضي (أبي حامد المروروذي) 243 ولا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي إلا بشهادة شاهدين عدلين يشهدان به.
ولا يكفي فيه أن يعرف المكتوب إليه خط الكاتب، وختمه، ولا يقبله بذلك 244. وحكي عن الحسن البصري، وسوار القاضي، وعبيد اللَّه بن الحسن العنبري أنهم قالوا: إذا كان يعرف خطه، وختمه،
الجزء: 8 - الصفحة: 151
قبله، وحكاه الشيخ الإمام أبو إسحاق في المهذب عن أبي ثور 245، وأبي سعيد الاصطخري من أصحابنا؟ وهو قول أبي يوسف، وإحدى الروايتين عن مالك.
وكيفية التحمل: أن يستدعي رجلين عدلين يخرجان إلى ذلك البلد، فيقرأ عليهما الكتاب (أو يقرأه) 246 غيره عليهما.
والأحوط: أن ينظر معه فيما (يقرؤه) 247، فإذا قرأه عليهما، قال: هذا كتابي إلى فلان، وقبضا الكتاب، فإذا وصلا إليه 248، قالا: هذا كتاب فلان إليك (أشهدنا) 249 على نفسه بما فيه، فإن (حكم) 250 له بالبينة، فهل يلزمه ذكر البينة في كتابه؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجب ذكرها، كما لا يجب ذكر الإقرار إذا ثبت الحق به.
والثاني: أنه يلزمه ذكر الحكم بالبينة، والقاضي بالخيار بين أن يسمي الشهود، وبين أن لا يسميهم إذا وصفهم بالعدالة، فإن لم يصفهم بالعدالة، فهل يكون ذكره (لهم تعديلًا لهم؟ ) 251 فيه وجهان.
الجزء: 8 - الصفحة: 152
فإن أخرج الكتاب إليهما، وختمه وقال: هذا كتابي قد أشهدتكما على نفسي بما فيه 252، لم يصح التحمل بذلك، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف: إذا ختمه بختمه وعنوانه، جاز أن (يتحمل) 253 الشهادة عليه مدرجًا، ويشهدان عنده، أن هذا كتاب فلان 254.
فإن مات القاضي الكاتب، أو عزل 255 بعدما أشهد على نفسه (بما) 256 كتبه، فإن المكتوب إليه، يلزمه العمل به، وبه قال أحمد 257.
الجزء: 8 - الصفحة: 153
وقال أبو حنيفة: لا يعمل به 258.
وقال أبو يوسف: إن مات قبل خروجه من يده، لم يعمل به، وإن مات بعد خروجه من (يده) 259 عمل به المكتوب إليه 260.
وتثبت حقوق الآدميين بكتاب قاضي إلى قاضي، (وتستوفى به) 261 وفي حدود اللَّه (عز وجل) 262 قولان.
وقال أبو حنيفة: لا تثبت العقوبات بكتاب القاضي إلى القاضي، وإن كانت لآدمي 263.
فإن كان كتاب القاضي، ثبوت (تلك بالبينة) 264 في عين غائبة = وعزله، وإن كان فيما ثبت عنده بشهادة فهو أصل، واللذان شهدا عليه فرع، ولا تبطل شهادة الفرع بموت شاهد الأصل/ المغني لابن قدامة 10: 86 - 87.
الجزء: 8 - الصفحة: 154
(بنقل عبد) 265، أو دابة في يد المطلوب منه، وحلاها الشهود (تحليه) 266، ويعين باسمه، وجنسه، وصفته، ففي الحكم بهذه البينة قولان:
أحدهما: وهو المنصوص عليه، وحكاه الشافعي عن أبي حنيفة، ومحمد واختاره، أنه لا يجوز الحكم بها فيما ينقل من الأعيان الغائبة، حتى يشير الشهود إليها، وهو أصح القولين.
والقول الثاني: أنه يجوز، فإذا قلنا: بالأول، ففي جواز سماعها، والمكاتبة بها قولان.
أحدهما: أنه لا يسمعها، وإن قلنا: يجوز الحكم بها.
فإذا وصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه، (فأحضر العبد) 267 وصاحب اليد، وقال: هذا العبد هو المنعوت بهذه الصفة، فإن أنكر أن يكون هو، فقد اختلف القائلون بهذا القول في الحكم على قولين.
أحدهما: وحكاه الشافعي عن ابن أبي ليلي، وهو قول أبي يوسف، أنه يختم في عنق العبد، وسلم إلى الطالب مضمونًا عليه، ليحمله إلى الشهود (ليروه) 268.
فإن كان (مكان العبد) 269 أمه، فاختلف من قال بهذا القول في تسليمها إليه، فمنع: أبو يوسف من تسليمها.
الجزء: 8 - الصفحة: 155
وابن أبي ليلى: سوى بين العبد والأمة في التسليم إليه، غير أنه أوجب في تسليم الأمة، إن تضم إلى أمين ثقة.
والقول الآخر: على مذهب القائلين، (بجواز) 270 الحكم، حكاه الشافعي رحمه اللَّه عن بعض الحكام أن ينادي القاضي على العبد، فإذا انتهى ثمنه، قال لمدعيه:
ادفع ثمنه يكون (موضوعًا) 271 على يد عدل (وخذ) 272 العبد، معك، فإن عينه شهودك حكم به القاضي لك، وكتب برد الثمن عليك، وإن لم يعينوه لك، لزمك رده، وأخذ (ما عزل) 273 من الثمن.
قال القاضي أبو الحسن المارودي: والأصح عندي من هذا كله، أن يحكم الحاكم بهذا الكتاب وما تضمنه من العبد الموصوف، (ويخير) 274 صاحب اليد (بين) 275 ثلاثة أشياء، (بين) 276 أن يسلمه بالصفة المشهود بها إلى طالبه، وبين أن يمضى بالعبد إلى القاضى الأول (ليعرضه) 277 على الشهود، فإن عينوه، سلم إلى الطالب وبين
الجزء: 8 - الصفحة: 156
أن يعدل بالطالب، إلى دفع قيمة العبد الموصوف، دون قيمة العبد الذي في يده، فإن امتنع من جميعها، لم يسقط حق الطالب، وأخذ منه قيمة العبد الموصوف، ولا يجبر على تسلم العبد الذي في يده.
وإن مات المكتوب إليه، أو عزل، أو فسق، فوصل الكتاب إلى من قام مقامه، فإنه يحكم به، وبه قال الحسن البصري 278.
وقال أبو حنيفة: (لا يعمل به) 279، وهو قول البصريين من أصحابنا.
فإن كتب قاضي إلى خليفته، ثم مات، أو عزل، فوصل الكتاب إلى المكتوب إليه، فهل يعمل به (يبني) 280 ذلك، على أن خليفة القاضي، هل ينعزل بموت (القاضي) 281، أو عزله؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا ينعزل (بموت القاضي) 282، كما لو مات الإمام، لا ينعزل قضاته.
الجزء: 8 - الصفحة: 157
والثاني: ينعزل، وهو قول أبي إسحاق، وأبي علي بن أبي هريرة، وأبي علي 283 الطبري.
وذكر الشيخ أبو نصر رحمه اللَّه: أنه يجيء على هذا، إذا قلنا: إن خليفة القاضي لا ينعزل بموته، أنه لا يكون له أن يعزله مع سلامة الحال.
فإن كتب كتابًا إلى حاكم (وأشهد) 284 على نفسه، ونسي أن يكتب اسم المكتوب إليه في العنوان، وداخل الكتاب، جاز للحاكم (المكتوب) 285 إليه سماعه، والحكم به.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يكتب اسمه في باطنه فيقول: هذا كتاب من فلان إلى فلان، (لا يكفي) 286 ذكر الإِسم في العنوان، فأما إذا لم يكن الكتاب مختومًا، فإنه يجوز له قبوله، إذا شهد به الشاهدان.
الجزء: 8 - الصفحة: 158
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: إذا (انكسر) 287 الختم، لم يقبل الكتاب 288.
قال (الرازي): 289 إنما أراد بذلك، إذا لم يحفظ الشهود ما في باطنه.
فإن وصل الكتاب إلى المكتوب (إليه) 290 فأحضر الخصم المكتوب في حقه، فذكر (أنه) 291 ليس (هو) 292 المكتوب في حقه 293، وذكر أن هناك من يشاركه في اسمه، ونسبه، وصفاته، وأثبت ذلك، غير أنه ميت فهل يقع الأشكال بذلك؟ فيه وجهان.
الجزء: 8 - الصفحة: 159
أحدهما: (أنه) 294 يقع الأشكال.
والثاني: (أنه) 295 يكون الحكم على الحي، فلا يقع الأشكال (بذلك) 296.
فإن تعين المحكوم عليه (فحكم عليه) 297، فسأل الحاكم أن يكتب له كتابًا (بما) 298 حكم (عليه) 299 به من الكتاب الواصل في حقه، فهل يلزمه ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول (أبي) 300 سعيد الاصطخري، أنه يلزمه 301.
والثاني: لا يلزمه 302، ولا يلزمه أن يدفع إليه الكتاب الذي ثبت = في جميع ما وصف به توقف عن الحكم حتى يعرف من المحكوم عليه منهما/ المهذب 2: 305.
الجزء: 8 - الصفحة: 160
(به الحق) 303، وكل من ثبت له حق بكتاب 304، فكذلك لا يلزمه تسليم (كتابه) 305 إليه.
فإن ثبت الحق عند الحاكم بالبينة، فسأله المدعي، أن يشهد على نفسه بما حكم به، فهل يلزمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه 306.
والثاني: لا يلزمه 307.
فإن سأله أن يكتب له محضرًا 308، وهو أن (يكتب) 309 له كتابًا يذكر فيه ما جري، أو مسألة أن يكتب له سجلًا، وهو أن يكتب ما في المحضر في الكتاب، وينفذ ذلك، (ويمضيه ففيه وجهان) 310.
الجزء: 8 - الصفحة: 161
أحدهما: (أنه) 311 يلزمه إذا (أحضر) 312 له قرطاسًا (يثبت فيه) 313.
والثاني: لا يلزمه 314، فأما تسمية الشهود الذين، حكم بشهادتهم في المحضر، والسجل (فرأي) 315 أكثر أهل العراق (أن ترك) 316 تسميتهم أولي، وهو أحوط للمشهود له، وهو قول أبي سعيد الاصطخري.
ورأي أكثر أهل الحجاز: أن تسميتهم (أولى وهو أحوط للمشهود عليه) 317 واختاره أبو العباس بن سريج.
فإن قال القاضي: حكمت لفلان بكذا 318، بعد ما عزل، لم يقبل إقراره 319، (وهل) 320 يكون شاهدا فيه؟ فيه وجهان:
الجزء: 8 - الصفحة: 162
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الأصطخري، أنه يكون شاهدًا 321. والثاني: وهو المذهب أنه لا يجوز 322. (وحكم) 323 الحاكم إذا كان (الباطن) 324، خلاف (الظاهر) 325، ينفذ ظاهرًا، ولا ينفذ باطنًا، وبه قال أبو يوسف، ومحمد 326. وقال أبو حنيفة: ينفذ ظاهرًا، وباطنًا في العقود، والفسوخ،
الجزء: 8 - الصفحة: 163
والطلاق 327، ولا ينفذ في الأموال، والحدود، والقصاص (باطنًا) 328.
فإن تزوج حاكم نكاحًا مختلفًا فيه باجتهاده، لم يبطله إلا حكم حاكم، (وإن) 329 تزوج رجل بفتيا، (فقيه) 330، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه (ترتفع) 331 (باستفتاء) 332 مجتهد.
والثاني: وهو قول ابن سريج، أنه (لا ترتفع) 333 إلا بحكم، وكذا الوجهان فيه، إذا (اعتقداه) 334 باجتهادهما.
الجزء: 8 - الصفحة: 164
باب القسمة
335 إذا كان في القسمة تقويم، فلا بد من اثنين 336، وإن كان
الجزء: 8 - الصفحة: 165
(فيها) 337 خرص، ففيه قولان:
أحدهما: أنه لا بد من خارصين.
والثاني: أنه يكفي (خارص) 338 واحد.
ومن أصحابنا من قال: في القسمة أيضًا قولان، كالخرص.
(فإن) 339 استأجروا من يقسم بينهم بأجرة واحدة، قسمت الأجرة (عليهم) 340 على قدر أملاكهم وبه قال أحمد 341.
وقال أبو حنيفة: يقسم على عدد رؤوسهم 342. = في أصل الروضة، وظاهر كلام المصنف أنه يكفي واحد، وإن كان فيها خرص وهو الأصح، وإن قال الإمام: القياس أنه لا بد من اثنين كالتقويم، لأن الخارص يجتهد ويعمل ياجتهاده فكان كالحاكم، والمقوم يخبر بقيمة الشيء فهو كالشاهد، ولا يحتاج القاسم إلى لفظ الشهادة، وإن وجب تعدده، لأنها تستند إلى عمل محسوس/ مغني المحتاج للخطيب الشربيني 4: 419.
الجزء: 8 - الصفحة: 166
وقال أبو يوسف، ومحمد: القياس يقسطها على عدد الرؤوس 343.
والاستحسان (تقسيطها) 344 على السهام.
فإن طلب أحدهما القسمة، (فالأجرة) 345 عليهما، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، (وأحمد) 346.
وقال أبو حنيفة: الأجرة على طالب القسمة 347.
فإن حكما رجلًا ليقسم بينهما، فهو مبني على القولين في التحكيم.
- فإن قلنا: يصح، كان على الشرائط في القاسم من جهة القاضي، وإذا قسم وأقرع، فهل (يلزم) 348 ذلك؟ فيه وجهان.
وإذا لم يكن في القسمة رد، ففيها قولان 349:
الجزء: 8 - الصفحة: 167
أحدهما: أنها بيع 350. والثاني: أنها (فرز) 351 النصيبين.
- فإذا قلنا: أنها بيع، جازت فيما يجوز فيه البيع، وامتنعت فيما لا يجوز فيه 352، ويعتبر (فيه) 353 ما يعتبر فيه من التقابض، والتساوي فيما فيه الربا.
فإن كان بعض الأرض وقفًا، فأرادوا القسمة، وقلنا: إنها بيع، لم يصح.
(وإن) 354 قلنا: أنها (فرز) 355 النصيبين، (جاز) 356.
الجزء: 8 - الصفحة: 168
(وإن) 357 كان فيها رد من جهة أهل المطلق، لم (تصح) 358 القسمة.
وإن طلب أحدهما القسمة، وامتنع الآخر 359، وكان فيها ضرر على الممتنع، دون الآخر، أجبر عليها.
وقال أبو ثور: لا يجبر 360.
وقال ابن أبي ليلى: يباع ويقسم (ثمنه) 361 بينهما.
وفيما يعتبر دخول الضرر، فيه وجهان:
الجزء: 8 - الصفحة: 169
أحدهما: وهو قول أبي حنيفة، وظاهر قول الشافعي أنه نقصان المنفعة، وإلا اعتبار بنقصان القيمة.
والثاني: أنه يعتبر كل واحد منهما من نقصان المنفعة، ونقصان القيمة، وهو أشبه.
(فإن) 362 كان على الطالب (للقسمة) 363 ضرر، فالظاهر من كلامه، أنه لا يجبر الآخر عليها 364.
ومن أصحابنا من قال: يجبر، وبه قال أبو حنيفة 365.
والأوص: أصح.
وإن كان بينهما (عضائد) 366 متلاصقة، (فطلب) 367 أحدهما،
الجزء: 8 - الصفحة: 170
(قسمها) 368 أعيانًا، وطلب الآخر قسمة كل واحد (منها) 369، (ففيه) 370 وجهان:
أحدهما: أنه (تقسم) 371 أعيانًا.
والثاني: أنه (يقسم) 372 كل واحدة (منها) 373.
وإن كان (بين) 374 ملكيهما عرصة حائط، فأراد أحدهما قسمتها عرضًا في كمال الطول 375.
أصحهما: أنه يجبر 376.
والثاني: (أنه) 377 لا يجبر.
الجزء: 8 - الصفحة: 171
(إن) 378 كان بينهما حائط، فأراد أحدهما (قسمته) 379 في نصف الطول وكمال العرض، وامتنع الآخر فهل يجبر عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجبر، وهو الأصح 380.
والثاني: (أنه) 381 يجبر.
فإن كان بينهما أرض مختلفة الأجزاء، بعضها عامر، وبعضها خراب، أو بعضها ضعيف وبعضها قوي، أو بعضها فيه شجر، (وبعضها فيه بياض) 382، ولم يمكن التعديل بينهما في الجيد 383، = ربما صار بهما مال كل واحد منهما إلى ناحية ملك الآخر، ولا ينتفع به، وكل قسمة لا تدخلها القرعة لا يجبر عليها كالقسمة التي فيها رد/ المهذب 2: 308.
الجزء: 8 - الصفحة: 172
والرديء، وأمكن أن يقسم قسمة تعديل، بالقيمة بأن تكون الأرض ثلاثين جريبًا، والدون عشرون جريبًا، ويكون عشرة أجربه من جيدها بقيمة عشرين (جريبًا) 384 من رديها، فدعا إلى ذلك أحد الشريكين، وامتنع الآخر، ففيه (قولان) 385.
أحدهما: (أنه) 386 لا يجبر.
والثاني: (أنه) 387 يجبر، فعلى هذا في أجرة القاسم وجهان:
أحدهما: أنه يجب على كل واحد منهما نصف الأجرة 388.
والثاني: أنه يجب على (صاحب العشرة ثلث الأجرة وعلى) 389 صاحب العشرين ثلثاها 390.
فإن كان في القسمة، رد مع التساوي في (الزرع) 391 بأن يكون الشجر والبناء في جانب من الأرض، فيقسم الأرض بينهما نصفين،
الجزء: 8 - الصفحة: 173
ويجعل للشجر (والبناء) 392 قيمة، (فإن) 393 كانت قيمته ألف درهم، فيجب على من حصل له جانب الشجر، والبناء، ألف درهم، يدفعها إلى صاحبه، فإن تراضيا عليها، جاز.
وقال مالك: إن كان الرد فيها قليلًا جاز، وإن كان كثيرًا، بطلت القسمة.
فإن تنازعا، وطلب كل واحد منهما الأعلى، وتراضيا بالقرعة، (فيه) 394 وجهان:
أحدهما: أنه لا يجوز.
والثاني: أنه يجوز تغليبًا لحكم (المراضاة) 395 فعلى هذا: إن كان القاسم من قبل الحاكم، فلا خيار لهما بعد القرعة، وإن كان من قبلهما، ثبت لهما بعد القرعة الخيار، وفي الخيار وجهان:
أحدهما: أنه خيار عيب، فيكون على الفور.
والثاني: أنه خيار مجلس.
فإن (اقتسما) 396 ملكًا، ولم يكن لواحد منهما طريق يختص بها، فإنهما يخرجان طريقًا من ملكهما، واختلف في سعته.
وقال أبو حنيفة: (يكون) 397 سعته بقدر ما يدخل فيه
الجزء: 8 - الصفحة: 174
(الحمولة) 398، ولا يضيق (عنها) 399.
وعندنا: يعتبر ما تدعو الحاجة إليه في الدخول، والخروج على ما جرت العادة به.
(فإن) 400 كان بينهما (عبيد) 401 (أو ماشية) 402، أو أخشاب، (فطلب) 403 أحدهما قسمتها أعيانًا، وامتنع الآخر 404 (وكانت) 405 متماثلة، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق، وأبي العباس، وأبي سعيد الاصطخري، أنه يجبر (الممتنع) 406 وهو ظاهر المذهب 407.
والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران، وأبي علي بن أبي
الجزء: 8 - الصفحة: 175
هريرة، أنه لا يجبر الممتنع 408، (كالدور) 409 فإن تقاسم الوارثان التركة، ثم ظهر دين على التركة، فإنه (يبنى) 410 على الوجهين في بيع التركة، قبل قضاء الدين.
- فإن قلنا: إن القسمة (فرز) 411 النصيبين، لم تنقض القسمة.
- وإن قلنا: أنها بيع، كانت على الوجهين.
فإن كان بينهما علو وسفل، فطلب أحدهما أن يقسم بينهما، فيجعل السفل لأحدهما، والعلو للآخر، وامتنع الآخر لم (يجبير) 412 عليه.
وقال أبو حنيفة: يقسمه الحاكم، ويجعل ذراعًا من السفل، بذراعين من العلو 413.
الجزء: 8 - الصفحة: 176
وقال أبو يوسف: ذراع بذراع 414.
وقال محمد: يقسمه بالقيمة 415.
فإن اختلفا بعد القسمة (في بيت) 416، فادعى كل واحد (منهما) 417 (أنه) 418 من سهمه (ولا بينه) 419، تحالفا، (ونقضت) 420 (القسمة) 421.
وقال مالك: القول: قول صاحب اليد.
إذا كان بينهما أرض فيها زرع مشترك بينهما، (فأرادا) 422 قسمته، وهو زرع أخضر، لم ينعقد فيه الحب.
الجزء: 8 - الصفحة: 177
فقد حكى الشيخ أبو حامد: أنه لا يجبر الممتنع على قسمته.
وذكر القاضي أبو الطيب رحمه اللَّه: أنا (إن) 423 قلنا: إن القسمة بيع، لم يجز، وإن قلنا: إنها (فرز) 424 النصيبين، جاز (وهذا أصح) 425.
فإن استحق بعض المقسوم مشاعًا، كأنهما اقتسما نصفين، فخرج الثلث من الجميع مستحقًا، فقد اختلف أصحابنا.
فقال أبو علي بن أبي هريرة: (تبطل) 426 القسمة في النصيب المستحق، (ويكون) 427 في الباقي القولان في تفريق الصفقة 428.
وقال أبو إسحاق: تبطل القسمة قولًا واحدًا في الجميع.
إذا كان بينهما داران، فطلب أحدهما أن يجعل إحداهما نصيبًا، والأخرى نصيبًا، وامتنع الآخر، لم يجبر.
ولا فرق بين أن يكونا متجاورتين، أو متفرقتين، أو إحداهما
الجزء: 8 - الصفحة: 178
حجرة الأخرى، وبه قال أبو حنيفة إلا إذا كانت إحداهما (محجرة) 429 (للأخرى) 430 فيجعل إحداهما، أحد النصيبين فيجوز 431.
وقال أبو يوسف، ومحمد: إذا رأى الحاكم أن يجعل إحدى الدارين نصيبًا، جاز 432.
وحكي عن مالك أنه قال: إن كانتا متجاورتين، جاز 433، وإن كانتا متفرقتين، لم يجز.
وأما إذا كانت أقرحه 434.
فقد قال أبو إسحاق في الشرح: إذا كانت متجاورة، جرت مجرى القراح الواحد، وجاز أن يجعل القراح في نصيب، وقراح في نصيب.
الجزء: 8 - الصفحة: 179
وقال غيره من أصحابنا: يجرى مجرى القراح الواحد إذا كان (شربها) 435 (واحدًا) 436، وطريقها (واحدًا) 437.
فأما ذا كان لكل واحد (منهما) 438 شرب منفرد، وطريق منفرد، فهو كالأقرحة، لا يقسم بعضها في بعض في قسمة الإجبار، وهذا أشبه.
.
وأما الحيوان، فإن كان أجناسًا، لم يقسم قسمة إجبار، وإن كان جنسًا واحدًا، فإنه يقسم قسمة إجبار على قول أكثر أصحابنا، ، خلافًا لأبي علي بن خيران.
والرقيق يقسمون قسمة إجبار، لا يختلف المذهب فيهم 439، وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
وفرق ابن خيران: بين الرقيق، وبين سائر الحيوان، فإن الرقيق
الجزء: 8 - الصفحة: 180
يجب تكميل (الجزية) 440 فيهم.
وقال أبو حنيفة: الرقيق لا يقسمون إِجبارًا 441.
إذا كان بين اثنين، أو (جماعة) 442 دار، فرفعوا أمرهم إلى الحاكم وسألوه أن يقسم بينهم، ففيه طريقان.
من أصحابنا من قال: لا يقسمها حتى يثبت ملكهم عليها قولًا واحدًا، وقول الشافعي رحمه اللَّه، قد قيل: إنه يقسمها، إنما هو حكاية قول غيره.
ومنهم من قال: فيها قولان:
أحدهما: أنه لا يقسمها حتى يثبت ملكهم.
والثاني: (أنه) 443 يقسمها، وهو قول أبي يوسف، ومحمد، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إن كان غير العقار، قسم، وإن كان عقارًا ولم ينسبوه إلى ميراث، قسمه، (بينهم) 444، وإن نسبوه إلى ميراث لم (يقسمه) 445.
الجزء: 8 - الصفحة: 181
إذا ادعى أحد الشريكين القسمة، وأنكر الآخر، فشهد القاسم مع آخر، فإن شهادة القاسم لا تقبل.
وقال أبو سعيد الاصطخري: (إن كان بغير أجرة) 446، قبل.
وقال أبو حنيفة: يقل سواء كان بأجرة، أو بغير أجرة.
(فإن طلب) 447 المهايأة وهو أن يجعل (بعض الدار) 448 لهذا يسكنها، وبعضها للآخر، وكذلك الأرض في الزراعة، لم يجبر (الممتنع) 449 منهما عليها.
وقال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك: يجبر الممتنع منهما (عليها) 450.
فإن طلب أحدهما القسمة، كان له (وانتقضت) 451 المهايأة (في قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك يلزم المهايأة) 452.
فإن طلب أحدهما أن يسكن (الدار) 453 شهرًا، والآخر شهرًا (لم يجبر) 454 الممتنع منهما وحكي فيه وجه آخر.
أنه يجبر عليها.
الجزء: 8 - الصفحة: 182
وإذ اتفقا على المهايأة، كانت منفعته (في) 455 مدة كل (واحد) 456 منهما له، ويختص بكسبه، فإن حصل له (كسب نادر) 457 فهل يدخل في المهايأة؟ فيه قولان.
وقال أبو حنيفة خاصة في (العبد) 458 لا يجبر على المهايأة.
الجزء: 8 - الصفحة: 183