الْفَصْل الْعَاشِر فِي ذكر جمل من بركاته ومعجزاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَمن ذَلِك مَا اشْتهر وَصَحَّ أَنه وَقع فزع بِالْمَدِينَةِ فَركب فرسا لأبي طَلْحَة بطيئا فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لأبي طَلْحَة وجدنَا فرسك بحرا يُرِيد كثير الجرى كالبحر قَالَ فَكَانَ ذَلِك الْفرس لَا يجارى ونخس جمل جَابر وَكَانَ قد أعيا فنشط حَتَّى كَانَ مَا يملك زمامه وصنع مثل ذَلِك بفرس لجميل الْأَشْجَعِيّ خفقها بمخفقة مَعَه وَترك عَلَيْهَا فَلم تملك رَأسهَا نشاطا وَبَاعَ من بَطنهَا بإثنى عشر ألفا وَكَانَت شعيرات من شعر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قلنسوة خَالِد بن الْوَلِيد فَلم يشْهد بهَا قتالا إِلَّا رزق النَّصْر وَكَانَت جُبَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تغسل للمرضى بعد مَوته فيستشفى بهَا وَأخذ جَهْجَاه قضيب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليكسره فَأَخَذته فِي يَده أكله فقطعها وَمَات قبل الْحول وسكب من فضل وضوئِهِ فِي بِئْر قبَاء فَمَا جف مَاؤُهَا بعد وبزق فِي بِئْر كَانَت فِي دَار أنس فَلم يكن بِالْمَدِينَةِ أعذب مِنْهَا وَمر على مَاء فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل اسْمه بيسان وماؤه ملح فَقَالَ بل هُوَ نعْمَان وماؤه طيب فطاب وأوتى بِدَلْو من مَاء زَمْزَم فمج فِيهِ فَصَارَت أطيب من الْمسك وَأعْطى الْحسن وَالْحُسَيْن لِسَانه فمصاه وَكَانَا يَبْكِيَانِ عطشا فرويا وسكتا وَكَانَت لأم مَالك عكة تهدى فِيهَا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سمنا فَأمرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تعصرها ثمَّ دَفعهَا
إِلَيْهَا فَإِذا هِيَ مَمْلُوءَة سمنا فيأتيها بنوها يسألونها الْأدم وَلَيْسَ عِنْدهم شَيْء فتعمد إِلَيْهَا فتجد فِيهَا سمنا فَكَانَت تقسم أدمها حَتَّى عصرتها وَكَانَ يتفل فِي أَفْوَاه المراضع فيجزيهم رِيقه إِلَى اللَّيْل وَمن ذَلِك بركَة يَده فِيمَا لمس أَو غرس غرس لسلمان ثَلَاثَة مائَة ودية وَكَانَ كَاتب موَالِيه على ثَلَاث مائَة نَخْلَة وعَلى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة فغرسها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَدِهِ إِلَّا وَاحِدَة فأطعمت من عامها إِلَّا تِلْكَ الْوَاحِدَة فقلعها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وغرسها فأطعمت من عامها وَأَعْطَاهُ مثل بَيْضَة الدَّجَاجَة من ذهب بعد أَن أدارها على لِسَانه فوزن مِنْهَا أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة لمواليه وَفِي حَدِيث حَنش بن عقيل قَالَ سقاني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شربة من سويق شرب أَولهَا وشربت آخرهَا فَمَا زلت أجد شبعها إِذا جعت وريها إِذا عطشت وبردها إِذا ظمئت وَأعْطى قَتَادَة بن النُّعْمَان وَصلى مَعَه الْعشَاء الْأَخِيرَة فِي لَيْلَة مظْلمَة مطيرة عرجونا فَقَالَ انْطلق فَإِنَّهُ سيضىء لَك من بَين يَديك عشرا وَمن خَلفك عشرا فَإِذا دخلت بَيْتك فسترى سوادا فَاضْرِبْهُ حَتَّى يخرج فَإِنَّهُ الشَّيْطَان فَانْطَلق فأضاء لَهُ العرجون حَتَّى دخل بَيته وَوجد السوَاد فَضَربهُ حَتَّى خرج وَمِنْهَا دَفعه لعكاشة جذل حطب وَقَالَ لَهُ اضْرِب بِهِ حِين انْكَسَرَ سَيْفه يَوْم بدر فَعَاد فِي يَده سَيْفا صَارِمًا طَوِيل الْقَامَة أَبيض شَدِيد الْمَتْن فقاتل بِهِ ثمَّ لم يزل عِنْده يشْهد بِهِ المواقف إِلَى أَن اسْتشْهد فِي قتال أهل الرِّدَّة وَكَانَ هَذَا السَّيْف يُسمى العون وَكَذَلِكَ دفع لعبد الله بن جحش يَوْم أحد وَقد ذهب سَيْفه عسيب نخل فَعَاد فِي يَده سَيْفا وَمن ذَلِك بركته فِي درور الشياه الحوائل اللَّبن الْكثير كقصة شَاة أم معبد وَهِي قصَّة مَشْهُورَة وَكَذَلِكَ غنم حليمة مرضعته
وَقد تقدم ذكره وَكَذَلِكَ قصَّة شَاة عبد الله بن مَسْعُود وَكَانَ لم ينز عَلَيْهَا فَحل قطّ وَكَذَلِكَ شَاة الْمِقْدَاد وَمن ذَلِك تزويده أَصْحَابه سقاء مَاء بعد أَن أوكاه ودعا فِيهِ فَلَمَّا حلاه إِذا بِهِ لبن طيب وزبده فِي فَمه وَمسح على رَأس عُمَيْر بن سعد وَبَارك فَمَاتَ وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ فَمَا شَاب وَقد روى مثل هَذِه الْقَصَص وَمن ذَلِك أَن عتبَة بن فرقد كَانَ يُوجد لَهُ طيب يغلب طيب نِسَائِهِ لِأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مسح بِيَدِهِ بَطْنه وَيَده وسلت عَن وَجهه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عايذ بن عَمْرو الدَّم يَوْم أحد فَدَعَا لَهُ فَكَانَت لَهُ غرَّة كغرة الْفرس وَمسح صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على رَأس قيس بن زيد الجذامي ودعا لَهُ فَهَلَك ابْن مائَة سنة وَرَأسه أَبيض وَمَوْضِع كف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسود فَكَانَ يدعى الْأَغَر وَمسح وَجه رجل آخر فَمَا زَالَ على وَجهه نور وَمسح وَجه قَتَادَة بن ملجان فَكَانَ لوجهه بريق حَتَّى كَانَ ينظر فِي وَجهه كَمَا ينظر فِي الْمرْآة وَوضع صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَده على رَأس حَنْظَلَة بن خديم وَبَارك عَلَيْهِ فَكَانَ حَنْظَلَة يُؤْتى بِالرجلِ قد ورم وَجهه وَالشَّاة قد ورم ضرْعهَا فَيُوضَع على مَوضِع كف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيذْهب الورم ونضح فِي وَجه زَيْنَب بنت أم سَلمَة نضحة من مَاء فَمَا كَانَ يعرف فِي وَجه امْرَأَة من الْجمال مَا كَانَ بهَا وَمسح على رَأس صبي بِهِ عاهة يَعْنِي قرعا فبرأ واستوى شعره وَكَذَلِكَ مسح على غير وَاحِد من الصّبيان المرضى والمجانين فبرؤا وَلأَجل هَذَا قَالَ طَاوُوس لم يُؤْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأحد بِهِ جُنُون فصك فِي صَدره إِلَّا ذهب ذَلِك الْجُنُون وَأَتَاهُ رجل آدر فَأمره أَن ينضحها بِمَاء من عس مج فِيهِ فَفعل فبرأ وَمن ذَلِك خَبره الْمَشْهُور عَن تُرَاب يَوْم حنين وَذَلِكَ أَنه لما اشْتَدَّ الْقِتَال بَينه وَبَين الْكفَّار ذَلِك الْيَوْم أَخذ غرفَة من تُرَاب وَرمى بهَا وُجُوه الْكفَّار وَقَالَ شَاهَت الْوُجُوه فَمَا بقى مِنْهُم أحد إِلَّا أصَاب من عَيْنَيْهِ
من ذَلِك التُّرَاب فَهَزَمَهُمْ الله وَرَجَعُوا على أَعْقَابهم يمسحون عَن أَعينهم وَمن ذَلِك الْخَبَر الْمَشْهُور عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ كثير النسْيَان فَأمره ببسط ثَوْبه فغرف بِيَدِهِ ثمَّ أمره بضمه فَفعل فَمَا نسى شَيْئا بعد وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة جدا تفوق الْحصْر